شرح العروة الوثقى

لآية الله العظمى

الشيخ كاظم الشيرازي

(قدس سره)

تقريرات آية الله العظمى

الشيخ علي كاشف الغطاء

تحقيق

كريم الكمولي

العراق ـ النجف الأشرف

1435هـ ـ 2014م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد
أحكام التقليد والاجتهاد

المسألة الاولى: يجبُ على كُلَّ مكلَّفٍ في عباداتِهِ وُمعاملاتهِ أنْ يكونَ مجُتَهداً أو مُقلِّداً أو محُتاطاً([1]).

((هذه قضيّةٌ منفصلة حقيقية بالنسبة لتكليف خاص، أو الواجب عليه هو واحد منها، وأمّا بالنسبة إلى مطلق التكاليف فهي مانعة خلو)).

وذلك لاستقلال العقل بوجوب الخروج عن عهدة ما عُلِمَ الاشتغالُ به إجمالاً وتفصيلاً, ولا يحصل إلاّ بأحدها.

لا يقال: علمُهُ الإجمالي ينحلُّ بعد علمهِ التفصيليّ بالتكليف في موارد فلا يبقى مجالٌ لقاعدة الاشتغال إلاّ في تلك الموارد المعلومة, هذا مع أنّه إنْ تمَّ فإنمّا يتمُّ في العبادات دونَ المعاملات؛ إذ لا تكليف فيها.

لأنّا نمنع من انحلال العلم أولاً لثبوته بعد العلم التفصيلي بالتكليف فبموارد غير تلك الموارد أيضاً.

سلَّمنا لكنّ الشكّ البدويّ في المقام يقتضى الاشتغال؛ لوجوب تحصيل المؤمَِّنِ عقلاً.

والبراءة مع عدمِ الفحص غيرُ جارية, لا أقلَّ من احتمال عدم جريانها فلا يستقلُّ العقل بالبراءة, ولا عُلِم من الشرع الحكمُ بها, فيبقى احتمال الخطر غير مأمونٍ, ومعه يستقلُّ العقلُ بالاحتياط والاشتغال, هذا في الواجبات التكليفية, تعبدية أو توصلية, وأمّا في المعاملات فاحتمالُ بقاء المال على ملكِ مالكِهِ, بل كونُ مقتضى الأصل ذلك يَقتضي عَدَمَ جوازِ التصرُّفِ فيه حتى يُعْلَمُ بالانتقال, فهي أيضاً راجعة إلى احتمال التكليف التحريمي الناشئ من احتمال بقاء المال على ملك مالكه الأوّل.

وبالجملة لا يحتاج في إثبات هذا الوجوب إلى اثبات العلم بالاشتغال, بل احتماله المقرون باحتمال العقاب؛ لعدم المؤمَِّن كاف.

وَمِنْ ذلِك يَظهَر أنّ الأوفق تقييده بغير اليقينيات, كما يأتي التصريح به في المسألة السادسة, إلا أنْ يرجع اليقين فيها إلى الاجتهاد, بل ينبغي الإشارة إلى أنّ الوجوب المزبور عقليٌٍّ إرشادي إلى وجوب تحصيل الفراغ عن الواقعيات

ففي المقام إشكالات:

أحدها: إنّ الوجوبَ لم يعاقب عليه, بمعنى: إنّ الإنسان إذا لم يكن مجتهداً ولا محتاطاً ولا مقلداً وطابق عمله الواقع لا عقاب عليه.

والثاني: إنَّ الضروريات لم تكن من الأقسام الثلاثة.

الثالث: إنَّ الواجب أولاً عقلاً هو الاجتهاد بتعيين وظيفته من تقليدٍ أو احتياطٍ أو اجتهاد, والتحقيق: إنّه في هذا الوقت الواجبُ التقليدُ؛ لعسر أخويه.

الرابع: يُستَثْنى من هذه القاعدة التكاليف التي لا يحتمل تَنَجُّزُها والعقاب عليها.

المسألة الثانية: الأقوى جَوازُ العَمَلِ بالاحتياطِ مُجتهداً كانَ أو لا, لكنْ يجبُ أنْ يكونَ عارفاً بكيفيّةِ الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد.

الظاهر أنَّ نظرَهُ في هذه المسألة إلى أنْ جوازَ الاحتياطِ غيرُ مُختَصًّ بالمجتهدين, بل هو جائزٌ حتَّى بالنسبة إلى المقلَِّد وإنْ كانَ يَجبُ عليه أنْ يكون مُجتهداً في جَوازِهِ أو مُقلَّداً؛ إذ ليس جوازُهُ من القطعيّات والضَّروريات.

وكيف كان فالعاميُّ إنْ عَرَفَ كيفيّةَ الاحتياطِ يكونُ كالمجتهد في جوازهِ بالنسبة إليه، من غيرِ فرقٍ بين أنْ يتمَكَّنَ مع عَدَمِ الاحتياطِ من العلمِ التّفصيليّ بالحكم أو الإجمالي، فضلاً عمَّا إذا لا يتمكَّن إلاّ مِنْ تحصيل الظّن، ولَعَلَّ جَوَازَ الاحتياطِ مَع فَرْضِ كونِهِ احتياطاً مِن القَضَايا التي قياساتُها مَعَها، ومَنْ يَمْنَعْ عنه فهو ينظرُ إلى أنَّ الاحتياطَ غيرُ متحقِّق؛ لأنه يَعتبرُ الجَزْمَ بالأمر أو الوجه، فمعَ عدمِ حُصولِهِ لا يكفي العَمَلُ عن الواقع، فلا يكون احتياطاً، وكذا لا أظنُّ أنْ يكونَ لجواز الاحتياط في غير العبادات مخالفٌ حتَّى إذا توقَّفَ على التَّكرار فَضْلاً عمَّا إذا لم يتوقف؛ إذ مَنْ يمنع عنه يمنع عن كونِهِ احتياطاً؛ لأنَّ كيفيّةَ كونِ الشيء احتياطاً يختلِفُ بحسب الأنظار، ولذا ذكر في المتن أنَّه يجبُ أنْ يكونَ العامّي عارفاً بكيفية الاحتياط))، وسيجيء إنْ شاءَ اللهُ أنَّهُ يجبُ أنْ تكونَ معرفته بها ناشئة من اجتهاد أو تقليد.

ولأجل ما مَرَّ من اختلافِ الاحتياطِ بِحسبِ المواردِ قد يكونُ الاحتياطُ في الفعلِ وقد يكونُ في الترك، كما ذكره في:

المسألة الثالثة: قد يكونُ الاحتياطُ في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً وكان قاطعاً بعدم حرمته، وقد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعاً بعدم وجوبه، وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التّكرار كما إذا لم يعلم أنَّ وظيفَتُه القصر أو التمام.

وأنه[2] قد يكون في الجمع، وسيجيء إنْ شاءَ الله أنّه قد يختلف في الشيء الواحد بحسب الخصوصيات، فقد يكون الاحتياط بفعله، وقد يكون بتركه.

وكيف كان فما ذكرنا من أنَّ النَظَرَ في هذه المسألة إلى جواز الاحتياط غيرُ مختصٍ بالمجتهد ظَهَرَ أنَّ الفرق[3] بين هذه المسألة والمسألة الرابعة ليس بمجرد الإطلاق والتقييد حتّى يتوهَّم فيها التّكرار؛ إذ يكفي التّصريح بالاطلاق في هذه المسألة عن التعرض لتلك.

المسألة الرابعة: الأقوى جوازُ الاحتياط ولو كانَ مُستلزِماً للتّكرار وأمكن الاجتهاد أو التقليد.

منشأ الشُّبْهَةِ في الاحتياط إذا توقَّفَ على التّكرار حتَّى في ما إذا كان الجَزْمَ بالأمر فيه محفوظاً، كما إذا عَلِمَ بالأمرِ وشَكَّ في كيفِيَّةِ المأمور به على وجهٍ لا يَجْمعها واحد هو نَقْلُ جَمَاعَةِ الإجماعَ على المنع عنه، فإنْ ثَبَتَ الإجماع فهو، وإلا فالمرجع هو الأصل والقاعدة.

ومُحَصَّلُ الكلام فيه: إنَّ مع العِلْمِ بأعَمِّيَّةِ متعلَّق الأمرِ مِن مُحَصَّلِ الغَرَض كَما في جُلِّ العِبادات، وحكم العقل مستقلاً بوجوبِ الإتيانِ بِها على وَجهٍ يحصلُ بهِ غَرَضُ المولى لوجوب تحصيل الغرض عليه مستقلاً أو لحكمه بعدم حصول الامتثال وسقوط الأمر إلاّ بذلك يَتَعيّنُ الاحتياط بإتيان المأمور به على وجهٍ يحصلُ له العلم بحصولِ غَرَضِ المولى وسقوطِ أمره، فيجبُ الإتيان به جازماً بالأمر تفصيلاً قاصداً لوجهه مُتقرِّباً به مميّزاً لواجباته عن مستحبّاته، وهكذا، إلاّ أنْ يقومَ دليلٌ اجتهاديَ على عدمِ وجوبِ بعض هذه الأمور، وإلاّ فمَعَ عدمِ الإطلاق في دليلِ التّكليفَ كما هو المفروضَ فما كان من العوارض المتأخّرة وكان الواجبُ إسقاط الأمر وإتيان محصّل غرض المولى لا مجالَ إلاّ للاحتياط.

نعم إنْ قامت بيّنةٌ شرعيّة ودليلٌ معتبرٌ على عدمِ اعتبار شيءٍ منها لم يجب الاحتياط من جهةٍ، كما قد يُدَّعى الإطلاقُ السكوتيُّ في أوامر العبادات بالنسبة إلى قصد الوجه والتميز.

وتوضيحه: في مسقط غرض المولى وأمرِهِ به إنْ لم يَكُنْ أمراً رَاجعاً إلى العُرْف بل كان من خُصوصيّاتِ المولى ومجعولاتِهِ بحيثُ لم يكن لغيرِهِ طريقٌ اليه وكان مما تغفل عنه العامّة ولا يلتفتون اليه حتّى يحصل لهم الشكّ فيحكم عقلهم بالاحتياط حتّى يمكن أنْ يقال فيه بأنَّ بيانه موكولٌ إلى العقل لإستقلاله بالاحتياط عند الشك وَجَبَ على الشرع بيانه، وإلاّ لأخلَّ بغرضه، وخالف اللطف الواجب عليه؛ إذ عَدَمُ بيانِ ما هو دخيلٌ في تحصيل غرضِهِ وإطاعته لا ينقص عن سكوتِهِ عن أصلِ التكاليف فمَعَ عَدَمِ وصول بيانه إلينا يجزمُ بعَدَمِهِ؛ إذ لو كان مثل ذلك لبان، فيحكم بعدم دخله، ولكنّا لمَّا لَمْ نَعْلَمْ للمولى غَرَضٌ من العبد بسيطٌ حَتَّى يحكم العقل بوجوبِ تحصيله عليه، بل احتملنا أنْ يكونَ تمام غرضه في العبادات مجَرَّد الطاعة وإتيان الفعل بداعي الأمر نستريحُ مِن الاشتغال من هذه الجهة؛ لأنّه مبنيٌّ على أنْ نَعْلَمْ أنَّ له منّا غَرَضٌ غيرُ متعلَّق أمرِهِ حتّى نقع من أجل حُكْمِ العقل بوجوب تحصيل غرضه في كُلْفَةِ الاحتياط لكنّا نحتمل جدّاً أنْ لا يكون له غرضٌ سوى الإطاعة وإتيانُ متعلِّق الأمر بداعي أمرهِ، فإنَّ هذا المعنى معلومُ الوجوب في ما كانَ من العبادات والشكّ في وجوبٍ أزيد منه والأصل البراءة منه.

ودعوى أنّ حصول الامتثال وسقوط الأمر عقلاً مبنيٌّ على إتيان متعلّقه على وجهٍ مُسقطٍ لغرضه، فمع احتمال أنْ يكونَ له غَرَضٌ وجب الإتيانُ به على وجهٍ يسقط به لو كان.

فمدفوعةٍ بأنه لا يحتاج إلى سقوط الأمر إلى أزْيَدِ مِن إتيان متعلّقه؛ إذ لو بقي مع حصولِ متعلّقه لزم تحصيل الحاصل.

نعم لو فرض عدم حصولِ الغَرَضِ من الأمر للعلم به يحدث أمراً آخراً لوجود مناطه، ومع الشكّ فالأصل عدمه.

فتلخَّصَ أنّ اقتضاء القاعدة الاحتياط بإتيان كل ما يُحتمل دخله في الامتثال مبنيٌ على أحدِ أمرين، وكلاهما ممنوعان، وحينئذٍ فلم يبقَ ما يقتضي عدم القناعة بالاحتياط بالتكرار بعد وضوحِ صدقِ الإطاعة سوى الإجماعات المنقولة والسيرة المدفوعان، ولم يثبتْ شيءٌ منهما، فالتحقيقُ جوازُ الاحتياط بالتّكرار ما دام تصدق الإطاعة.

المسألةُ الخامسة: في مسألة جواز الاحتياط يَلْزَمُ أنْ يكون مجتهداً أو مقلّداً لأنَّ المسألة خلافية.

لعلَّ غرضه من التعليل أنّ هذه المسألة ليست من الضّروريات أو اليقينيات حتّى لا يحتاج إلى الاجتهاد والتقليد، ولو قيّد ذلك بما إذا احتملَ عَدَمَ جوازِهِ كان أولى؛ لأنّ المدرك في استراحة نفس العامّي حصول المؤمِّن لهُ عقلاً، فإذا احتمل عَدَمَ جوازه لا يحصل له المؤمِّن، ومع عدم احتماله كانَ لهُ مؤمِّن، فيكونُ هو المناطُ دون وجود الخلاف في الواقع.

وبهذا يظهرُ لكَ الوجه في المسألة السادسة حيثُ أنّ اليقينيات التي حُكم فيها بعدم وجوبِ الاجتهاد والتقليد فيها ليس خصوص الإجماعيات، بل كلِّ ما لم يحتمل العبد فيه الوقوع في خلاف الواقع.

المسألة السادسة: في الضَّروريات لا حاجةَ إلى التقليد كوجوبِ الصَّلاة والصَّوم ونحوهما، وكذا في اليقينيّاتِ إذا حَصَلَ لهُ اليقينُ، وفي غيرهما يجبُ التقليد إنْ لم يكن مُجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط، وإنْ أمْكَنَ تَخَيَّر بينَهُ وبينَ التقليد.

حاصله: إنَّ وجوبَ التقليد عَيْناً يتوقَّفُ على وجودِ شَرْطين:

 أحَدهما: عدمُ كونِهِ مُجتهداً.

وثانيهما: عَدَمُ إمكانِ الاحتياط فمَعَ انتفاءِ الأوّل يتعيّنُ عليه الاجتهاد، ومع انتفاءِ الثاني تخيّر بين الاجتهادِ والاحتياط.

وبالجُمْلَة فصُورُ المسألة أربع؛ لأنّها إمّا يمكن الاحتياط فيها أو لا، وعلى كُلِّ تقديرٍ إمّا أنْ يكونَ مجتهداً أم لا، فمَعَ عَدَمِ إشكالِ الاحتياط يتعيّنُ عليه الاجتهاد إنْ كان مُجتهداً والتقليد إنْ كان عامّياً، ومع إمكان الاحتياط تخيَّر المجتهد بينه وبين الاجتهاد والمقلّد بينّهُ وبَينَ التقليد.

المسألة السابعة: عَمَلُ العامّي بلا تقليدٍ ولا احتياطٍ باطل.

ينبغي تقيّده[4] بالعبادات، إذ المعاملاتُ لا وجه لفسادها إذا اتفق مطابقتها للواقع وإنْ لم يجز له العمل ما لم تنكشف المطابقة كما مَرَّ في المسألة الأولى، ومنه ظهر الاحتياج إلى تقيّد آخر في العبادات وهو عَدَمُ تمشّي قصد القربة فيها، وإلا فلا وَجْهَ لفسادها؛ ضرورةَ أنّه إذا انكشف مطابقتها للواقع وحصلت القربة فقد أتى بما هو متعلّق لأمره الواقعي، والإِجزاءُ فيه قهريُّ لما مَرَّ من عدم تعقُّل بقاءِ الأمر مع الإتيان بمتعلّقه، والمفروض تحقّق شرائط امتثاله، إلا أنْ يُدَّعَى اعتبار وقوعِهِ عن اجتهادٍ أو تقليدٍ، وهو ممنوع، ولذا صَحَّحنا عَمَلَ تارك الطريقين العامل بالاحتياط كما مَرَّ.

المسألة الثامنة: التقليدُ هو الالتزامُ بالعمل بقولِ مجتهدٍ مُعيَّنٍ وإنْ لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها كفى في تحقُّق التقليد.

لا يخفى أنَّ التقليد عبارةٌ عن جَعْل تَبِعاتِ العَمَل بِعُهْدَة الغير، فلذا يُعْتَبَرُ فيه أنْ يقعَ عن تَعَبُّدٍ بقولِ الغير، فيكونُ الغيرُ مُقَلَّداً (بالفتح) والعاملُ مقلِّداً (بالكسر)، لا جَعْلُ طاعَةِ الغير في رَقَبَتِهِ وعُهْدَتِهِ وإلاّ كانَ الغيرُ مُقَلِّداً (بالكسر) والجاعلُ متقلّداً.

وإلى ما ذَكَرْنا يرجعُ تفسيره بالأخذ بقولِ الغير تَعبُّداً به من غير دليلٍ، يعني الأخذ العملي، فإلغاءُ اعتبار العمل لا وجه له.

نعم يمكن أنْ يقال: لا يكفي مجرّد العمل، بل يعتبر أنْ يكون العمل مستنداً إلى قول الغير وفتواه، ولعلَّ هذا هو المراد بالالتزام، وإلاّ فلا يعتبر فيه الالتزام بمعنىً أزيد مما ذكرناه، ولا اعتبار التعيّن كما هو ظاهرُ العبارةِ فلا دليلَ عليهِ في غيرِ المقدار الذي يتوقَّفُ عليه العمل.

فتلخص: أنّ المعتَبَر في التقليد هو العَمَلُ دون الإلتزام، إلاّ أنْ يُرادَ مِنه الاستناد إلى الغير.

ثُمَّ إنَّ بيانَ مَعْنى التقليد في الرَّسائل العَمَليَّة المعدَّة لبيانِ الفُروع المتعلّقة بِعَمَلِ المقلّد إنّما هو لتشخيص ما يترتَّبُ عليه من الأحكام كوجوبهِ عليهِ ابتداءاً، وعدم جوازِ العُدول مِمَّنْ قَلَّدَهُ في حياته وجواز البقاء عليهِ بَعْدَ موتِهِ أو عَدَمِ جَوازِهِ وحرمةِ التقليد الابتدائي للميّت.

وعلى هذا فنقول: لا ينبغي الإشكال في أنَّ الواجب على العامّي ابتداءً ليس إلاّ الاستناد إلى الغير في العمل، ولا يعتبرُ أزيَدَ من ذلك، يعني لا يجبُ على العامّي أزيَدُ مِنْ اعتمادِهِ على المجتهد في العَمَل الذي يعمله على إشكالٍ في وجوبِ عنوانِ الاعتماد، وأمّا الإلتزام بذلك أيضاً في أعمالِهِ المستقبلة فهو داخل في وجوب العزم على الطاعة في التكاليف الإلهية، ولا رَبْطَ لَهُ بمسألة وجوب التقليد؛ لما عَرَفْتَ من عَدَم مَدْخَلِيّتِه في تحقُّق موضُوعِهِ فهو غيرُ واجبٍ عليه، كما أنَّ جوازَ العُدولِ من مجتهدٍ إلى آخر، أو البقاء وعدمه بالنسبة إلى من مات غير محتاج إلى تحقّق عَمَلٍ منه، بل ولا إلى الإلتزام بالعمل أيضاً، إلاّ في موارد التخيّر إذ بمجرَّد تعيّن العمل عليه على فتوى المجتهد الذي تعيَّنَ عليهِ العَمَلُ بفتواه يتحقَّقُ حُجيّةُ فتواه بالنسبة إليه، ويكونُ ما أفتى به حكمه عَمِلَ به أم لا إلتزام بالعمل عليه أم لا، فمَنْ يستصحبُ الحُجيّة أو الحكم الفرعي يتحقَّقُ عنده موضوعه.

وبالجملةِ يَتْبَعُ ذلك دليلُ المجوّز والمانع من غير مدخليّة لتحقُّق عنوان التقليد.

نعم في مَسألةِ عَدَمِ جوازِ تقليدِ الميّتِ ابتداءً ينفعُ ذلك، مثلاً لو قُلنا بأنَّ مُجرَّدَ الإلتزام تقليد ليس البقاء بعد موته تقليداً ابتدائياً له، ولو قلنا يعتبُر فيه العمل كان ذلك له تقليداً ابتدائياً فيحرم، إلاّ أنْ يمنع عن حُرْمَةِ مثل هذا التقليد الابتدائي الذي كانَ تكليفه الرجوع إليه، ولم يرجع حتى مات.

وكيف كان فاعتبارُ العَمَلِ في تحقُّق التقليدِ أقوى.

ودعوى أنَّه يوجبُ الدَّور[5] حينئذ لتوقّف التّقليد موضوعاً على العمل، وتوقّفُ العَمَل الصّحيح على التقليد.

مدفوعةٌ بالمنع من توقُّفِ صِحّةِ العَمَل على التقليد السّابق، بل المعتبر وقوعه مستنداً إلى فتوى الغير ولو بأنْ يتحقّق بنفسه التقليد فيشبه الدّور المعيّ الذي لا فَسادَ فيه لِعَدَمِ استلزامِهِ تقدُّمَ الشيءِ على نفسِهِ.

المسألة التاسعة: الأقوى جوازُ البقاء على تقليدِ الميّتِ ولا يجوزُ تقليدُ الميِّتِ ابتداءً[6].لا يخفى أنَّ مقتضى الأصل عدم جواز تقليد الميّت أمّا:

أوّلاً: لأنّه مُقتضى حُرمَةِ العَمَلِ بِما وَرَاءَ العلم عموماً.

أو ثانياً: لأنهُ مُقتضى حُرْمَةِ التَقْلِيدِ المستفاد من الكتاب خصوصاً.

أو ثالثاً: لأنّهُ مُقتضى الاشتغال بالواقعيّات فإنّه يُقْتَضَى الخروجُ منها علماً، والتقليد لا يفيد غير الظنِّ، فأصالة الاشتغال واستصحابه يقتضيان تقليد الحي.

أو رابعاً: لأنه مقتضى الشكّ في حُجيّة الطريق إذا دار الأمرُ فيه بين التعيّن والتخيّر، وإنْ كان مرجع بعض هذه الوجوه إلى بعض، أو لا مجال له مع تسليم الأصل بالتقرير الأول، كما قُرِّرَ في محلهِ.

وعلى أيِّ حالٍ فلا إشكال في أنَّ مُقتضى الأصل الأوّلي عقلاً بل ونقلاً كتاباً وسنة عدم جواز العمل بقول الغير تعبّداً به ما لم يُفد القطع بالواقع، إلاّ أنّه خرجنا عن هذا الأصل بالسّيرة القاطعة المستمرّة من أوائل الإسلام إلى أواخره، فهل تَرَى المراجعين إلى رُواةِ الأئمّة ومحدّثيهم مع اختلاف طبقاتهم وألسنتهم خُصوصاً في الأزمنة المتأخّرة عن الصّادقين يتلقّون منهم خصوص الألفاظ الصّادرة من الأئمة عليهم السلام أو يقتصر ترجمتها لغير العارف حاشا ثمَّ حاشا، حيث أنَّ اقتصارهم على ذلك، يُوجِب لهم العُسر والاختلال، ويؤيّدُهُ ويؤكّدُهُ بل يمكن أنْ يجعل دليلاً مستقلاً إرجاع الائمة عليهم السلام شيعتَهم إلى آحادِ الرُّواة بحيثُ يفهم منه عدمُ الفرقِ بين الفتوى والرواية، بل إطلاقُ المنع عن الفتوى بغير العلم الدّال على جواز الفتوى معه، بل في سدّ باب التقليد عُسْرٌ وحرج مُخلٌّ بالنظام، ومَنْ ينكر فإنّما ينكر باللّسان وقلبه مطمئن بالإيمان، بل في إطلاق أدلّةِ حُجيّةِ خبر الواحد كفاية؛ لأنَّ المفتي ينقل مقتضيات الأصول والقواعد المقرّرة في الشريعةْ فيقرب إلى نقل مضمونِ الرّواية القريب من نقل معناها.

وبعبارة أخرى: لنقل الرواية مراتبٌ أحدُها نقل الالفاظ المسموعة، ثمّ نقلها بترجمتها وذكر مرادفها في العربي أو غيره، ثمّ نقل المتحصَّل منها من دون زيادةٍ ونقيصة المسمَّى عندهم أحياناً بنقل المضمون، ثمَّ نقل المتحصِّل منها بَعد ضَمِّ بعضِها إلى بَعْضٍ وترجيح النصّ على الظاهر، أو مقتضى تساقطها من الأخذ بمقتضيات الأصول من التخيّر والبراءة والاحتياط والاستصحاب، فكأنَّ المستفتي يسألُ المفتي عن مقتضياتِ القوانين المجعولةِ في الشريعة، ويخبره المفتي بذلك.

ودعوى انصراف الأدلّة عن الأخبار الحدسية لو سلّمناها فإنّما هو بالنسبة إلى غير الحدسيات القريبة من الحس او المنتهية إلى العلم، أترى أحدٌ يستشكلُ في الجرح والتعديل.

وبالجملة دعوى شمول أدلّة حُجيّةِ الأخبار للأخبار العلمية قريبة.

 لا يقال: كيف يكون إخبارُ المفتي علمياً مع ابتنائه على ظنون اجتهادية، بل ونظريّاتٍ خفيّة.

لأنّا نقول: إنَّ التجربة أيضاً ليس إلاّ ما تقتضيه القوانين في مقام تحصيل البراءة، وهو يعمُّ مُتعلَّقات الظنّ والحدس.

إنْ قلت: ظنُّ المجتهد إنّما يكونُ مبرء له ومنتهياً إلى العلم بالنسبة اليه دون غيره.

قلت: كلاّ إنّه كذلك بالنسبة اليه ومَنْ يُقَلِّدُهُ، فإذا أراد أنْ يُخْبِرَ أحَداً بوظِيفَتِهِ ووظيفة مقلّده يخبره بمؤدّى ظنّه، وإخبارُهُ هذا إخبارٌ علميٌ مستندٌ إلى مبادئ قطعية.

والحاصل: مُقتضى عمومُ حُجيّة الخبر شمولها للأخبار العلمية، وسيأتي لذلك تتمة إنْ شاء الله.

ثمّ إنَّ النزاع في هذه المسألة راجعٌ إلى أنَّ مقتضى الأدلّة المخرجة عن الأصل هل هو عموم الحُجيّة من غير اشتراط الحياة، أو يختص بالمجتهد الحي مطلقاً، أو التفصيل بين الابتدائي والاستمراري؟

ثمّ على تقدير الإطلاق هل هناك إجماعٌ يُوجِبُ رَفْعَ اليدِ عن تلك الإطلاقات أم لا؟

فالمانع عليه إثباتُ أحدُ أمرين: إمّا منعُ إطلاق يقتضي جوازَ تقليد الميّت، أو دعوى إجماع على المنع يقطع الاطلاق لو كان.

والغالب فيما بينهم الجريُ على الوجه الأول، فيمنعونَ من إطلاقٍ كتابي أو سُنّي يقتضي التقليد فضلاً عن إطلاقه للحيّ والميت، وكُلُّ ما يُنْقَلُ من الإطلاقات يحملونَها على الرّواية، أو يمنعون إطلاقها للحيّ والميت.

وقد عرفت منّا أنّ إطلاقات حُجيّة أخبار الآحاد غيرُ قاصرةِ الشّمول، ومقتضاها العموم للحيِّ والميّت ابتداءً واستمراراً، إلاّ أنْ يقومَ دليلٌ خاصٌ يقطعها.

نعم السيرة التي ادّعيناها قاصرة عن بيانِ حكم الميّت.

نعم يمكن أنْ يقال إنّه بعد أنْ أخذ الحكم من الحيّ وقام الدليلُ على حُجيّةِ فتواه عليه كان ممن يعلم بالوظيفة، فلا دليل على جوازِ رُجوعه إلى غيره، كما يقال مثل ذلك في العدول من الحيّ إلى الحيّ فيثبت المطلوب بمقدّمتين تُضَمُّ إحداهُما إلى الأخرى.

احداهما: حُجيّةُ قول الحيّ بالنسبة اليه.

والثانيةُ: عَدَمُ جَوَازُ رِجوعِ مَنْ مكان له حُجَّةٌ على غيره.

وكلتا المقدّمتين ثابتة بل واضحة، اللّهم إلاّ أنْ يمنع من حجية قوله حتّى بعد موتهْ حيثُ أنَّ من المحتمل أنْ يكونَ حُجيّته مقصورة بزمانِ حياته، وهذا الاحتمالُ بظاهره وإنْ كانَ مما لا يُسْمَعْ ولذا لا يحتمله أحدٌ في نقل الرّوايات والشَّهادات وسائر الحكايات، إلاّ أنّه يمكن توجيهُهُ بأنَّ الحُجَّةَ في الفتوى متقوّمة بالظّن والرأي وهُما متقوّمانِ بالحياةِ، فبعد الموت تزولُ الحُجيّة بزوال موضوعها، فلا يُقاسُ بسائر الحكايات التي لا تقومُ بالظنِّ والرّأي، وللفرق الواضحِ بينَ الرّواية، والفتوى الرّاجع إلى نقلِ ما يَقْتضيه نَظَرُهُ في المسألة بعد ضمّ جهاتها بعضها إلى بعض.

ومن الواضِحِ أنّ ذلكَ قائمٌ برأيِهِ ونظره بل ما يحكيه المفتي ليس إلاّ الحكم الظاهريّ وتقوّمه بالظنّ من الأمور الواضحة، ولذا يَقَعُ وسطاً في القضيّة التي يستنتج منها العمل، فيقال: هذا ما أدّى اليه ظنّي...الخ.

وأمّا زوالُ الرّأي بالموتِ فلعَلَّهُ مما لا ينبغي الإشكالُ فيه.

ولكنْ يدفعُهُ إمكانُ المنعِ عن كلتا المقدّمتين حيثُ أنَّ المفتى به هو ما يقتضيه القواعد المقرّرَةُ ورأيُ المجتهد وظنِّهِ ليسَ إلاّ طريقاً لاستفادَةِ ذلك وإنْ كانَ موضوعاً في مقامِ التعويل والاستناد، فإنَّ المجتهد يخبر بأنّ مقتضى القوانين الشرعية لي ولك أيُّها العامّي ذلك، فإنْ كانَ هُنا جزءٌ دالٌّ على المسألة فواضح، فإنَّ حُجيَّة الإخبار غيرُ مختصٍّ بالمجتهد، فهو يخبرُهُ عن مفادِ الحُجّة له وإنْ كان هُناك تعارُضٌ وترجيحٌ فكذلك، وإنْ لم يكن هناك رواية أو كان وكانت لها معارض بلا ترجيح فالوظيفة بمقتضى أخبار التخيّر، وهذا أيضاً غيرُ مختصّ بالمجتهدِ، وانْ كانَ المقام مقام الرّجوع إلى الأصول فيخبره المجتهد إنَّ وظيفته هنا الأصل، ومفاد الأصل كذا، وما عرفنا موضوعية لظنّ المجتهد في مقامِ رجوع المقلّد اليه.

نعم هو يتكل ويستريحُ إلى فَهْمِهِ، والمقلّد يستريحُ إلى الواقع الذي أخبره، كما أنّ الرّاوي يستريح إلى الرواية بمقتضى ما يسمعه، والمرويُّ اليه يستريحُ اليها بمقتضى ما روي اليه، وليسَ لشيءٍ من الرّواية والسّماع موضوعية في مقام الوَظائِفِ المجعولة.

نعم لكلِّ دليلٍ وحُجيّة في مقامِ الدّليلية والحُجيّة موضوعية.

فدعوى قصر الحُجيّة بزمان الحياة لا وَجْهَ له بَعْدَ عَدَمِ مَدْخليّة الرّأي والنظر إلا كمدخلية الرؤية والسماع من حيث أنَّ المناطَ بالمرئيّ والمسموع، ومن ذلك تعرف أنّه لا مانعَ من استصحابِ الحُجيّة وجواز الرجوع وما يرجع اليهما من الاستصحابات فضلاً عن استصحاب الحكم الشرعيّ الفرعيّ من جواز شِرْب عصير ِالعِنَبِ وطهارَةِ الغُسَالة مثلاً.

ودعوى عدمُ ثبوتِ التكليفِ الشرعيّ فبمواردِ الفتوى كسائرِ الطّرق والحجج.

مدفوعةٌ بما حَرّرناه في محلّه من عدم المقتضى لرفع اليد عن ظواهر الأدلّة في ثبوتِ التكليف في مواردها، سلَّمَنا أنّ للظنّ مدخليّة لكنّا نَمْنَعُ الا المدخلية حدوثاً فزواله بالموتِ لا يُوجِبُ زوال حُجيّتِهِ، كما يؤيّدُهُ بقاءُ الحجيّة وجوازُ العمل ولو بعد زواله في حال حياته بالغفلة، بل وزواله من رأسٍ ما لم ينتهِ إلى وقوفٍ أو رجوعٍ عن دليلٍ، وحينئذٍ فلا مانع من استصحابِ حجيّته وجوازِ الرجوع اليه، بل يمكن المنع عن زوال رأيه، غاية الأمر أنْ يصيرَ مظنونه معلوماً وحدسه حسّاً فتأمل.

وأمّا دعوى الإجماع على عدم الجواز حتَّى استمراراً فممنوعةٌ، وإطلاقُ معاقدِ الإجماعات غالبها منصرفةٌ عنه، مضافاً إلى ما في التمسُّكِ بالإجماع في مَحَلِّ الخلاف، ولذا كان الأقوى ما في المتن من جواز البقاء.

المسألة العاشرة: إذا عَدَلَ عن الميِّتِ إلى الحيّ لا يجوزُ له العود إلى الميّت.

لأنّه يكونُ من قبيلِ التّقليد الابتدائي الممنوع بالإجماع وإنْ كانَ مقتضى بَعْضُ ما نقلناه في الحاشية السابقة الجواز، إمّا كونُهُ من قبيلِ التقليد الابتدائي فواضِحٌ، إذْ بالعدول عنه خَرَجَ عن كونه مقلّداً له، فيكون العدول حُدوثُ تقليدٍ له إيّاه، وهذا في الجملة مما لا ينبغي الإشكالُ فيه؛ إذ لا أقلَّ من كونِهِ خارجاً عن منصرف أدلّة التقليد، فلا يحتاج إلى الاستدلال بأنَّ مازالَ وعاد كأنْ لم يكن لا كأن لم يزل وأشباهه.

وإنّما الإشكالُ في أنّه يكفي في العُدول العَزْمُ عليه والإلتزام بالعمل بفتوى غيره، أو لا يتحقَّق إلاّ بالعمل بفتوى الآخر، ولا يكفي مجرّد الإلتزام، مُقتضَى ما اختاره المصنّف من كون التقليد عبارةٌ عن مُجرّد الإلتزام بالعمل هو الاول، ومقتضى ما ذكرنا هو الثاني.

إلاّ أنَّ الأقوى الأوّل، بمعنى: لا يجوزُ العودُ إلى الميّت بعد إلتزامه بتقليدِ الحيّ، ولو جعلنا التقليد عِبارَة عن العمل، وذلك لأنّهُ بموتِ المجتهدِ يكونُ حال المقلِّد حاله في أوَّلِ عَمَلِهِ من حيثُ أنّه إمّا أنْ يجتهد في البقاءِ والعُدولِ وأمّا أنْ يرجع إلى أعلم الأحياء؛ لأنّهُ القَدَرُ المتيقِّن له، فعلى الأوَّل، فإنْ اجتهدَ وبنى على البقاء فلا كلام، وإنْ بنى على العُدولِ يسقط حُجيُّة قولِ الميّت له، فيكون العدول اليه تقليداً ابتدائياً له، وإنْ رَجَعَ إلى الغير وأفتى بالبقاء فلا كلام أيضاً، وإنْ أفتى بالعدول سَقَطَتْ حُجّيةُ قولِهِ أيضاً، فيكونُ ممّنْ لا تقليد له فيكون رجوعه اليه تقليداً ابتدائياً له.

وبالجملة: التقليد وإنْ كان عبارةً عن العمل إلاّ أنَّ بطلانه غيرُ مُحتاجٍ إلى العَمَل بفتوى الغير، ويكفي في صدق التقليد الابتدائي في بطلانِ التقليد الأوّل.

نعم إنْ قامت عنده حُجَّة على فسادِ عُدولِهِ وإنَّ حُجيّة فتوى الميّتِ واقعاً محفوظةٌ، كما إذا قَلَّدَ مُجتهداً فَمات فقلَّدَ آخر لفتواه بالعُدول فَماتَ، ورجع إلى ثالثٍ فأفتى بوجوبِ البقاء، يمكن أنْ يقال: عليه العدول إلى فتاوى المجتهد الأوّل إذا ظَهَرَ له أنّ حُجيَّة القول الأوّل بالنسبة اليه لم يسقط، كما سيجيءُ إنْ شاءَ الله في ما نعلّقُهُ على المسألة الواحِدَةِ والستّين ولذا قيّدنا قوله: (لا يجوزُ لهُ العود) بما إذا كانَ المعدول اليه حَيّاً، وأمّا مع موتِهِ فسيأتي حُكْمُه، ولك أنْ تستدلّ لما في المتن بمجرّد الشكّ في حُجيّةِ قولِ المعدولِ عنه بَعْد العدول عنه فإنَّ مقتضاهُ مع عَدَم إطلاق في أدلّةِ التقليدِ عَدَمِ جَوَازِ العَوْدِ كما سيأتي في المسألَةِ الآتية.

المسألة الحادية عشر: لا يجوزُ العُدولُ عن الحيّ إلى الحيّ إلاّ إذا كان الثاني اعلم.

مع تساوي المعدولِ اليهِ والمعدولِ عنه، فإنَّ حكمَ المقلّد في ابتداءِ أمرِهِ وإنْ كان هو التخيّر بينهما فجازَ لهُ الرُّجوع إلى أيِّ منهما أرادَ، إلاّ أنَّ بَعْدَ اختيارِهِ أحدهما والرجوع اليه صارَ المكلَّفُ ممّن له طريقٌ وحُجَّةٌ، وخَرَجَ عن التحيُّر، وبذلك يسقُطُ فتوى الغير عن الحجّية بالنسبة اليه؛ لأنّ الأصل حُرْمَةُ العَمَل بغير العلم فينقطعُ استصحاب التخيُّر أيضاً؛ لأنّ التخيّر العقلي بحكم العقل إنّما يَثْبُتُ للمتحيّر، وقد زال تحيّره باختياره أحدهما، وليس للتخيّر دليلٌ لفظيٌّ حتى يرجع إلى إطلاقه، ولو كانَ لَم يَكُنْ له إطلاقُ مسوق لذلك.

نعم بناءً على ما ذَكَرْنا من عدم تحقّقِ التقليد إلاّ بالعمل لا يتحقَّقُ إلاّختيار الا بالنسبة إلى الفتوى الذي عَمِلَ على طبقه، وأمّا في غيره فهو باقٍ على اختياره إلاّ بناءً على جَعْلِ مُجَرَّدِ الالتزام بالعَمَل تقليداً، بناءً على أنَّ بمجرّد ذلك يثبتُ له الحجّية بالنسبة إلى من اختاره.

ولك أنْ تستند هنا إلى مجرَّد الشكّ أيضاً وعَدَمُ الإطلاق، وتجعل ما ذكرناه منشأً للشكِّ.

هذا كله مع تساوي المعدول اليه مع المعدول عنه، وأمّا مع أعلميّة المعدول اليه فيجبُ العدولُ اليه بناءً على وجوبِ تقليد الأعلم، على ما يأتي إنْ شاء الله.

المسألة الثانية عشر: يجبُ تقليدُ الأعلم مع الإمكان على الأحوط، ويجبُ الفحصُ عنه.

لا إشكال في أنَّ النزاعَ في هذه المسألة في ما تقتضيه الأدلَّةُ الشرعيّة، فلا ينتفع، به المقلّد إلاّ بَعْدَ رُجوعِهِ إلى المجتهد الذي استنبط الحكم، ورجع إلى تلك الأدلّة، وأمّا حُكْمُ المقلّد ابتداءً قبلَ أن يكون تكليفه الرّجوع إلى المجتهد فينحصرُ: إمّا في الاجتهاد واستقلال عقلِهِ بشيءٍ من تعيّن الرجوع إلى الأعلم أو التخيّر، وإمّا في الأخذ بالقدر المتيقَّن الذي يكونُ مُبرء له يقيناً، وليس هو إلاّ الأعلم.

وبالجُمْلَةِ تكليفُ المقلِّد ابتداءً ليسَ إلاّ الأخذُ بالحائطة إلاّ أنْ يستقِلّ عقله بكفاية غيره، فإذا رجع إلى الأعلم الأفقَهِ الذي فَرَضْنَاهُ المتيقَّنْ رَجَعَ الأعلمُ إلى مقتضيات الأدلّة، فإنْ استفادَ التخيّر أفتى له بذلك، وإلاّ تعيّن عليه الاستدامة على تقليد الأعلم، وحينئذ فأمكن لنا أنْ نقول: تكليف المقلِّدِ الرّجوعَ إلى الأعلم عقلاً من غير خلاف، فأنْ أفتى الأعلمُ بجواز الرُّجوع إلى غيره فهو، وإلاّ بقي على فتوى ذلك الأعلم.

وكيف كان فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ مُقتضَى الأصل الأوّلي عَدَمُ حُجّية قولِ الغير إنْ لم يُفْد العلم، وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، وإنّما الاشكال في أنّ ما دَلَّ على جوازِ الرُّجوعِ إلى الغير هَلْ لهُ إطلاقٌ شامِلٌ له حتّى لو كان فتواهُ مخالفاً لفتوى الأعلم منه أم لا، وعلى تقدير عدم الإطلاق هل يكون مُقتضى بعض الأدلّة من العقل والنقل عَدَم وجوبِ الاقتصار على فتوى الأعلم وجواز الرجوع إلى غيره من قبيل دليل العسر والحرج أم لا.

فلنا مقامان من الكلام بعد الفراغ عن تأسيس الأصل الأوّلي:

المقام الأول: في بيانِ إطلاقٍ يصحُّ الاتِّكالُ عليه في ذلك، ظاهرُ كلامِ جُلِّ الأكابر ممّن تأخّر عَدَمُهُ بَلْ عَدَمُ إطلاقٍ يتكفَّلُ حالَ التقليدِ، فَضْلاً من أنْ يكونَ له إطلاق يشمل صُورَةَ الاختلاف والمعارضة، لكنَّ الإنصافَ وجود إطلاقٍ يقتضي جَوَازَ الرّجوع إلى المفضول في فَصْلِ الخُصوماتِ.

نظيرُ قولِهِ في خَبَرِ أبي خديجة: ((ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يَعْلَمُ شيئاً من قَضَايانا))،[7] فإنَّ ظهوره في كفايةِ معرفة المرجوع اليه شيئاً من قضاياهم وعدم اعتبار أزيد من ذلك، وإنَّ ما ذكر أقلَّ ما يعتبر في المرجوع اليه واضحٌ غيرُ قابلٍ الأنكار.

وفي خبره الآخر: اجعلوا بينكم رجلاً من عَرَفَ حلالنا وحرامنا فإنّي قد جَعَلْتُهُ حاكماً[8].

وفي مقبولة ابن حنظلة:

وفي مقبولة ابن حنظلة: ((انظروا إلى مَنْ كانَ منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا)) إلى أنْ قال السائل: ((فإنْ كانَ كُلُّ رجل اختار رَجُلاً من أصحابنا واختلفا فيما حَكَمَا وكلاهما اختلفا في حديثكم)) فقال: ((الحكمُ ما حَكَمَ به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث))[9].

وفي خبر داود بن الحصين: ((في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم)) إلى قوله: ((واختلف العدلان بينهما، عن قول أيِّهِما يمضي فقال: ((ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما))[10].

ومثلها غيرها، فإنّها حتّى الأخيرة المبينّة لحُكْمِ المعارضة ناطقة بتقرير الرُجوع إلى غير الأعلم، مع وجود الأعلم، وإنَّ الرّجوع اليه لم يكن أمراً ممنوعاً.

لا يقال: مفاد أمر الترجيح الرّدع عن الرجوع إلى غير الأعلم؛ إذ أيُّ رَدْعٍ أعظم من قوله في جملةٍ منها ((فينفذ حكمه (يعني الأعلم) ولا يلتف إلى ما حكم به الآخر))[11].

لأنّا نقول: هذا محمولٌ على الطَّرح في مقام المعارضة مع الحُجيّة الطبعية، ولذا ضَمَّ في بعضها إلى الأعلميّة الأورعية، وجَعَل الترجيح بالأعلمية في سياق الترجيح بموافقة العامة وغيرها مما لاشكَّ في اعتبارها في مقام الترجيح دون أصل الحجيّة.

وبالجملة مقتضى هذه الجملة حُجّية حُكْمِ غيرِ الأعلم وفتواه، إلا إذا عارَضَهُ حُكْمُ الأعلم فلا يُنتقل اليه ويُقدَّمُ الأعلم.

إنْ قلتَ: سَلَّمْنا لكنَّ هذه الرّوايات كُلّها وارِدَةٌ في مَقَامِ الحُكومَةِ ولا رَبْطَ لها في مسألةِ الفتوى، وغيرها واردة في مقام قبول الرواية، ولا يستفاد من شيءٍ منها حكمُ الرُّجوع في الفتوى.

قلت:

أوّلاً: المنازعة في الدّين أو الميراث الواردة في المقبولة لا تختصُّ بالمنازعة في خُصوصِ الشُّبُهاتِ الموضوعيّة، بل يَشملُ المنازعة من جهة الشّبهة الحُكميّة، فيكون الأمرُ بالرّجوع إلى رَجُلٍ من أصحابنا الرُّجُوعُ اليهِ في الفتوى.

وثانياً: المراجَعَةُ في الحُكْمِ تُلازِمُ الرّجوع في الفتوى؛ لأنَّه يَحْكُمُ عن فتواه بما استنبطه في بابِ الدَّعاوي، بل وعن فتواه في حكم المسألةِ، فيحكم بنفوذِ بيع العصير المغلّي تارة، والمائع الملاقي لبعضِ الأطرافِ الأخرى، والأمرُ بنفوذ حكمه ذلك تنفيذ، لفتواه وتقرير؛ لأنَّ ما استنبطه من العَدْلِ والقسط وما أثر[12] لي اليه فما المانع من الأخذ به, نعم مقتضى الطائفة الأخيرة سقوطُ حُكْمِ غير الأعلم عندَ المعارضة، بل نَفْسُ الأدلّة أيضاً لا إطلاقَ لها لصورة المعارضة، كما في أدلّة سائر الطرق والأمارات، ففي حُكْمِ المعارضة إمّا يرجع إلى حكم العقل من الأخذ بالقَدْر المتيقَّن أو ما يُستَفَادُ من هذِهِ الأخبار من طَرْحِ حُكْمِ غير الأعلم، والأخذ بالأعلم وكلاهما واحد.

ودعوى أنَّ الأخبارَ المزبورة وارِدَةً في مَقَامِ الحكومة فلا يَعُمُّ ما نَحْنُ فيه.

مَرَّ ما قد عَرَفْتَ الجوابَ عنها من أنّها مطلَقَةٌ شاملةٌ لصورة المعارضة في الشبهة الحكمية، التي يرجع فيها اليهم؛ لأخذ الفتوى، وأنّ الرجوع في الحكومة يلازم الرجوع في الفتوى، ولذا بَعْدَ فرضِ تساويهما أمَرَ الأمامُ عليهم السلام بترجيح مدرك حكمهما.

نعم المعارضة في الحكم تبتنى على الرّجوعِ والمحاكمة وصدور الحكم، وفي الفتوى يحصل بنفس اختلافهما في الفتوى وإنْ لم يرجع إليهما أو إلى أحدهما، ولذا قيّدنا وجوبَ تقليد الأعلم بما إذا خَالَفَ غيره في الفتوى، بل مجرَّد المخالفة في الفتوى أيضاً ما لم يكن فيما هو مَحَلُّ ابتلاءِ المقلّد لا يَضُرُّ في حُجّية فتوى غير الأعلم.

هذا كله الكلام في المقام الاول.

وأمّا المقامُ الثّاني:

وهو وجود ما يقتضي الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً ولو مع عدم الإطلاق، كأدلّة العُسْرِ والحرج والاختلال، وأشباهها، فليس الكلام فيه بمهمّ، فالإنصاف أنَّ مع الإطلاق لا دليلَ على حُجيّة فتوى غير الأعلم، ومع الإطلاق تسقَط فتواه مع المعارضة في ما هو محلُّ الأبتلاء.

ومن هنا ظهر أنّ وجودَ الأعلم المخالِفِ منْ قبيلِ المانع عن اعتبارِ فتوى غير الأعلم، لا أنّ الأعلميّةَ شَرْطُ حُجّيّتِهِ.

المسألة الثالثة عشر: إذا كانَ هناكَ مُجتهدان متساويان في الفضيلة يَتخيَّرُ بينهما، إلاّ إذا كانَ أحدُهُما أورع فيختارُ الأورع.

أمّا بناءً على ما اسَّسناه في محلِّه خِلافاً لشيخنا الأكبر ولجلِّ الأساتذة من أنَّ الأصل في تعارُضِ الطَّريقين التخيّر فواضِحٌ؛ إذ لا يخلو أمْرُ الفتوى من كونِ حُجيّتِهِ من بابِ السَّببية أو الطريقيّة ومقتضى الأصل في كل منهما التخير عند التعارض.

وأمّا بناءً على ما عليه شيخُنا الأكبر[13] منِ كون الأصلِ في تعارُضِ الطَّريقين التساقط، فيشكُلُ الأمرُ فيما نحنُ فيه، بناءً على كون حُجيّتها من باب الطريقية، فإنَّ مقتضى تساقطهما رجوعُ المقلِّد إلى الاحتياط في المسألة والأخذ بأحوط القولين لو كان، وإلا فالاحتياط بالتّكرار؛ لأنّ سقوطَ الطَّريقين إنّما هو في خُصوصِ ما يتعارضان، وأمّا فيما يجتمعان فلا تعارض بينهما، وحينئذٍ فوجوديهما ولو متعارضين رافعٌ للاحتياط الكلّي، وهذا ثمرةُ وجودِ الخبرين في البين.

وكيف كان ففتواهم بالتخيّر هنا، مع بنائهم على أنّ الأصلَ في تعارُض الطَّريقين التساقُط يكشُف عن أنَّ المناطَ في حُجيّة الفَتوْى ليس مُجَرَّدُ الطريقيّة، بل هو مبني، على نحوٍ من الموضوعيّة، وهو يُنافي بعض ما مَرَّ منّا، بل وما رُبّما يستندون اليه في بابِ التقليد من أنَّ حُجيَّتَة من بابِ الرّجوع إلى أهلِ الخبرة، أو شبهِ الانسداد بالنسبة إلى المقلِّد، إلاّ أنْ تكون فتواهُم بالتخيُّر هنا من بابِ الإجماع على عدم وجوب الاحتياط على المقلّد في موارد الشبهات الحكميّة، فإنَّ مع هذا الإجماع يتعيَّنُ عليهِ الأخذ بأحدِ القولين؛ إذ لا طريقَ له غيرهما.

المسألة الرابعة عشر: إذا لم يكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوزُ في تلك المسألةِ الأخذُ من غير الأعلم وإنْ أمكنْ الاحتياط.

إذ مع عدم الفتوى له كان وجوده في تلك المسألة كعدمه، بل يكونُ فيها أعلم؛ لأنَّه يدري وذاك لا يدري، إلاّ أنْ يقال: ان َّالتوقُّفَ لا يُنافي الأعلميّة لو لم يؤكّدها.

وكيف كان فبناءً على ما ذكرنا من أنّ الفتوى المعارِضة من الأعلم من قبيل المانع عن حُجِيَّتَهُ فتوى غير الأعلَم لم يكن لفتواه مع عدم الفتوى من الأعلم مانعٌ، بخلافِ ما لو جعلنا الأعلميّة شرطاً، فإنَّ مُقتضاهُ عَدَمُ حُجيّةِ فتواه ولو مع توقّف الأعلم في المسألة.

المسألة الخامسة عشر: إذا قَلَّدَ مُجتهداً كان يُجَوِّزُ البقاءَ على تقليدِ الميّت فَماتَ ذلك المجتهد لا يَجوزُ البقاءُ على تقليدِهِ في هذه المسألة، بل يَجبُ الرجوع إلى الحيّ الأعلم في جوازِ البقاءِ وعدمِه.

أمّا بناءً على ما اخترناهُ من اعتبار العمل في التقليد فواضحٌ؛ لأنّه تقليدٌ ابتدائي له؛ إذ لم يقلّده في هذه المسألة حتّى يُعَدّ بقاءً، بل ولم يدخلَ أيّ: البقاءَ في ما ابتلى به من المسائل في زمان حياته حتّى يتحقّق في مورده حكمٌ فرعيٌّ أو تصير حجّته فعلية فيستصحب ولو لم يصدُقْ عليه البقاءُ حسبما مرّ منّا من عدم ابتناءِ الجواز على صدق البقاء على التقليد.

وأمّا بناءً على ما ذكره المصنّف من كونِه مجرَّد الالتزام ولو لم يَعْمَل بل ولو لم يبتلِ به المقلّد، فلأنه وإنْ كان يصدُقُ عليه البقاء على التقليد إلا أنَّ التّقليد في هذه المسألة غيرُ جائزٍ، بل يجبُ عليه أنْ يَجتهد في مسألةِ البقاءِ على التّقليدِ ويستقلّ به عقله، وإلاّ فتقليده في ذلك بتقليده دَوْريّ.

وبعبارةٍ أخرى: حال المقلِّد بعد موتِ مُجتهدِهِ كحَالِهِ قبل التقليد، فإنَّه يَجبُ عليهِ الأخذُ بالمتيقِّنْ، إلاّ أنْ يستقلَّ عقلُهُ بغيرِهِ والمتيقّن هو الحيّ الأعلم فيجبُ الرُّجوعُ اليه.

المسألة السادسة عشر: عملُ الجاهل المقصِّرِ الملتفتِ باطلٌ وإنْ كانَ مُطابِقاً للواقع، وأمّا الجاهلُ القاصِرُ أو المقصِّرُ الذي كانَ غافلاً حينَ العَمَلِ وحَصَلَ منهُ قصدُ القربة فإنْ كان مُطابقاً لفتوى المجتهد الذي قَلَّدَه بعد ذلك كانَ صَحيحاً والأحوطُ مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذي كان يَجبُ عليه تقليدُهُ حينَ العمل.

المقلِّد العامل بلا تقليد ولا اجتهاد: أمّا أنْ يكونَ مُلتفتاً حينَ عَمَلِهِ إلاّ أنّه جَرَى على غير تكليفِهِ وأنّ ما يأتي بهِ لا يجوزُ الاجتراءُ به في مقام الامتثال.

أو يكونُ غافلاً عن ذلك.

وعلى كُلِّ تقدير:

أمّا أنْ يكونَ العَمَلُ من العبادات، أمْ من المعاملات.

فإنْ كان العَمَلُ عِبادياً وكانَ مُلتفتاً لم يصحّ ولو كان المأتيُّ به مُطابقاً للواقع بفتوى مجتهدِهِ، بل ولو عَلِمَ بالمطابقة للواقع؛ لعدم تحقُّقِ شَرْطِ امتثاله، وهو التقرّب، بل لا يعقل كونُهُ مطابقاً للواقع مع فقدانِ شَرْطِ امتثاله، فما أتى به غير واجدٍ لشرطِ الامتثال وإنْ كانَ واجداً لسائر الأجزاء والشرائط.

وفي الصّور الثلاثة الأخر يصحُّ العَمَل إنْ وافق الواقع؛ لأنَّ المفروضَ تماميّتُهُ بحَسَبِ الأجزاء والشرائط المعتبرة في المأمور به، وتحقُّقُ شرط الامتثال فيه أيضاً؛ فلا وجه لعدم كفايته عبادياً كان أو معاملياً؛ لاتحاد مناطِ الإجزاء، ولعلَّ هذا الذي ذكرناه لا ينبغي الإشكال فيه وإنّما الإشكالُ في مقامين:

أحدهما: في فساد عَمَلِ الجاهل الملتفت مُستنداً لعدمِ حُصولِ الامتثال والتقرّب.

الظاهر في أنّ مع الإلتفاتِ لا يُمكنُ تحقّق التقرُّب منه، مع ما فيه من الإشكال؛ لعدم المانع من التقرّب؛ لاحتمال الموافقة مع الواقع، فالعاملُ التّاركُ للتقليدِ والاجتهادِ والاحتياط لمّا يَحتَمِلُ أنْ يكونَ ما يأتي به مُوافقاً للواقع يَتَمَكّنُ من أنْ يأتي به برجاءِ ذلك، فكما أنَّ الإتيانَ كذلك مَعَ عَدَمِ التمكُّنِ تَقَرُّبٌ احتمالي فليكُنْ مع التمكُّن كذلك، لعدم تأثيرِ التمكُّنِ وعَدَمِهِ في ذلك حِسّاً.

والحاصل بعد أنْ الغي مدخلية الجزم بالأمر في تحقّق الإطاعة وبنينا على أنَّ الإتيان بداعي احتمال الأمر كافٍ لا وجه لقصرِ ذلك بغير المتمكّن، ولا مانع من تعميمهِ للمتمكّن أيضاً وإنْ كانَ ليس لَهُ عَقْلاً الإكتفاء بهذا النحو من الاتيان؛ لعدم حصول الأمن له، وإنّما يأتمن به غير المتمكن؛ لأنّه غاية ما يمكنه من الإطاعة، لكنَّ ذلك لا دَخْلَ له في الصّحّة على تقدير المطابقة وأنْ لا يبقى عليه سوى وزر التجرّي، بل لعلَّ هذا هو منشأ ما نراهُ من جملةٍ من العوام حيثُ يأتونَ بالعبادة فاقدةً للشرائط التي يُفتي بشرطيّتها مجتهده

م، ويتقرَّبون بما يأتون، فإنَّه غير ممكن إلا على الوجه الذي ذكرنا، بـأنْ يأتوا بالعبادة باحتمال أنْ لا يكونَ الشرطُ المفقودُ شرطاً في الواقع، وعليه فيكونُ عَمَلُهُم مبرّءاً عن الواقع على تقدير المطابقة وإنْ كان باقياً عليهم وزر التجرّي.

نعم يمكن أنْ يقال في المواردِ الّتي كانَ مقتضى الأصول الشرعية كالمثال المذكور عدم الصحّة والمطابقة، إنّّ تعبّد الشَّرع بعدم كون المأتيّ موافقاً للمأمورِ به يمنعُ عن حصولِ الإطاعة، إذ لا معنى للتقرُّب بما كان في حُكْمِ الشّارع غير مراد له، لكنّه إنْ تَمَّ فإنّما يتمّ للمُلتفت إلى هذا الأصل الجازم بصدورِهِ عن الشّرع، وإلاّ فإنْ احتمل عدمه أمكنَهُ التقرُّبُ برجاءِ عَدَمِ صُدورِ هذا الأصل من الشّرع، أو عَدَمِ كَونِ الموردِ من مَصَاديقِ الكُلِيّةِ الواردة عنه، وأمّا لغير الشّخص المزبور من العوام أو العالم بمقتضيات الأصول مع عدم الجزم بكونها من الشّرع والجازم المحتمل عَدَمَ انطباقها على المورد فبابُ الاطاعة واسعٌ؛ إذ له أنْ يأتي بالعمل متقرّباً فلو ألغى المصنّفُ رحمه الله التفصيلَ بالالتفات وغيره وقيل: (إنْ تأتَى من العامل قَصْدُ القربة صَحّ إنْ طابق الواقع وإلاّ فلا) كان أحسن.

ثمّ إنّ في المتن وإنْ لم يُشِرْ إلى الفرق بين المعاملات والعبادات إلاّ أنّه يظهر منه أنّ المناط مع قطع النظر عن شرائط الامتثال ليس إلاّ مطابقة الواقع، وعليه فما لا يعتبر فيه تحقّق الامتثال لا تُناطُ صِحّتُه إلا بذلك.

المقام الثاني: في أنّ المناط في موافقة الواقع الذي بنينا صِحَّة العَمَل عليه هل هو فتوى المجتهد حين العملَ يعني: المجتهد الذي كان وظيفته الرجوع اليه حين العملَ أو المجتهد الذي رجع اليه حين الالتفات، صريحُ المتن الثاني، ومدرك الوجهين:

إنّ المناطَ بَعْدَ عدمِ الطّريق العَمَلي للواقعيات هَل هي الواقعيّات؟ فيكونُ المخالف للطرق والأمارات مُتَجَرّياً محضاً إذا لم يخالف الواقع، أو أنّ المناطَ خصوصُ مؤدّيات الأمارات والأصول؟ فعلى الثاني يراعى فتوى المجتهد الأوّل، وعلى الأوّل يرعى الثاني.

ويمكن أنْ يكتفي بكُلٍّ منهما بناءً على الإجزاء في الأوامر الظّاهرية، إمّا مع موافقته للأوّل فلِمَا فُرِضَ من الإجزاء وكفاية الموافقة في صِحّةِ العَمَل (وتحقُّق التقليد)، وإمّا مع موافقة الثاني فلأنه لا معنى لقضاء ما أتى به على نحو ما أتى بهِ كمّاً وكيفاً.

ولكن لمّا كانَ من المحتمل اعتبارُ الأخذِ والاستناد في تحقُّقِ الأمر الظّاهري جدّاً كانَ الأحوطُ مراعاةُ الموافقة لفتوى الثاني لعدم محلٍٍّ للإجزاء؛ لأنّ محلّه العَمَلُ المأتيّ بهِ على طبق الأمرِ الظّاهريّ، إذ لم يكن ما أثر به حينئذٍ موافقاً للأمر الظاهريّ؛ لعدم الاستناد والاعتماد.

المسألة السابعة عشر: المراد مِن الأعلم مَنْ يكون أعرف بالقواعِدِ والمدارك للمسألة وأكثر اطّلاعاً لنظائرها وللأخبار وأجودُ فهماً للأخبار (والحاصل) أنْ يكون أجود استنباطاً والمرجع في تعيينه أهْلُ الخبرة والاستنباط.

ليس لفظُ الأعلم بمعناه العرفيّ مَناطاً في المقام، حيث أنّ ظاهره العرفيّ كونٌ معلوماته أكثر، وليس هذا هو المناط، بل لم يَرِدْ في الشّرعِ الإناطَةُ بعنوانِ الأعلم، سوى قوله: (أنتم أعلم النّاس إذا فهمتم معاني كلا منا)(1) ، وقوله في خبر داود بن حصين: (ينظُرُ إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا)(1)، وظاهرهما اعتبار الأعرفيّة بالقواعد والمدارك والأجوديه في فهم الأخبار، وأمّا كثرةُ الإطّلاع بالأشباه والنظائر فإنْ أوجبت الزيادة في ما ذكرنا فهو، وإلاّ فلا دليل على دخله، ولعلَّ جعله دخيلاً من جهة لفظ (الأفقه) المجعول في الخبر مُرادِفاً للأعلميّة حيثُ أنّ ظاهر الأفقهية كثرةُ الاطلاع على المسائل.

المسألة الثامنة عشر: الأحوط عدمُ تقليد المفضول حتّى في المسألةِ التي توافق فتواه فتوى الأفضل.

لعلّ منشأ هذا الاحتياط ما اعتبَرَهُ في التقليد من الالتزام بالعمل، فإذا التزم بالعمل على طبق فتوى المفضول فقد قَلَّدَ غيرَ الأعلم مع وجوده واعتمد على غير الحجّة، ولا يكفي مُجرَّدُ الموافقة مع فتوى الأعلم في الصحّة بل لو جعلنا الأعلميّة شرطاً في الحجيّة كان الاستناد إلى فتوى غير الأعلم مع وجود الأعلم تشريعاً مُحرّماً، لكنَّ مقتضى ما ذكرنا من كون مخالفة الأعلم من قبيل المانع وثبوتِ الحُجيّة الطبيعية لفتوى غير الأعلم فلا مانعَ من الاستناد إليه مع عدم المخالفة وإنْ كان هناك أعلمُ منه، بل على ما احتملناه من كفايةِ مجرَّد الموافقة في صِحّةِ العَمَل كانَ ذلك تقليداً لهما.

المسألة التاسعة عشر: لا يجوزُ تقليدُ غير المجتهد وإنْ كان من أهلِ العلم كما أنّهُ يجبُ على غيرِ المجتهد التقليد وإنْ كان من أهل العلم.

لعدم الدّليل على حُجيَّة رأيه وقوله، والأصلُ حُرْمَةُ العَمَل بما وَرَاءَ العلم عَقْلاً ونقلاً وكتاباً وسُنَّةً وإجماعاً على ما هو المقرَّرُ في مَحَلِّهِ ومِنْهُ يَظْهَرُ الحكمُ في الفرعِ الثاني، وهو وجوبُ التقليد على غير المجتهد وإنْ كان عالماً عارفاً.

المسألة العشرون: يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني، كما إذا كان المقلِّدُ من أهل الخبرة، وعَلِمَ باجتهادِ شخصٍ، وكذا يُعْرَفُ بشهادة عدلين من أهلِ الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، وكذا يُعْرَفُ بالشَّياع المفيدِ للعِلم وكذا الأعلمّيةُ تُعْرَفُ بالعلم أو البيّنة الغير المعارضة أو الشياع المفيد للعلم.

لا أرى خُصوصيّةً لكونِ مَنْ حَصَلَ له العِلْمُ من أهل الخبرة بعد كون المناط علمُه باجتهاده من أين ما حَصَل، كما أنَّهُ لا وَجْهَ لجعلِ العِلْمِ الحاصل من الشّياع مُقابلاً له، فلو جُعِلَ العِلْمُ من طُرُقِ إثباتِ الاجتهاد من أين ما حَصَلَ كان أوفق.

نعم جُعِلَ الشّياع في هذا الباب حُجّة ولو لم يُفِدْ العِلْمُ مُطلقاً أو بشرطِ إفادَتِهِ الوثوق والاطمئنان، كما رُبَّما يُسْتَظْهَرُ من عموم قوله: (إذا شهد عندك المسلمون فصَدِّقْهم)(1) في رواية اسماعيل بن أبي عبد الله عليهم السلام كان للمقابلة عنده وجهاً.

كما أنَّ حُجيّةَ البيّنة في مقام إثبات الاجتهاد بل وغيرِهِ من الموضوعات رُبّما تُعَدُّ من ضروريات الفقه وإنْ لم يَقُمْ عليه دليل لفظي ولا اجماع منقول في غير باب الدَّعاوي، نعم قد يُدَّعَى ثبوتُ حُجيَّتِهِ بالاستقراءِ، وفيه أيضاً كلامٌ ذكرناه في محلّه.

والتحقيقُ أنّه يمكن استظهار حجيّتها المطلقة من بعضِ موارد الاستدلالاتِ الواقعة في الاخبار، حيثُ يُفْهَمُ منها أنّ كفايتها في مقام إثبات موردِها من المسلَّمات.

مثلاً قوله: (والأشياء كلُّها على هذا حتّى يستبين لكَ غيرُ ذلك أو تقوم به البينة)(1) وإنْ لم يكن مشتملاً على عمومٍ أو تعليلِ يستفادُ منه عمومُ الحُجيّة في غيرِ موارد الحلِّ والحرمة إلاّ أنْ يستفاد من قوله: (أو تقوم به البينة) أنَّ ثبوتها بالبيّنة كثبوتِها بالاستبانة، من باب أنّها من طرق إثباتِ المشتبهات، وهكذا غيرها.

وعلى أيّ حالٍ فالحُجّيةُ مقصورَةٌ على موردِ الخُلوّ عن المعارضة، فلو قامت بيّنةٌ معارِضَةٌ سَقَطَتْ عن الحُجّية، كما في كُلِّ حُجَّة وطريقٍ قامت على حُجّيّتها الدليل، فضلاً عمَّا لم يَقُمْ على عمومِها دليلٌ كما فيما نحنُ فيه.

المسألة الواحدة والعشرون: إذا كانَ مُجتهدانِ لا يُمكِنُ تحصيلُ العِلْم بأعلميّةِ أحَدِهما ولا البيّنة، فإنْ حَصَلَ الظنّ بأعلميّةِ أحدِهِما تَعَيّنَ تَقليدُهُ، بل لو كانَ في أحدِهِما احتمالُ الأعلميّة يُقَدَّم، كما إذا عُلِمَ أنَّهما إمّا متساويان أو هذا المعيّن أعلم ولا يحتمل أعلميّة الآخر فالأحوطُ تقديمُ مَنْ يحتمل أعلميّتهُ.

إنْ عُلِمَ أنَّ احدهما أعلم لكن لم يَعْلَمْ التعيّن فمَعَ اختلافهما في الفتوى لا يَبْعُدْ وجوبُ الاحتياط؛ لعَدَمِ الدّليل على حُجيّة الظنّ في هذهِ المسألة كما سيَجيء إنْ شاءَ الله.

نعم إنْ لم يعلم أعلميّة أحدَهُما واحتمل تساويهما، لكن يظن الاعلمية في احدهما او يحتملها في احدهما دون الآخر بان يعلم انهما اما متساويان او هذا اعلم فهل يجب ترجيح مظنون الاعلمية بل ومحتملها او لا يجب فيتخير وجوه ثالثها التفصيل بين مظنون الأعلمية فيقدم دون محتمل الأعلمية والتحقيق ابتناء المسألة على ما مر سابقاً من ان الأعلمية شرط لصحة المراجعة والحجية او ان فتوى الأعلم مانع عن حجية قول غيره فعلاً فعلى الاول يتعين الأخذ بمحتمل الأعلمية فضلاً عن مظنونها لأن احتمال اعلمية احدهما لا يجري في الآخر يساوق احتمال عدم حجية قول الآخر فيكون قوله مشكوك الحجية وقول محتمل الأعلمية معلوم الحجية ومن المعلوم ان مشكوك الحجية ساقط الحجية، اللهم الا ان يكون هناك اصل ينفي اعلميته كأن كان مسبوقاً بالمفضولية او التساوي فيستصحب ذلك فيه الا ان يقال استصحاب مفضولية الآخر او مساواته لا ينفع بعد ان كان المعتبر بالحجية الأعلمية، نعم لو كان مسبوقاً بالأعلمية كان الأصل نافعاً هذا بخلاف ما قد بنينا على ان فتوى الأعلم مانع يمنع عن حجية فتوى غيره فأن استصحاب عدم صدور فتوى من الأعلم منه مخالفة لفتواه يجري بلا ارتياب بل ربما كان الاستصحاب عدم اعلميته ان كان مسبوقاً به وجه سالم عما اوردنا عليه آنفاً.

المسألة الثانية والعشرون: يشترط في المجتهد امور، البلوغ والعقل والايمان والعدالة والرجولية والحرية ــ على قول ــ وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزي والحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداءاً نعم يجوز البقاء(1) كما مر وان يكون اعلم فلا يجوز على ــ الاحوط ــ(2) تقليد المفضول مع التمكن من الافضل وان لا يكون متولداً من الزنا وان لا يكون مقبلاً(3) على الدنيا وطالباً لها مكباً عليها مجداً في تحصيلها ففي الخبر ((من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه)). انها ما في المتن إلى احد عشر لا يخفى ان الأصل في هذه الشروط ومحل التعرض لها في كلام الفقهاء هو عند ذكرهم لشروط القضاء بانين على ان ما كان شرطاً في الحاكم هو شرط في المفتي مع في هذه الملازمة من الأشكال لعدم دليل عليها, نعم لا يبعد العكس نظراً إلى استلزام القضاء للفتوى دون العكس مع ان فيه ايضاً منعاً بناء على جواز القضاء بفتوى الغير فما ذكروه سنداً للشروط المزبورة في باب القضاء لو تم لم يدل على شرطيتها في باب الفتوى مع ان هناك لم يقيموا دليلاً وافياً الا على بعضها بالإجماع والآخر بقي خالياً عن الدليل, نعم بناء على كون الدليل على اصل التقليد الإجماع وكونه القدر المتيقن من طرق تعرض الجاهل للامتثال كان مجرد الخلاف قدماً في الحجية فكيف كان فقد سبق تمام الكلام في اشتراط الحياة والأعلمية كما ان شرطية الأيمان والعدالة والعقل ايضاً لا يحتاج إلى بيان دليل، نعم شرط الرجولية والحرية واطلاق الاجتهاد والبلوغ محتاج إلى بيان السند المفقود في الحرية واطلاق الاجتهاد بل والرجولية والبلوغ غير الانصراف المسلم في الأخيرين الممنوع في الاولين الا ان المستفاد من حديث رفع القلم عن الصبي وعدم نفوذ امره وان عمده خطأ عدم الاعتداد بفتوّه كما ربما يدل ما دل على عدم الاعتداد بشهادته على عدم الاعتداد بفتواه بالاولوية كما ان الأمر بالرجوع إلى من عرف شيئاً من قضايانا نص او ظاهر في جواز الرجوع إلى المتجزي المستلزم لحجية فتواه فالأنصاف ان شرط الرجولي والحرية واطلاق الاجتهاد لا دليل عليه الا ان يجعل نفس الشك سبباً لسقوط الحجية فلاحظ ومن جميع ذلك تحيط خبراً بما في اشتراط طهارة المولد نعم يمكن استظهار الشرط الأخير من المروي عن تفسير العسكري ‚ مع ما فيه دلالة وسنداً.

المسألة الثالثة والعشرون: العدالة عبارة عن ملكة(1) اتيان الواجبات وترك المحرمات وتعرف بحن الظاهر الكاشف عنها علماً او ظناً وتثبت بشهادة العدلين(2) وبالشياع المفيد للعلم. ظاهراً انها عبارة عن الملكة المجردة دون الملازمة للترك والفعل المزبورين وشيخنا الأكبر في رسالته منع عن كون القول بانها مجرد الملكة من اقوال المسألة بل ارجعه إلى اعتبار العمل والملكة جمعاً قائلاً انهم متفقون على انها تزول بارتكاب الكبيرة ويحدث الفسق الذي هو ضدها وحينئذ فأما ان تبقى الملكة او تزول فأن بقيت ثبت اعتبار الاجتناب الفعلي في العدالة وان زالت ثبت ملازمة الملكة للاجتناب الفعلي ويؤيده انهم فسروها بالملكة الباعثة على ملازمة التقوى وظاهرة الملازمة الفعلية فمع الانفكاك تزول الخصوصية المعتبر في الملكة المفسرة بها العدالة وعلى هذا لو عبر المصنف بما في كلامهم من توصيف الملكة بالملازمة كان اولى، هذا مضافاً إلى عدم مساعدة الدليل على كونها عبارة عن نفس الملكة كما سيأتي واحتمال ان الملكة ملازمة لاجتناب الخارجي فلا يحتاج إلى التوصيف ضعيف جداً ولعل مراد المصنف ايضاً الملكة الملازمة وانما ترك التوصيف مسامحة وهو ايضاً بعيد مع انه عبر بنفس هذه العبارة في تفسير العدالة فيما سيأتي من مسائل الجماعة ولعل مختارة كونها عبارة عن نفس الملكة المجردة عن القيد وحينئذ فلا كلام لنا معه الا في المدرك، وعلى أي حال فليست هي نفس الاجتناب عن المحرمات واتيان الواجبات من غير اعتبار كونها عن ملكة كما هو القول الآخر ولا نفس عدم ظهور الفسق او ظهور الإسلام كما قد ينسب إلى بعض وان كان في غير محله وكيف كان فمدرك الأقوال المزبورة صحيحة ابن ابي يعفور بعد ان سأل بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم قال عليهم السلام بان يعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان وتعرف باجتناب الكبائر التي اوعد الله عليها النار، فان الستر والعفاف بل وكف البطن ليس عبارة عن مجرد افعال وتروك بل هي مع الصفة النفسانية والحالة الروحية فلا تكون طريقاً إلى العدالة سواء جعلت العدالة عبارة عن الأمرين او احدهما إذ على الاول هو عينه وعلى الأخيرين يكون الذكور العدالة وزيادة فلا يمكن ان يجعل طريقاً اليها فتعين ان تكون هذه الفقرة عين العدالة وحينئذ فان جعلنا السؤال عن التعريف المنطقي فهو وان جعلناه سؤالاً عن الطريق والمعرف العرفي كان بيان حقيقتها تفضلاً من الأمام للإشارة إلى ان الراوي بحقه اولاً ان يسأل عن حقيقته ثم عن الطريق اليه، ويمكن ان يكون قوله وتعرف باجتناب الكبائر طريقاً إلى حقيقة العدالة ثم يكون قوله والدليل على ذلك ان يكون سائراً دليلاً على الدليل، والنتيجة ان العدالة عبارة من الأمر النفساني الملازمة لترك القبائح والدليل عليه نفس ترك المعاصي ولما كان نفس ترك المعاصي صعب الإطلاع عليه جعل الطريق اليه الستر عن القبائح العرفي والاستحياء من الناس وربما قيل بان السؤال عن الطريق كما هو الظاهر منه والجواب ايضاً عن الطريق فيجعل الستر والعفاف رحمه الله عبارة عن مجرد الملكة ومن جعل الملكة طريقاً يستكشف ان العدالة عبارة عن نفس الاجتناب كل ذلك محافظة على ظاهر السؤال من حيث كونها ظاهرة في السؤال عن الطريق وتحفظاً على ان الجواب عن الحقيقة مناف لظهور السؤال في السؤال عن مجرد الطريق، وفيه ما عرفت من ان كون السؤال ظاهراً في السؤال عن الطريق لا ينافي اشتمال الجواب على بيان الحقيقة نعم ينافي عدم التعرض للطريق اصلاً مضافاً إلى ان حمل الستر والعفاف على مجرد الملكة خلاف الظاهر جداً وابعد منه جعل الملكة الستر هي امر نفساني خفي طريقاً عن العمل، واعجب منه ان شيخنا الاكبر استبعد ذلك يعني جعل الملكة طريقاً إلى العمل بان طريقتها للعمل امر عرفي ظاهر غير محتاج إلى السؤال والجواب، وكيف كان فما يبعد ما ذكره القائل انه لا يبقى بعد ذلك موقع لقوله وتعرف باجتناب الكبائر إذ عليه يكون اجتناب الكبائر نفس العدالة فلا معنى لجعله طريقاً إلى الطريق او تتمة للطريق او طريقاً مستقلاً إلى العدالة، فتلخص ان الظاهر من الصحيحة مدخلية الحالة النفسية في حقيقة العدالة وقد عرفت ان كونها عبارة عن مجرد تلك الحالة ليس من اقوال المسألة فتكون عبارة عن الحالة الرادعة الملازمة: مع ما عرفت من ان الستر والعفاف إلى آخرها ليست مجرد الملكة بل مع العمل الخارجي مقيداً او مركباً ولا ثمرة مهمة في توضيح هذه الجهة فلعل المصنف حيث جعل العدالة عبارة عن مجرد الملكة حمل الستر والعفاف على مجردها مع جعل السؤال سؤالاً عن حقيقة العدالة او ولو كان سؤالاً عن الطريق اليها لعدم المنافاة بينه وبين الجواب عن الحقيقة، بقي الكلام فيما يظهر من تفسيره للعدالة في بحث الجماعة حيث اضاف إلى ما هنا ترك منافيات المروة الدالة على عدم مبالاة مرتكبها بالدين الدال على مدخلية ترك منافيات المروة في العدالة كما هو احد الاقوال في المسألة ولم يعتبره من سبق عن العلامة وبعضهم اعتبره مطلقاً وشيخنا الاكبر ارجع تفصيل المصنف إلى القول بنفيه مطلقاً إذ هو تفصيل في طريق العدالة وان ارتكاب مثل هذه المنافيات الكاشف عن عدم المبالاة بالدين يمنع عن كشف حسن الظاهر عن الملكة وكيف كان فما يستظهر منه ذلك يعني اعتبار ترك منافيات المروة في العدالة فقرات من الصحيحة السابقة حيث ان المراد من الستر والعفاف والكف هو وجود حالة عفة في النفس بها يقدر الشخص على التحفظ عن القبائح مطلقاً اما ان المراد الحالة النفسانية فهو واضح حيث عرفت ان المراد منها الملكة دون العمل الخارجي واما ان المراد الحالة الملازمة لتك مطلق القبائح دون خصوص الشرعية فللاطلاق فالعدالة هي عفة النفس بحيث تزاحم الدواعي الشهوانية المحركة إلى القبائح فلو كان للشخص هذه الحالة بحيث إذا دعته القوى الشهوانية إلى القبائح قابلها وتحفظ عن اليد واللسان والبطن والفرج كان عادلاً هذا بناء على الاطلاق ولو قيل بالانصراف إلى خصوص القبائح الشرعية كما يفسرها بذلك من لا يعتبر التجنب عن منافيات المروة كانت العدالة عبارة عن خصوص الحالة الرادعة من الكبائر والاصرار على الصغائر ومن يعتبر ذلك في حسن الظاهر يجعل الفقرات الاولى منصرفة إلى خصوص القبائح الشرعية ويأخذ باطلاق الفقرة الاخيرة يعني قوله والدال على ذلك كله ان يكون ساتراً لعيوبه المفسر عند بعضهم بالاستحياء عن الناس حيث يجعل (يفسر) الستر والعفاف في صدر الرواية بالاستحياء عن الله وقي ذيلها بالاستحياء عن الناس ولعل مثل المصنف الذي يعتبر ترك بعض منافيات داخلاُ في حقيقة العدالة يأخذ بالوسط بين الاطلاق والانصراف، قال وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً وظناً كون حسن الظاهر طريقاً اليها معتبراً في الجملة فلمثل قوله من عالم الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم إلى قوله ممن حرمت غيبته وظهرت عدالته وقوله من صلى الخمس في جماعة فظنوا به كل خير وقوله في الشاهد إذا كان ظاهرة ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه بل ربما يستدل بها على انه نفس العدالة او انها عبارة عن نفس ترك المعاصي وفعل الواجبات لكنه لا يعتني به بعد وجود صحيحة ابن ابي يعفور المفسر لها بالملكة مع جعل حسن الظاهر بقوله والدليل على ذلك كله معرفاً لها فيكون هي بمنزلة الجامع بينهما المفسر لها مضافاً إلى قوله ظهرت عدالته بل قوله ظنوا به كل خير فالعدالة امر واقعي وحسن الظاهر طريق اليها فيكون ما ذكر من الاخبار بمنزلة الفقرة الاخيرة من صحيحة ابن ابي يعفور وهل هو طريق إذا افاد الظن والوثوق او مطلقاً ولو لم يفد ذلك ظاهر الاخبار الماضية الثاني وظاهر ما دل على اعتبار الوثوق مثل قوله ممن ترضون في الهدى ولا يصل الا خلف من تثق بدينه وامانته الاول ويمكن حمل الادلة على الغالب من افادة الظن والوثوق وعلى فرض التعارض فالنتيجة عدم الطريقية مع عدم الظن، وتثبت ايضاً بالعلم من اينما حصل والبينة الغير المعارضة والشياع المفيد للعلم بل ولو لم يفده لعد الشهادة من الامور التي تثبت لظاهر الحكم في الرواية التي يستدل بها على ثبوت جملة من الاشياء بالشياع كالنسب والوقف حيث عد فيها الشهادة وفي بعض النسخ لظاهر الحال وليس المقام مقام الكلام في ذلك وان كان الاقوى كفاية الشياع في ذلك إذا افاد الوثوق.

المسألة الرابعة والعشرون: إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلد العدول إلى غيره. لأن ما كان شرطاً في ابتداء التقليد فهو شرط في استمراره غير الحياة على ما مر فبمجرد فقد الشروط سقط فتواه عن الحجية ووجب تتبع حجة اخرى.

المسألة الخامسة والعشرون: إذا قلد من لم يكن جامعاً ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد اصلاً فحاله حال الجاهل القاصر او المقصر، فان كان عارفاً ملتفتاً بطل عمله العبادي وان كان غافلاً او لم يكن العمل عبادياً كان تابعاً للواقع والمناط في احراز الواقع فتوى مجتهده يعني من كان يجب عليه تقليده حين العمل او حين الالتفات وقد مر الكلام فيه في المسألة السادسة عشر.

المساْلة السادسة  والعشرون: إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات وقلد من يجوز البقاء، له ان يبقى على تقليد الاول في جميع المسائل الا مسألة حرمة البقاء، فقلد من يجيزه بقي على تقليد الاول في غير مسألة تحريم البقاء اما على ما ذكرنا من اعتبار العمل في التقليد فلأنه تقليد ابتدائي له واما بناء على مذاق المصنف من كفاية الإلتزام في التقليد فلاستلزامه المحال إذ يلزم من جواز تقليده اياه في مسألة حرمة البقاء عدم جوازه وكل ما لزم من وجوده عدمه فهو باطل.

المسألة السابعة والعشرون: يجب على المكلف العلم باجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها ولو لم يعلمها لكن علم اجمالاً ان عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح وان لم يعلمها تفصيلاً، إذ بدونه لا يحصل له العلم بالبراءة لاحتمال نقص المأتى به عن المأمور به بل لا يعقل ان يدعو الامر إلى ما لا يعلم كونه متعلقة فيجب تحصيل العلم بمتعلقه حتى يتمكن من اتيانه بداعيه نعم الدليل الكافي انما ينفع إذا اعتبرنا الجزم في الاطاعة وداعوية الامر واما مع عدمه فلا مانع من اتياه ما يحتمل كونه المأمور به باحتمال كونه اياه نعم ليس للعقل تأمينه عن العقاب وهو لازم بمقتضى الاشتغال المعلوم وهل يكفي العلم الإجمالي باشتمال المأتي به على الاجزاء والشرائط وان لم يعلم ان كل ما يأتي به له دخل فيه الاقوى كما في المتن نعم لحصول العلم بالبراءة لان المفروض انه اتى بالمأمور به بداعي امره ولا يعتبر في الطاعة ازيد منه لكن يجب تقيده بما إذا كان داعيه الأمر بتلك الأجزاء والشرائط المعلومة اجمالاً لا بجميع ما يأتي به وهو ظاهر.

المسألة الثامنة والعشرون: يجب تعلم مسائل الشك والسهو بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالباً نعم لو اطمئن من نفسه انه لا يبتلي بالشك والسهو صح عمله(1) وان لم يحصل العلم باحكامها. لأنه من مقدمات امتثاله إذ بدونه لا يتمكن من الامتثال عند عروض السهو والشك والمفروض انه حين الابتلاء الفعلي بهما غير متمكن من التعلم لأنه مشغول بالعمل بل ربما يضيق عليه وقت التعليم بل لا يتمكن الا مع رفع اليد عن العمل مع احتمال حرمته او الجزم به فيجب عليه التعلم بل مع الجهل بحكم ما لا يطمئن بعدم عروضه لا يطمئن بأنه متمكن من اتمامه فلا يتمشى منه التقرب به لان الأمر لا يدعو إلى ما لا يقدر العبد عليه ولا إلى ما لم يعلم القدرة عليه فيبطل بذلك عمله، نعم لو اطمأن انه لا يبتلي بالشك والسهو صح عمله وان لم يعلم باحكامهما فتعلم احكام ما يبتلى به من السهو مضافاً إلى انه واجب تكليفاً شرط في صحة عمل لا يطمئن بخلوه عنه، ولكن القائل ان يمنع من وجوبه تكليفاً الا بعد الابتلاء الا إذا علم انه حين الابتلاء يضيق وقته عن التعلم وعلم بالابتلاء ايضاً والا فمع عدم العلم به لا يجب عليه ذلك لعدم الدليل عليه بل ولو علم بالابتلاء به في صلاته إذا لم يعلم بضيق الوقت عنه فانه بعد الابتلاء في الاثناء له ان يحتاط ان تمكن والا فله اتمام العمل برجاء ثم التعلم والاتيان بالوظيفة فلا وجه لا يجابه تكليفاً واما وجوبه وضعاً من جهة مقدميته لصحة العمل فهو ايضاً ممكن المنع إذ له ان يأتي بالعمل برجاء عدم الابتلاء والتمكن من الإتمام على حسب ما مر في الجاهل المقصر الملتفت العامل بما لا يعلم انه وظيفته فان الاتيان برجاء المطلوبية او رجاء ان يتمكن من المطلوب من طرق الامتثال العقلائي، نعم ما لم يحصل له الجزم باتيان المأمور به لم يكن مأموناً من العقاب لكنه كلام لا ربط له بما نحن فيه او بالجملة لا دليل على كون التعلم شرطاً لصحة العمل الا دعوى عدم تمشي الاطاعة والامتثال بدونه وهو ممنوع ومنه يظهر وجه المنع عن وجوبه تكليفاً اللهم الا ان يكون اجماع.

المسألة التاسعة  والعشرون: كما يجب التقليد في الواجبات والمحرمات يجب في المستحبات والمكروهات والمباحات بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات او المعاملات او العاديات، يعني لا يختص بالفرائض والمحرمات بتوهم انها امور الزامية يجب تحصيل البراءة فيها واما المستحبات والمكروهات والمباحات فلا الزام بالنسبة اليها فلا يجب التقليد فيها وذلك لان كون الشيء مستحباً او مكروهاً او مباحاً لا يعلم من دون التقليد بل لا يجوز ارتكاب شيء من العاديات ايضاً الا بعد الرجوع إلى المجتهد وتعلم حكمه والا فمع علمه ولو اجمالاً بالزامات فعلاً او تركاً لا يجوز التعرض فعلاً وتركاً لشيء من دون التقليد بل لو علم استحباب شيء وجهل بعض كيفياته وجب التقليد فيه شرطاً والا لم يكن له الاتيان به بعنوان الاستحباب وان جاز له ذلك رجاء وكذا في ترك المكروه ان كان عبادياً، نعم في المباحات وغير الالزاميات من التوصليات مع العلم بحكمها لا يجب التقليد فيها بل هو كذلك في كل معلوم الحكم، وبالجملة كل ما لم يعلم حكمه وجب ان يتعلمه بالتقليد الا ان يستقل عقله فيه.

المسألة الثلاثون: إذا علم ان الفعل الفلاني ليس حراماً ولم يعلم انه واجب او مباح او مستحب او مكروه يجوز له ان يأتي به لاحتمال كونه مطلوباً وبرجاء الثواب وإذا علم انه ليس بواجب ولم يعلم انه حرام او مكروه او مباح له ان يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً، جاز له فعله رجاء وإذا علم انه ليس بواجب جاز له تركه كذلك اما مع عدم كونه عبادياً فواضح بل ليس ذلك من التقليد إذ اشتراك غير الحرام في جواز الفعل ضروري وكذا العكس يعني اشتراك غير الواجب في جواز الترك واما في العبادات فلأنه من افراد الاحتياط الذي مر جوازه حتى مع التمكن من العلم فضلاً عن الظن التقليدي.

المسألة الواحدة والثلاثين: إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الاول، لعدم كونه حينئذ من فتاويه والعمل بفتواه السابق لا وجه له مع توقفه وتردده فضلاً عن رجوعه إلى خلافه ومنه يظهر حال.

المسألة الثانية والثلاثين: إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط او العدول إلى الاعلم بعد ذلك المجتهد(1)، وحاصل الكلام فيهما ان الفتوى الذي يرجع اليه المقلد هو الفتوى الحالي للمجتهد لا فتواه السابق كيف وليس ذاك من الرجوع إلى العالم في علمه كيف يكون ذلك وهو يخطئ نفسه في ذاك او متردد ومتوقف فيه وحينئذ فيجب في الثاني الرجوع إلى غيره الأعلم وفي الاول الرجوع إلى فتواه الثانية.

المسألة الثالثة والثلاثون: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد(1) ايهما شاء ويجوز التبعيض في المسائل وإذا كان احدهما ارجح من الآخر في العدالة او الورع او نحو ذلك، فالاولى بل الاحوط اختياره، مع عدم المعارضة بل في الحقيقة يكون تقليداً لهما واما مع المعارضة فقد عرفت ان مقتضى تعارض الطريقين عندهم تساقطهما وفرضهما كأن لم يكن الا في عدم جواز الأخذ بما يخالفهما وعليه فيجب الأخذ بأحوط القولين ان كان والا فالتخير للعلم بعدم تكليفه بغيرهما ولا يمكنه الجمع بينهما فلا محيص له الا من الأخذ باحدهما، نعم بناء على الموضوعية والسببية كما ربما لا يكون بعيداً وان كان ينافيه استدلالهم عليه بالرجوع إلى اهل الخبرة كان الحكم التخير من اول الأمر كما ان مقتضى ما ذكرناه في محله من ان الأصل في تعارض الطريقين التخير ذلك ايضاً، قوله ويجوز التبعيض في المسائل حتى بالنسبة للعمل الواحد على ما سيجيء إن شاء الله في المتن فيجوز ان يقلد احدهما في وجوب السورة والآخر في جواز جلسة الاستراحة وهل يجوز ذلك حتى إذا بطل مجموع العمل على كلا القولين كأن كان فتوى احدهما على وجوب السورة وعدم وجوب الجلسة وفتوى الأخر على العكس فتركهما بفتواهما وقلد كلاً فيما يفتى بعدم الوجوب دون فتواه بالوجوب فصلّى بلا سورة وبلا جلسة ام لا الأقوى الاول (( اقول يمكن ان يقال بالفساد ويقوى الثاني لأن كل من المجتهدين انما يفتى بالأجزاء التي اتى بها المقلد في ضمن المركب الموجود مع احدهما لا الخالي منهما، وبعبارة اوضح انه في كيفية العمل يجب ان يقلد لأن الغرض انه عامي والكيفية التي اتى بها لم تكن موافقة للمجتهد اصلاً)) لأن فساد الصلاة على فتوى كل منهما انما يضر ان كان مقلداً فيها واما ان قلدا احدهما في بعضهما والآخر في البعض الآخر ففتوى كل بفسادها مستنداً إلى الجهة التي ليس العامل مقلداً له فيها، مثلاً من يقول بوجوب السورة يفتى بفساد الصلاة لخلوها عنها والمفروض انه لم يقلده فيه فلا يضره هذه الفتوى وكذا فتوى الآخر بفسادها مستنداً إلى فتواه بوجوب الجلسة وهو لم يقلده فيه ايضاً، نعم ان علم بفساد صلاته هذه بحسب الواقع لعلمه بمطابق فتوى احدهما للواقع لم يجز له القناعة بها في مقام تحصيل البراءة لكنه لا ربط له بالتبعيض بل مع علمه بوجوب احدهما لا يجوز له تركهما حتى لو افتى مجتهده بعدم وجوبهما فهذا اجنبي عن مسألتنا.

ودعوى ان العمل الواحد يجب ان يكون مطابقاً لفتوى مجتهده يعني يجب ان يكون له مجتهد يفتى بصحة عمله او فساده لا منشأ لها قوله وإذا كان احدهما ارجح من الآخر في العدالة او الورع فالاولى بل الأحوط اختياره وظاهره فيما مضى في المسألة الثانية عشر الفتوى بوجوب تقليد الاورع وكيف كان فالمنقول من النهاية والتهذيب والدروس والذكرى وغيرها وجوب الأخذ بالورع للأصل وبعض الأخبار وإذا فرض تأثير الاورعية زيادة الوثاقة بملاحظة انها توجب ان يتعب نظره ازيد ويمعن في المطالب اكثر اقتضى تقديمها الدليل العقلي الدال على رجحان الأعلم ايضاً وإذا كان احدهما اعلم والآخر اورع فهل يقدم الاول او الثاني او يتخير وجوه مقتضى القاعدة الاحتياط مع الإمكان ومع عدمه التخير اما الاحتياط فلاحتمال يقين احدهما، ومجرد كون مناط الاستفتاء في الأعلم اكد لا يوجب تقديمه مع وجود مناط آخر في الاورع يحتمل ان يوجب تقديمه خصوصاً إذا اوجب شدة الوثاقة بفتواه.

المسألة الرابعة  والثلاثون: إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الأعلم ثم وجد اعلم من ذلك المجتهد فالاحوط العدول(1) إلى ذلك الاعلم وان قال الاول بعدم جوازه. فهل يجب عليه العدول لأن المفروض وجوب تقليد الأعلم ابتداء واستمراراً فإذا وجد أعلم زال مناط الحجية في غيره فيجب عليه العدول بل لا معنى للعدول حينئذ فانه يبطل تقليده وتسقط حجية قوله او انه يحرم عليه ذلك لأنه قلد المجتهد الاول والرجوع إلى الأعلم انما كان بمناط كونه من المتيقن حجيته وهذا المناط قد زال في المقام بملاحظة استلزامه للعدول المحرم فيستصحب تقليده للاول او انه يتخير لاشتمال كل منهما على جهة مميزة له عن صاحبه ولا ترجيح، او يحتاط مع التمكن ويتخير مع عدمه وجوه احوطها بل اقواها الأخير لعدم مرجح لأحد الاحتمالين على الآخر فكما يحتمل اختصاص حرمة العدول بغير ما إذا كان المعدول اليه اعلم كذلك يحتمل اختصاص تقليد الأعلم فيما لم يستلزم العدول، نعم ان منع عن الاطلاق في دليل حرمة العدول وسلم في دليل وجوب تقليد الأعلم كان مراعاة الثاني اولى ولعله كذلك لأن دليل حرمة العدول اما الأصل او الإجماع والثاني منتف في محل الخلاف والأصل لا يعارض الدليل ومنه يعلم انه لا نفع في استصحاب حجية فتوى الاول او وجوب تقليده او الحكم الفرعي المطابق لفتواه ولعله لذلك جعل الأحوط في المتن العدول وان كان الأخذ باحوط القولين بينهما احوط حسبما عرفت، ثم ان هذا كله إذا كان الاول يحرم العدول حتى يكون العدول إلى الأعلم محققاً للعدول والا فان لم يكن مفتياً بحرمة العدول لم يكن الرجوع إلى الثاني عدولاً وبعبارة اخرى مسألة جواز العدول وعدمه بعد ان كان من المسائل الخلافية ودار امره بين المحذورين لكون المعدول اليه اعلماً نظير اصل مسألة التقليد او تقليد الأعلم او البقاء على تقليد الميت يجب ان يجتهد فيه المكلف ويأخذ بما استقل به عقله فأن لم يستقل به عقله عليه ان يأخذ بالمتيقن الطريقية فنقول ان كان المعدول اليه والمعدول عنه كلاهما قائلين بجواز العدول فلا اشكال لأنه عليه كان العدول له من المتيقن إذ لا يخلو مرجعه من ان يكون احدهما وقد قالا بجواز العدول فالعدول له مبرء قطعاً وكذا لو كان احدهما متوقفاً والآخر قائلاً بالجواز لأن التوقف عبارة عن عدم الفتوى فيتعين علي العدول ايضاً وكذا ان كان احدهما يقول بالتخير بين العدول وعدمه والآخر يعين احدهما فان الأخذ بما يعينه الآخر طريق الاحتياط واما ان كان احدهما يعين العدول والآخر يمنعه فلا متيقن في البين لدوران امره بين المحذورين فيجب عليه الأخذ باحوط القولين في الموارد، ثم ان ما ذكرنا حكم المسألة بحسب النظر في الأدلة واما المقلد فبعد ان لم يستقل عقله بشيء يجب عليه الاحتياط او الأخذ بالمتيقن ولا متيقن في البين إذا اختلفا في الحرمة والوجوب، نعم ان جوّزاه معاً او حرّماه او اوجباه او جوَّزه احدهما واوجبه او حرمة الآخر أمكن الجمع بين فتواهما، والحاصل لو امكنه الجمع بين الفتوائين كان ذلك اسلم له والا فيحتاط في المسألة الفرعية ويأخذ بأحوط القولين والا فليتخير بين العدول والبقاء، ومن جميع ما ذكرنا ظهر انه لا وجه لعنوان المسألة بقوله إذا قلّد من يقول بحرمة العدول بل الاولى ان يعنون إذا قلد مجتهداً ووجد اعلم منه فالأحوط العدول وان كان الاول يحرمه ثم ان جعل العدول احوط لعله من اجل ان قوله بوجوب تقليد الأعلم ايضاً من باب الاحتياط والا فليس العدول احوط من البقاء.

المسألة الخامسة والثلاثون: إذا قلد شخصاً بتخيل انه زيد فبان عمراً فان كانا متساويين في الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد صح, والا فمشكل(1). او كان عمراً اعلم صح عمله وتقليده ولو كان بعنوان التقيّد لأن الفتوى الذي اخذه فتوى صادر عن اهله جامع لشرائط الأخذ فلا وجه لعدم صحة العمل عليه ومجرد البناء على ان فتوى غيره لا يضر بصحة العمل حتى إذا كان الغير غير جامع لشرائط جواز الأخذ بفتواه فضلاً عما إذا لو كان جامعاً غاية الأمر على الاول يكون متجرياً بل مشرعاً ولا يمنع شيء منهما عن صحة العمل إذا لم يضر بقصد القربة كما هو المفروض (( اقول لا يخفى ان المسألة مبنية على تفسير التقليد)).

المسألة السادسة والثلاثين: فتوى المجتهد تعلم بأحد الأمور: الاول: ان يسمع منه شفاهاً، الثاني: ان يخبر بها عدلان، الثالث: اخبار عدل واحد بل يكفي اخبار شخص موثوق يوجب قوله الاطمئنان وان لم يكن عادلاً، الرابع: الوجدان في رسالته ولا بد ان تكون مأمونة من الغلط. ان يسمع منه شفاهاً ولا يضره كون دلالة الفاظه ظنية لثبوت حجيته ببناء العقلاء الممضي شرعاً، واخبار عدلين ودلالة الفاظهما ظنية ايضاً غير مضر لما عرفت، واما اخبار العدل الواحد بل وكل من يوثق بخبره فلا اشكال فيه ايضاً ان جعلنا نقل الفتوى من نقل الأحكام الشرعية فيكون حال العدل الواحد حال العدل الناقل عن الأمام عليهم السلام وحال الثقة حال الخبر الموثوق به المبني على حجيته واما ان جعلناه من قبيل نقل الموضوعات كالعلة هو اقرب ولا اقل من خروجه عن منصرف حجية اخبار الآحاد الناقلة عن الامام عليهم السلام كما هو المتيقن من جملة ادلتها فكذلك لا اشكال في حجيته للسيرة القطعية الجارية بين المسلمين حيث يتلقون فتاوى المجتهدين من الثقاة ومنه يظهر الوجه في حجية كتابة الرسالة مع الامن من الغلط فانه ايضاً نقل يوثق بصدقه بل ولو لم يكن من باب الخبر ايضاً لجريان السيرة على العمل بها من دون انكار من منكر.

المسألة السابعة والثلاثين: إذا قلَّد من ليس له اهلية الفتوى ثم التفت وجب عليه العدول وحال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل الغير المقلد وكذا إذا قلد غير الاعلم وجب على الاحوط(1) العدول إلى الاعلم وإذا قلد الاعلم ثم صار بعد ذلك غيره اعلم وجب العدول إلى الثاني، على الاحوط. فروع هذه المسألة قد اشير إلى مدركها فيما مضى بل ومضى نفس الفروع في المتن فلا حاجة إلى تكرار واعادة.

المسألة الثامنة والثلاثين: ان كان الاعلم منحصراً في شخصين(2) ولم يمكن التعيين فان امكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط والا كان مخيراً بينهما. والجمع بين فتواهما احتاط والا تخير لانه لا يتمكن من الاخذ بفتوى الاعلم فيسقط وجوبه لان وجوب تقليد الاعلم انما هو مع التمكن ويسقط مع عدم التمكن ككونه فبمورد لا يتمكن المقلد من تعلم فتواه، ولولا ما ذكرنا من سقوط التكليف بتقليد الاعلم وتعينه لم يكن وجه للتخير لكنه من باب اشتباه الحجة بغير الحجة نظير ان يعلم باجتهاد احدهما ولا يتمكن من تعينه فانه لا وجه لاحتمال التخير وما نحن فيه ايضاً من هذا القبيل فظهر ان الفتوى بالتخير مستند إلى سقوط تعين الاعلم للطريقية هذا كله بناء على كون الاعلمية شرطاً لجواز التقليد واما بناء على ما ذكرناه من كون صدور الفتوى المخالف من  الاعلم مانعاً من جواز تقليد غيره فيمكن القول بالتخير من اول الامر يعني حتى إذا امكن الاحتياط بالجمع وذلك لاصالة عدم صدور الفتوى المخالف من اعلم من هذا الذي يأخذ فتواه، ودعوى ان الاصل المزبور يجري في حق كل منهما مع العلم بكذب احدهما لان احد الفتويين فتوى مخالف من اعلم من صاحبه بلا اشكال مدفوعة بأنه لا يلزم من جريان الاصلين مخالفة عملية للواقع لو لم يجوز التخير الاستمراري مع تعدد المجتهدين المتساويين، نعم إذا قلنا بالتخير الاستمراري هناك كان مقتضى الاصلين هنا ايضاً ذلك فيلزم مخالفة عملية للتكليف المعلوم.

المسألة التاسعة والثلاثين: إذا شك في موت المجتهد او في تبدل رأيه او عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء إلى ان يتبين الحال، من فسق او جنون او وجود من هو اعلم منه من ارباب الفتاوي يجوز له البقاء على تقليده بحكم الاستصحاب إلى ان يتبين له الحال ولا يجب عليه الفحص لعدم وجوبه في موارد الاصول الموضوعية بل يجوز له ذلك يعني البقاء استصحاباً حتى لو شك في حياته وبقاء عدالته على تقدير الحياة مع انه قد يناقش في الاستصحاب الثاني على هذا التقدير لعدم احراز الموضوع علماً ولا يجوز احرازه بالاستصحاب إذ ليس من آثار بقاء حياته جواز استصحاب عدالته وعدم تبدل رأيه وبقاء عقله وهكذا وليس الشك في العدالة مسبب عن الشك في الحياة حتى يكفي عنه وذلك لانه يكفي في الاستصحاب احراز الموضوع على تقدير الحياة فالعدالة على تقدير الحياة مستصحبة ولا مانع منه وما سمعت من وجوب احراز الموضوع في الاستصحاب لا يراد منه، أزيد من اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة وهو حاصل في الفرض واضعف من التوهم المزبور ما يمكن ان يتوهم من انه لا اثر لاستصحاب الحياة عند الشك في الموت لان ترتب جواز التقليد وبقاء حجية الرأي على الحياة عقلي ضرورة ان زوال الرأي بالموت من حكم العقل فيكون اشتراط الحياة فيه ايضاً منه فلا يترتب على استصحابه جواز تقليده او حجية رأيه فانه يندفع بضرورية كونه اشتراط الحياة في المجتهد شرعياً وان التقيد الابتدائي للميت لا يجوز اجماعاً لا بملاحظة دليل العقل وعدم بقاء الرأي له بعد موته على تقدير تسليمه لا يمنع على جواز الاخذ برأيه السابق فيكون نظير الخبر بل عرفت انه من اقسام الاخبار الحدسي كما في غيره من ارباب خبرة الصنائع.

المسألة الاربعون: إذا علم انه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان ولم يعلم مقداره، فأن علم بكيفيتها وموافقتها للواقع او لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفاً بالرجوع اليه فهو، والا فيقضي(1) المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط وان كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن. هذه المسألة تتضمن فروعاً اشير سابقاً إلى جملة منها مع مداركها.

 الاول: ان عمل المكلف بلا تقليد مدة من الزمان، ثم علم موافقتها للواقع او للمجتهد الذي كان تكليفه الرجوع اليه صح اعماله وهذا مر الكلام فيه ومر سابقاً انه انما يتم في غير العبادات وفيها ان تحقق منه قصد القربة كأن كان غافلاً حين العمل واما مع التفاته حينه فلا يصح منه وان كان موافقاً للواقع ولعله لم يقيد الحكم هنا اعتماداً على ما مر منه سابقاً وان لم يصح هذا الاعتماد في الرسائل العلمية.

الثاني: إذا لم يعلم بمطابقة عمله للواقع ولا لفتوى المجتهد وجب عليه قضاء اعماله السابقة واعادتها مع بقاء وقتها وهذا ايضاً مر الكلام فيه.

الثالث: انه إذا لم يعلم المقدار الذي كان عمله فيه بلا تقليد مثلاً لم يعلم ان عمل بلا تقليد صحيح خمس سنين او اربع يجب عليه قضاء اعماله في المقدار المتيقن وهذا لا اشكال فيه مع علمه بمخالفته لفتوى مجتهده واما مع الشك في الموافقة والمخالفة فهل هو كذلك يجب عليه الاعادة والقضاء او يمكن اجراء قاعدة الفراغ والتجاوز والشك بعد الوقت وجهان من اطلاق ادلة تلك القواعد ومن ان الظاهر منها جميعها سوقها لبيان عدم الالتفات إلى احتمال النسيان والسهو كما يرشد اليه قوله لانه حين كما يتوضأ أذكر منه حين يشك فان ظاهره ان لغوية الشك بمناط الا ذكريه فلا يلغى بها الشك في الصحة والفساد إذا لم يستند إلى الغفلة ولذا لم يعتمدوا على قاعدة الفراغ والتجاوز في الطهارة فيما إذا علم بانه لم يحرك خاتمه حين الغسل وكان يصل الماء تحته تارة ولا يصل اخرى ويحتمل ان يكون هذه (المرة) وصل الماء واصعب منه ما إذا لم يعلم بأنه قد يصل بان احتمل لانه لا يصل الماء تحته ابداً ومنه ما إذا توضأ باحد طرفي الشبهة غفلة واحتمل انه صادف الماء الطاهر اتفاقاً وهذا اشبه ما نحن فيه فان مثل ذلك لا يجري فيها اصالة الصحة والفراغ وان لم تقل باماريتها فضلاً عما جعلناها امارة وحينئذ فمقتضى القاعدة يعني قاعدة الاشتغال وجوب القضاء، ان قلت هذا يتم فيما إذا التفت في الوقت واما إذا التفت بعد الوقت فلا مجال للاشتغال لأن التكليف الموقت قد ارتفع يقيناً اما بالامتثال واما بالعصيان والقضاء بتكليف جديد مشكوك والأصل فيه البراءة، قلت يكفي في ثبوت القضاء تنجز التكليف في الوقت بحكم الاستصحاب وقاعدة الاشتغال ان قلت احتمال وجوب تكليف في الوقت وأن اوجب الاحتياط بحكم القاعدة والاستصحاب في الوقت الا انه بعد الوقت يكون الشك في التكليف شكاً بدوياً مجرى لأصل البراءة، قلت ان فرضنا الأمر الاحتمالي في الوقت منجزاً فما يترتب عليه من القضاء ايضاً يكون منجزاً لأنه من الآثار الواقعية الغير المنفكة عنه مثلاً بعد الاتيان بالمشكوك في الوقت لم يعلم بالبراءة لاحتمال كون ما اتى به مخالفاً للواقع قلا يؤمن من العقاب لأن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية بحكم العقل ولازم ذلك ان يكون التكليف على تقدير وجوده الواقعي منجزاً غير مرتفع فإذا كان بوجود الاحتمالي متنجزاً كان فوقه الاحتمالي ايضاً منجزاً فإذا احتملنا بقاءه في الوقت احتملنا وجوب القضاء وكما ان الاحتمال الاول مصحح للعقاب كذلك الاحتمال الثاني لكونه متفرعاً عليه ومن آثاره، هذا مضافاً ان نفس الأمر الظاهري بالفعل في الوقت بعد الاتيان بمشكوك الصحة قد تنجز وفات فيجب قضاءه، هذا مضافاً إلى ان القضاء مرتب على نفس عدم الاتيان بفريضة الوقت الذي هو مطابق للأصل دون الأمر الوجودي المنتزع عن العدم على وجه مخصوص الغير الثابت بالأصل، وبالجملة فمقتضى القاعدة وجوب التدارك بالقضاء والإعادة وان لم يعلم الموافقة للواقع والمخالفة فضلاً عما إذا علم المخالفة.

الرابع: إذا شك في المقدار الذي كان عمله مخالفاً للواقع او مشكوك المخالفة له يقتصر على المتبقِ في القضاء والتدراك لجريان اصالة الصحة في الزائد سواء شك في الزيادة من حيث وقوعها عن تقليد وعدمه مثلاً يعلم انه مقداراً من اوائل بلوغه كان بلا تقليد ويشك بين الاقل والاكثر والزائد من الاقل يحتمل موافقته للتقليد فلا يجب عليه بالنسبة اليها شيء او شك في اصل الزيادة مثل ان يلتفت إلى حاله وانه غير مقلد فرجع وقلد وشك في ان المقدار الفائت من زمانه الذي لم يقلد فيه كم مقدار فاته حينئذ لا يحتاج إلى اصالة الصحة بل هذا شك في المقدار الفائت او المحتمل الفوت بين الاقل والاكثر والمرجع في الزيادة اصالة البراءة والفرق بين المسألتين واضح.

الخامس: انه يستحب ان يقضي حتى يعلم بالفراغ ولعل وجهه فتوى المشهور على ما نسب اليهم ذلك فيمن كان عليه فوائت وتردد بين القليل والكثير على خلاف لما هو المتيقن من البراءة في الشبهات الوجوبية بل كاد ان لا يكون خلاف حتى من الاخبارين وجملة من الاساطين وان راموا تطبيق ذلك على القاعدة بأخراجه عن الشبهة الوجوبية الابتدائية وادخاله في قاعدة الاشتغال لكنهم لم يأتوا بشيء وبعض الاساتذة (الحاج اغا رضا في صلاته) ممن ادركنا عصره وجَّهه بان الشك في الاقل والاكثر الراجع إلى الشبهة الابتدائية هو ما كان بحيث إذا رجع الشاك إلى نفسه جعل لمتيقنه حداً خاصاً اما اذا راجع نفسه واراد ان يحدد الاقل لم يتمكن من تحديده فهو ملحق بالشك في المكلف به ويرجع إلى الاحتياط وفيه ما لا يخفى، واحسن ما يمكن ان يقال استفادة الوجوب مما ورد في قضاء النوافل لمن لم يدر كم هي من انه يصلي حتى لا يدري كم مقدار اتى وفي هذه الاستفادة ايضاً ما لا يخفى.

المسألة الواحدة والأربعون: إذا علم ان اعماله السابقة كانت مع التقليد لكن لا يعلم انها كانت عن تقليد صحيح ام لا بنى على الصحة, في اعماله لكونه من موارد قاعدة الفراغ والصحة بل يمكن اجرائها في اصل تقليده الذي هو بمنزلة شبهة في المسألة الأصولية فان الشك في ان اعتماده عليه هل كان اعتماداً صحيحاً شرعياً ام لا مرجعه القاعدة وذلك يكفي في صحة الأعمال الصادرة من غير حاجة إلى اعمال القاعدة فيها بل لا مجال لتلك مع الجريان فيه، ودعوى عدم العموم لقاعدة الفراغ والصحة ممنوعة لعموم قوله انما الشك إذا كنت في شيء لم تجره وعموم ما هو بمنزلة التقليل في قوله انه حين ما يتوضأ اذكر المستفاد منه انه كلما كان اذكر لم يعتد بشكه.

المسألة الثانية والأربعون: إذا قلد مجتهداً، ثم شك في انه جامع للشرائط ام لا وجب عليه الفحص، ان لم يكن مسبوقاً بالجامعية حيث لا يجب عليه الفحص اعتماداً على الاستصحاب وعلى أي حال فقد عرفت انه يبنى على الصحيح بالنسبة إلى ما مضى من تقليده ويحرز شرط الصحة بالنسبة إلى الأعمال الآتية فكان هذه المسألة جزء من المسألة السابقة يعني إذا شك في ان تقليده كان صحيحاً ام لا حيث مر انه يبنى على الصحة فيما مضى من تقليده وحينئذ فلا يجب عليه الفحص بالنسبة إلى ما يأتي، والحاصل ان مجرى القاعدة لو كان هي الأعمال الفرعية الصادة عنه بنى على الصحة فيما مضى ووجب عليه احرازها لما يأتي من الأعمال لكنك عرفت ان لجريانه في اصل التقليد وجهاً، وبالجملة تشبه هذه المسألة مسألة الشك في الصلاة من جهة الشك في الطهارة فان جرى الأصل في الطهارة صحت الصلاة السابقة ولم تحتج الصلاة اللاحقة إلى طهارة جديدة وان جرى في الأعمال السابقة من الصلاة واشباهها احتاجت اللاحقة إلى احراز الطهارة فتأمل.

 المسألة الثالثة والأربعون: من ليس اهلاً للفتوى يحرم عليه الافتاء وكذا من ليس اهلا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس وحكمه ليس بنافذ، ولا يجوز الترافع اليه ولا الشهادة عنده. والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام(1) وان كان الأخذ محقاً الا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده. لعل مراده الافتاء للغير واما العمل لنفسه فلا اشكال فيه بوجه وذلك لان العدالة شرط في جواز تقليد الغير له لا لعمل نفسه وكذا طهارة المولد والحرية على القول بهما واضعف منه احتمال ذلك في شرط اطلاق الاجتهاد بان يكون شرطاً لعمل نفسه فانه في غير محله جداً إذ مع اجتهاده ليس رجوعه إلى الغير من رجوع الجاهل إلى العالم لو لم يكن الامر بالعكس بل لو كان اعتقاد المقلد مخالفاً لاعتقاد مجتهده في بعض مباني فتواه لا يجوز له الرجوع اليه في ذلك مثل ان كان المقلد مؤرخاً عالماً بارباب رجال الرواية وضعَّف من اعتمد مجتهده في فتواه على خبره لم يجز له العمل بفتواه المستندة إلى ذلك الحديث متكلاً على وثاقة راويه، نعم في جواز افتائه لغيره يعني افتاء غير العادل وغير الحر وطاهر المولد للغير وجهان مبنيان في الجملة على كون الشرط المفقود من الشروط الواقعية او الاعتقادية اتيان في جواز الامامة لمن فقد بعض شروطها والاصل في الشرط وان كان كونه من الشروط الواقعية لان الالفاظ موضوعة للمعاني الواقعية دون العلمية الا ان جملة من شروط الفتوى انما استندوا فيها إلى الاجماعات التي لا مجال للاطلاق فيها والاستظهار منها مع ما عرفت من المناقشة في ثبوت الاجماع وظاهر دليل بعضها الآخر وان كان ما ذكر مثل قوله واما من كان صائماً لنفسه...الخ، الا ان الموضوعات المرتبة عليها الاحكام التكليفية ظاهرها ما كان موضوعاً في اعتقاد المكلف على اشكال مع ان لقائل ان يمنع عن حرمة الافتاء حتى على كون الشرط واقعياً لا اعتقادياً إذ ما يمكن ان يكون وجهاً للحرمة ليس الا كونه سبباً لإيقاع الغير على خلاف الواقع حيث يستفاد من قوله في بيع الدهن النجس يبينه لمن اشترى ليستصبح به حرمة ايقاع الغير في القبيح ووجوب اعلامه ليرتدع فان غاية الاعلام والتنبيه ليس تحقق الاستصباح إذ ربما لا يترتب الاستصباح على الاعلام بل من المعلوم عدم وجوبه ايضاً فالغاية التي لا يرضى الامر بتركها هو عدم الاستعمال في غير الاستصباح ولو لم يكن يتسبب لذلك حراماً لم يكن وجه لإيجاب الاعلام، بل يستفاد من نفس وجوب الاعلام على البائع ذلك يعني حرمة التسبب للحرام الواقعي فان المشتري جاهل بالنجاسة فليس بالنسبة اليه حرمة فعليه ولا يتوجب اليه التكليف بالاجتناب بل في مكاسب شيخنا الاكبر قدس سره ويشير إلى هذه القاعدة كثير من الاخبار المتفرقة الدالة على حرمة تعزير الجاهل بالحكم او الموضوع في المحرمات مثل ما دل على ان من افتى الناس بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه وقوله ما من امام صلى بقوم فيكون في صلاتهم تقصير الا كان عليه اوزارهم وفي آخر فيكون في صلاته او صلاتهم تقصير الا كان اثم ذلك عليه وفي ثالث لا يضمن الإمام صلاتهم الا ان يصلي بهم جنباُ، قال ومثل رواية ابي بصير المتضمنة لكراهه ان يسقي البهيمة او يطعم ما لا يحل للمسلم اكله وشربه فان كراهة ذلك في البهائم اشعار بحرمته في المكلفين ويؤيده حرمة الايقاع في القبيح الواقعي بل ربما يقال بوجوب الاعلام والتنبيه وان لم يكن للشخص تسبيب كما عن العلامة في اجوبة المسائل المهنّائية حيث اجاب بوجوب الاعلام على من رأى في ثوب المصلي نجاسة معللاً بوجوب النهي عن المنكر ولكن مع ذلك كله للنفس في غير ما علم من دليله انه مبغوض الوقوع من المكلف بحيث يراد من كل احد عدمه في الخارج اشكال لعدم دلالة ما زبر على التحريم إذ اقواها وجوب اعلام البائع للدهن النجس بنجاسته معللاً بقوله ليستصبح به بالتقريب الماضي، وفيه مع انه يحتمل القيد من جهة اعتبار وقوع الشراء بهذا الفرض فيكون وجوب الاعلام لتحصيل شرط صحة الشراء كما قيل انه ليس للعلة عموم فيحتمل اقتصار الحكم على بيع الدهن النجس فلا يتعدى مثلاً إلى بيع اللباس المتنجس ولو علم باستعماله وارتكاب في الاكل والشراب وليس هذا التعبد بهذه المرتبة من البعد مع احتمال ان يكون ذلك من جهة ان الدهن النجس ماليته الواقعية تنقص بالنجاسة من جهة عدم جواز الانتفاع به في غير الجهة الخاصة فالجهل به جهل بمقدار ماليته فيجب الإعلام لامرين:

احدهما: عدم المالية له باعتبار منافع غير الاستصباح.

والثاني: ثبوت المالية له باعتبار الاستصباح هذا كله الكلام من حيث الفتوى، واما مباشرة القضاء فلا يجوز بلا اشكال لانه مع الشك في مشتبه قضاه تفويت للحقوق والاموال واباحة للاعراض مع ان كل ذلك مما علم بعدم رضاء المولى به فيكون للتسبب لوقوعها حراماً بل التسبب لعدم وقوعها في موارد ابتلائه واجباً بل في الاخبار الواردة في عدم جواز التصدي لغير الأهل كفاية لعدم جواز تصديه وعدم جواز الترافع اليه بل هو بالخصوص متعلق للنهي وان الترافع إلى غير الاهل كالترافع إلى الجبت والطاغوت وان كان مورده الترافع إلى قضاة العامة الا ان مقتضى الضابط المذكور فيما بعده انه حكم كل من ترافع إلى غير من كان داخلاً في الضابط المزبور بعد تقيد مطلقها بمقيدها، بل الشهادة عنده لتسبب مقدمات القضاء اعانة على الاثم بل هو اشد في مناط الحرمة من الترافع في وجه، والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام كالذي يأخذ غصباً من الغير لعدم سببية حكمه للاستحقاق ولا لدفع حق الدعوى فلا ينبغي ان يجعل مناطاً في التصرف بل هو كذلك وان كان الاخذ مستحقاً لما يأخذه بل يعم هذا الأعيان او يختص بالكليات والذمم مقتضى الاطلاق الاول ويؤيده انه بوقوعه في يد الغير صار متعلقاً لحق دعواه وان كان ملكاً للمدعي فلا يجوز التصرف فيه قبل ابطال حق دعوى من في يده بعد ان اظهر دعواه واقدم على المرافعة فلا ينافي جواز سرقته منه ايضاً لو سلمناه ومن ان العالم بان العين له لا مانع له من التصرف وليس في اطلاق المقبولة قوة تخصيص جواز تصرف المالك في ملكه وان السلطنة على الاموال عقلي معاضد بالشرع، ربما يدعى فيها الآباء عن التخصيص حتى قيل فيما ورد في بعض موارده من ترخيص المارة بالاكل مما مر عليه بأنه يكشف عن ثبوت حق له والا فالحكم بجواز التصرف في مال الغير لا يكاد يقع في الشرع الا بدليل قطعي وفي حكمة المنع عن تصرف المالك بل هو من افراده وفي وجه فيحمل المقبولة المانعة عن الاخذ بحكم غير الاهل وان كان الاخذ محقاً على غير الاعيان كما يؤيده قوله في دين او ميراث ضرورة ظهور الدين في الكلي وظهور النزاع في الميراث في الشبهة الحكمية بل بناء على بعض وجوه علاج الإشكالات الواردة على المقبولة يجب اختصاصها بالترافع في الشبهة الحكمية فيرتفع الأشكال من اصله، كل ذلك مع عدم توقف الأستنقاذ على الرجوع إلى غير الأهل واما معه فيجوز بلا اشكال لحديث رفع الضرر والإكراه والاضطرار وهل يتخير في الرجوع إلى قضاء العامة او غير الأهل من مجتهدي الخاصة او يتعين الاول لأن مورد بعض الأخبار والكلمات او الثاني لأنه اقل محذوراً او الشرائط المفقودة فيه اهون من الآخر ليس هنا محل تعرضها.

المسألة الرابعة والأربعون: يجب في المفتي والقاضي العدالة وتثبت العدالة بشهادة عدلين(1) وبالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة، او الأطمئنان بها وبالشياع المفيد للعلم(2). مر الكلام في هذه المسألة وفي الطرق اثبات الموضوعات إذ لا تزيد العدالة عن غيرها من الموضوعات بل ومر انها تثبت بحسن الظاهر الكاشف عن الملكة علماً او ظناً ولعله المراد من قوله وتثبت بالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة او الاطمئنان والا فالمعاشرة إذا لم يقترن بحسن الظاهر لا ينفع وان اوجب الظن بالملكة، اما اعتبار العدالة في الفتوى بالنسبة إلى غير المفتي فيدل عليه مضافاً إلى المروي عن تفسير العسكري عليهم السلام واعتبارها في نقل الحديث الذي ربما يستفاد منه الأعتبار في المفتي بالاولوية وانه لا دليل على تصديقه فيما ينقله من رأيه ظهور الإجماع وكذلك اعتباره في القضاء الذي هواهم بمراتب من الحديث والفتوى، وبالجملة الكلام في ما تشتمل عليه هذه المسألة مضافاً إلى انه في غاية الوضوح ببانيه غير محتاج اليه قد مر في المسألة الثانية والعشرين وتاليتها.

المسألة الخامسة والأربعون: إذا مضت مدة من بلوغه وشك بعد ذلك في ان اعماله كانت عن تقليد صحيح ام لا، يجوز له البناء على الصحة في اعماله السابقة وفي اللاحقة يجب عليه التصحيح. لعل الفرق بين هذه المسألة وبين المسألة الواحدة والأربعين وتاليتها ان تلك مفروضة فيما إذا كان الشك في صحة التقليد وفساده بعد الفراغ عن وقوع اعماله عن تقليد ولذا قلنا انه له اجراء الأصل في نفس التقليد وفي الأعمال الصادرة عنه وقلنا انه لو اجريناه في نفس التقليد ربما استكفينا عن الفحص بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة ايضاً مثلاً لا يدري انه احرز اعلمية مقلده بطريق شرعي ام لا يبني على الاول ويبقى تقليده وهكذا عدالته ولا يحتاج إلى الفحص فيما بعد ذلك وفي هذه المسألة مفروضة في الشك في اصل التقليد فلا يجري الأصل الا بالنسبة إلى نفس الأعمال ولك ان تقول بجريانه في هذه ايضاً في نفس التقليد فان الشك في الوجود احرى بجريان الأصل فيه من الشك في الصحة بل الاول من المتيقن من اخبار المضي وعدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز محله، والحاصل كما انه لو شك في ان تقليده كان على الوجه الصحيح ام لا يبني على وقوعه على الوجه الصحيح كذلك إذا شك في انه كان مقلداً ام لا يبني على انه كان مقلداً، هذا ولكنك خبير بعدم جريان الأصل في التقليد هنا وان اجريناه في المسألة السابقة وتوضيح الفرق بالمثال فان ما نحن فيه نظير من صلى ولا يدري انه تطهر لها ام لا، وما مضى نظير من علم بأنه تطهر للصلاة ولا يدري انه تطهر صحيحاً ام لا، وكيف كان فالأصل وان سلمناه في احرار شرط صحة الأعمال السابقة وانه وقعت عن تقليد الا انه لا يكفي لصحة الأعمال اللاحقة فيجب احراز شرط التقليد بالنسبة اليها لأن مجرد البناء على انه كان مقلداً في اعماله لا يثبت به مقلده بالفتح حتى يتمكن من العمل فهو مع انه يبني على انه كان مقلداً في اعماله السابقة لا ينتفع به للأعمال اللاحقة.

ان قلت سلمنا ذلك بالنسبة إلى غير الأعمال الماضية المعلومة الوجه واما إذا علم انه صلى مدة مثلاً بلا سورة وشك في انه كان بتقليد ام لا فالأصل في انه كان مقلداً وان كان لا ينفع في غير الصلاة المزبورة الا انه ينفع بالنسبة اليه فيجوز له الصلاة بعد ذلك بلا سورة اعتماداً على التقليد المحرز بالأصل، قلت الفرق بينهما هو الفرق بين الشك في الطهارة الصادرة منه واصل صدوره الطهارة منه لصلاته فانه في الاول يعتمد على طهارنه التي احرز صحتها بالاصل لما يأتي من اعماله وفي الثاني وان كان يبني على انه تطهر لصلاته الا انه لا يصلي بعد ذلك الا بطهر آخر وتوضيح الفرق يطلب من غير المقام.

المسألة السادسة والأربعون: يجب على العامي ان يقلد الأعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم او عدم وجوبه، ولا يجوز ان يقلد غير الاعلم إذا افتى بعدم وجوب تقليد الاعلم، بل لو افتى الاعلم بعدم وجوب تقليد الاعلم يشكل جواز الاعتماد عليه(1) فالقدر المتيقن للعامي تقليد الأعلم في الفرعيات. الفرق بين هذه المسألة والمسألة الثانية عشر المشتملة على وجوب تقليد الأعلم ان ذاك كان مسوقاً لبيان المستفاد من الأدلة الشرعية للمجتهد يعني ان المجتهد بعد المراجعة في الادلة الشرعية يستنبط وجوب تقليد الأعلم وهذه المسألة مسوقة لبيان وظيفة المقلد حين التفاته إلى ان له تكاليف يجب تعرضه لها اطاعة وامتثالاً الذي قد تعرضنا لها سابقاً واوضحنا ان وظيفته مع عدم إستقلال عقله بجواز تقليد غير الاعلم ان يقلد الاعلم لأنه المتيقن ضرورة دوران امره بعد وضوح وجوب التقليد عليه بين التخير بين الأعلم وغيره وبين تعين الاول من المعلوم ان دوران الأمر في الطريق بين التخير والتعين يقتضي الأخذ متجل التعين وطرح الآخر وان لم نقل بالتعين في دوران امر المكلف به بين التخير والتعين لأن دوران الطريق بين الأقل والأكثر راجع إلى الشك في طريقية غير محتمل التعين، والشك في الطريقية علة لعدم جواز العمل به بخلاف غيره من المكلف به النفسي، وكيف كان فلا محيص للمكلف العامي الا عن الرجوع الى معلوم الطريقية ثم إذا راجعه واستنبط هو من الأدلة جواز تقليد غير الأعلم وافتاه بذلك فهل يجوز له تقليد غير الأعلم لأنه من العمل بفتوى الأعلم إذ هو من شؤونه وعمل بفتواه ام لا حيث لا تشريع للتقليد في اصل التقليد لأن التقليد من الأصول دون الفروع، ولم يعلم تشريع التقليد في الأصول، فالمتيقن هو الرجوع اليه في المسائل الفرعية.

ان قلت تقليد غير الأعلم لفتوى الأعلم ليس الا عبارة عن العمل بفتوى الغير الأعلم عن فتوى الأعلم ففي الحقيقة يصدر فروعه عن تقليد الأعلم، قلت لا يمكن ان يصدر الأحكام الفرعية المطابقة لفتوى غير الأعلم عن فتوى الأعلم الا بتوسط جعل فتوى غير الأعلم حجة وسنداً له في اعماله وهو عبارة اخرى عن تقليده اياه في الأصول، نعم يمكن المنع عن كون مسألة التقليد مسألة اصولية كيف وهو شرط صحة عمله الفرعي.

المسألة السابعة والأربعون: إذا كان مجتهدان احدهما اعلم في احكام العبادات والآخر اعلم في المعاملات، فالأحوط تبعيض(1) التقليد وكذا إذا كان احدهما اعلم في بعض العبادات ــ مثلاً ــ والآخر في بعض الآخر. بل وكذا إذا كان احدهما اعلم في احكام القراءة والسورة مثلاً لاتحاد المناط في الجميع وهو وجوب الأخذ بقول اعلمها فان الظاهر ارادة اعلمها في تلك المسألة والأعلمية المطلقة ايضاً انما تكون مرجحاً بهذه الملاحظة وكذا لو كان بمناط الأقربية وأقوائية الظن الحاصل وغيرها إذ احتمال مدخلية الأعلمية في غير المسألة المختلفة فيها هي محل الأبتلاء في الترجيح في تلك بعيد الا ان يوجب زيادة بصيرة في تلك فيخرج عن محل الكلام.

المسألة الثامنة والأربعون: إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه اعلام من تعلم منه وكذا إذا اخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الأعلام(2). هذا إذا علم ان المنقول اليه والمفتى له مما يقع مورداً لعمل الغير ولو نقلاً للغير على وجه يعد من الفروع واحكام الله عندهم، واما مع العلم بالعدم كأن علم ام ليس محلاً للعمل ولا ينقل على الوجه المزبور فلا وجه لوجوب الأعلام لأن ما يمكن ان يكون وجهاً ليس الا التحرز عن ايقاع الغير في خلاف الواقع او وجوب حفظ الأحكام عن الأندراس والتغير وشيء منهما غير لازم في الغرض المزبور بل ان علم انه محل لأبتلاء المنقول اليه او غيره ممن ينتهي اليه الفتوى ايضاً يمكن المنع عن وجوب الأعلام والأخبار بالخطأ إذ ليس فيه الا التسبيب لوقوع الغير في خلاف الواقع وان قبح ذلك يستفاد من جملة من الأخبار المشار اليها سابقاً او انه من افراد الظلم القبيح لأن تفويت المصالح الواقعية على الغير فضلاً عن ايقاعه في مفاسدها مما يستقل العقل بقبحه كما في سائر انحاء الظلم، لكن الأنصاف عدم الوثوق بشيء منها وان كان ظاهرهم تحريم التسبيب ولعله في الأحكام من جهة وجوب ارشاد الجاهل وانه يجب على الحاضر اعلام الغائب فضلاً عما إذا كان ذلك سبباً لتغيرها، لا يقال هذا ليس من التسبيب المحرم لأنه وقع منه غلطاً وبعد ذلك حاله حال غيره في تنبيه من وقع في الخطأ، قلت الإبقاء على الخطأ كإيقاعه فيه في القبح إذا كان الإيقاع بفعله ثم ان ما ذكرنا كله بالنسبة إلى غير ما علم من الشارع انه لا يريد وقوعه في الخارج نظير هتك الأعراض وتلف الأنفس وبعض الأنفس وبعض مراتب الأموال فأنه راجع إلى تكليف كل أحد بتسبيب منع وقوعه في الخارج كما انه لا ينافي عدم تحريمه في مورد الحكم بضمان الخاطئ في النقل ان كان متعلقه من الأموال او غيرها مما يستعقب ضماناً.

المسألة التاسعة والأربعون: إذا اتفق في اثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها يجوز له ان يبني على احد الطرفين(1) بقصد ان يسأل عن الحكم بعد الصلاة وانه إذا كان ما اتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته،  فلو فعل ذلك، وكان ما فعله مطابقاً للواقع، لا يجب عليه الإعادة. السؤال بعد الفراغ والعمل بوظيفته وحينئذ فان وافق الواقع صح، ولا يخفى ان ما يتفق للمصلي من الشكوك بعد الشروع في الصلاة اما يحتمل ان يكون مبطلاً للصلاة كأن خرج منه مذي او ودي ولا يعلم انه مفسد لصلاته ام لا يحتمل ان يكون مفسداً كأن عرض له بعض الشكوك التي يعلم انها ليست بمفسدة لكنه لا يعلم الوظيفة والعلاج وعلى الوجهين اما ان يكون مقصراً في ترك التعلم او قاصراً فان كان قاصراً واحتمل فساد العمل جاز له رفع اليد كما يجوز له الإتمام لعدم العلم بكون رفع اليد ابطال والأصل البراءة وان كان مقصراً وجب عليه المضي لأنه مؤاخذ بالأبطال على تقدير كونه ابطالاً كما هو القاعدة في كل جهل لم يكن عذراً فلا يجرى اصالة البراءة، ومنه يظهر الحال في الوجه الثاني بقسميه للعلم بكون رفع اليد ابطالاً فيحرم فلو ابدل الجواز بالوجوب كان اولى ولعل التعبير بالجواز باعتبار احتمال حرمة المضي وعدم جواز الاكتفاء بما يأتي متردداً فيراد منه الجواز بالمعنى الأعم الذي لا ينافي الوجوب، هذا ثم لا يخفى إن مقتضى ما استظهرنا منه في المسألة الثامنة والعشرون من بطلان عمل تارك التعلم فيما هو محل الابتلاء الا ان يطمئن بعدم اتفاق وقوعه له فيها تقيد هذه المسألة لغير ما كان محلاً للابتلاء او كون المصلي ممن اطمئن بعدم اتفاق ابتلائه او غفلته عما تعلمه وسهوه عنه والا فلا تنعقد صلاته من رأس وان كان قد مر منا ان الأقوى صحة صلاته لو لم يتفق له مسألة او اتفق واتمه رجاء واتفق المصادفة، ومما ذكرنا يظهر الوجه فيما في المتن من صحة العمل على تقدير المطابقة لأن المفروض تحقق القربة المعتبرة في العبادة بمجرد احتمال المطلوبية، واعتبار الجزم بالأمر لو قلنا به، فأنما نقول به فيما امكن واما مع عدم الإمكان فدعوى اعتباره مساوق لدعوى عدم تمشي الاحتياط في الشبهات البدوية العبادية، اللهم الا ان يكون التقرب بنفس الأمر بالاحتياط والإبقاء على الوجه الذي ذكره شيخنا الأكبر في رسالته مع ما فيه من التعسف.

المسألة الخمسون: يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد او عن الاعلم ان يحتاط في اعماله(1). اما مع عدم اطلاعه على المجتهد فواضح إذ لا دليل على حجية قول غير المجتهد عليه فمع ابتلائه بالعمل يجب عليه الاحتياط لعدم الامن من العقاب بدونه ويكفي في الاحتياط هنا الاخذ من احوط القولين او الاقوال ولا يجب عليه الاخذ باحوط الاحتمالات لعلم العامي بان احد الاقوال هو الحجة عليه ومع عدم امكان الاحتياط لا يبعد وجوب اختيار ما يوافق فتوى المشهور ان حصل منه الظن والاطمئنان والا فيحتاط بين ما يظنه وما ذهب اليه المشهور لانه الاقرب إلى الواقع بعد العلم بعدم سقوطه وعدم وجود طريق خاص واما زمان الفحص عن الاعلم فلا يبعد جواز الاخذ بفتوى كل من المجتهدين إلى ان يتبين عنده الاعلم منهم بناء (يمكن القول بان اصالة عدم المانع غير جارية في زمان الفحص عن المانع الا ان يقال بعدم وحوب الفحص اصلاً على ما ذكرنا من ان العلم الفتوى المخالفة من الاعلم مانع عن جواز الاخذ بفتوى غيره، واما بناء على ان يكون الاعلمية شرطاً فعليه الاحتياط بين الفتاوي ان علم باعلمية احدهم والا فيتخير مع تساوي الاحتمالات ومع وجوب الاحتمال في احدهم دون البقية يتعيّن الاخذ بمحتمل الاعلمية على التفصيل الماضي(هذا كله في التقليد الابتدائي وأما في مثل لو قلَّد شخصاً ثم مات ففي زمان الفحص عمّن يرجع اليه له ان يبقى على تقليده السابق كذا).

المساْلة الواحدة والخمسون: المأذون والوكيل عن المجتهد في التصرف في الاوقاف او في اموال القصر ينعزل بموت المجتهد، بخلاف المنصوب من قبله كما إذا نصبه متولياً للوقف او قيماً على القصر، فأنه لا تبطل(1) توليته وقيمومته على الأظهر. فانه لا يطهر على الاظهر اما انعزاله بموته لو كان على سبيل الإذن والتوكيل فلانه لا يزيد عن سائر الوكلاء والمأذونين بل وسائر العقود الأذنية التي تبطل بموت الأذن والموكل بل ليس ذلك بطلاناً ولا فسخاً بل هي متقومة بالإذن والرضا وطيب النفس المتقومة بالحياة بل ولو لم نقول لتقومها بالحياة ايضاً إذ لا اثر لرضاه بعد موته لانتقال التركة إلى غيره، ففيما نحن فيه تبطل نيابته عن المجتهد بالموت البتة فلا اثر لما كان تأثيره بعنوان نيابته، واما ما كان من قبيل اعطاء الولاية والقيمومة التي تعد من المناصب فالكلام فيها من جهتين.

احداهما: كون ذلك للمجتهد يعني ان للمجتهد هذا النحو من التصرف بان ينصب متوالياً على الوقف وقيماً على الصغير ام لا.

ثانيهما: ان بموته يبطل هذا التصرف منه ايضاً كالقسم الاول ام لا. لا يبعد ان يستظهر ذلك للمجتهد بما دل على جواز استخلاف القاضي فيما هو في تحت ولايته فان ذلك قسم من الاستخلاف فإذن جاز ذلك في زمن الحضور كما ربما يكون ذلك من مسلماتهم جاز في زمن الغيبة ايضاً بل وكما كان ذلك للامام حيث كان له ان ينصب القاضي ويوليه امر العامة كان ذلك لنائب الغيبة بعموم دليل نيابته بل اطلاق مثل كل معروف صدفة وعون الضعيف صدقة ايضاً لان رفع القصور عن الصغير بجعل اميناً عليه من المعروف، ودعوى ان امكان جعل الولاية والقيمومة واشباهها موقوف على الإلتزام بجعل الاحكام الوضعية وربما لا يلتزم به بل ربما يرون بعضهم جعلها من المحالات مدفوعة بان مثل هذه الامور التي اليها منشأ انتزاع عرفي قابلة للجعل ولو بجعل منشأ انتزاعها فانها لا تنقص عن القاضي وخليفة القاضي بل ونفس منصب الامامة وتوضيح ذلك ان المجتهد قد يتصرف في مال اليتيم والوقف بعنوان انه لا والي له والمجتهد وليه الشرعي النوعي فيتصرف مع بقاء التحفظ على العنوان الذي جوز له فيه التصرف بذلك العنوان وهو عنوان كون المال او الشخص لا والي له وقد يتصرف فيه بعنوان اخراجه من هذا العنوان فيجعل له والياً وقيماً فيخرج بذلك عن كونه لا والي له ومن المعلوم ان عنوان تصرفه لكل واحد من النحوين يغاير الآخر فجعل القيمومة والولاية على الوقف من قبيل الثاني والإذن والتوكيل من قبيل الاول لو لم يكن مسبوقاً بجعل نفسه قيماً ومتولياً والا كان منشأه التصرف على النحو الثاني.

واما الكلام في الجهة الثانية وهو انه إذا كان تصرفه على هذا النحو الثاني ينعزل بموته ام لا فقد نقل في الجواهر عن بعض انه لا ينعزل بموت المجتهد بل قيل انه لا ينعزل بعزله ايضاً ثم قال وان كان لا يخفى عليك ما فيه ضرورة كونه من فروعه الذين ينعزلون بانعزاله بموت ونحوه إذ هو ليس ازيد من الامام الذي ينعزل نوابه بموته، نعم لو قيل بجواز توليتهم من قبل الامام امكن حينئذ عدم انعزالهم بموته لكونهم من فروع الامامة حينئذ لكن جواز ذلك لا يخلو من نظر للشك في اصل ثبوت الولاية لهم على الوجه المزبور وعلى تقديره فالمتجه جواز عزله له إذاً كما ان له ولاية على النصب له ولاية على العزل لاطلاق الدليل، الا ان الانصاف الشك في ذلك والاصل العدم وكذا الشك في استفادة الولاية لكل حاكم على عزل نائب الآخر بل لعل المستفاد عدم ولاية لاحدهم على ما دخل في ولاية الآخر ولا اقل من الشك والاصل العدم، انتهى بتغير منا غير مغير والتحقيق ما ذكرنا من انم له اعطاء الولاية من قبل نفسه ومن قبل الامام وانه لا ينعزل بموته على أي وجه كان إذ يكون القيمومة من قبل نظير القيمومة من قبل الاب والجد وتوليه الوقف من قبل الواقف او المتولي على ذلك هذا لو كانت التولية من قبل نفسه واما لو كانت من قبل الامام فعدم فسادها بموته اوضح.

المسألة الثانية والخمسون: إذا بقي على تقليد الميت من دون ان يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد. الا إذا استقل عقله بجواز بقائه على تقليد الميت واما مع عدم ذلك فيجب عليه الرجوع إلى الغير والتقليد فيأخذ بالمتيقن ان كان، لكنك عرفت ان العدول إلى تقليد الحي لما كان محتمل المنع كالبقاء على تقليد الميت لم يكن هناك له طريق يقيني فوجب عليه الاحتياط بالاخذ باحوط القولين، الا ان يقال ان هذا إذا كان قد قلد الميت في مسألة البقاء إذ يكون حينئذ تقليده للحي عدولاً واما إذا لم يكن قلد الميت فيكون الرجوع إلى الحي في مسألة العدول والبقاء من المتيقن إذ ليس تقليد الحي في مسألة البقاء عدولاً عن الميت حتى يدور امره بين المحذورين، ان قلت كيف يمكن ان يكون قد قلد الميت في مسألة البقاء على تقليد الميت، قلت لا مانع منه لو قلنا بان اخذ الرسالة والإلتزام بالعمل تقليداً الا ان يمنع عن كون ذلك تقليداً إلا فيما امكن الاخذ به ومسألة البقاء على تقليد الميت لا يمكن الاخذ والعمل به واما لو لم نقل بكون مجرد ذلك تقليداً فيمكن ان يكون قد قلده في البقاء على تقليد سابقه زماناً فيكون قلده في مسألة البقاء على تقليد الميت وعليه فيكون اخذ ذلك من الحي عدولاً فيخرج عن كونه من المتيقن، وكيف كان فلا اشكال في وجوب كون البقاء على تقليد الميت مستنداً إلى اجتهاد او تقليد غير ذلك الميت والا كان بقاؤه على تقليده بتقليده دوراً واضحاً، وقد عرفت ان الاخذ في ذلك بتقليد الغير ايضاً لا يمكن الا ان يكون ذلك الغير من المتيقن والا فلا يجوز للعامي تقليده ولا يكون من المتيقن الا إذا لم يشتمل على عدول من الميت وإلاّ فمع احتمال حرمة العدول عنه كان امر الرجوع إلى الحي دائراً بين المحذورين.

المسألة الثالثة والخمسين: إذا قلد من يكتفي بالمرة مثلاً في التسبيحات الأربع واكتفى بها، او قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة، ثم مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد، لا يجب عليه(1) اعادة الأعمال السابقة وكذا لو اوقع عقداً او ايقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء(2) على الصحة نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى  المجتهد الثاني واما إذا قلد من يقول بطهارة شيء ــ كالغسالة ــ ثم مات وقلد من يقول بنجاسته فالصلوات والأعمال السابقة محكومة بالصحة وان كانت مع استعمال ذلك الشيء، واما نفس ذلك الشيء إذا كان باقياً فلا يحكم بعد ذلك بطهارته وكذا في الحلية والحرمة، فإذا افتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً فذبح حيواناً كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته، فأن باعه او اكله حكم بصحة البيع واباحة الأكل، واما إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا اكله وهكذا. وضربات التيمم وعمل ثم قلد من يقول بالتعدد اخرى وكذا لو اوقع عقداً او ايقاعاً بتقليد ثم قلد من يقول بفسادها نعم فيما يأتي يعمل على قول الثاني واما إذا قلد من يقول بطهارة شيء كالغسالة ثم قلد من يقول بنجاسته او قلد من يقول بجواز الذبح بغير الحديد فذبح به فقلد من يقول بعدم جوازه اجتنب عن ذلك الشيء مع وجوده، نعم في الأعمال السابقة يتبع الفتوى الاولى لعل التفصيل المزبور مراجع إلى ان الموضوع الذي هو متعلق الحكم ان كان باقياً انقلب حكمه باختلاف الفتوى مثلاً الغسالة موضوع الحكم بالطهارة والنجاسة وهي باقية فإذا رجع المجتهد إلى الفتوى بطهارتها يحكم بطهارتها ثم لو رجع إلى الفتوى بنجاستها يحكم بها وكذا اللحم المذبوح بغير الحديد او على غير القبلة بخلاف مثل العبادات المأتي بها في اوقاتها فان الحكم بصحتها قد انقضى وذهب موضوعه ولم يبق منه الا الحكم والأثر وكذلك الملكية المسببة عن العقد والانتقال والإسقاط والبينونة المتحصلة من الإيقاع قد انقضى ما هو موضوع الحكم فيها فما هو الموضوع غير باق حتى ينقلب حكمه والأثر مترتب على صحته حين وقوعه ولكن هذا التفصيل لا ارى رجوعه إلى محصل إذ نحن لا نرى فرقاً بين سببية العقد للانتقال والملاقاة لنجاسة الغسالة والذبح لطهارة الحيوان والامتثال لبراءة الذمة، ويمكن ان يكون راجعاً إلى ما يظهر من الجواهر من الفرق بين ما كان مقتضى الفتوى فيه البقاء والأستمرار كالعقود والأيقاعات فان مقتضى الفتوى تأثيرها في النقل إلى حصول المزيل وكذلك الامتثال يقتضي البراءة مطلقاً لا إلى حد بخلاف الذبح والملاقاة فان مبنى الفتوى فيها ونظائرهما مما ليس على البقاء والأستمرار وهذا التفصيل ايضاً غير منضبط فانا لا نرى لبقاء اثر العقد والأيقاع والامتثال استمراراً وبقاء ازيد مما نرى في اثر الملاقاة والذبح وفي المقام تفاصيل اخر يحتمل انطباق ما في المتن عليها لا يهمنا التعرض لها بعد ان كان مقتضى القاعدة عدم الأجزاء مطلقاً بناء على الطريقية وعدم انقلاب الواقعيات باختلاف الأصول والأمارات وان المصيب واحد والبقية مخطئ وان الموضوع للآثار هو السبب الواقعي والموضوع النفس الأمري دون الأعم منه ومن الظاهري فالعقد المؤثر في النقل هو ما كان صحيحاً واقعاً لا صحيحاً باعتقاد العامل او باعتقاد مجتهده فان مع جمع هذه المقدمات لا ينبغي الأشكال والتأمل في ان مقتضى القاعدة عدم الأجزاء، وبالجملة عدم الأجزاء مقتضى جمع امور ومقدمات منها كون الأمارات طرقاً إلى الواقعيات من دون ان يكون لها موضوعية له ونحو مصلحة يوجب قلبها ولذا قيل ان الأجزاء وعدمه من فروع التخطئة والتصويب، ومنها انا كما نقول بالتخطئة في الأحكام كذلك نقول بها في الأسباب والموضوعات بل التخطئة في الموضوعات في الجملة اتفاقي، ومنها ان مقتضى قاعدة السببية ان يكون الموضوع للآثار هو السبب الواقعي دون الاعتقادي بالنسبة إلى المباشر يعني ان ما يترتب عليه النقل والانتقال والحلية والحرمة هو السبب الصحيح في الواقع دون الأعتقادي، نعم الطريق إلى الصحيح الواقعي هو اعتقاد المجتهد بالنسبة اليه ومقلديه دون غيرهم وان كان قد يكون كذلك كما في صحة صلاة الأمام بالنسبة إلى صلاة المأموم عند بعض الا ان القاعدة يقتضي ما ذكرنا، ومنها ان الأمارة الثانية القائمة عند المجتهد حجة بالنسبة إلى الوقائع السابقة وانها لا تختص حجيتها بواقعة دون اخرى، نعم لا معنى لحجيتها بالنسبة إلى ما لم يكن له اثر حال قيام الأمارة، ومنها عدم المعارضة بين الأمارات السابقة واللاحقة بعد فساد السابقة وتبين الخطأ فيها بل لعل لدليل اللاحقة نحو حكومة بالنسبة إلى السابقة فلا يتوهم التعارض بينهما فضلاً عن تقدم السابقة على اللاحقة، مضافاً إلى ان المعارضة لا تنفع في الأجزاء ثم بعد الجمع بين هذه الأمور لا ينبغي التأمل في اقتضاء القاعدة عدم الأجزاء وما يتوهم من المخرج عن هذه القاعدة من الإجماع والسيرة والعسر والحرج وترتب الأثر على الصحة باعتقاد المباشر دون الواقعي ليس شيء منها قابلاً للتوجه، اما الإجماع فواضح إذ لا اجماع مع مخالفة جمع خصوصاً مع ما عرفت من الشهيد من جعل الأجزاء متفرعاً على التصويب خصوصاً مع ان المسألة لها مدارك عقلية وشرعية وفي مثلها لا يستكشف رأي الرئيس من اتفاق المرؤسين، واما السيرة العملية الكاشف اتصالها عن مذاق صاحب الشرع فادعاؤها موقف على دعوى ان اختلاف المجتهدين دائماً لا اقل من كونه غالباً من غير الأحوط إلى الأحوط وان العمل مع كون الفتوى على غير الأحوط عليه دون الاحتياط وانى لنا بذلك مع ما قل من انقلاب الأحوط إلى خلافه وان العمل ربما يكون على الاحتياط مع كون الفتوى على خلافه، ثم ان عدم الاعتناء من المقلدين ربما يكون من عدم المبالاة والمسامحة كما في غالب سيراتهم ومن المجتهدين غير معلوم ومما ذكرنا ظهر انه لا حرج ولا عسر مضافاً إلى ان العسر الشخصي لا يوجب تغير الحكم الكلي غاية الأمر يوجب رفع الحكم الشخصي ممن عليه العسر بقدر رفع العسر والحرج، والعسر النوعي غير معلوم الثبوت وعلى تقديره لم يعلم سببيته لرفع التكليف وتغير الحكم لظهور الأدلة في الشخصي، نعم العسر المخل بالنظام وان كان نوعياً يوجب رفع الحكم، واما ترتب الأثر على الصحة باعتقاد العامل فهو يتبع الدليل وقد جعلناه من احدى المقامات وحينئذ فالأقوى بمقتضى القواعد عدم الأجزاء ويمكن التمسك في باب الصلاة بقاعدة الفراغ واصالة الصحة بل ويجري ذلك في مطلق العبادات بل وغيرها من المعاملات حتى بالنسبة إلى الصادر من الغير ايضاً لعموم ادلة البناء على الصحة لكنه وان كان غير بعيد بناء على ظاهر اطلاقاتها الا ان قصر حجيتها في خصوص الشبهات الموضوعية دون الحكمية وظهورها ولو انصرافاً او نظراً إلى الحكمة المشار اليها في بعض الأخبار فبمورد لم يكن صورة العمل محفوظة بل وفي سوقها سوق الغاء احتمال السهو والنسيان يبعّد الاعتماد على هذا الاطلاق ولذا لم يحضرني من تمسك بها، نعم في خصوص الصلاة إذا لم يوجب الاختلاف زيادة ركن او نقصه يمكن التمسك بلا تعاد ولا وجه للتعدي إلى غيرها ومع ذلك كله فالمسألة في نهاية الأشكال ولعلنا نعيد اليها في ضمن المسألة الآتية الا ان يثبت الدليل على ان العمل الواقع صحيحاً باجتهاد او تقليد صحيح يترتب عليه الآثار ولو بعد بطلان الطريق فيكون حال طريقه بعد اختلاف رأيه حال العمل الصادر من مجتهد آخر فان الآخر يرتب آثار الصحة على موضوع صدر من الاول باجتهاد الا ترى انه يجوز عليه التصرف فيما اشتراه بالعقد الفارسي او امرأة زوجها به كذلك يكون حال نفسه بالنسبة إلى زمان الاجتهادين والأنصاف انه ليس ببعيد.

المسألة الرابعة والخمسون: الوكيل في عمل عن الغير ــ كاجراء عقد او ايقاع او اعطاء خمس او زكاة او كفارة او نحو ذلك ــ يجب ان يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه إذا كانا مختلفين، وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصياً في استيجار الصلاة عنه يجب ان يكون على وفق فتوى مجتهد الميت. لا يخفى ان لازم ما مر منا من كون حجية الطرق والأمارات من باب الطريقية وانه ليس لها بوجه موضوعية ان لا يختلف الواقع بالنسبة إلى المجتهدين المختلفين وان كان مقتضيات الطرق والأمارات بالنسبة اليهم مختلفة فالمختلفين في الاجتهاد يختلف طرقهم إلى الواقع فيختلف تنجز الواقع بالنسبة اليهم فقد يكون الواقع بالنسبة إلى احدهم منجزاً وبالنسبة إلى الآخر غير منجز وذلك لأداء الطريق اليه بالنسبة اليه دون صاحبه فيكون الآخر معذوراً وصاحبه غير معذور ومن ذلك تكاليفهم العقلية في موارد اختلاف الأمارات وحينئذ فإذا كان احدهم وكيلاً لآخر في اجراء عقد او ايقاع او عمل عبادي فهل يراعي في عمله ما يكون من الواقع فعلياً في عمل نفسه او عمل موكله وجهان من ان الواقع لهما واحد وتكليف الوكيل في مقام احرازه ما يؤدي اليه امارته وحجيته لانه التكليف في عمل الوكالة فيجب ان يراعي ما هو طريق بالنسبة اليه ولو كان العمل لغيره ومن ان وظيفة الوكيل اتيان ما كان فعلياً من الواقع بالنسبة إلى موكله والفعلي من الواقع بالنسبة اليه ما كان مؤدى لطريقه، وبعبارة اخرى وظيفة الوكيل في العبادات بل وفي المعاملات اتيان ما كان سبباً للموكل وفي حكمه ومنجزاً عليه ومكلفاً بحسب العقل والشرع لتحصيله وهو مؤديات الطرق الواصلة اليه دون الوكيل، والتحقيق الفرق بين الوكيل والوصي فالوكيل وكيل في تحصيل الواقع بالنسبة إلى الموكل لأنه الذي مكلف بالعمل به فمن يريد شراء دار او تزويج امرأة يريد تحصيله على وجه جائز له التصرف فيه والتمتع به دون ما لو التفت إلى كيفية وقوعه لم يجز له ذلك وكذلك يريد وصول الزكاة والخمس إلى من يكون الموصول اليه مبرأ له ورافعاً لاشتغال ذمته دون من لو التفت اليه وجب عليه اعادته فلو كان مقتضى اجتهاد الموكل او تقليده ما يوافق الاحتياط لم يجز العمل للوكيل على وجه يخالفه، الا ان يجعل العهدة اليه بحيث يخرج عنها بمجرد ايصال المال اليه نظير اقباض المجتهد اياه فابه يقتضيه بما هو ولي المستحق فيخرج من عليه الحق بمجرد ايصال المال اليه عن العهدة لكنه خارج عما نحن فيه فان كلامنا فيمن يؤدي ما يؤدي بعنوان الوكالة عمن عليه الحق واما ان كان مقتضى اجتهاد الموكل مخالفاً للاحتياط فان عمل الوكيل على الاحتياط فلا كلام وان عمل على خلاف الاحتياط فقد برأ الموكل عن عهدة الحق والوكيل عن عهدة العمل بالوكالة كما عرفت ومنه ظهر ما لو كان مقتضى الاجتهادين او التقلدين متخالفين، ان قلت في الفرض الأخيران كان العمل عبادياً لا يتمكن الوكيل عن قصد التقرب له اختار ما يخالف الاحتياط، قلت تمشي القربة منه من هذه الجهة ليس باشكل من تقربه بامر الموكل مع انا نمنع من وجوب قصدها على الوكيل فلا يجب على الوكيل في اداء الزكاة والخمس قصد القربة، هذا بالنسبة إلى الوكيل واما الوصي عن الميت فيمكن ان يقال بوجوب رعاية اجتهاده دون الميت لأن ما يفعله الوصي ليس الا لدفع الوزر واستحقاق العقاب عن الميت والعقاب مرتب على الواقع دون مؤدي الأمارات.

توضيحه ان ما يؤتى به في الخارج اما ان يكون الغرض منه ترتيب الآثار بحسب التكاليف المتوجهة إلى الشخص كبيع الدار وشرائه وتزويج المرأة وطلاقها واداء الخمس والزكاة مع حياة من عليه الحق فان الغرض في الأخير استراحة من عليه وأمنه وعدم وجوبه عليه ثانياً وفي الاولين ترتيب آثار الزوجية او البينونة او الملكية للثمن او المثمن ولا اشكال في ان كل ذلك مترتب على ما كان من الواقع فعلياً بالنسبة اليه وليس ذلك الاَّ ما ادت اليه اليه حجته وامارته، واما ان يكون الغرض رفع الوزر والعقاب او جلب الثواب كمن يوصي باستيجار من يصلي عنه فانه ليس الغرض من ذلك الا رفع ما توجه عليه من استحقاق العقاب ومن المعلوم ان العقاب المتوجه اليه ليس الا على الواقع الفائت عنه لا على مخالفة الطريق لما قرر في محله من ان التكليف بالعمل بالطريق ان كان فهو تكليف مصحح للعقاب على مخالفة الواقع في مورده والا فلا يكون الا تجرياً، ثم هل للميت ان يوصي بالعمل على ما يوافق اجتهاده او تقليده وان اوصى كذلك فهل على الوصي العمل إذا خالف رأيه وهل يجوز للأخير النيابة عن الميت في عمل يراه باطلاً التحقيق، نعم ان كان خلافه للميت بالدليل الظني ولا ان كان بالدليل العلمي.

المسألة الخامسة والخمسون: إذا كان البائع مقلداً لمن يقول بصحة المعاطاة مثلاً او العقد بالفارسي، والمشتري مقلداً لمن يقول بالبطلان، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع(1) ايضاً لأنه متقوّم بطرفين فاللازم ان يكون صحيحاً من الطرفين، وكذا في كل عقد كان مذهب احد الطرفين بطلانه، ومذهب الآخر صحته. اختلف الموجب والقابل في صحته وفساده وفي مكاسب شيخنا الأكبر رحمه الله في المسألة وجوه ثالثها اشتراط عدم كون العقد المركب منها مما لا قائل بكونه سببا في النقل كما لو فرضا انه لا قائل بجواز تقديم القبول على الأيجاب وجواز العقد بالفارسي ادرأها اخيرها والاولان مبنيان على ان الأحكام المجتهد فيها بمنزلة الأحكام الاضطرارية او هي احكام غدرية إلى ان قال هذا إذا كان بطلان العقد عن كل مستند إلى فعل الآخر كالصراحة والعربية والماضوية والترتيب واما المولاة والتنجز او البقاء على صحة الأنشاء إلى آخر العقد فالظاهر ان اختلافها يوجب فساد المجموع لأن الأخلال بالمولاة او التنجز او البقاء على صحة الإنشاء يفسد عبارة من يراها شروطاً، انتهى ملخصاً وفيه ان الأحكام الظاهرية لم يحتمل احد كونها من قبيل الأحكام الأضطرارية مشتملة على مصلحة مغيرة للواقع منصرف في دليله والا لزم التصويب الباطل ثم لا تلازم بين عدم كونها من قبيل الاضطراري وكونها مجرد عذر لمن قامت عنده من غير استتباع حكم فيوردها شرعي وحينئذ فلو كان فبموردها جعل حكم شرعي كان ما وقع مطابقاً لها صحيحاً شرعياً فكان لأحد المجتهدين ترتيب آثار الصحة على فعل المجتهد الآخر فلا يجوز له تزوج امرأة عقد عليها بالفارسية ولا التصرف في دار اشتراها بالعقد الفارسي من دون إذنه بخلاف ما لو كانت مجرد عذر، وعلى أي حال فلا مانع من ان يرتب القائل بصحة العقد بالفارسي إذا قبل بالفارسية الأثر على العقد الذي اوجبه من يقول بفساده لاجتماع شرائط الصحة عنده ولا مانع من اختلاف المتبايعين في الصحة والفساد ظاهراً وعلل المصنف ما ذهب اليه من الفساد في حاشية على المكاسب بان ترتب الأثر على ظن المجتهد الآخر انما يكون فيما لو كان فعله موضوعاً للحكم بالنسبة اليه كما في مثال النكاح وغيره واما إذا كان في فعله قائماً مقام فعله فلا كما إذا استأجر الولي الذي يجب عليه قضاء الميت من يعتقد بطلان صلاته وان كانت صحيحة عند نفسه فان فعل الأجير فعل المستأجر فلا يجوز الاكتفاء به قال وما نحن فيه يعني اختلاف طرفي العقد من هذا القبيل فان العقد متقوّم بطرفين ويجب على كل من المتبايعين ايجاد عقد البيع الذي هو عبارة عن الإيجاب والقبول فلا يجوز لواحد منهما الأكل الا بعد ذلك فمنع اعتقاد احدهما بطلانه ولو ببطلان احد جزئيه لا يجوز له ترتيب الأثر قال وانما يتم ما ذكره المصنف رحمه الله لو كان المؤثر في حق البائع في جواز الأكل الإيجاب الصحيح وبالنسبة إلى المشتري القبول الصحيح وليس كذلك إذ المؤثر المجموع وهو فعل كل واحد منهما، وبعبارة اخرى ليس جواز القبول معلقاً على وجود ايجاب صحيح من الغير حتى يقال ان المفروض انه محكوم بالصحة عند الموجب وبالجملة البيع فعل تشريكي ولا بد من كونه صحيحاً في مذهب كل منهما ليتمكن من ترتيب الأثر عليه وهذا بخلاف مسألة النكاح فان الفعل للاول والثاني يرتب عليه اثره انتهى.

ومراده من مثال النكاح النكاح الواقع من احد المجتهدين مع طرفه صحيحاً بالنسبة إلى مجتهد آخر مخالف له في فتواه والا فحال النكاح مع اختلاف الطرفين حال البيع وعلى أي حال فلم يأتِ لما ذكره من الاعتبار بدليل قاطع للاطلاقات بالنسبة إلى الطرف الذي يرى البيع كذلك صحيحاً.

المسألة السادسة والخمسون: في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعى الا إذا كان مختار المدعى عليه اعلم، بل مع وجود الأعلم وامكان الترافع اليه الاحوط الرجوع اليه مطلقاً. ظاهرة جواز الترافع إلى غير الاعلم مع توافق المدعى والمدعى عليه، نعم الاحوط عدم ترافعهما إلى غير الاعلم ولو مع التوافق ويتوجه عليه ان الظاهر مع اتحاد المدرك في المسألتين يعني المحاكمة إلى المفضول مع وجود الافضل وتقليده بل ربما يكون من افراده إذا كانت الشبهة حكمية كالنزاع في اختصاص الاكبر بالحبوة مجاناً وارث الزوجة من الدية مثلاً فلا وجه جزمه بوجوب تقليد الاعلم او توقفه وجزمه بالجواز هنا، نعم بناء على ما ذكرنا من ان مخالفة الاعلم مانعة من تقليد غيره لا يتوجه اشكال لما عرفت من ان المانع مخالفة الاعلم وهو في الفتوى يتحقق بنفس الافتاء على الخلاف واما في الحكم فلا تتحقق المخالفة الا بعد المراجعة والحكومة او الدخول ويمكن ان يجاب بناء على مختار المصنف رحمه الله ايضاً بان الاطلاقات المسوقة لبيان الرجوع إلى العلماء الشامل للاعلم وغيره لم تقيد بخصوص الاعلم الا في صورة مخالفتها في الحكم، اما في باب التقليد فلا دليل لفظي عليه فضلاً عن ان يكون له اطلاق كذلك فيجب الاخذ بالمتيقن الطريقية وان كنا اوضحنا الاطلاقات في باب التقليد ايضاً ثم بناء على جواز الرجوع إلى غير الاعلم فما وجه تعين الاعلم إذا اختاره المدعي عليه ويمكن ان يكون لاجل الاجماعات المدعاة على تعين الرجوع إلى الاعلم، او يقال ان المستفاد من المقبولة الدالة على تعين الاعلم عند الاختلاف تقديمه عند اختلاف المتداعيين، او يقال ان الرجوع إلى الاعلم الموجب لوجوب الاجابة على المدعي دعوته إلى الحضور لو استدعاه تمنع عن جواز رجوعه إلى غيره لظهور التنافي بين مقتضيهما بل كان يتحقق به موضوع المخالفة التي يتقدم فيها الاعلم، او يقال بانصراف إلى اطلاقات التي كانت هي المنشأ لجواز الرجوع إلى غير الاعلم إلى غيره وكيف كان فاختيار المرجع والمحاكمة ابتداء بيد المدعي لانه المطالب بالحق فله الحضور عند أي حاكم اراد وقد عرفت ان مقتضى القاعدة بقاء هذا الخيار ولو اراد المدعي عليه الحضور عند الاعلم الا ان يدعى تعينه حينئذ باحد من الوجوه السابقة ولا بأس ببعضها بل لعل مقتضى اطلاق المقبولة كفاية التشاح في تقديم الاعلم.

المسألة السابعة والخمسون: حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه ولو لمجتهد آخر الا إذا تبين خطأه، عدم جواز نقضه ولو لمجتهد آخر فلاطلاق ما دل على حرمة الرد ولانه حكم من جانب الله بالعدل والقسط فلا يجوز رده واما انه يجوز ذلك إذا تبين خطأه فلا اشكال فيه لو كان المراد من تبين الخطأ ظهور عدم كون اجتهاده مبتنياً على القوانين المقررة للاجتهاد بمعنى عدم كون الحكم المجتهد فيه حكماً الهياً لعدم المشي فيه على القوانين الواصلة الينا او عدم اتعاب النظر في استيفائنا والحاصل ان لا يكون القاضي فيه معذوراً واما لو كان اجتهاده منطبقاً على الاصول معذوراً فيما ادى اليه نظره فجواز نقضه والرد عليه محل اشكال مع تلك الاطلاقات حتى لو كان تبين خطأه علمياً إذا كان العلم المزبور محلاً لاجتهاد الخلاف بل جواز نظر المجتهد في مباني المجتهد الاول لعله من التفحص المنهي عنه بل نظره في اصل المسألة ومراجعة المرافعة ثانياً مع ثبوت حكم الاول شرعاً محل اشكال وان كان ظاهرهم الجواز ان كان ذلك بمسألة المتداعيين وتراضيهما على تجديد المرافعة، وكيف كان فلعل من قرن في اصل المسألة بين ما كان تبين الخطأ علمياً او ظنياً نظراً إلى ان الغالب عدم كون المباني العلمية قابلة للاجتهاد والخطأ فيها فيكون المجتهد لخلافه مقصراً في اجتهاده.

المسألة الثامنة والخمسون: إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره, ثم تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة، لا يجب على الناقل اعلام من سمع منه الفتوى الاولى وان كان احوط، بخلاف ما إذا تبين له خطأه في النقل فأنه يجب عليه الاعلام(1). واعلام الغير بتبدل رأي المجتهد وان كان احوط وان كان عليه ذلك إذا كان مخطئاً في نقله اما انه لا يجب عليه اعلام من نقل اليه الفتوى بتغير رأي المجتهد فلعدم المقتضى له إذ ليس البقاء على الرأي الاول من المنكر حتى يجب الردع عنه ولا كان ذلك بتسبيبه حتى يقال انه عامل على خلاف وظيفته فيجب عليه ردعه لقبح التسبيب إلى ذلك عقلاً بل مر منا المنع من وجوب الاعلام عقلاً إذا كان مخطئاً في نقله الا إذا كانت الواقعة على طبق المنقول مما لا يريد الشرع وقوعها فيجب على كل احد ردع العامل من غير اختصاص بالناقل.

المسألة التاسعة والخمسون: إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا، وكذا البينتان، وإذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاهاً قدم السماع(1) وكذا إذا تعارض مع ما في الرسالة مع السماع، وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة مع الامن من الغلط. لعل ذلك مع اتحاد تأريخ التعارض او العلم بعدم اختلاف الرأي من المجتهد والا فلا وجه لعدم الجمع بالحمل على تبدل الرأي فيأخذ بالتأخر وهل يقدم الاظهر والنص على الظاهر، وبعبارة اخرى يجمع بين المتعارضين في الدلالة كما يجمع في الاخبار او لا وجهان اقواهما لا لأن الجمع الدلالي راجع إلى رفع اليد عن الظهور لقرينة نص او اظهر، وبعبارة اخرى مرجع الجمع الدلالي إلى جعل بعض الكلام قرينة صارفة عن ظاهر بعض اخر ومن المعلوم انه لا يكون الا بالنسبة إلى متكلم واحد او متكلمين كانا في حكم الواحد واما مع تعدد المتكلم موضوعاً وحكماً فلا وجه لصرف ظاهر كلام احدهما بكلام آخر إذ لا يكون احد الكلامين قرينة على الآخر فتأمل ثم ان ما يظهر من المصنف من تقديم السماع على النقل لعله من جهة ان النقل ظني من جهتين والسماع من جهة واحدة، ومنه يظهر وجه تقديمه على ما في الرسالة ايضاً، واما ترجيح الرسالة على النقل فلأن الرسالة مع الأمن من الغلط بمنزلة السماع ان كان هو الكاتب فلا يكون في الحقيقة بين المجتهد والرسالة واسطة، ومنه يظهر ضعف ما اشرنا اليه من توجيه تقديم السماع على الرسالة المأمونة من الغلط او كان ما ذكرنا مبتنياً على تحقق الواسطة بين المجتهد والرسالة وقد عرفت منعها بل التحقيق ان كل ما ذكرنا من المرجحات لا يرجع إلى محصل لأن المرجحية كأصل الحجية محتاجة إلى دليل وليس، ودعوى استفادة ذلك من اخبار التراجيح مدفوعة اولاً بالمنع من التعدي عن ادلة الاحكام اللهم الا ان يقال ان ذلك منها ايضاً ولذا احتملنا حجية خبر العدل بل الموثوق به في نقل الفتوى وان بيننا على عدم حجيتها في الموضوعات، والحاصل ان نقل الفتوى اقرب إلى نقل الاحكام الكلية من نقل الموضوعات فيأتي فيها التراجيح المسطورة هناك ويتعدى ما يتعدى اليه هناك ايضاً ولكن لأقرب مع ذلك وجوب الأخذ بالمتأخر ان احتمل تجدد الرأي والاّ تساقطا او اخذ بالموثوق به ان كان.

المسألة الستون: إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها ولم يكن الاعلم حاضراً فان امكن تأخير الواقعة إلى السؤال يجب ذلك(1) والا فأن امكن الاحتياط تعين وان لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم وان لم يكن هناك مجتهد آخر ولا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور، وإذا عمل بقول المشهور ثم تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة او القضاء، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى اوثق الاموات وان لم يمكن ذلك ايضاً يعمل بظنه وان لم يكن له ظن بأحد الطرفين يبني على احدهما، وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد ان كان عمله مخالفاً لفتواه فعليه الاعادة او القضاء إلى حضور الاعلم وجب والا احتاط وات لم يمكن الاحتياط رجع إلى مجتهد اخر الاعلم فالاعلم وان لم يمكن ذلك عمل بقول المشهور ان امكن له ذلك والا رجع الا اوثق الاموات والا عمل بظنه والا بنى على احد الاحتمالين وعلى التقادير ان تبين مخالفة ما اختاره لفتوى مجتهده كان عليه الاعادة او القضاء لا يخفي انه لا اشكال عندنا في جواز العمل بفتوى غير الاعلم ان لم نعلم اختلافه مع الاعلم في الفتوى تفصيلاً ولا اجمالاً لما عرفت من ان الفتوى المخالفة من الاعلم مانع من تقليد غيره لا ان الاعلمية شرط وعليه فلا يجب عليه تأخير الواقعة مع عدم علمه بمخالفتهما، نعم مع علمه بمخالفتهما ولو اجمالاً فيما يبتلي به من الوقائع وجب تأخير الواقعة إلى اطلاعه على طريقه هو قول الاعلم ومع عدم امكان التأخير فهل يكون من موارد عدم التمكن من الاعلم حتى يجوز الرجوع إلى غير الاعلم بناء على ما مر من ان الرجوع إلى الاعلم انما يجب مع التمكن واما مع عدم التمكن فلا مانع من تقليد غير الاعلم او ان عدم التمكن الذي هو شرط وجوب الرجوع إلى غير الاعلم غير هذا النحو من عدم التمكن لان في الفرض عسر الاطلاع على فتواه اتفاقي لعذرية الواقعة بعد ان رجع اليه وجعله طريقاً بل قلده والتزم بالعمل بفتاويه وجهان وعلى الاول لا يجب الاحتياط لان المفروض كونه من موارد عسر الاطلاع على فتوى الاعلم ومعه يسقط وجوب الرجوع اليه وعلى الثاني وجب الاحتياط بين ما يحتمل كونه فتواه فيختار احوط الاحتمالات ان كان والا فيجمع بين الاحتمالين او الاحتمالات, ويمكن ان يقال ان مع امكان الاحتياط لم يتعذر الرجوع إلى الاعلم فيجب ومع عدمه يسقط وجوب الرجوع اليه فيختار وان لم يكن الاحتياط فهل يجب الرجوع الى غير الاعلم معيناً كما هو الظاهر من المتن او يجمع بينه وبين المراتب المتأخرة بناء على ان طريقية قول غير الاعلم مع وجود الاعلم غير معلومة بل معلومة العدم فحاله مع وجوده حال المجتهد الميت، ودعوى انه ليس من موارد التمكن من الاعلم رجوع عن فرض المسألة إذ قد عرفت ان عليه لا يجب الاحتياط من اول الامر، اللهم الا على ما عرفت من ان مع التمكن من الاحتياط لم يتعذر الرجوع اليه فيجب ومع عدمه يسقط وحينئذ فيتعين الرجوع إلى غير الاعلم ومع وجوده، واما مع عدم المجتهد فظاهر المتن تقدم المشهور على تقليد الميت وهو على العمل بالظن ولعل وجه الاول ان تقليد الميت مما قام الدليل على عدمه والمشهور لم يقم الدليل على حجيته ومع دوران الامر بين العمل باحدهما يتعين العمل على الثاني ومع عدمهما فالظن اقرب الطرق ومع عدمه يتعين العمل بالاحتمال لان المفروض العلم بعدم سقوط الواقع، ولكن للنفس في هذا الترجيح والترتيب وسوسة لعدم دليل عليه وما ذكر لا يرجع إلى ازيد من استحسان لم يقم عليه دليل واحتمال تعين العمل بالظن إذا وافق احداً من الشهرة وفتوى اوثق الاموات قائم فيقدم اياً منهما طابق ظن العامل وان خالفا ظنه فالاحوط الجمع بين مظنونه وبينهما ومع عدم الامكان فالتخير محتمل فالتوقف مع عدم امكان الاحتياط متعين، ثم ما ذكره من انه ان انكشف عدم مطابقة عمله لما هو فتوى الاعلم لا يتم في المرتبة الاولى جزماً لما عرفت من ان قول غير الاعلم مع العجز عن الرجوع إلى الاعلم حجة شرعية فلا وجه للاعادة مه المخالفة واما في سائر المراتب فيمكن ان يقال ان وجه الرجوع اليها ليس الا حكم العقل بمقدمات الانسداد وهو يوجب كون ما يحكم به العقل ويعينه للعامل من العمل على المشهور او اوثق الاموات او الظن حجة شرعية غاية الامر كونه اقرب الطرق إلى الواقع فان وافقه او وافق حجة من حججه اجزأ والا بقيت ذمة المكلف مشغولة بعد رفع الانسداد وفتح باب العلم والعمل نعم مع رأي حجية فتوى المفتي ايضاً من باب الانسداد لم يكن فرق عنده بين المعمول به في الحالين فيمكن المنع عن عدم الاجزاء ووجوب الاعادة او القضاء عليه.

المسألة الواحدة والستون: إذا قلد مجتهداً ثم مات فقلد غيره ثم مات فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت او جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الاول او الثاني؟ الاظهر الثاني(1) والاحوط مراعاة الاحتياط. لا ينبغي الاشكال في ان الاظهر الاقوى بقاءه على تقليد الثاني ان كان فتوى الثالث جواز البقاء بل عليه يكون رجوعه إلى الاول تقليداً ابتدائياً من الميت لانقطاع التقليد الاول بالعدول إلى الثاني، نعم بناء على قول الثالث بوجوب البقاء وعدم جواز العدول امكن ان يكون عدوله إلى الثاني محرماً غير نافذ فلا يكون عدوله صحيحاً فيجب ان يبقى على تقليد الاول وليس ذلك تقليداً ابتدائياً له منه لفساد عدوله إلى الثاني وبعبارة اخرى فتواه بوجوب البقاء مقتضاة ان يكون ذلك تكليفاً له من حين موت المجتهد الاول وان رجوعه إلى الثاني لم يكن بمحله غاية الامر كان معذوراً في المخالفة فيجب عليه من حين فتوى الثالث تقليد الاول على ما كان مقتضى واقعه بمقتضى فتوى الثالث، ان قلت مقتضى تقليد الثالث وان كان فساد الرجوع إلى الثاني الا ان فتواه لم يكن حجة في حق المقلد حين عدل إلى الثاني فكان عدوله اليه حين عدوله صحيحاً مطابقاً لفتوى مقلده، وفتوى الثالث انما صار حجة له بعد انقضاء تقليد الثاني فيكون تقليده السابق تقليداً صحيحاً ومعه يكون الرجوع إلى الاول تقليداً ابتدائياً، قلت نعم انما كان تقليداً صحيحاً إلى زمان موت الثاني واما بعده فيجب عليه ان يرتب آثار العدول الفاسد بمقتضى فتوى الثالث وعليه فلا يكون رجوعه إلى الاول تقليداً ابتدائياً، ولعل المسألة من فروع ما مر من مسألة الأجزاء وان الفتوى المتأخر يكون بمنزلة النسخ او كاشفاً عن فساد ما خالفه من الأعمال من قبل وقوعه وقد عرفت ان مقتضى قواعد الطريقية وان كان هو الثاني الا ان الظاهر ان الأفعال السابقة التي كانت من قبل الموضوع لما يأتي لا يؤثر فيها الاجتهاد المتأخر فما وقع من التقليد السابق للمجتهد الثاني انعقد ولا يؤثر فيه فتوى الثالث فالأظهر ما في المتن من البقاء على تقليد الثاني وان كان الأحوط مراعاة الاول ايضاً.

المسألة الثانية والستين: يكفي في تحقق التقليد(1) اخذ الرسالة والإلتزام بالعمل بما فيها وان لم يعلم ما فيها ولم يعمل فلو مات مجتهده جاز له البقاء، وان كان الأحوط مع عدم العلم بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم، عدم البقاء والعدول إلى الحي بل الأحوط استحباباً على وجه عدم البقاء مطلقاً ولو بعد العلم والعمل. مر ان الأظهر مراعاة العمل في تحقق التقليد واشكال الدور المعروف لا محصل له كما مر ان مسألة البقاء وعدمه غير مبنية على كون التقليد مجرد العمل او مطلق الإلتزام إذ مبني على جريان استصحاب الحجية او الحكم الفرعي او اطلاق الأمر بالسؤال فانه يتحقق بمجرد العلم ولو لم يتعقبه عمل وان جعلنا التقليد عبارة عن العمل، نعم يمكن ان يقال ان التقليد لو كان مجرد الإلتزام كان العمل المتأخر عنه بقاء وان اعتبرنا فيه العمل لم يكن ذلك بقاء بل تقليداً ابتدائياً محرماً فوجه ابتناء المسألة على تحقيق معنى التقليد تحقيق معنى البقاء والتقليد الابتدائي حتى نجزم بعدمه ان كان من افراد التقليد الابتدائي لكن مر سابقاً ان ما دل على عدم جواز التقليد الابتدائي من الإجماع ان سلماه فلا نسلمه في مثل المور الذي كان فتوى المجتهد قبل موته حجة للعامي ولم يعمل به اتفاقاً او عصياناً ثم مات فيمكن ان يقال بجوازه حينئذ وان كان تقليداً ابتدائياً لعدم الدليل على حرمته وعلى أي حال فلما احتمل كون ذلك التقليد ابتدائياً  محرماً من جهة الإجماع كان الأحوط مع عدم العلم بل والعمل عدم البقاء والعدول إلى الحي وان كان هذا الاحتياط معارضاً باحتمال حرمه العدول بناء على وجوب البقاء لكنه لم يعتن باحتمال وجوب البقاء لضعفه ورجح الاحتياط في الجانب الآخر ولضعف احتمال وجوب البقاء جعل الأحوط مطلقاً في وجه عدم البقاء والعدول مطلقاً وان كان قد عمل.

المسألة الثالثة والستين: في احتياطات الأعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد بين العمل بها، وبين الرجوع إلى غيره الأعلم فالاعلم(1)، لأن معنى الاحتياط هو التوقف في الفتوى ومع توقفه في الفتوى لا معنى لتقليده فاما ان يحتاط العامي على النحو الذي احتاط الأعلم او يرجع إلى غيره واما إذا جهل ما افتى به الأعلم فهل يجوز له الرجوع إلى غيره ام لا (الظاهر) جوازه الا إذا علم اختلافه مع غير الأعلم فلا يجوز له ذلك بل يجب عليه الاحتياط، نعم مع عدم التمكن من الاحتياط ايضاً دخل فيمن لم يتمكن من الرجوع إلى الأعلم فجاز له تقليد غيره ومر تفصيل ذلك.

المسألة الرابعة والستون: الاحتياط المذكور في الرسالة (اما استحبابي) وهو ما إذا كان مسبوقاً او ملحوقاً بالفتوى، (واما وجوبي) وهو ما لم يكن معه فتوى، ويسمى (بالاحتياط المطلق) وفيه يتخير المقلد بين العمل به والرجوع إلى مجتهد آخر، واما القسم الاول فلا يجب العمل به، ولا يجوز الرجوع إلى الغير بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى، وبين العمل به او ملحوقاً به استحبابي جاز للمقلد تركه لأن السبق واللحوق بالفتوى دليل على عدم تقفه في المسألة بل مع الإفتاء لو امر بأنه لا يترك لا يجب متابعته الا ان يكون ذلك منه رجوعاً عن الفتوى واما ان لم يكن مسبوقاً ولا ملحوقاً به فلا يجوز للمقلد تركه لأن المفروض عدم علمه بفتوى مجتهده فيجب عليه الاحتياط او رجوعه إلى غيره ان علم توقفه او لم يعلم اختلافاً بينه وبين ذلك الغير الذي يرجع اليه.

المسألة الخامسة والستون: في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد(2) ايهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في احكام العمل الواحد حتى انه لو كان مثلاً فتوى احدهما وجوب جلسة الاستراحة واستحباب التثليث في التسبيحات الاربعة وفتوى الآخر بالعكس يجوز ان يقلد الاول في استحباب التثليث والثاني في استحباب الجلسة، مر الكلام في هذه المسألة وفي حكم التبعيض في العمل الواحد حتى فيما كان العمل بفتوى كليهما باطلاً فراجع المسألة الثالثة والثلاثين.

المسألة السادسة والستون: لا يخفى ان تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي إذ لا بد فيه من الاطلاع التام، ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلا بد من الترجيح وقد لا يلتفت إلى اشكال المسألة حتى يحتاط وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط مثلاً الاحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الاحوط التوضوء به، بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابياً، والاحوط الجمع بين التوضوء به والتيمم وايضاً الاحوط التثليث في التسبيحات الاربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت، فالاحوط ترك هذا الاحتياط، او يلزم تركه وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط لكن إذا لم يكن معه الا هذا فالاحوط التيمم به وان كان عنده الطين ــ مثلاً ــ فالاحوط الجمع وهكذا. مر انه ليس للعامي الاحتياط الا بعد الرجوع إلى مجتهده بتشخيص الاحتياط وكيفته وعليه فلا مجال لهذه المسألة الا لبيان الاحتياط في المسائل المزبورة ان اراد المقلد الاحتياط فيها وحينئذ فنقول قوله وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط ينبغي تقيده بصورة عدم امكان الجمع بين الاحتمالين والا فيكون الاحتياط في الجمع مثلاً في المثال المذكور في المتن الأحوط الوضوء بالماء المستعمل المفروض الانحصار والتيمم ثم الصلاة فيجب ذلك ام كان الاحتياط بالترك وجوبياً ويستحب ان كان استحبابياً، نعم إذا لم يتمكن من الاحتياط بالجمع كان ما ذكره احتياطاً والا فليس فيما ذكر احتياط كما ان قوله فالأحوط ترك هذا الاحتياط يعني الاحتياط بالتثليث في ضيق الوقت ينبغي تقيده ايضاً بان الأحوط ترك التثليث والقضاء خارج الوقت والا فليس في ترك التثليث احتياط، نعم في المسألتين ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر لقوة احدهما وضعف الآخر وليس في ذلك احتياط الا مع تعذر الجمع وكذا قوله في المثال الثالث فالأحوط التيمم به ليس فيه احتياط بل الاحتياط بالجمع بين التيمم به والمرتبة المتأخرة ان كان والا فالجمع بين الصلاة بهذا التيمم والقضاء خارج الوقت الذي هو وظيفة فاقد الطهارة.

المسألة السابعة والستون: محل التقليد ومورده هو الأحكام الفرعية العملية، فلا يجري في أصول الدين ولا في مسائل أصول الفقه ولا في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية(1)اواللغوية ولا في الموضوعات الصرفة، فلو شك المقلد في مائع انه خمر او خل ــ مثلاــً وقال المجتهد انه خمر لا يجوز له تقليده نعم من حيث انه مخبر عادل يقبل قوله كما في اخبار العامي العادل وهكذا واما الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلاة والصوم ونحوهما فيجري التقليد فيها كالاحكام العملية، اما عدم جواز التقليد في اصول العقائد ففيما يتمكن فيه من العلم فللاجماع والآيات والاخبار واما مع العجز عن تحصيل العلم فلعدم الدليل عليه إذ لا يجب تحصيل الظن ايضاً حتى يقال انه من طرقه لأن المطلوب هو الاعتقاد فمع تعذره سقط الطلب ولا طلب بغيره ولا دليل الانسداد غير جار فيه إذ ليس المطلوب فيه العمل ولا دليل على عدم جواز التوقف في الاعتقادات، هذا مضافاً إلى انه لا طريق له إلى تقليد بعض ارباب الديانات دون آخر معيناً والتخير بينهم ليس في المحذور انقص من توقفه وعدم إلتزامه بشيء حتى يتبين له الأمر، نعم ان رأى غيره الواصل إلى الحق تمكنه ولم يخف من ان يحصل له الاعتقاد بالخلاف جاز لذلك الغير ان يلزمه بتحصيل الظن او يأمره بتقليد من يراه على الحق بل لا يبعد وجوبه علي، واما الموضوعات الاستنباطية العرفية او اللغوية فالظاهر جريان التقليد فيها إذا لم يتمكن العمي من تعلمها عرفاً او لغة إذ لا طريق له حينئذ غيره فانه إذا لم يتمكن من تحقيق مفهوم الفناء او الصعيد بنفسه فأي طريق له إلى رفع الشبهة من مواردها غير التقليد كيف لا يجوز التقليد فيها وتحقيق الحق فيه محتاج إلى جرح وتعديل وترجيح خصوصاً من يرى الدليل على جواز التقليد في الفروع قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم والسيرة الجارية على مراجعة الناس في كل صنف إلى اهل خبرتها.

المسألة الثامنة والستون: لا يعتبر الأعلمية فيما امره راجع إلى المجتهد الا في التقليد واما الولاية على الايتام والمجانين والاوقاف التي لا متولي لها والوصايا التي لا وصي لها ونحو ذلك فلا يعتبر فيها الاعلمية، نعم الأحوط في القاضي ان يكون اعلم من في ذلك البلد او غيره مما لا حرج في الترافع اليه من يمكن رجوع المترافعين اليه اما عدم اعتبار الأعلمية فلاطلاقات مثل قوله واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة احاديثنا وقوله مجاري الأمور بيد العلماء وسائر ما دل على نيابة المجتهد العادل وجملة منها وان كانت مطلقة شاملة للقضاء ايضاً الا ان دعوى الإجماع في كلام بعضهم على وجوب الرجوع إلى الأعلم اوجب الاحتياط فيه وان كان لم يثبت عندنا هذا الإجماع وقوينا جواز الرجوع إلى كل مجتهد عادل في القضاء الا ان يتحقق بينهما تعارض في الحكم على وجه جائز منهما يقدم الأعلم وقد يفصل بين الترافع في الشبهات الحكمية والموضوعية فيمنع من اعتبار الأعلمية في الثاني دون الاول ومنشأه ان حقيقة الترافع في الشبهات الحكمية تقليد المتحاكمين الحاكم لكنه اشتباه لان فصل القضاء بالفتوى ليس تقليداً منهما له وقد مر الكلام في وجوب تقديم الاعلم إذا اختاره احدهما انه لا يجوز الترافع إلى غيره والنقض والابرام فيه.

المسألة التاسعة والستون: إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه اعلام المقلدين ام لا؟ فيه تفصيل فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب وان كانت مخالفة فالاحوط الاعلام بل لا يخلو عن قوة(1)، لا إشكال في عدم الوجوب مع موافقة الفتوى السابقة للاحتياط واما مع المخالفة له فصريح المتن الوجوب وفيه اشكال مرت الاشارة اليه في حكم من اخطأ في النقل فراجع، نعم هو احوط.

المسألة السبعون: لا يجوز للمقلد اجراء اصالة البراءة، او الطهارة، او الاستصحاب في الشبهات الحكمية. واما في الشبهات الموضوعية فيجوز بعد ان قلد مجتهده في حجيتها ــ مثلاً ــ إذا شك شفي ان عرق الجنب من الحرام نجس ام لا ليس له اجراء اصل الطهارة، لكن في ان هذا الماء او غيره لاقته النجاسة ام لا

 

يجوز له اجراؤها بعد ان قلد المجتهد في جواز الإجراء، الاصول في الشبهات الحكمية لان من شرط جريانها الفحص الغير الممكن من المقلد، نعم لو فحص المجتهد ورفع موانع الجريان له ان يفتي بان المورد مورد الاستصحاب او البراءة او الاشتغال او التخير لكن المجرى حينئذ ليس الا المجتهد لان مقتضيات الاصول ايضاً تؤخذ منه، واما في الشبهات الموضوعية فلما لم يتوقف على الفحص ولو سلمنا توقفها عليه كان ممكناً للمقلد ايضاً إذا اخذ الفتوى بجريانها من المجتهد جاز له إجراءها بعد تحقق موردها.

المسألة الواحد والسبعون: المجتهد غير العادل او مجهول الحال لا يجوز تقليده وان كان موثوقاً به في فتواه ولكن فتواه معتبرة لعمل نفسي وكذا لا ينفذ حكمه ولا تصرفاته في الامور العامة، ولا ولاية له في الاوقاف والوصايا واموال القصر والغيب، وان لم يجز تقليده ولا الرجوع اليه لكن فتاواه لعمل نفسه حجة فالعدالة معتبرة في الموضوع في حكم المقلد دون نفس المجتهد من غير فرق بين كونه موثوقاً به ام لا يعني ليس وجه اعتبار العدالة فيه هو احتمال كذبة في فتواه او عدم اتعاب نظره في اجتهاده حتى يقال انه إذا وثق به ضعف هذا الاحتمال فيحوز تقليده بل اعتبار العدالة له موضوعية في حكم الغير، وكذا لا تنفذ تصرفاته ولا حكمه في الامور العامة لما مر من ان اعتبار العدالة في حكم الغير له موضوعية فلا تنفذ تصرفاته في الحقوق ولا الامور المرجوعة اليه حتى لو كان موثوقاً به ولكن لقائل ان يقول ان اعتبار العدالة شرط الرجوع اليه والتأمين من عنده وجواز وضع اليد على مال المجنون والصغير والغائب فيمنع عن ذلك اما لو تصرف فيها على طبق الواقع الصحيح بل على طبق فتواه نفذ فلا يضمن لو اوصل الحق إلى اهله ويكون صاحب الحق بريئاً وكذا لا يضمن مال الغائب والصبي لو تصرف فيه على طبق المصلحة والقبطة بل يمكن ان يدعى ان المجتهد الذي ظاهر حالة العدالة والتقى إذا حكم على طبق فتواه واقعاً نفذ حكمه واجرى ما حكم به على المحكوم عليه وببالي اني رأيت في بعض رسائل بعض الافاضل ممن عاصرناهم نظير ما ذكرته.

المسألة الثانية والسبعون: الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل الا إذ كان حاصلاً من ظاهر لفظه شفاهاً، او لفظ الناقل، او من الفاظه في رسالته، والحاصل ان الظن ليس حجة الا إذا كان حاصلاً من ظواهر الالفاظ منه او من الناقل، لحرمة العمل به كتاباً وسنة واجماعاً وعقلاً على ما حرر في محله حتى إذا لم يتمكن من العلم إذ يجب عليه حينئذ الاحتياط وإذا عسر او لم يتمكن قلد غيره ولا يعمل بظنه بفتوى مجتهده على ما مر لما عرفت من عدم الدليل على حجية فتواه ولو كان ظنه في تعين فتوى مجتهده حجة لتعين العمل به عند تعسر الاطلاع على المجتهد وجب عليه رعاية ما ظنه من الحكم الواقعي وقد عرفت خلافه وان المتبع هو ما ذهب اليه المشهور او اوثق الاموات وان جعلنا نحن الاحتياط في الجمع بينهما وبين ما ظنه وعلى كل حال فحجية ظنه في تشخيص فتوى مجتهده لم يدل عليه دليل وان بلغ إلى مرتبة الاطمئنان والوثوق وان كان الظن الاطمئناني ان حصل من قول الغير كان حجة كما مر بل ادعينا عليه السيرة، نعم لو كان ظنه من ظاهر لفظ سمعه شفاها او نقلاً كان حجة لاستقرار بناء العقلاء على العمل بالظواهر من غير تقيّد بافادة الظن وقد وقع الفراغ لمؤلفه (محمد كاظم الشيرازي يوم الاربعاء خامس ربيع الثاني سنة 1303 هجرية).

 

 

فصل في المياه

الماء اما مطلق ما هو يطلق عليه الماء عرفاً من غير توسع وعلاقة وليس ما ذكرنا وذكره الفقهاء تحديداً لمفهوم الماء كيف وهو من اوضح المفاهيم العرفية بل الغرض انه لا يعتبر في مفهومه الا صحة اطلاق لفظ الماء عليه عرفاً من غير حاجة إلى قرينة بخلاف المضاف الذي لا يستحق اطلاق الماء عليه الا بعلاقة وتوسع فتخرج المائعات التي لا يصح الاطلاق عليها الا بإعتبار المبالغة في الميعان كما يقال للدهن والعسل المائعين في مقام المبالغة في ميعانها انهما ماء: وهل مثل ابوال الحيوانات المأكولة اللحم وعرقهم وعرق الأنسان داخل في المضاف الأقوى، نعم وللعدم وجه حيث ان ظاهر الفقهاء في عنوان الباب ان الماء اما مطلق او مضاف انه يعتبر في تحقق عنوان المضاف اطلاق الماء عليه فعلاً ولا يطلق فعلاً على المذكورات نعم ينطبق على مثل ماء الورد وفيه انه لا شبهة في كون عامة المصعدات من المضاف مع انه لا ينطبق عليها لفظ الماء نعم يعتبر صحة الاطلاق عليها وهي في الجميع متحققة مجازاً وكيف كان فالمضاف على اقسام منها المعتصر من الاجسام ومنها الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء بلا قرينة وإلا فليس كل مزج بموجب اضافة الماء.

والمطلق اقسام: الجاري والنابع غير الجاري والبئر والمطر والكر والقليل الطاهر ان غرضه ذكر العناوين الواقعة في لسان الأدلة موضوعاً للاحكام وعليه فكان عليه ذكر الحمام ايضاً والا فلا وجه لعدوله عما في لسان الفقهاء من التقسيم بالجاري والراكد وماء البئر ثم تقسيم الراكد القليل والكثير وعلى أي حال فكل واحد منها مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث والخبث. والظاهر ان التقيد بعدم ملاقاة النجاسة لا يرجع إلى الجميع ضرورة ان الملاقاة غير مؤثرة في الكر والجاري والمطر وماء البئر فيكون قيداً لكلية الحكم يعني ان الحكم بطهارة الجميع مشروطة بعدم ملاقاة شيء منها للنجاسة او مسامحة منه في التعبير ثم الدليل على طهارة الماء في اصله هو الدليل على طهارة غيره من الأجسام عدى الأمور العشرة بل نفس عد النجاسات دون الأجسام الطاهرة دليل على طهارة الأشياء بمقتضى طبيعتها الاولى وانما خرج ما خرج واما كونه مطهراً من الحدث والخبث فلاطلاقات الغسل في المقامين التي قدر متيقنها تحققه بالماء مضافاً إلى المستفاد من الكتاب والأخبار المتفرقة في الأبواب التي ستمر عليك إن شاء الله.

 المسألة الاولى: الماء المضاف مع عدم ملاقاته للنجاسة طاهر لكنه غير مطهر، لا من الحدث ولا من الخبث ولو في حال الأضطرار وان لاقى نجاسة تنجس وان كان كثيراً بل وان كان كثيراً بل وان كان مقدار الف كر فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو بمقدار رأس ابرة في احد اطرافه فينجس كله، نعم إذا كان جارياً من العالي(1) إلى السافل ولاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه، كما إذا صب الجلاب من ابريق على يد كافر، فلا ينجس ما في الإبريق وان كان متصلاً بما في يده، مطلقاً اما طهارته مع طهارة اصله فلما مرَّ في طهارة الماء المطلق ومنه يعلم لزوم هذا القيد كما في بعض العبارات واما انه غير مطهر من الحدث والخبث فللاستصحاب مع انصراف الاطلاقات مضافاً إلى قوله (سبحان الله كيف يطهر من غير ماء) وقوله( كانوا بنو اسرائيل إذا اصاب احدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض فاوسع الله عليكم بما بين السماء والأرض فجعل لكم الماء طهورا) وقوله ( وان لم تجدوا ماء فتيمموا) حيث انه لو كان غير الماء مطهراً لم يحسن الأمر بالتيمم مع عدم وجدان الماء وغيرها مما يطلع عليها الملتفت إلى اخبار التيمم.

وما ورد في بعض الأخبار الشاذة من جواز الوضوء بماء الورد مطروح وان افتى به بعضهم وكان في الأخبار ما يشهد بالجمع بينه وبين الأخبار الدالة على وجوب التطهير بالماء بالحمل على حال الضرورة، وذلك لأن الجمع بالتعبد والتفصيل فرع الحجية، والشذوذ مخرج للشاذ عنها.

واما انه ينجس بملاقاة النجاسة فلقاعدة تنجس كل مائع بل كل رطب بالملاقاة المستفادة من الأمر بإراقة القدر الذي وجد فيه فارة وإراقة الدهن والزيت الذي ماتت فيه فارة معلقاً اياه بقوله: وان كان ذائباَ فأرقه، وجعل من الأخبار المستفادة منها ذلك بعض الأساطين الصحاح المشتملة على ان الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيء بتقريب ان جعل القلة من كرية الماء شاهد على ان غير الماء لا يمنع عن التنجس وان كان كراً وفي الأستفادة نظر بل وفي استفادة القاعدة المزبورة حتى في مثل المضاف الكثير البالغ ألف كر كما في عبارة المتن تأملاً فالأولى الأستدلال بالأجماع ان تم والا فلتوقف بحال ان المدرك في الفرع الأخير وهو عصمة العالي السائل على النجاسة ايضاً منحصر بالأجماع والا فدعوى امتناع سراية النجاسة من السافل إلى العالي لا يرجع إلى محصل الا ان يكون المراد انصراف ادلة الأنفعال إلى غير هذه الصورة وهو ايضاً ليس بمعتمد ويلحق به بعضهم السائل من السافل إلى العالي بقوة كالفوارة بل ومطلق السائل بشدة على وجه لا يعد الخارج الملاقي واحداً مع الباقي الغير الملاقي كالخارج من الأناء بشدة مثل ما إذا وقع في الإناء المطر ومن الإناء ثقبة خرج منها الماء إلى حائط متنجس فلو كان مناط العصمة العالي السائل الإنصراف وبعض الوجوه الأعتبارية جرت في الصورتين ايضاً والاّ فألحاقها بالعالي السائل محل منع بل لو كان المدرك الأجماع اشكل التعدي من الماء المطلق إلى غيره من المضاف وسائر المائعات الا ان يتحقق فيها ايضاً الأجماع كما ادعاه شيخنا الأكبر في طهارته فأنه استظهر من كلمات السابقين وغيرها انهم لا يحكمون بنجاسة المضاف العالي إذا سال إلى نجس ولعل السيرة المتأخرة جارية على ذلك.

المسألة الثانية: الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد عن اطلاقه، نعم لو مزج معه غيره وصعّد كماء الورد يصير مضافاً(1)، اما ان المطلق لا يخرج بالتصعيد عن الاطلاق فلبقاء الصدق ومع الشك يستصحب الاطلاق على اشكال تأتي اليه الأشارة كما انه مع المزج والتصعيد يخرج عن الاطلاق لزوال الصدق ومما ذكرنا ظهر ان مطلق المزج لا يوجب ذلك كالمخروج من التراب والرمل بل يعتبر ان يكون بحيث يتصعد من المخروج والمخروج به، ومما ذكر ظهر الوجه فيما ذكره من المسألة الثالثة.

المسألة الثالثة: المضاف المصعد مضاف، حيث ان صدق الماء عليه بالاطلاق منتفى والا فلا ملازمة عقلية ولا شرعية بين كون المصعد والمصعد منه في الاطلاق والأضافة متوافقان.

المسألة الرابعة: المطلق او المضاف النجس يطهر بالتصعيد(2) لأستحالته بخاراً ثم ماءاً، لتخلل البخارية بين الحالتين وهو مطهر له عن النجاسة الثابتة له في الحالة الاولى والأصل في ذلك وضوح تقوم الحكم بالموضوع بقاء كما هو متقدم حدوثاً فلا يعقل بقاء الحكم وغيره من الاوصاف مع زوال موضوعه فلا محيص من لزوم كون زوال الموضوع سبباً لرفع الحكم وهو المطلوب، بل مع الشك لا يمكن استصحاب الحكم لغرض الشك في بقاء الموضوع، واما استصحاب الموضوع فلجريانه وجهاً فيقال كان هذا المحسوس ماءاً فهو باق على ما كان الا ان يمنع عن كون البخار اصله ماء لاحتمال كونه من الهواء المجاور له وكيف كان فلا ينبغي الأشكال في الطهارة مع انقلاب الموضوع، نعم الأشكال والخلاف في تحقق انتفاء الموضوع فترى بعض الأساطين من يمنع من طهارة الخنزير باستحالته ملحاً زاعماً ان النجاسة تعرض الجسم لا بما هو خنزير بل بما هو جسم وهو محفوظ في الحالتين فمناط الحكم في الفرع ان البخار المتوسط بين الحالتين من اجزاء المتنجس المصعد او هو معدود عرفاً حقيقة ثانية، وبعبارة اخرى البخار عبارة عن الأجزاء المائية المتفرقة او عنوان غير الماء الذي صعد منه وانقلاب لماء حادث بعد التصعيد نظير انقلاب الهواء إلى الماء في اطراف الأناء الذي فيه الثلج وان شئت قلت ان عد العرف البخار حقيقة اخرى مسامحة لهم والا فهو عندهم ايضاً لبس الأجزاء الصغار من المصعد منه ولذا تراه موافقاً له في الأثر فالمصعد من المطلق مطلق ومن المضاف مضاف ومن المسكر مسكر وهكذا، او هو حقيقة اخرى او حالة تحدث للهواء بسبب مجاورته مع الحرارة الموجودة في المصعد والأنصاف ان الجزم به في غاية الأشكال خصوصاً في المصعد من المضاف النجس كالبول، نعم عرفت ان مقتضى الشك ايضاً الطهارة لعدم جريان الاستصحاب.

ان قلت انقطاع النجاسة على انتفاء موضوعه مبني على عدم جواز انتقال العرض وهو اول الكلام، قلت مع تسليم جوازه فعدم مقتضي للاستصحاب إذ الأصل عدم نقل وصف النجاسة إلى الموضوع الثاني، نعم يعتبر تقيده بما إذا لم يعلم صعود بعض الأجزاء المائية إلى فوق والاّ فينجس البخار بعد تجسمّه ومع الشك يمكن ان يقال ان الأصل بقاء الأجزاء المائية معه فان من المعلوم صعود جملة من الأجزاء مع البخار عند الغليان قليلاً كما هو المشاهد حين شدة الغليان والفوران فإذا شك في عودها جميعاً من البخار(قبل تجسّمه) او بقاء شيء منها فالأصل يقتضى الثاني الا ان في أقتضاء هذا الأصل تنجس المجسم منه اشكال بل منع. ثم ان ما ذكرناه من طهارة المتنجس او النجس بالتصعيد انما هو حيث لم يكن الحقيقة الثانية الحاصلة من التصعيد من الحقائق والعناوين النجسة كالمصعد من المسكر إذا كان سكراً ولعل من المصعد من البول النجس على اشكال.

المسألة الخامسة: إذا شك في مائع انه مضاف او مطلق، فان علم حالته السابقة اخذ بها(1) والا فلا يحكم عليه بالاطلاق، ولا بالصافة لكن لا يرفع الحدث والخبث، وينجس بملاقاة النجاسة ان كان قليلاً، وان كان بقدر الكر لا ينجس لاحتمال(2) كونه مطلقاً والأصل الطهارة، لاستصحاب بقائها ان فرض جريان الاستصحاب بلا معارض والا فقد يجري في كل من الممتزج والممزوج فيه كما إذا القى مقدار من المضاف في المطلق فان الاستصحاب في كل منهما يجري فان احتمل بقاء كل على حكمه فلو ارتمس فيه جنب طهر من الحدث لوصول الأجزاء المائية إلى بدنه الهم الا ان يشك فيه او يدعى ان وصول الأجزاء المتفرقة لا يوجب صدق الغسل ولو لم يحتمل ذلك جرى عليه حكم المضاف للأصل كما سيجيء إن شاء الله. ولعل مراد الحكم من انه يؤخذ بالحالة السابقة غير مثل هذه الصورة، نعم لو مزج المطلق بالمائع الغير المضاف وشك في اطلاقه جرى استصحاب الاطلاق غالباً وكيف كان فقد عرفت انه ان كان احتمال اضافته بالتصعيد لا يجرى الاستصحاب ايضاً لما عرفت من الشك في كون المصعد مسبوقاً بالمائية ولعل مراده العلم بالحالة السابقة للموضوع المشكوك في اضافته واطلاقه وفي المثال المزبور لا يعلم الحالة السابقة للموضوع المشكوك فيه فيدخل في الشق الثاني وهو ما لا يعلم حالته السابقة الذي لا يحكم عليه بالاطلاق ولا بالأضافة فيعمل في آثار كل منهما بالأصل مثلاً لا يحكم برع الحدث والخبث به لاستصحاب بقائهما ويحكم بتنجسه بالملاقاة ان كان قليلاً لأنه حكم للمطلق والمضاف وان كان كراً لا يحكم بتنجسه بالملاقاة لاستصحاب الطهارة مع احتمال كونه ماء لكن مقتضى ما مر نقله من شيخنا الأكبر (Q)من ان المستفاد من الأخبار المتفرقة ان الملاقاة تنجس مع الرطوبة لكل جامد رطب او مائع الا ان يمنع منه مانع والمانع بمقتضى اخبار الكر منحصر في الكر من الماء يحكم بالنجاسة لأن الملاقاة حاصلة والأعتصام يدور مدار امر وجودي وهو الكر من الماء فإذا شك في تحققه فالأصل عدم تحققه ولا يعد مثل هذا الأصل من الأصول المثبتة وان كان المستصحب عدما ازلياً لن عدم المسبب مرتب على عدم السبب ولو بعدمه الأزلي.

المسألة السادسة: المضاف النجس يطهر بالتصعيد كما مر وبالاستهلاك في الكر او الجاري، ولكنك خبير بان شيئاً منها ليس تطهيراً للمضاف بل اعدام للموضوع القائم عليه وصف النجاسة اما الاول فلما عرفت مفصلا وان عد التصعيد مطهرا باعتبار كونه من اقسام الاستحالة إذ بانقلابه بخارا ينتفي الموضوع القائم عليه النجاسة وإذا شك في انتقالها إلى الموضوع الثاني كان الاصل عدمه بعد تسليم كونه معقولا واما الثاني فلأن الاستهلاك في الحقيقة ايضا اعدام للصورة النوعية القائم بها المستهلك فينتفي موضوعه حقيقة لكن الظاهر ان عنوان المضاف ليس من العناوين المتقدم بها النجاسة حتى يوجب زواله طهارته كما في الاستحالة والاّ كان اللازم طهارته بمجرد زواله من دون حاجة إلى ماء منضم، نعم بعد ان صار ماء مطلقا كان حاله حال الماء المطلق المتنجس في طهارته بالاتصال بالمعتصم او بالمزج فيه على الوجهين ففي الحقيقة لم يكن عندنا طريق لطهارة المضاف نظير تطهير سائر الاجسام بحيث يزول النجاسة عنه مع بقاء موضوعه ولبس في الادلة ما يدل على ان كل شيء قابل للتطهير وقوله (الماء يطهر) لا اطلاق له من حيث حذف المتعلق فليكن المائعات المضافة مما لا يقبل الطهارة ولو فرض من له اطلاق من حيث حذف المتعلق فلا اطلاق له من حيث كيفية التطهير فليكن كذلك بالاستهلاك بالمعتصم بل قد يقال ان ذلك هو الطريق المتعارف المنصرف اليه الاطلاق فكانه لما كان للعرف طريق في تطهير مثل المائعات عدل كيفيته اليهم لكن فيه مع انه غير نافع مع عدم الاطلاق من حيث حذف المتعلق عدم ثبوت كون ذلك طريق التطهير في المائعات عند العرف بل ذلك عندهم اعدام للموضوع واتلاف للحقيقة.

وكيف كان فلا اشكال عندهم في المسألة لا في ان المضاف يطهر بالاستهلاك في المعتصم ولا في انه لا طريق لتطهيره عندهم. نعم سيجيء ان بعضهم طهر الدهن المتنجس بمزجه في الكر الحار بل لولا الاجماع امكن التمسك بقوله (ما رآه المطر فقد طهُّر ) وقوله (ما اصاب هذا شيئا الا وقد طهَّره) بان الاتصال بالمعتصم ايضا من طريق تطهيره الا ان لما لم نقل به في الماء المطلق قبل المزج كيف نقول به في المضاف ان قلت فليقل به هنا بعد المزج، قلت لا يفعل بقاء ماء المطر والكر بعنوانه بعد المزج بدون استهلاك المضاف والا فيخرج المطر عن كونه ماء فضلا عن كونه ماء مطر.

المسألة السابعة: إذا القي المضاف النجس في الكر، فخرج عن الاطلاق إلى الاضافة، تنجس ان صار مضافاً قبل الاستهلاك، وان حصل الأستهلاك والإضافة دفعة لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه لكنه مشكل(1)، لان الكر بعد ان صار مضافا زالت عصمته والمفروض بقاء المضاف المتنجس او النجس ايضا غير مستهلك فيتلاقيان فينجس الكر وهو واضح كما انه لا اشكال في طهارة الجميع ان تحققت الاضافة بعد الاستهلاك إذ بالاستهلاك طهر الجميع فاتفق انه صار بتصرف الهواء مضافا بظهور اثر المستهلك فيه فانه لا وجه لتنجسه حينئذ، وان حصل الاستهلاك والاضافة دفعة ففيه وجهان من ان المضاف لم يلاق نجسا إذ المفروض انتفاء موضوع المتنجس في عرض الاضافة فبعد تحقق الاضافة الذي هو طرف تأثير المائع الكثير وقابليته للتنجس لم يبق تنجس ملاقيه فلا وجه لنجاسته ومن ان الاستهلاك انما يكون مطهرا إذا كان المستهلك فيه مطلقا واما لو صار في عرضه مضافا فلم يتحقق الاستهلاك في المعتصم فلا وجه لطهارته.

ويمكن ان يدفع الاخير بان تحقق الاضافة والاستهلاك معاً لا يوجب ان يكون الاستهلاك في المعتصم، نعم يقتضي ان يكون زوال العصمة ورافع النجاسة في مرتبة واحدة وهو كاف في الحكم بالطهارة بل المتحقق ترتب الاضافة على الاستهلاك لان علتها استهلاك المضاف فانه بتفرقه تتحقق ولا نريد بالاستهلاك الا ذلك وحينئذ فالاقوى الطهارة مع تحقق الفرض ولعل قول المصنف، لكنه مشكل مدركه الاشكال في تحقق الغرض وان شك في تقدم احدهما على الآخر كأن القى في الكر مقدار من الدبس المتنجس فصار مضافا واستهلك الدبس فشك في تقدم احدهما عن الآخر فلا يبعد جريان استصحاب ملاقاة الكر للدبس إلى زوال اطلاقه ولا يعارضه استصحاب بقاء اطلاقه إلى استهلاك المضاف لعدم الأثر له.

المسألة الثامنة: إذا انحصر الماء في مضاف مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه ان يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الأسفل، ثم يتوضأ على الأحوط(1) وفي ضيق الوقت يتيمم، لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق، لأنه واجد للماء غاية الأمر خلطه بالطين يمنع عن التوضوء به فلا يقاس على التصعيد الذي يمكن منع وجوبه إذ فرق بين ما كان عنده مضافاً يمكن تصيره ماء بالتصعيد ونحو وبين ما نجن فيه من حيث ان ما نحن فيه يصدق الوجدان للماء إذ الخلط بالطين من قبيل المانع عن الأستعمال نظير من كان عنده ثوب مغسول لو عصره يخرج منه الماء بقدر الوضوء بخلاف مثل التصعيد وحفر البئر فأنه من قبيل تحصيل الماء فلم لم نقل بالوجوب في الثاني ليس علينا ان لا نقول به في الاول ولك ان تجعل مثل حفر البئر من قبيل الاول ايضاً لأن الماء فيه موجود والحفر توصل اليه نظير الأستقاء من البئر بخلاف مثل التصعيد فأنه ايجاد للماء ولذا افتى المصنف بنحو الجزم فيما يأتي بوجوب الحفر وان كان ظاهره هنا التوقف في وجوب الصبر الى صفاء الماء وكيف كان ففي الفرض لا ينبغي الأشكال في وجوب وان لم نقل به في ما لو لم يوجد فعلاً وبالصبر يوجد فضلاً عما لو قلنا به هناك ايضاً كما سيأتي في محله.

نعم مع الضيق ينتقل إلى التيمم لعدم التمكن من الماء بل وعدم وجدانه في وقت الوضوء ففاقد الماء لو علم بوجود الماء بعد ساعة المطر او سيل او نحوه وجب عليه الصبر في وجه ولا يجب في اخر نظراً إلى انه غير واجد للماء فعلاً فيجوز له التيمم وليس من قبيل ما نحن فيه بل ولا من قبيل حفر البئر الذي عرفت ان الماء موجود بل من قبيل التصعيد وان كان لوجوب الصبر والعلاج مطلقاً وجهاً حسناً وشرح الكلام في محله.

المسألة التاسعة: الماء المطلق بأقسامه حتى الجاري منه ينجس إذا تغير بالنجاسة في احد اوصافه الثلاثة من الطعم، والرائحة، واللون، بشرط ان يكون بملاقاة النجاسة، فلا ينجس إذا كان بالمجاورة كما إذا وقعت ميتة قريباً من الماء فصار جائفاً، وان يكون التغير باوصاف النجاسة دون اوصاف المتنجس فلو وقع فيه دبس نجس فصار احمر، او اصفر، لا ينجس الا إذا صيره مضافاً، نعم لا يعتبر ان يكون بوقوع عين النجاس فيه، بل لو وقع فيه متنجس حامل لاوصاف النجس فغيره بوصف النجس تنجس ايضاً، وان يكون التغير حسياً، فالتقديري لا يضر، فلو كان لون الماء احمر او اصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك، لم ينجس(1) وكذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون غيَّره، وكذا لو كان جائفاً فوقع فيه ميتة كانت تغيره لو لم يكن جائفاً، وهكذا. ففي هذه الصور ما لم يخرج عن صدق الاطلاق محكوم بالطهارة، على الأقوى، اما تنجس الماء بالتغير باوصاف النجس مطلقاً حتى الجاري والمطر فلا خلاف فيه نصاً وفتوى وان كان في بعض اخبار الجاري ما يشعر او يظهر منه عدم تنجسه بالتغير الا انه مطروح او مؤل، ومناط التغير كونه بأحد الاوصاف الثلاثة يعني الطعم والريح واللون والحكم في الاوليين اتفاقي والنصوص بهما متظافرة وفي الثالث مشهوري وفي النصوص ما يشعر به او يستظهر منه بل وقع التصريح به في بعضهما ولو كان في سنده ضعف جبر بالعمل وكيف كان فيشترط ان يكون التغير بملاقاة النجاسة فلا ينجس إذا كان بالمجاورة وان كان ذلك مقتضى اطلاقها الا ان المرتكز في إذهان العرف توسيط الملاقاة في التنجس ولذا يفهم من مفهوم الصحاح توسيطها فيها وعليه فيكون قوله (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) في معنى لا ينجسه بملاقاة فيكون الأستثناء بقوله الا ان يغير ريحه استثناء من الملاقي يعني الا ان يكون الشيء الملاقي له مغيراً له بل ظاهر جملة من النصوص لو لأجلها انها في مقام بيان اعتصام الكر وذي المادة وعدم انفعاله بما ينفعل به غيره الا في صورة خاصة وهي التغير فيكون في حكم الأستثناء الواقع في النبوي, ويشترط ايضاً ان يكون التغير باوصاف النجاسة دون المتنجس فلو وقع في الماء المعتصم متنجس فغيره بوصفه لا ينجس لا لما في طهارة شيخنا الأكبر من ظهور اختصاص الموصول في قوله (الا ما غير) في نجس العين للمنع من وان سلمنا ظهوره فيما فيه مقتضى التنجس لأنه يشمل المتنجس ايضاً لأنه يقتضي التنجس كالنجاسة.

ودعوى ان المتنجس انما ينجس ما يلاقيه بواسطة نجس العين مسلمة في وجه غير نافع وممنوعة في وجه نافع بل لقوله في صحيحة حريز الواقعة في مقام الضابط كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ واشرب وإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا تتوضأ ولا تشرب فان المتعيّن حمل التغير على ظهور اثر الجيفة فهي دالة بصدرها وذيلها على انحصار التنجس بالتغير باوصاف النجس هذا مع انه مقتضى استصحاب الطهارة واصالة عدم حدوث سبب النجاسة وفي طهارة شيخنا الأكبر ولو عورضت في بعض الموارد كما إذا القي مائع نجس في الماء باصالة بقاء نجاسة رجع بعد التساقط إلى قاعدة طهارة الماء إن شاء الله وهو مبني على عدم احتمال بقاء اجزاء المائع المتنجس على نجاسته واجزاء الماء على طهارته والا فلا تعارض، كما انه مبني على استهلاك المائع المتنجس والا فلا يحتمل طهارته فيكون صورة المسالة ان يلقى مثلاً دبس متنجس فيغير الكر بطعم الدبس واستهلك الدبس في الكر فانه يمكن استصحاب طهارة اجزاء الماء التي كانت طاهرة حيث يحتمل تنجسها بالتغير ويمكن استصحاب نجاسة اجزاء الدبس الموجودة في ضمن الماء فيتعارضان الا انه يتوجه عليه ان اجزاء الدبس بعد الأستهلاك لا يسصحب حكمها لأنقلاب موضوعها إلى الماء وان فرض عدم استهلاكه فلا يحتمل طهارتها حتى يحتاج إلى الاستصحاب، وكيف كان فلا ينجس المعتصم بالتغير باوصاف المتنجس الا ان يصير مضافاً قبل استهلاك المتنجس والا فاضافته بعد الأستهلاك او معه ايضاً غير مضر بطهارته ولعل سقوط القيد في العبارة مسامحة من المصنف والا تقدم منه آنفاً ان استهلاك المضاف في الكرّ لو كان قبل الأضافة لا يوجب نجاسته، نعم لا يعتبران يكون التغير بملاقاة عين النجاسة فلو غيره المتنجس باوصاف عين النجس نجس للاطلاق وعدم دليل على التقيد المزبور بل غالباً او دائماً يكون التغير باوصاف النجس بواسطة المتنجس حيث انه لو وقع في الماء مقدار من الدم تغير اطرافه ثم يسري التغير من تلك الأطراف إلى سائر الأجزاء وهذا هو عين التغير بالمتنجس، ويعتبر ان يكون التغير حسياً بظهور التغير فيه بل ليس التغير التقديري بتغير عرفاً ولا عقلاً من ينزف في ذلك بين ان يكون بموافقة النجاسة مع الماء في الوصف ذاتاً او عرضاً كما لو كان لون الماء احمرا او اصفرا فوقعت فيه النجاسة كانت تغيره لولا ذلك او كان لعدم اللون للنجاسة ايضا ذاتا او عرضا كما إذا صب فيه بول كثير لا لون له بحيث لو كان له لون لغيره او كانت الميتة زائلة الطعم والريح بحيث لو كانت لها ذلك لغيرته فانه لا ينجس بذلك ما لم يخرج عن الاطلاق اما انه لا ينجس مادام باقيا على اطلاقه فللاستصحاب بعد اختصاص دليل التنجس بغيره، ودعوى ان التغير فعلي وان كان مستورا عن الحس فيما لو كان ذلك لموافقة الماء النجاسة في اللون كما إذا القي الدم في ماء احمر بوقوع السقم فيه فممنوعة فان التغير في الخارجيات ينظر الحالة الوجدانية ليس له واقع سوى ما يظهر للحس فهو عبارة عن ظهور اثر المغير في المتغير عندهم فان لم يظهر لهم ذلك فلا تغير، نعم يمكن ان يقال قد يبلغ وجود النجس في الماء مع توافق اللونين لموافقة النجاسة للماء فيه او كسب اللون عن النجاسة بحيث يرى العرف اللون الموجود لونا لهما كما انه يرى الموجود مركبا منهما وحينئذ فيكون ما هو المناط في التغير من ظهور اثر المغير حاصلا في الفرض فينجس ولا يحدد ذلك بما ذكره من فرض النجاسة بحيث لو لم يكن توافقها مع الماء في اللون لظهر اثرها فيه:

ولكن التحقيق ان ذلك ايضا لا يرجع إلى محصل الا إلى تحديد النجاسة والطهارة بغلبة النجاسة كما ومن المعلوم انهما لا ينوطان به واما انه ينجس إذا صار مضافا فلان الاضافة لما كان بمزجه بالنجس لم يزل ملاقاته له إلى حين الاضافة ومقتضاه النجاسة هذا ولكن التحقيق التفصيل بين تقدم الاضافة على استهلاك جميع اجزاء النجاسة وتأخرها ومقارنتها على التفصيل السابق في المائع الملقى في الكر وسيأتي في المسألة الآتية:

المسألة العاشرة: لو تغير الماء بما عدا الاوصاف المذكورة من اوصاف النجاسة، مثل الحرارة والبرودة، والرقة والغلظة، والخفة والثقل، لم ينجس ما لم يصر مضافاً، اما انه لا يتأثر بغير الاوصاف المذكورة الثلاثة فلظهور التحديد في المستفيضة تارة بالثلاثة واخرى باثنين منها وثالثة في جواب السؤال عن التغير ومع هذا فلا عبرة باطلاقات الغير المسوّق لبيان مجرد انه سبب للنجاسة والاجماع على عدم الاعتبار بغير الثلاثة منقول عن جماعة، واما انه إذا صار مضافا ينجس كما يظهر مفهوم قوله (ما لم يصر مضافا) فلفرض وجود النجاسة الممزوجة وعدم عصمة الممزوج فيه وبعبارة اخرى إذا فرض انه لم يصدق على الموجود انه ماء بل ماء بول او ماء وبول فالمائية العاصمة مسلوبة والمقتضي للنجس وهو الملاقاة بالنجس اللازمة لمزجه فيه حاصلة وهي توجب التنجس بلا شبهة وقدم نظيره في المسألة السابقة فراجع.

المسألة الحادية عشر: لا يعتبر في تنجسه ان يكون التغير بوصف النجس بعينه، فلو حدث فيه لون او طعم او ريح غير ما بالنجس كما لو اصفر الماء مثلاً بوقوع الدم تنجس. وكذا لو حدث فيه بوقوع البول او العذرة رائحة اخرى غير رائحتهما، فالمناط تغير احد الاوصاف المذكورة بسبب النجاسة وان كان من غير سنخ وصف النجس، بالملاقاة صفة اخرى غير صفة النجسة تنجس فيكون المناط تغير احد الاوصاف بسبب النجاسة وان كان من غير سنخ، وصف النجس للاطلاق بعد ان عرفت خروج التغير بغير الثلاثة بالاجماع والحصر المستفاد من النصوص وبقي الاطلاق بالنسبة إلى الثلاثة بلا تقيد فبمجرد صدق التغير بنجس سواء كان يوصف النجاسة الأصلية او العارضة او بغيرها، نعم يقع الكلام في انه يعتبر ان يكون الوصف الحاصل مستنداً إلى تأثير النجاسة بوصفها في الماء بحيث يكون المنحصل من الكسر والأنكسار والتأثير والتأثيرين ذلك تو لا يعتبر ذلك بل يكفي ظهور تغير في الماء مستند إلى ملاقاة النجاسة فلو كانت النجاسة بالخاصية مؤثرة في زوال لون الماء او حدوث وصف فيه تنجس ظاهر العبارة وان كان الثاني الا ان المظنون عدم ارادته وان المراد من قوله بسبب النجاسة تسبيبها له بنحو من التأثير والتأثر الحاصل بتفرق اجزائه في اجزاء الماء او انتقال وصفها بناء على جوازه اليها.

المسألة الثانية عشر: لا فرق بين زوال الوصف الأصلي للماء او العرضي، فلو كان الماء احمر او اسود لعارض، فوقع فيه البول حتى صار ابيض، تنجس وكذا إذا زال طعمه العرضي، او ريحه العرضي، للاطلاق وعدم التقيد ودعوى الأنصراف إلى خصوص تأثير اوصافه الذاتية ممنوعة اشد المنع مضافاً إلى ما قد عرفت من ان المناط ظهور اثر النجاسة فيه باي وجه كان بل وكما لافرق في اوصاف النجس الأصلية والعرضية كذلك لا فرق في اوصاف الماء.

المسألة الثالثة عشر: لو تغير طرف من الحوض مثلاً تنجس، فان كان الباقي اقل من الكر تنجس الجميع وان كان بقدر الكر بقي على الطهارة وإذا زال تغير ذلك البعض طهر الجميع ولو لم يحصل الأمتزاج، على الأقوى. والآخر على نجاسته مل دام متغيراً فإذا زال تغيره طهر بالاتصال بالكر من غير حاجة إلى الأمتزاج اما انه لا فرق في التنجس بالتغير بين ما كان المتغير متصلاً بمعتصم وعدمه فللاطلاق ولأن الأتصال بالمعتصم لا ينفع ما دام التغير اجماعاً بل ظاهر النصوص والفتاوى ان التغير علة تامة للنجاسة لا يؤثر في عليته شيء وحينئذ فينجس الباقي ان كان اقل من كر بناء على نجاسة القليل بملاقاة النجس والمتنجس، وان كان بقدر الكر فهو معتصم لا ينجس لما دل على عصمة الكر من غير شرط وان زال تغير يطهر لأتصاله بالكر بناء على كفاية الأتصال بالمعتصم في عصمة الماء وطهارته ولا يحتاج إلى المزج بخلاف ما إذا لم يكتفِ بذلك فانه يطهر بعد المزج وسيأتي الكلام فيه اشاء الله.

المسألة الرابعة عشر: إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، ثم تغير بعد مدة، فان علم استناده إلى ذلك النجس تنجس والا فلا. وقد يتوهم انه ان لم يتغير حال الملاقاة لم ينجس وان تغير بعد ذلك إذ يكون تغير بعده كالتغير المستند إلى الملاقاة وقد عرفت ان المنجس من التغير خصوص المستند اليه وفيه انه قد يكون التغير المتأخر عن الملاقاة مستند اليه فينبغي ان يفصل كما في المتن بين ما إذا علم باستناد التغير إلى الملاقاة فينجس وعدمه فلا.

المسألة الخامسة عشر: إذا وقعت الميتة خارج الماء ووقع جزء منها في الماء وتغير بسبب المجموع من الداخل والخارج، تنجس بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء.

لا يخفى ان التغير الحادث في الماء:

1ــ اما ان يكون مسنداً بما يجاوره من دون ان يلاقي شيء منه للماء.

2- واما ان يستند إلى تمام ملاقيه من دون ان يكون للخارج دخل في التغير.

3- واما ان يستند إلى مجموع الداخل والخارج كما في المتن.

4- واما ان يستند تمامه إلى الجزء الغير الملاقي مثل ان يكون الملاقي للماء جزء من الميتة لم يسر العفونة فيه بعد او لم يكن قابلاً للعفونة ثم المستند إلى المجموع قد يكون الملاقي وغيره جزءان من مركب واحد وقد يكون شيئان مستقلان كأن يقع في الماء ميتة غير جائفة ويكون في جنبه ميتة جائفة قد تغير الماء بمجاورته. مر الكلام في القسم الاول وهو التغير بالمجاورة ويلحقه الأخير بالضرورة لأن ما لاقى الماء لم يغيره وانما غيره المجاور له وقد عرفت انه يعتبر ان يكون سبب التغير هو النجس الملاقي والمتيقن من مورد التنجس بالملاقاة هو القسم الثاني لأن ما لاقى الماء هو الذي غيره ويلحق به القسم الثالث وهو المفروض بالمتن إذ يصدق ان ما لاقاه هو الذي غيره ولو كان التغير مستنداً إلى الجزء الملاقي والخارج ويقع الأشكال في القسم الرابع بالنظر إلى ان الجزء الملاقي غير مؤثر في التغير فيكون التغير مستندا إلى مجرد المجاورة وإلى انه ليس الأستثناء  لا ينجسه مقتضياً لأزيد من ان يكون المستثنى من افراد الملاقي للماء فيكون المعنى لا ينجسه شيء مما لاقاه الا ان يغيره وهذا المعنى صادق ولعله احوط ان لم يكن اقوى وعبارة المتن غير شاملة لهذه الصورة وان كان ربما يستظهر من قوله بخلاف ما إذا كان تمامها خارج ان في غير الصورة محكوم بالنجاسة.

المسألة السادسة عشر: إذا شك في التغير وعدمه، او في كونه للمجاورة او بالملاقاة، او كونه بالنجاسة او بطاهر، لم يحكم بالنجاسة. لاستصحاب عدم تحقق سبب نجاسة الماء وطهارته بل وقاعدة الطهارة.

المسألة السابعة عشر: إذا وقع في الماء دم وشيء طاهر احمر فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته، لا ينبغي الاشكال في انه لو القي في الماء طاهر آخر فاستعد للتغير ثم القي فيه دم فغيره تنجس كما انه لو عكس الامر لم يحكم بنجاسته لصدق التغير بالنجاسة الملاقية في الاول وعدمه في الثاني بل ولا يحكم بها إذا القيا معا ايضا لعدم صدق التغير بالنجس الملاقي واما لو مزجا خارج الماء ثم القي الجميع في الماء فان استهلك الجسم الاحمر في الدم لا يبعد ان يصدق ان الدم الملاقي غيره فينجس وان لم يستهلك فيه بل عد المجموع مضافا مركبا من الدم وذلك الاحمر لم ينجس لانه لم يتغير الملاقي بوصف النجس لان الوصف الموجود فيه ليس وصف للنجس فقط بل له وللطاهر ومنه يظهر ان الاظهر في الصورة السابقة ايضا عدم التنجس.

المسألة الثامنة عشر: الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه من غير اتصاله بالكر او الجاري لم يطهر نعم الجاري والنابع إذا زال تغيره بنفسه طهر لأتصاله بالمادة وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بقدر الكر كما مر. للاستصحاب النجاسة بل اطلاق ما دل على تنجسه بالتغير فان قوله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء الا ان يتغير دال على تنجس الماء بالتغير وهذا باطلاقه شامل له حتى بعد زواله وان كان لدعوى سوقه لبيان حكمه بعد حدوث التغير من دون تعرض لحال زواله بعد حدوثه مجال فينحصر الدليل بالاستصحاب وفي طهارة شيخنا الاكبر رحمه الله وللامر بوجوب النزح في البئر المتغير حتى يزول التغير بناء على كون من للانتهاء لا للتعليل وفي الدلالة منع، وقد يتوهم طهارته اما لانه لازم القول بالتيمم كما هو مقتضى اطلاق قوله إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا خرج حال التغير وبقي غيره او لانه مقتضى عموم كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ وقوله لا بأس إذا غلب الماء لون البول وقوله ان كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ بل لقوله حتى يذهب الريح ويطيب الطعم بناء على كون حتى تعليله او للانتهاء مع استظهار دخولها على العلة الغائية مثل (تفكر في العبارة حتى ((إلى ان)) تفهمها ) وفي الاخير انا لو سلمنا كون حتى تعليلية لا نسلم كون العلة مطلق زوال التغير بل الحاصل منه بتكاثر الماء كما سيجيء (لعله يكون الشك في بقاء حكم المخصص) وفيما قبله لعله يكون الشك فيه من قبيل الشك بقاء حكم المخصص انها مسوقة لبيان حال الماء في اول الملاقاة فيكون المراد ان المناط في حدوث النجاسة على الطاهر وعدمه الغلبة يعني حدوثها في اول الملاقاة.

واما مسألة الابتناء على مسألة التيمم ففيه ما سيجيء من انا لو قلنا به فنقول به في التيمم بالطاهر دون النجس والمتنجس ومع ذلك فنقول به بحسب مقتضى الاصل دون قوله (إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثا ) فلا وجه لابتناء المسألة عليه.

نعم لو قلنا بالتيمم بالنجس والمتنجس كان لجعل ما نحن فيه من افراده وجها خصوصا إذا فرضنا الكر مركبا من نصفي كر متغير بعد زوال تغيره ولو سلمنا سقوط الادلة من الجانبين فالمرجع استصحاب النجاسة للمنع من كون التغير واسطة في العروض بالنسبة إلى النجاسة وان سلمنا ظهور بعض ادلتها في ذلك الا انه معارض بظهور بعضها الآخر بكونها علة لنجاسة الماء مع ان المناط في اخذ الموضوع في باب الاستصحاب هو العرف دون ادلة المستصحب، نعم الجاري بل مطلق ذي المادة إذا زال تغيره مع بقاء اتصاله بمادته طهر لقوله لان له مادة بعد قوله فينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم فان الظاهر كون حتى تعليلية او داخلة على العلة الغائبة فتدل على ان غاية النزح هو ذهاب التغير ثم بقوله لأن له مادة دل على ان الحكم المذكور لا يختص بخصوص البئر بل هو ثابت لكل ذي مادة فتكون النتيجة طهارة كل ذي مادة بزوال التغير لكنه مبني على كون حتى تعليلية لا لمجرد الأنتهاء اولاً وعلى كون مدخولها مطلق زوال التغير لا زواله بالنزح وخروج الماء من المادة ومزجه معه كما هو الغالب ثانياً ورجوع التعليل وهو قوله لأن له مادة علية زوال التغير للطهارة ثالثاً وقد يناقش في كل من هذه المقدمات فيمنع كون حتى تعليلية لجواز كونها لمجرد الأنتهاء كما في سرت حتى بلغت القنطرة لكن التحقيق ظهورها في الغائية.

توضيح ذلك ان مدخول حتى قد يكون جزء مما جعلت غاية له في الخارج وقد يكون امراً خارجياً مرتباً عليه، فالاول كقولك سرت حتى وصلت القنطرة او الكوفة، والثاني كقولك حتى لاقيت زيداً او حتى عرقت جبيني فالظاهر العرفي في الاول كونه لمجرد الأنتهاء وفي الثاني كونه للغاية وما نحن فيه من قبيل الثاني فيكون ظاهراً في الغاية، ثم ان الظاهر ان مدخوله مجرد زوال التغير لا خصوص المستند للنزح الموجب لتكاثر الماء من المادة عليه المستلزم لمزجه فيه للاطلاق وعدم التقيد، ودعوى انه محمول على الغالب من حصول المزج إذا كان زوال التغير بالنزح بل يندر زواله بدون ذلك في مثل البئر البعيد عن الهواء وتجدد الرياح عليه مسلمة لكن في مقام بيان الغاية والعلة والأشارة إلى مناط الحكم خصوصاً إذا اريد اعطاء الضابط الموجب للتعدي عن المورد لا يكتفي بمثل هذه الغلبة في بيان الخصوصية والظاهر رجوع العلة إلى ترتب الطهارة على زوال التغير لأن بيانه من وظائف الشرع دون ترتب زوال التغير على النزح فانه امر عادي ليس بيانه من وظائفه مضافاً إلى كونه من الأمور الواضحة الغير المحتاجة إلى البيان فلا يقاس بقوله(لازم غريمك حتى يوفيك دينك) واما احتمال كونه راجعاً إلى الفقرات الاول من قوله(لا يفسده شيء) او (واسع) فبعيد جداً ومع ذلك فالاحوط اعتبار الأمتزاج نظراً إلى ما عرفت من احتمال كون الغاية زوال التغير على الوجه المخصوص الحاصل من مثل النزح الموجب لتكاثر الماء من المادة المستلزم لمزجه فيه واما قوله في المرسلة ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضاً فهو وان كان لا يأتي فيه ما ذكر الا ان كون التطهير فيه بمعنى الرفع مع كونه وارداً في جواب السؤال عن الرفع بعيداً، اللهم الا ان يقال ان حمله على الأعم من الرفع والرفع ممكن فيدل على ان كل بعض او خصوص البعض المتصل بالمادة يرفع ويدفع النجاسة عن البعض من غير اشتراط بالمزج وهو المدعى الا ان يقال مع دوران حمل التطهير على خصوص الدفع الذي هو مورد السؤال او الأعم الأقرب هو الاول عرفاً لا اقل من الاجمال المسقط له عن الأستدلال فلا محيص عن الاحتياط هذا بالنسبة إلى خصوص الجاري وذي المادة الذي يخص من بين سائر المياه المعتصمة بما عرفت من الأدلة واما غيرها كالتطهر بالكر او المطر او الحمام فهل يعتبر فيه المزج او يكفي مجرد الأتصال فلو تغير بعض من حوض وكان الباقي كراً فهل يطهر المتغير بزوال تغيره او يعتبر مع ذلك المزج مريح الماتن وجماعة الاول واستدلوا عليه بوجود الاول الذي هو عمدتها اطلاقات مطهرية الماء مثل قوله: (الماء يُطهِّر ولا يَطهَّر)، وقوله: (ما اصابه المطر فقد طهّر)، وقوله: (ما اصاب هذا شيئاً الا وقد طهّر)، واشباه ذلك الممنوع كون جملة منها في المقام البيان ((اقول هذا يكون من قبيل التمسك باطلاق المسبب على اطلاق السبب نظير احل البيع يتمسك به على اطلاق اسبابه إذا قلنا انه اسم السبب)) من حيث كيفية التطهير بل وبعضها من حيث المطهر ولو فرض ارجاع الكيفية إلى العرف فهي عندهم عبارة عن استهلاك المتنجس في الطاهر لا اقل من خلطه معه وفرجه فيه مضافاً إلى المنع من تبيّن طريق التطهير في المائعات عندهم ايضاً فيرجع إلى استصحاب النجاسة وبعضها لا يدل الا على طهارة خصوص الجزء الملاقي كقوله ما اصابه المطر فان الذي اصابه المطر ليس الا خصوص الجزء الملاقي دون غيره، ودعوى انه يصدق عرفاً انه اصاب الجميع ممنوعة والصدق العرفي محمول على ضرب من المسامحة ولذا يكون محفوظاً حتى في الجامدات فالأناء الذي اصاب بعض اطرافه المطر يقال اصابه المطر مع انه لا يراد منه الا انه اصاب بعضه فليكن في المائعات ايضاً كذلك يعني على نحو من التوسع والمسامحة ويؤيده انه يصدق عليه انه اصاب المطر ذلك الجانب الآخر ومنه ظهر الكلام في قوله: ما اصاب هذا شيئاً الا وقد طهّر، فان الذي اصاب الكر هو خصوص السطح الملاقي دون غيره.

ان قلت ما اصابه طهر فصار من الكر المعتصم فيطهر باصابته ما جاروره فيكون جزء من الكر ايضاً فيطهر الجميع، فلو نحن سلمنا ما ذكرت في مثل المرسلة يعني قوله: ما اصابه المطر فلا نسلمه في مرسلة ابن ابي عقيل وهو قوله ما اصاب هذا شيئاً الا وقد طهّره مشيراً إلى الماء الموجود في الطريق لأن مقدار الملاقي له يكون بعد طهارته جزء منه فيكون كراً معتصماً فيطهر ما اصابه وهكذا، نعم الملاقي للمطر لا يكون به مطراً وبهذا تعرف الفرق بين المرسلين يعني ما اصاب هذا شيئاً الا وقد طهر وقوله ما اصابه المطر فقد طهر.

قلت هذا انما يتم بناء على كون التطهير والتنجس بالسراية وقد قرر في محله انه مستلزم للجزء الباطل وحاصله ان الملاقي ليس الا سطح الماء المنفعل ومن المعلوم ان سطحه الآخر غير ملاقي لا للكر ولا لهذا السطح الملاقي له، اللهم الا بناء على القول بالجزء والإلتزام يتركب من الأجزاء التي لا تتجزأ فينحل إلى جزء ليس له سطحان فإذا طهر طُهّر الجزء الآخر وهكذا وهذا عين الإلتزام بالجزء الباطل ولذا التزموا في باب انفعال الماء القليل بملاقاة بعضه بالتعبد وابطلوا السراية والحال في باب التطهير والتنجس واحد.

ان قلت فكما انهم التزموا به في باب التنجيس بالتعبد وقالوا ان بملاقاة بعضه يصدق ملاقاة الجميع فينجس فاليقولوا به في باب الطهارة ايضاً ويلتزموا بطهارة الجميع بأصابة البعض.

قلت الموضوع في باب النجاسة في قولهم الماء إذا بلغ كراً…الخ، هو الماء الواحد فحكم الشارع بان الواحد من الماء ينجس بالملاقاة وبما في باب مطهرية الماء فالموضوع هو كلمة ما الموصولة التي يكنى بها عن الاجزاء ايضا فلا يدل الا على طهارة خصوص الجزء الذي اصاب المعتصم دون جميعه ولو كان ما نحن فيه ايضا مثل قوله كل ماء اصاب الكر او المطر يطهر لقلنا به ايضاً لكنه ليس فلا نقول (اقول وبعبارة اخرى ان الموضوع الذي اخذ في باب المطهر به هو (ما) وهو صادق على الجامد والمائع والحكم يكون لهما على حد سواء بخلاف الموضوع في باب النجاسة هو (الماء)) واما للوجوه الاخر المذكورة لعدم اعتبار المزج بل لامتناع اعتباره فلا كرامة في شيء منها (انه يمكن التمسك لعدم اعتبار المزج بعدم وجود عين ولا اثر له في الاخبار خصوصاً مع عدم التفات نوع الناس له على انه امر لا يمكن حله وحصره ومقداره ).

 

 

فصل في الماء الجاري

الذي قد يقع الكلام بين الفقهاء في موضوعه وانه السائل مطلقاً او عن مادة او مطلق النابع وعليه فيكون وصفه للجريان للغلبة ولجريان الاصطلاح او يراد به الجريان الطبيعي وبحسب المقتضي ويؤيد الاحتمال الثاني المنقول عن بعض المتأخرين من اطلاقه عن السائل من ذوبان الثلج شهرا او شهرين او طول السنة فان المنع من اطلاق الماء الجاري عليه مجازفة الا انه اخص من المدعى لوضوح عدم صدقه على مطلق السائل لكن لا يهمنا تشخيص موضوعه بعد ان كان مدرك الحكم عندنا مثل صحيحة ابن بزيع المشتمل على عنوان المادة فانها سواء جعلت كلمة حتى فيها للانتهاء او للغاية تدل على عموم حكم البئر لكل ذي مادة بمقتضى عموم العلة سواء يرجع التعليل إلى قوله: لا يفسد شيء الا بالتغير او إلى طهارته بعد التغير بزواله مطلقا او بالنزح فانه على كلا التقديرين تدل على عصمة ما يخرج من المادة والا لا نفع بالملاقاة ولم يطهر المتغير فدلالته على عصمة ما يخرج من المادة واضحة وعموم الحكم لكل ذي مادة ثابت بمقتضى عموم العلة، نعم ان رجع التعليل إلى زوال التغير بالنزح كما في قولك (لازم غريمك حتى يوفيك دينك فانه يكره ملاقاتك) على اضعف الوجوه لم يعم الحكم لكل ذي مادة وعليه فيحتاج إلى التمسك بمثل قوله: الماء الجاري لا ينجسه شيء، وفي الدعائم ليس ينجسه شيء ما لم يتغير اوصافه وماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا بل ومثل قوله ماء الحمام بمنزلة الجاري الظاهر في ثبوت خصوصية له ممتازة عن غيره وليس الا اعتصام القليل منه وحينئذ فيحتاج إلى تشخيص موضوع الجاري الا انك عرفت استظهار رجوع التعليل في الصحيحة إلى احد من الاعتصام او التطهير والرفع بل الظاهر رجوعه إلى خصوص الاخير، نعم مقتضاه اعتصام ذي المادة مطلقا.

نعم قد يعارض بعموم ادلة الانفعال الشامل للجاري والراكد والنسبة عموم من وجه وبعد التساقط يرجع إلى عموم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء وقد يرجع بعد التساقط إلى ما قد يستفاد من ادلة الكر والجاري من احتياج اعتصام الماء إلى سبب وجودي فإذا شك في وجوده فالاصل عدمه والكلام في المسألة طويل فاليرجع إلى طهارة شيخنا الاكبر، لكنا نقول يمكن المنع عن كون النسبة بين ادلة الجاري وادلة الانفعال العموم من وجه وذلك لان مفاد ادلة اعتبار الكر في العصمة ان الماء مطلقا عصمته منوطة بكريته فقليلة ينفعل وكثيرة لا ينفعل ومفاد دليل ذي المادة والماء الجاري ان الجاري من اقسام الماء المعتصم مطلقا ومن الواضح ان بين موضوعي الدليلين عموم مطلق، نعم ان جعل المعارض لادلة الجاري وذي المادة خصوص المفهوم الدال على ان القليل من الماء منفعل كانت النسبة عموما من وجه، لكن الانصاف ان المعارضة بين الخصوصية المستفادة من المنطوق ودليل الجاري ثم على تقدير جعل المعارض مفهوم الصحاح وكون النسبة عموما من وجه عرفت انه قد يرجع إلى ما يستفاد من الادلة من احتياج الماء إلى سبب وجودي ومع الشك ينجس وقد يرجع إلى عمو م قوله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء الدال على اعتصام الماء بنفسه واحتياج الانفعال إلى التغير والتحقيق التعارض بينهما ايضا بالتباين فيرجع إلى قاعدة الطهارة واستصحابها وعلى أي حال فلا اشكال في تنجسه قليلا كان او كثيرا بالتغير كما انه لا فرق في الجاري بين ان يكون بالفوران من المادة او بالرشح اما بناء على كون الموضوع عنوان الجاري فواضح وكذا ان كان عنوان ذي المادة لصدق المادة على كل منهما، نعم لو جعلنا الموضوع عنوان الجاري لم يلحق به النابع الواقف وان جعلنا عنوان ذي المادة كما هو الاقوى لما عرفت من وضوح دلالة الصحيحة عمَّ الحكم لكل نابع وان كان واقفا وسنشير في المسألة الخامسة إلى انه هل يعتبر في عصمة ذي المادة النبع ام لا فانتظر.

 المسألة الاولى: الجاري على الارض من غير مادة نابعة او راشحة إذا لم يكن كراً ينجس بالملاقاة، نعم إذا كان جارياً من الأعلى إلى الأسفل لا ينجس اعلاه(1) بملاقاة الأسفل للنجاسة وان كان قليلاً، إذا لم يكن كراً تنجس بالملاقاة اما بناء على كون دليل العصمة ما دل على اعتصام ذي المادة فظاهر لعدم المادة العاصمة لان الظاهر من المادة الارضية دون مطلق ما يستمد منه في الجريان بل قد عرفت الاشكال في صدقه على السائل من ذوبان الثلج لعدم انصراف المادة اليه لان الظاهر من المادة ولو بقرينة المورد ما كان مثل مادة البئر وليس للفظ المادة من هذه الجهة اطلاق يشمل غير المادة الارضية لو لم نقل بانصرافه إلى خصوصها وسيجيء في المسألة الرابعة لذلك توضيح، نعم إذا كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس اعلاه بملاقاة الاسفل للنجاسة لا لما قد يتوهم من امتناع سراية النجاسة من الاسفل للأعلى إذ لا نقول في انفعال الماء القليل بالسراية لما سيجيء بل للأجماع الظاهر على ذلك بل وعدم نقل قول بالنجاسة وحينئذ فيقتصر فيه على ما كان علوه تسنمياً كالميزاب او ما يشبهه او اما الاعتصام في مطلق العلو والسفل فلا وجه له بل ومنه يظهر عدم الحاق ما كان مثل الفوارة الملاقية عالية بالنجاسة به وقد مر شطر من الكلام في ذلك في باب المضاف.

 المسألة الثانية: إذا شك في انه له مادة ام لا وكان قليلاً ينجس بالملاقاة، لما عرفت من ان الجريان كالكرية عاصمة ومانعة فإذا شك في تحقق المانع عن التنجس يستصحب عدمه لأن استصحاب عدم المانع ولو بالعدم الأزلي ينفع في الحكم بتأثير المقتضي فإذا كان ظاهر قوله: (إذا بلغ الماء) بل وقوله: ( لأن له مادة) ان الملاقاة تؤثر في النجاسة، والكريه والمادة عاصمة وجرت اصلة عدم تحقق المانع عن تأثيرها حكم بنجاسة الا ان يقال انهما في دلالتهما على ذلك متعارضة مع قوله (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) الدال على ان المحتاج إلى امر وجودي هو النجاسة والا فنفس الماء معتصم بنفسه ولا يؤثر فيه النجاسة ومع التعارض فالاصل الطهارة وعدم الأنفعال وحمل النبوي على خصوص الجاري والمطر والصحاح على الراكد وان كان ممكناً الا انه بلا شاهد مع انه خلاف الظاهر في ادلة ذي المادة ايضاً حيث عرفت ظهورها في قابلية الماء بما هو ماء للأنفعال والمادة عاصمة وشيخنا في طهارته وان ضعف النبوي الا ان شهرة نقله في كتب الخاصة واستدلالهم به جبر ضعفها ومن جميع ما ذكرنا ظهر وجهي المسألة وان الأقوى طهارته مضافاً إلى امكان استصحاب اتصاله بالمادة لظهور اليقين بأن لكل ماء مادة ونشك في انقطاعه عنها فيستصحب اتصاله بها ورجوع الاستصحاب إلى الاستصحاب الكلي غير مانع بعد كون الأثر من آثار مطلق المادة لا المادة الخاصة.

المسألة الثالثة: يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر، فإن كان دون الكر ينجس، نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس، لأن الظاهر المنصرف من ادلة ذي المادة ان حفظه من النجاسة مستنداً اليها بمعنى انها هي التي تعصمه من النجاسة لا بمعنى ان هذا القسم من الماء الذي خرج من المادة معتصم وبعبارة اخرى المادة علة للأعتصام حدوثاً وبقاء فما دام كان لهذا الماء مادة فهو معتصم ومن المعلوم ان بعد الأنفصال عن المادة لا يصدق ان له مادة ومنه يظهر ان الحكم بأنفعال ما كانت له مادة من فوق بترشح وتقاطر ان كان دون الكر محل نظر لصدق له مادة في مثله، اللهم الا ان يكون قطراته متباعدة او بعيدة بحيث لم يعد في العرف متصلاً والا فمع اتصاله معها عرفاً كما في الماء الكائن على الأرض الذي يتقاطر عليه المطر حيث يحكمون بعصمته ما دام اتصاله بالمطر ويصرحون بأن المراد بالأتصال ليس اتصال قطرات المطر بحيث لم يكن حالة فتور بينها لصدق الأتصال به بل ولو لم يصدق الأتصال بعدم اناطة الحكم مناط عنوان الأتصال بل يدور مدار حد العرف احدهما قابلاً بالتأثر بالآخر بحيث يمكن ان يقال ان عصمته به وهذا يكفي فيه اقل من صدق الأتصال وعلى أي حال فمحل الرشح طاهر ولا ينفعل بالملاقاة لأن له مادة وهل يتعدى إلى الرطوبة الموجودة في حال الفتور المتخلل بين قطراته وجهان اقواهما، نعم الا ان يمنع من اعتصامه مع عدم صدق الماء عليه لعدم الدليل على اعتصام غير الماء ويدفع بأن الرطوبة المتصلة بالمعتصم المتكونة من المعتصم ايضاً فلا تنفعل هي ولا إلى سطح الأرض الراشح.

المسألة الرابعة: يعتبر في المادة الدوام، فلو اجتمع الماء من المطر او غيره تحت الأرض ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري. لا يخفى ان ذلك ليس من فروع اعتبار الدوام كيف والعيون النابعة في وقت دون وقت يلحقها الحكم حال نبعها بل هو من فروع اعتبار كون المادة ارضية يعني متكونة من الأرض لا مذخورة فيها من الخارج فأن المياه المجتمعة تحت الرمل من المطر من قبيل المذخورة فلا يلحقها حكم ذي المادة كما عرفت في المياه الجارية من ذوبان الثلج ولو كان ذلك طول السنة وقد عرفت انا لو سلمنا اطلاق المادة على مثل ذلك ولم نقل بظهورها في خصوص المتكونة في الأرض بطبعها لا نسلم تمامية مقدمات الحكمة فيها حتى يحرز الأخذ باطلاقها بل يمكن ان يكون ورودها في مورد التعليل للبئر موجبة لارادة قسم خاص من المادة وهي المادة الأرضية.

المسألة الخامسة: لو انقطع الأتصال بالمادة كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع كان حكمه حكم الراكد، فإن ازيل الطين لحقه حكم الجاري وان لم يخرج من المادة شيء، فاللازم مجرد الأتصال، لا  من جهة عدم النبع الفعلي على ما يظهر من المتن بل من جهة زوال الأتصال بالمادة ضرورة انه لا يعتبر في عاصمية المادة كونها نابعة فعليه لعدم الدليل عليه وان كان يحتمل ذلك في تعليل صحيحة ابن بزيع بناء على رجوعها إلى سببية زوال التغير بالنزح لا لعدم الأنفعال بغير التغير وذلك لما عرفت من ان المحتمل ان يكون الرافع لنجاسة المتغير زوال التغير عنه على وجه النزح الملازم للجريان والنبع من المادة وحينئذ فلا يدل الا على عصمة ذي المادة حال النبع لا مطلقاً، نعم بناء على رجوع التعليل إلى اصل الأعتصام وعدم التنجس الا بالتغير فباب هذه المناقشة مسدود، لكن الأنصاف ان ظاهرها وان كان رجوع التعليل إلى زوال النجاسة بزوال التغير الا ان المستفاد منه ان الغاية مجر زوال التغير لا خصوص الحاصل منه بالنزح الموجب للأمتزاج حتى لا يستفاد منه الا اعتصام للمادة حال النبع فكما ان الأقوى عصمته مطاقاً كذلك الأقوى عدم اعتبار الأمتزاج في ذي المادة وكفاية مجرد الأتصال فأن ثبت عدم القول للفصل بينه وبين المياه العاصمة لا يعتبر الأمتزاج مطلقاً والا فيفصل بينهما وكيف كان فلا اشكال في انه بعد زوال المانع وحدوث الاتصال يعتصم مطلقا في وجه ويشرط الخروج من المادة والنبع في آخر وقد عرفت ان الاول اقوى.

المسألة السادسة: الراكد المتصل بالجاري كالجاري(1)، فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، وكذا اطراف النهر وان كان ماؤها واقفاً، في الاعتصام ان قلنا بان المناط وجود المادة له واما ان انطنا العصمة او زوال النجاسة بالجريان وصدق الجاري فهو مورد تأمل بل منع، والحاصل ان المتبع في الالحاق وعدمه دليل ذلك الاثر الذي يراد اثباته فان كان ثابتا لذي المادة فيثبت للمتصل بالشط مطلقا بصدق ذي المادة عليه وان كان ثابتا لعنوان الجاري فلا يصدق على الحوض المتصل ما لم يعد في الخارج جزء منه كاطراف الشط المعدودة بعضا منه فانه ملحق به في الحكم مطلقا حتى لو كان واقفاً.

المسألة السابعة: العيون التي تنبع في الشتاء ــ مثلاً ــ وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها، لصدق ذي المادة عليها حين النبع وعدم الصدق حين عدمها بل لا يعتبر النبع ويكفي مجرد وجود المادة واتصال الموجود به وان كان لاعتبار النبع والجريان من المادة وجه بناء على ان صحيحة ابن بزيع لا تدل الا على الاعتصام حين النبع لأنها غير دالة الا على ان زوال التغير بالنزح الموجب لخروج الماء من المادة ومزجه بالمتغير مطهر له ولا يظهر من هذه الجملة الا اعتصام ما في المادة بالجريان والنبع نعم لو قيل برجوع التعليل إلى قوله (لا يفسد بشيء ) او جعل الغاية مطلق زوال التغير كان للحكم باعتصام المادة وما يتصل بها مطلقا وجه.

المسألة الثامنة: إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة وان كان قليلاً والطرف الآخر حكمه حكم الراكد ان تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير والا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط، لإتصال ما عداه بالمادة، فتنجس المتغير بلا اشكال لوجود سببه ويبقى الطرف المتصل بالمادة على طهارته لان سبب الاعتصام وهو الاتصال بالمادة موجود فلا يضر اتصاله بالمتغير المتنجس من غير فرق بين ان يكون قليلا او كثيرا وكذا الطرف الآخر لم يتغير تماما قطر الماء ولم ينقطع عن المادة بالمتغير مطلقا بل بقي بعض الماء غير متغير فان الطرف الآخر ايضا يبقى على طهارته من اتصاله بالمادة بواسطة الماء الغير المتغير واما إذا انقطع تماما قطر الماء بحيث لم يبق منه مقدار يكون واسطة بين المادة والطرف الآخر المتصل بالمتغير المنفصل عن المادة به فهل يبقى على طهارته لصدق ذي المادة والنهر والجاري عليه واتصاله بالمادة ايضا محفوظ ولم يدل دليل على اعتبار ازيد من ذلك او يتنجس لان عصمته لو كان يكون من ناحية المادة وقد انقطع عنها بالمرة بالمتغير فان المتغير المنفعل حيث لا يعتصم بالمادة لا يمكن ان ينحفظ غيره به وجهان اختار الثاني في المتن وبعض الاساتذة ممن ادركنا عصره على الاول.

 

 

فصل في الماء الراكد

الراكد بلا مادة ان كان دون الكر ينجس بالملاقاة على المشهور المدعى عليه الاجماع والنصوص المتظافرة لو لم يكن متواترة المبتلى بمثلها الظاهر في العصمة وعدم الانفعال المتأيد بالتعليل في بعض الاخبار بقوله لان الماء اكثر من القذر الذي سنشير اليه وإلى وجه دلالته في مسألة الغسالة إن شاء الله, وبقوله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء الا ما غير الحديث الذي عرفت انه لو سلمنا معارضته من قوله: (إذا بلغ الماء قدر كر) وجب الرجوع إلى عمومات الطهارة للماء ولكل شيء واستصحابهما وقاعدتها هذا مضافا إلى ان كثرة اخبار الطرفين مانعة عن الرجوع في علاجها إلى ملاحظة سندها فيتعين فيها الجمع الدلالي والانصاف ان ما يقابل اخبار الطهارة اقبل للتصرف بل هي في الطهارة نص وتلك في النجاسة ظاهرة الا وضوح الحكم بين المتشرعة حديثا وقديما والاشعارات الموجودة في الاخبار المتفرقة وارتكاز النجاسة في ذهن عموم المذهب بل المسلمين اوقفنا عن الحكم بالطهارة وجعل الاحتياط الشديد في النجاسة وعليه فلا فرق بين النجاسات حتى رأس الابرة من الدم الذي لا يدركه الطرف الذي ذهب بعضهم إلى عدم تنجس الماء به زاعما انه مورد صحيحة علي بن جعفر من قوله: (ان كان شيئا لا يستبين في الماء فلا بأس ) بعد السؤال عن رجل امتخط فصار الدم قطعا صغار فاصاب اناءه: لكنه ضعيف لاحتمال ان يكون المراد من قوله ان لم يستبين لا يعلم وصوله إلى الماء إذ العلم باصابته الاناء اعم من ذلك بل يحتمل ان يكون السؤال عن ذلك ايضا يعني ان العلم باصابة الاناء والجهل باصابة الماء يوجب الاجتناب عن الماء لوقوعه طرف الشبهة ام لا مع انه شاذ غير معمول به فلا يمكن الاعتماد عليه في الفتوى فالاقوى عدم الفرق بين قليل النجاسة وكثيرها كما انه لا فرق بين اقسامها وكذلك لا فرق بين ان يكون الماء الذي لاقته النجاسة مجتمعاً او متفرقاً مع ايصالها بالسواقي فان ملاقة طرف منه بالنجاسة ينجس الجميع لا بسراية النجاسة موضوعاً مع عدم قابلية بعضها لذلك واستلزام القابلية له حصول وصف النجاسة للماء تدريجاً ولا لكون اجزاء الماء متلاقية بعضها ببعض فإذا لاقى بعضها بالنجاسة تنجس الجميع لملاقاتها بالمتنجس وملاقاة بعضها بالنجاسة حتى يقال بأبتنائه على القول بتنجيس المتنجس مع انه ملتزم بالتنجس هنا من يمنع تنجيس المتنجس خصوصا مع كثرة الوسائط كما في الفرض بالنسبة إلى الاجزاء البعيدة او يقال بان التنجيس بذلك على القول بالجزء الذي لا يتنجز حتى يصح ان يقال ان كل جزء ملاق للآخر والا فمع عدمه يمنع التلاقي بينها لان الجزء الملاقي احد سطحيه لا يلاقيها الا بسطحه المتصل والسطح المقابل غير ملاقي لا للنجاسة وهو ظاهر ولا للسطح الآخر لان تلاقي السطحين المتقابلين غير معقول بل للتعبد عن الشرع حيث اناط الحكم بطهارة الماء الملاقي للنجاسة على كونه كرا الظاهر في انه مع عدم كريته يتنجس الجميع لان الجميع لاقى النجس وان كان بقدر الكر لا ينجس للاجماع والصحاح وغيرها المتكثرة المتظافرة من غير فرق بين تفرق الماء او اجتماعه مع صدق الوحدة العرفية للاطلاق وعدم ما يصلح للتقيد حتى الانصراف فانه لو كان فهو انصراف بدوي لا يعتنى به والا كان الامر في القليل كذلك مع انه لا يلتزم به الخصم:

المسألة الاولى: لا فرق في تنجس القليل بين ان يكون وارداً على النجاسة او موروداً، لاطلاق الاخبار الخالية عما يوجب تقيدها، ودعوى انه لو نجس الوارد لم يطهر متنجس الا بالكر او غيره من المياه المعتصمة سيأتي رفعها ان شاء الله مع وضوح عدم الملازمة

 المسألة الثانية: الكر يحسب الوزن الف ومائتا رطل بالعراقي وبالمساحة ثلاثة واربعون(1) شبراً الا ثمن شبر فبالمن الشاهي ــ وهو الف ومائتان وثمانون مثقالاً ــ يصير اربعة وستين مناً الا عشرين مثقالاً، اجماعاً منا والمشهور انه بالعراقي لكون المرسل عراقياً مع انه ارسله عن بعض اصحابنا الظاهر في كونه ايضا كذلك فيكون الراوي ايضا عراقيا ولارادة العراقي من الرطل في بعض الاخبار فيكون شاهدا على ارادته منه هنا ايضا ولان في صحيحة محمد بن مسلم حدده بستمائة رطل ولا اشكال ولو بضميمة عدم الخلاف في ان المراد منه المكي الذي هو ضعف العراقي فيكون الفا ومائتان بالعراقي فيكون مبينا للمرسل المزبور لان المبين يفسر المجمل بل يمكن ان يجعل نفس هذه الصحيحة دليلا ولا يعارض بالمرسلة لان المجمل لا يعارض المبين.

واما دعوى ان ابن ابي عمير مرسل للرواية والمقدم على عرف المروي عنه عرف الراوي دون المرسل فلا وجه لجعله شاهدا على ارادة العراقي كما في طهارة شيخنا الاكبر قدس سره، فيمكن دفعها بان المرسل ايضا حيث نقل الرواية بالرطل ولم يبين ان المراد منه غير مصطلحه يحمل على مصطلحه إذ مثل ابن ابي عمير ليس ممن ينقل الفاظ الرواية من غير نظر إلى معناه فلو كان له ظهور في كلامه في معنى وكان المراد غير ذلك الظاهر لكان يشير اليه ومن المعلوم ان الواقع في كلامه ظاهر في ارادة العراقي، نعم ليس هذا النحو من الاستظهار من قبيل تقدم عرف الراوي على عرف المروي عنه وكيف كان فالعمدة في الحمل على العراقي ما عرفته من شهادة صحيحة ابن مسلم.

ثم ان الدليل على ان الرطل العراقي مائة وثلاثون درهما مكاتبة علي بن محمد الهمداني المشتمل على ان الصاع ستة ارطال بالمدني وتسعة ارطال بالعراقي ووزنه الف ومائة وسبعون وزنه فان الصاع لا يكون وزنه ذلك الا ان يكون الرطل العراقي مائة وثلاثون حتى يكون تسعة مرات مائة وثلاثون الف ومائة وسبعون، ثم لو شك في ان مقدار الكر ما عرفت من الالف ومائتا رطل بالعراقي او هو بالمدني الذي هو ثلثا العراقي حتى يكون ثمانمائة رطل بالعراقي يمكن ان يرجع في المقدار المشكوك إلى عموم (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) الا ما غير.

ان قلت لم لا يرجع إلى مثل قوله في الماء الملاقي للكلب لا تتوضأ منه الا ان يكون كثيرا قدر حوض ومثل قوله في الماء الذي دخلته الدجاجة الواطئة للعذرة لا تشرب منه الا ان يكون كرا بل ومثل مفهوم الصحاح حيث ان مفادها تنجس الماء الا ان يكون كراً.

قلنا نعم لكنها كلها من قبيل المخصص بالمتصل الذي لا يرجع اليه مع اجمال المخصص لان الاستثناء اما من المتصل او الملحق به لكونه بمعنى استثني الذي لا يتقوَّم بدون المستثنى منه واما لو كان معناه حرفيا اليا فكونه من المتصل اوضح هذا بخلاف عموم النبوي فان المخصص فيه منفصل فيمكن الرجوع اليه مع اجماله.

ان قلت قد مر منك ان عموم النبوي معارض بالصحاح مثل قوله (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء) ومع التساقط لا يمكن ان يكون مرجعا.

قلت لمثل النبوي جهتان من الدلالة:

احداهما: ان الماء بما هو، يكون مخلوقا لله على وجه لا ينجسه شيء فيحتاج انفعاله إلى سبب وجودي والا فهو بمقتضى طبعه لا ينفعل والثانية دلالته على فعلية الطهارة لكن واحد من افراده سوى المتغير: والتي بها معارضتها مع الصحاح هي الجهة الاولى حيث انها متعارضة معها تعارض التباني ويتساقطان.

واما الجهة الثانية: فلا معارض لها لان الصحاح بالنسبة إلى هذه الجهة منها اخص إذ هي مفصلة بين الكر والقليل فإذا شك في مقدار الكر ثمانمائة رطل وانه من الخارج او من الداخل يمكن الرجوع إلى عمومه، نعم بما يحكم بسقوط النبوي لضعفه فيتعين الحكم من الجهتين على طبق ما يقابله وعليه فلا يبقى عموم يرجع اليه في الحكم العقلي ويتعين الرجوع عند الشك مع عدم العموم إلى الاصل فإذا فرض احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي وقد شك فيه بحكم بالنجاسة بل قد يجعل مقتضى الجمع بين الادلة حمل النبوي على ماء الكر والمطر والجاري لكنك عرفت ان هذا الجمع لا ينافي كونه المرجع عند الشك في مقدار الكر مفهوماً، نعم مع كون الشبهة مصداقية بعد تبين مفهومه لا يرجع اليه وكيف كان فهو بالمساحة ثلثه واربعون شبراً الا ثمن شبر الحاصل من ضرب ثلثه ونصف عرضا في مثله طولاً ثم ضرب المجموع في ثلثه ونصف عمقاً كما هو مقتضى رواية حسن بن صالح الثوري إذا كان الماء في الركن ثلاثة اشبار ونصف عمقها في ثلاثة اشبار ونصف عرضها ولا ينافيها عدم اشتمالها على تحديد الطول بعد ان لا يكون اقل من العرض والاخرج عن كونه طولا ولا اقل من ان يكون مثله كذا قيل والأظهر جعل العرض بمعنى السعة المقابل للعمق دون العرض العرفي المقابل للطول والا فيعتبر ان يكون اقل من الطول كما هو واضح وربما يجعل ذلك مضافاً إلى وقوعه تحديداً للماء الموجود في الركن مؤيداً لحمله على المستدير وكون المراد من العرض هو القطر وحاصل الضرب فيه مما لا قائل به وذلك لأن ضرب نصف القطر في نصف الدائرة ثم ضرب المجموع في ثلثه ونصف القطر يحصل منه ثلثه وثلثين شبراً وخمسة اثمان شبر ونصف شبر ولم يقل به احد فيطرح الرواية وكذلك الرواية الأخرى يعني رواية ابي بصير إذا كان الماء ثلثه اشبار ونصف في مثله ثلثه اشبار ونصف في عمقه من الأرض فذلك الكر من الماء فيطرح الروايتان ويبقى رواية اسماعيل بن جابر المشتملة على ثلث في ثلث التي يحصل منها سبعة وعشرين بلا معارض ويؤيده صحيحة اسماعيل بن جابر المحددة له بذارعين عمقه في ذراع وشبر سعته والذراع قدمان فان من ضرب نصف القطر وهو شبر ونصف في نصف الدائرة وهو اربعة ونصف يحصل ستة وثلثه ارباع فيضرب في اربعة العمق فيحصل سبعة وعشرين وبذلك كله يترجح رواية القمين وهي رواية اسماعيل بن جابر ثلاثة اشبار في ثلاثة اشبار على المشهور ولكن فيه مع ان وقوعه في جواب السؤال عن ماء الركن بعد ان كان مورد الجواب والسؤال تحديد الكر لا خصوص الواقع منه في الركن لا يوجب تخصيصه بالمستدير ان حمل الرواية على تحديد الكر بالمساحة المتحصلة من ضرب نصف القطر المدور في نصف الدائرة الذي لا يعرفه موضوعاً وحكماً الا الخواص في غاية البعد فلا داعي الا حمل الرواية على هذا المعنى البعيد ثم طرحها لعدم القائل بها ومجرد انطباق صحيحة اسماعيل بن جابر على المنقول من القميين لا يجوزه مع ان حمل تلك الصحيحة على المدور ايضاً بعيد، ومجرد انه لو حملت على المربع يكون محصلة ستة وثلاثين ولم يقل به احد لا يوجبه لأن ورود الأخبار في تحديد الكر على ما لا يقول به احد غير عزيز مع انه يجيء من ما يرفع الأشكال من اصله في ورود التحديدات المختلف مضافاً إلى انه احتمل في المعتبر على ما حكى العمل به فالأنصاف معملة المعارضة بين الأخبار ثلاثة ونصف وبين ما يحدده بالثلاثة والترجيح للاول لموافقة المشهور والأجماع المنقول وكون الريب فيه اقل الاحتمال سقط النصف من رواية الثلاثة فيدل على ترجيحه قوله فأن المجمع عليه لاريب فيه واما سائر الأخبار فيكفي فيها الشذوذ وعدم الفتوى على طبقها.

واما الأختلاف بين الوزن والمساحة الذي اوقع القوم في الأشكال فيمكن رفعه بأن الأصل في تحديد الكر هو الوزن وانما حدد بالمساحة نظراً إلى بلوغ ما كانت مساحته ذلك إلى الوزن الذي هو الحد الواقعي فيكون ذلك تحديداً تقريبياً لا تحقيقياً وانما حدوده تقريباً لأن مجموع المياه عندهم غالباً لم يكن متساوي الأبعاد بل ولا متساوي السطح والأبعاد فحدوده تحديداً تقريبياً آخذين فيه طرف الأكثر لأن ينطبق مع هذه الأختلافات الموجودة في محل الماء على الوزن وبه يرتفع الأشكال في اختلاف الحدين وعدم انطباقها وانه كيف حدوده بكل منهما ويكفي الأعتبار بأي منهما مع ما ترى من الأختلاف، وحاصل الجواب ان الأصل في الأعتبار هو الوزن لأنه الحد الأضبط الذي لا يأتي فيه المسامحة من جهة ولكنه لما لم يمكن التحديد به غالباً جعلوا له طريقاً ولما لم يمكن المساحة ايضاً تحقيقاً لعدم تساوي ابعاد الماء وكذا المحل الذي اجتمع فيه واشتماله غالباً على الأرتفاع والأنخفاض مسحوها بمساحة ازيد من الوزن لينطبق عليه مع ما يقع عليه المساحة من المسامحة لأختلاف الأبعاد وارتفاع محله وانخفاضه ولذا كان غالب التحديدات عند التحقيق اكثر من الوزن ويمكن ان يجعل ذلك ايضاً من مرجحات رواية ثلاثة ونصف على الثلاثة لأن الثاني يكون اقل من الوزن فلا رافع عليه لأشكال الأختلاف وحمله على مجرد التعبد بالحدين وانه ليس للكر حد واقعي بل يختلف باختلا ف كيفية التحديد ليس مما يمكن الإلتزام به فلا محيص الا عن جعل احدهما اصلاً والآخر طريقاً كما لا محيص الا عن جعل الأضبط الأشكل في الخارج اصلاً والآخر طريقاً وجعل الطريق ما لا يوصل ابداً إلى ما جعل طريقاً اليه مما لا يمكن الإلتزام به بخلاف جعله بحيث يوصل اليه دائماً بحيث لا ينفك عن تحقق المقدار الواقعي وان كان يزيد عليه وانما حدوده بالزائد عليه لما عرفت من الحكمة، ثم ان ما مر منا من ان حمل التحديد على الدوري مبني على معرفة كيفية ضرب الدور الذي لا يعرفه الغالب غير وارد على غير الدوري ايضاً بان يقال ان معرفة الضرب والمكسر ايضاً غير معلوم للعامة فكيف حدوده به وذلك لأن التحديد في مساوي الأضلاع بان يقال كل ما كان مجمع الماء من اطرافه وابعاده ثلاثة ونصف كان الماء كراً غير محتاج إلى الضرب وبعبارة اخرى التحديد بالمساحة لا يبتنى على معرفة مكسر المساحة إذ يجوز ان يقال كل ما كان طول الماء وعرضه وعمقه ثلاثة ونصف كان الماء كراً وان لم يعرف المخاطب ان ذلك مبلغ تكسيره سبع وعشربن الا ثمن شبر لكنه ان الماء يبلغ كذا مقدار عليه ان يجمعه في محل كان ابعاده كذا ويعرف المكسر بالضرب فيعرف ان الماء المسكوب يبلغ مكسره ذلك ام لا ومعرفة هذا التكسير كما ان معرفة ان وزنه فعلا بحسب الوزن المتعارف المعروف بالشامي الذي وزنه الف ومائتان وثمانون مثقالاً يصير اربعة وستين مناً الا عشرين مثقالاً او انه بحسب الحقة الأسلامبول المتعارف اخيراً في العراق الذي مائتان وثمانون مثقالاً مائتا حقة واثنان وتسعون حقة ونصف حقة لا يعرفه الا الخواص الماهر من اهل الحساب لا يضر بالتحديد ولا يجعل اصل التحديد عسراً.

المسألة الثالثة: الكر بحقة الإسلامبول المتعارف اخيراً في العراق ــ وهي مائتان وثمانون مثقالاً ــ مائتا حقة واثنان وتسعون حقة ونصف حقة(1).

المسألة الرابعة: إذا كان الماء اقل من الكر ولو بنصف مثقال يجرى عليه حكم القليل، ولا يعتنى إلى مسامحة العرف في عده كراً كما في سائر المقادير وجميع الموارد التي كان الصرف عندهم مبنياً على المسامحة وذلك لأن ما يرجع فيه إلى العرف انما هو بيان مفاهيم الألفاظ حيث كان لها معنى عرفاً واما تطبيق المفاهيم على المصاديق فلا وجه للرجوع اليهم، ان قلت فكيف يرجع اليه في تعين المستصحب مع ان مسامحتهم هناك ليس الا في تطبيق مفهوم المنقض، قلت حيث ان النقض ليس الا رفع الحكم عن موضوعه الواقعي واطلاقه على رفعه عن غيره مبني على عده في العرف ذاك الموضوع الواقعي ومن المعلوم انه مبني على المسامحة في الصدق فلنا الرجوع إلى العرف فيه ايضا لان مفهوم النقض عندهم هو رفع الحكم عما يعد عندهم موضوعا واحدا فهذا في الحقيقة تعميم في معنى النقض عرفا والحاصل ان الكر كسائر المقادير يبتني الامر فيه على التحقيق لا التقريب والمسامحة.

المسألة الخامسة: إذا لم  يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل كالعكس. نعم لو كان جارياً من الاعلى(2) إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي، ولا ينظر إلى ما يمكن ان يتوهم من امتناع السراية إلى العالي لما مرت الاشارة اليه من ان امر التنجس عندنا ليس بالسراية الموضوعي او الحكمي اما الاول فواضح ومستلزم لان يتنجس الماء من عند الجزء الملاقي تدريجاً.

واما الثاني فلان تحقق الملاقاة بين الاجزاء حتى يتحقق بمجرد ملاقاة جزء منه للنجاسة تلاقي جميع اجزائه بالنجاسة او للمتنجس للجزء وهو باطل بل مبنى التنجس هو التعبد الشرعي وصدق انه ماء لاقى النجس فتنجس وعليه فلا فرق بين ملاقاة الجزء العالي او السافل او المساوي، نعم قد عرفت انه لو كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل لكن لما كان مقتضى القاعدة حسبما عرفت النجاسة وكان خروج المورد بالاجماع كان التعميم الذي ذكره المصنف بقوله: من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي مبنيا على تحقق الاجماع في التعميم او ثبوت اطلاق لمعقده ولما لم يكن الامر بهذه المرتبة من الظهور كان الاحوط الاقتصار على العلو التسنيمي او ما كان ملحقا به عرفاً.

المسألة السادسة: إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كراً ينجس بالملاقاة ولا يعصمه ما جمد، بل إذا ذاب شيئاً فشيئاً ينجس ايضاً، وكذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه اقل من الكر فانه ينجس بالملاقاة، ولا يعتصم بما بقي من الثلج، لا لخروجه بالجمود عن الحقيقة حتى يقال انه لو كان كذلك لوجب القول بطهارة الماء النجس إذا جمد وانعكس كما في المصعد بل عرفت ان الجمود في الحقيقة ليس الا تماسك اجزاء الماء بل مرانه لو كان الامر في البخار ايضاً على هذا المنوال بان كان عبارة عن افتراق اجزائه لم يكن وجه لجعل التصعيد مطهراً بل لعدم الصدق عرفاً او انصراف ادلة مطهرية الماء إلى حال ميعانه وسريانه دون حين جموده كل ذلك لشهادة الأعتبار به وحينئذ مضافاً إلى ان المجمود لا يعصم غيره ينفعل كل ما يذوب منه شيئاً فشيئاً بل ينفعل قبل الذوبان لعدم المانع من تنجس الجامد وكذا إذا كان هناك ثلج كثير قد ذاب منه اقل من كر فانه ينجس بالملاقاة ولا يعتصم بما بقي من الثلج كل ذلك لما عرفت من ان الأعتصام والعصمة وعدم انفعال الكر كلها منوطة بالماء العرفي دون ما لا يصدق عليه الماء وان كان من حقيقته وجنسه نظير بعض الأحكام الثابتة للحنطة او الطحين او العجين او الخبز فانها لا تتعدى من الحالة التي تثبت لها تلك الأحكام إلى الحالات الأخر لكون الحقيقة في الجميع واحدة.

المسألة السابعة: الماء المشكوك كريته مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الأحوط(1) وان كان الأقوى عدم تنجسه بالملاقاة، نعم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى القاء الكر عليه، ولا يحكم بطهارة المتنجس غسل فيه وان علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة، لأصالة عدم تحقق سبب الأعتصام لما علم من الأدلة المعلقة لعدم التنجس على الأمور الوجودية من الكرية والمادة وغيرهما فعلل الطهارة في صحيحة ابن بزيع بأن له مادة وفي الماء الجاري علقه بوصف الجريان مضافاً إلى قوله إذا جرى فلا بأس وفي الكر علقه بان يكون الماء قدر كر وهكذا فانه يعلم من هذا المجموع ان السبب العاصم للماء عن الأنفعال امر خارجي وجودي يجب ان يتحقق حتى يعتصم فإذا شك فيه فالأصل عدمه فيحكم بعدم سببه أي سبب الأعتصام وعدم الأنفعال تحقق مقتضيه يعني الملاقاة، نعم لا يمكن الرجوع إلى عمومات الأنفعال لكون الشبهة مصداقية ولا مجال فيها للرجوع إلى العام وان قوى شيخنا رحمه الله جواز الرجوع اليها ايضاً تارة من جهة كفاية اصلة عدم وجود الكر في هذا المكان وان لم يجر اصالة عدم كرية واخرى من جهة ان الشك في تحقق مصداق المخصص يوجب الشك في ثبوت حكم الخاص والأصل عدم ثبوته فإذا انتفى حكم الخاص ولو بالأصل ثبت حكم العام إذ يكفي في ثبوت الحكم العام عدم العلم بثبوت حكم الخاص دون العكس وثالثة من جهة ان عنوان المخصص في المقام من قبيل المانع عن الحكم الذي اقتضاه عنوان العام فلا يجوز رفع اليد عن المقتضي الا إذا علم بالمانع ومع الشك فالأصل عدم المانع وان كان ذات المانع فيما نحن فيه غير مسبوق بالعدم، لكن الذي يظهر من كلماته قدس سره انه لا يعتمد على شيء من الوجوه المزبورة بل المصرح به في اول الكتاب ان منشأ حكمه بالأنفعال فيما يشبه المقام هو ما يستفاد من الأدلة من احتياج الأعتصام إلى سبب وجودي فيكون عدمه مطابقاً للأصل حسبما بيناه.

ان قلت اصالة عدم سبب الأعتصام في المورد ليس له حالة سابقة الا العدم الأزلي لأن السبب العاصم ليس الا كرية الماء واصالة عدم كريته ليس له حالة سابقة الا العدم بعدم الموصوف الذي علمنا بأنقطاعه بوجود الموصوف لأن عدم كرية الماء حين لا ماء عدم بعدم الربط مزودة احتياج الربط إلى الموضوع وإذ ليس فلا ربط وبعد تحقق الماء الذي هو بمنزلة الموضوع قد علم انقلاب عدم الربط بالربط وان لم يعلم بتحقق الربط الوجودي او العدمي لكن بعد العلم بأنقلاب اليقين السابق بحدوث الربط انقطع العلم بعدمه ولا يقين بربط العدم يستصحب لما عرفت من ان الربط الموجود لم يعلم ايجابياً او سلبياً، قلت يكفي استصحاب عدم الربط بعدم المقيد بأن يقال كرية هذا الماء لم يكن قبل وجود الماء فلا يكون، فأن كرية هذا الماء الذي هو امر وجودي يعتصم به كان معلوم العدم بالعدم الأزلي فيستصحب واستصحاب العدم الأزلي جار بلا اشكال إذ يكفي العدم الأزلي للسبب في ترتب عدم المسبب وما سمعت من عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية إنما هو فيما كان الأثر للعدم الخاص دون ما كان لمطلق العدم، هذا كله بناء على ضعف النبوي او عدم دلالته على عصمة الماء نفسه وان انفعاله بالملاقاة تحتاج إلى امر وجودي كما ربما يستظهر من قوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء) حيث ان ظاهره ان كون الماء كذلك بجعلٍ آلهي له بما هو ماء من دون مدخلية امر آخر فيه من كونه كراً او جارياً او ذا مادة فيكون اعتصامه بنفسه وانفعاله محتاجاً إلى امر وجودي من تغير او كونه قليلاً.

ان قلت بعد تخصيصه لصحاح الكر المفصلة بين القليل والكثير كما هو مقتضى الجمع بين المطلق والمقيد والعام والخاص يكون الموضوع في هذا النبوي غير الراكد القليل وبه يبطل دلالته من الجهة المنافية لمدلول الصحاح من حيث دلالتها على أحتياج الأنفعال إلى سبب وجودي إذ لا يبقى فيه حينئذ دلالة على كون الماء بذاته كذلك إذ ليس الموضوع فيه بعد التخصيص نفس الماء وطبيعته بل غير القليل المشتمل على جهة من جهات الأعتصام فلا يزيد في الدلالة على ان الكر والمطر وذا المادة معتصمة بذاتها فلا يدل على ثبوت هذا العنوان يعني الأعتصام لمطلق الماء.

قلت لزوم تخصيصه بغير القليل لا بتعين ان يكون على وجه ينافي دلالته من تلك الجهة إذ يمكن ان يجعل الخارج منه القليل الراكد الذي هو ايضاً امر وجودي فيتحفظ على ان الأنفعال محتاج إلى سبب وجودي.

ودعوى ان القلة ايضاً عدمي لأنه عبارة عن عدم الكرية، مدفوعة بان الكر وغير الكر متضادان والقليل عبارة عن غير الكر ولا تنافيه ملازمته مع سلب الكرية الذي هو نقيض الكرية وحينئذ فيعارض الصحاح من هذه الجهة معارضة المباين مع مباينه ويرجع بعده إلى استصحاب الطهارة وقاعدتها ولعله لذا كان الاقوى عند المصنف عدم تنجسه بملاقاة.

نعم لا يجري عليه حكم الكر يعني الحكم المختص به بما هو كر مثلا ان دل دليل على عدم لزوم العصر او التعدد في الكر لا نتعدى إلى مثل الماء المزبور واما ان ثبت له حكم بما انه لا ينفعل نتعدى اليه لان المفروض انه ايضا بمقتضى الاستصحاب معتصم لا ينفعل وهو طهارة الماء المتنجس بالقاء كر عليه من قبيل الاول فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى القاء كر عليه او الثاني فيحكم بطهارته ظاهر المصنف رحمه الله بل صريحه الاول وهو كذلك ان كان المدرك الاجماعات المنعقدة على طهارة الماء المتنجس بالقاء كر عليه واما إذا كان المدرك ادلة عصمة الكر منظما إلى الاجماع على عدم اختلاف اجزاء الماء الواحد الممتزج بعضه ببعض فلا وجه لعدم الإلتزام بطهارة الجميع بعد المزج، الا ان يقال مع العلم بالكرية يعتصم الكر بادلة عصمتها وهي غير معارضة باستصحاب نجاسة المتنجس فيحكم بطهارة الجميع بضميمة الاجماع المزبور.

واما مع عدم العلم بالكرية فلا عاصم له الا الاستصحاب وهو معارض مع استصحاب نجاسة المتنجس ولا حكومة بينهما لعدم تسبيب الشك في احدهما مع الاخر، نعم يمكن ان يرجع بعد المعارضة إلى قاعدة الطهارة واستصحابها هذا واما الحكم بطهارة المتنجس الذي غسل فيه الذي جزم المصنف رحمه الله بعدمه فلا يحتاج إلى المعارضة والرجوع إلى القاعدة لان الإلتزام بورود المطهر في القليل وعدمه في الكثير ليس الا لانفعال الاول بالملاقاة وعدم انفعال الثاني به فلو كان مقتضى الاستصحاب طهارته وعدم انفعاله بوقوع المتنجس فيه فلا وجه لاشتراط الورود، نعم في اعتبار التعدد والعصر فيه ان لم يعتبرهما في الكر للاجماع او لقوله: ما اصاب هذا شيئا الا وقد طهره، وجه الا ان المسهل للامر انا نعتبرهما في الكر ايضا كما سيجيء إن شاء الله.

المسألة الثامنة: الكر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية ان جهل تاريخهما او علم تاريخ الكرية، حكم بطهارته وان كان الاحوط التجنب(1)، وان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته واما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها، فان جهل التاريخان او علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة، مع الاحتياط المذكور، وان علم تاريخ القلة(2) حكم بنجاسته، تأريخ شيء منهما يحكم بطهارته لتعارض استصحاب القلة وعدم الكرية إلى زمان الملاقاة مع استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فيرجع إلى قاعدة الطهارة واستصحابها، وكذا إذا علم تأريخ الكرية وجهل تاريخ الملاقاة فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية اثره الطهارة ولكن ما ذكرنا من الرجوع إلى قاعدة الطهارة واستصحابها مبني على ما ذكرناه من معارضة القاعدة المستفادة من دليل الكرية وان الملاقاة مقتضية للنجاسة والعصمة محتاجة إلى سبب وجودي مع المستفاد من النبوي والا فبناء على ضعف النبوي او ضعف دلالته واستقرار البناء على مفاد الصحاح كان المرجع هو تلك القاعدة ولذا قال الماتن وان كان الاحوط التجنب، لكن ما ذكرنا من وجه الاحتياط انما ما يجري في الفرض الاول يعني صورة التعارض الاستصحابين للجهل بالتأريخين فان المرجع بعد المعارضة هي تلك القاعدة المقدم على استصحاب الطهارة فضلا عن قاعدتها ولا يجري في الفرض الثاني وهو صورة العلم بتأريخ الكرية والشك في تأريخ الملاقاة فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية ينفي وجود مقتضي النجاسة فلا وجه للرجوع إلى القاعدة والقدر المتيقن من مرجع الاحتياط في الكتاب هو الفرض الثاني كما في الجمل المتعقبة للاستثناء وان كان يمكن ان يكون الوجه فيما ذكره من الاحتياط الاستشكال في جريان الاستصحاب في مجهول التأريخ لما يذكره من عدم اتصال زمان اليقين بالشك فيرجع الاحتياط إلى الصورتين الا ان يقال باختصاصه ايضاً بالاول. وان علم تأريخ الملاقاة حكم نجاسته لاستصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة ومقتضاه النجاسة.

واما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها فان جهل التاريخان فيجري استصحاب بقاء الكرية إلى زمان الملاقاة ويحكم بالطهارة ولا يعارضه استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة لعدم الأثر له بعد عدم اثبات تأخر الملاقاة عن الكرية فيحكم بالطهارة.

وكذا لو علم تأريخ الملاقاة وشك في تأريخ القلة فان الجاري استصحاب بقاء الكرية إلى زمان الملاقاة فيحكم بالطهارة في الفرعين، وان علم تأريخ القلة ففي المتن حكم نجاسته ولم يعلم وجهه مع ان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمانه يكفي في الحكم بالطهارة.

المسألة التاسعة: إذا وجد نجاسة في الكر(1) ولم يعلم انها وقعت فيه قبل الكرية او بعدها يحكم بطهارته الا إذا علم تأريخ الوقوع، لعين ما سبق في الفرع السابق بل لو لم اعلم فرقاً بينهما الا من جهة بقاء النجاسة وعليه كان على المصنف الإشارة إلى الاحتياط السابق ايضاً.

المسألة العاشرة: إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد حكم بطهارته وان كان الاحوط الاجتناب، لأن المقتضي الموجود مع المانع لا يؤثر، نعم ان كان ظرف تحقق المانع متحداً مع تحقق المقتضي بالفتح لا يؤثر المانع لانه علة لعدم المقتضى والعلة انما تؤثر في ظرف المتأخر عن وجوده لا في ظرف وجوده والا بطل الترتب بين العلة والمعلول، الا ان يقال ان الموجود مع المقتضي في ظرف واحد لا يمكن ان يؤثر في رفع المقتضى بالفتح ودفعه لأن ظرف تأثيره في المنع يتحد مع ظرف تحقق الممنوع فلا يمكن ان يؤثر في عدمه والواجب عقلاً هو وجود المانع في مرتبة مقدم على مرتبة وجود ممنوعة فلا يمنع بدونه عن تأثير الملاقاة، هذا مضافاً إلى ان الظاهر من قوله إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء ان العاصم من النجاسة هو الكرية قبل الملاقاة لأن التقسيم بملاحظة حال عروض الملاقاة وعليه فمع كون الاجتناب احوط كما في المتن يكون الأقوى.

 المسألة الحادية عشر: إذا كان هناك ماءان احدهما كر والآخر قليل، ولم يعلم ان ايهما كر، فوقعت نجاسة في احدهما معيناً او غير معين لم يحكم بالنجاسة(1) وان كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب عنه ان كان مسبوقاً بالقلة مع سبق الآخر بالكرية فواضح بل هو خارج عن مفرد من المسألة وداخل فيما يعلم الكر والقليل منهما، واما مع سبق كليهما بالقلة فلاستصحاب القلة في الملاقي ولا يعارضه الاستصحاب في الآخر نظراً إلى العلم بحدوث الكرية في احدهما الموجب لسقوط الاستصحاب في احدهما لأن العلم الإجمالي لا يوجب خروج شيء من الطرفين عن كونه مشكوكاً وداخلاً في عموم الأصل فلم يبق ما يمنع عن جريان الاستصحابين الا التكليف المتوجه إلى المعلوم بينهما الموجب جريانهما سقوطه ومن المعلوم ان هذا انما يكون مانعاً لو كان للمعلوم الإجمالي تكليف منجز واما في مثل ما نحن فيه الذي لا يتعلق بالمعلوم الإجمالي تكليف الزامي فلا مانع من جريان الأصلين ولذا قالوا ان استصحاب النجاسة يجري في انائين نجسين علم بطهارة احدهما لوقوع المطر فيه بل صرح بعضهم بنجاسة ملاقي كل منهما وهذا قطعيه عملية للواقع وعليه فيحكم بنجاسة كل منهما ايضاً لولا في كل منهما نجاسة لأن جريان استصحاب عدم الكرية فيهما نظير استصحاب النجاسة في انائين علم بوقوع المطر في احدهما، واما مع سبق كلاهما بالكرية وحدوث النقص في احدهما فالحكم بوجوب الاجتناب عنه مبني على ما مر مكرر من ان المحتاج إلى سبب وجودي هو الاعتصام او الانفعال والمصنف قوى الثاني واحتاط في الاول، وان وقعت النجاسة في احدهما الغير المعين فالقول بنجاسته إذا كانا مسبوقين بالقلة ايضاً متجه للاستصحاب بقاء الملاقي على القلة فيتنجس فيجب الاجتناب عنه مقدمة، نعم مع سبقهما بالكرية او عدم الحالة السابقة لهما لا يحكم بالنجاسة لعدم العلم بحدوث تكليف بسبب ملاقاة النجس الملاقي، ويمكن ان تبنى المسألة على ما مر من احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي والانفعال وعلي فيكون على المصنف الاحتياط حتى في ملاقي الواحد غير المعين ولا يقتصر على الاحتياط في خصوص ملاقاة الواحد المعين.

المسألة الثانية عشر: إذا كان ماءان احدهما المعين نجس، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس او الطاهر، لم يحكم بنجاسة الطاهر، لعدم العلم بوقوعه فيه فيبقى على طهارته كما ان الأصل البراءة عن وجوب الاجتناب عن غير ما كان واجب الاجتناب قبل الوقوع.

المسألة الثالثة عشر: إذا كان كر لم يعلم انه مطلق او مضاف فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته(1) واذا كان كران احدهما مطلق والآخر مضاف وعلم وقوع النجاسة في احدهما، ولم يعلم على التعيين، يحكم بطهارتهما،  لاستصحاب طهارته لعدم العلم بتأثير النجاسة فيه ولك ان تبني المسألة على ما مر ايضاً من احتياج الاعتصام إلى سبب وجودي وعدمه فيقال ان الملاقاة للمائع مطلقاً سبب ومقتضي للانفعال وكونه كراً من ماء مانع والأصل عدمه لا بمعنى عدم كونه كراً من ماء لعدم العلم لحالته السابق بل الأصالة عدم تحقق المانع عن انفعال هذا المائع بعد العلم بتحقيق سبب نجاسته، ومثله ما إذا كان كران احدهما مطلق والآخر مضاف وعلم وقوع النجاسة في احدهما ولم يعلم على التعين مع العلم بالكر المطلق والمضاف واما مع الجهل بان ايهما مطلق ومضاف فالحال فيه كما فيما كان هناك ماءان احدهما كر والآخر قليل فراجع.

المسألة الرابعة عشر: القليل النجس المتمم كراً بطاهر او نجس، نجس على الأقوى، كما عليه الأشهر بالمشهور على المحكي وان كان القول بالطهارة فالمتمم بالطهارة وجه لاستصحاب طهارة المتمم ولو عورض باستصحاب نجاسة المتمم بالفتح رجع إلى قاعدة الطهارة فيهما، ودعوى انه لم يثبت الإجماع على عدم جواز اختلاف اجزاء الماء الواجب في الطهارة والنجاسة حتى في الظاهر فلا تعارض بين الأصلين لاحتمال بقاء كل منهما على حكمه في الظاهر وان علم انهما لا يختلفان في الواقع مدفوعة بأنا لا نحتاج إلى الإجماع على الاتحاد في الظاهر بل يكفينا الإجماع عليه في الواقع لأن الملازمة بين طهارة المتمم وطهارة المتمم واقعاً ونجاستهما يوجب العلم بكذب احد الاستصحابين فيسقطان جميعاً لا من جهة الإجماع على اتحاد حكم الماء الواحد في الظاهر بل بمقضى نفس الإجماع على اتحادهما في الواقع مضافاً إلى ان ظاهر الإجماع يعم الإجماع على الاتحاد حتى في الظاهر، نعم يمكن ان يقال لا معرضة بين الاستصحابين مع عدم استلزام جريانهما المخالفة العملية للواقع ضرورة ان البناء على بقاء كل جزء على حكمه لا يعلم فيه مخالف للواقع لجوازان (يكون الجميع طاهراً) ولا ضير في إلتزام النجاسة في الظاهر فيما كان في الواقع جمع بين الضدين فسقوطها ليس من اجل المعارضة مع دليل الواقع حتى يدعى اختصاصه بما إذا كان لدليل الواقع اثر عملي بل من اجل اقتضاء جريانهما طهارة اجزاء الماء الموجود ونجاستها وهو غير معقول، وما سمعت من جواز اجراء الاستصحابين فيما لم يكن في جريانهما مخالفة عملية للواقع انما هو في غير ما نحن فيه مما يستلزم جريانهما الجمع بين الضدين واورد شيخنا في الطهارة على استصحاب طهارة المتمم بأنه لا يقتضى طهارة الجميع إذ لا اجماع مع عدم الامتزاج وهم مجمعون على سقوط حكم المزج في المسألة وانه لا مدخلية له في الطهارة والنجاسة هذا محصل ما اورده اولا وثانياً بعد اسقاط جملة من الترديدات في السؤال الراجع بعضها إلى بعض مع خروج جلها عن محل الكلام ومع ذلك يتوجَّه عليه انا لا نقول بمدخلية الامتزاج في الطهارة حتى يدعي سقوط مدخليته بالاجماع بل نقول بعد المزج يعلم باتحاد حكم الماء وعدم التبعيض ونستظهر الحكم بطهارة الجميع للاصل وان بقينا على الشك قبل المزج بل يمكن استظهار حكمه قبل المزج ايضا ان ثبت الاجماع على عدم اختلاف حكمه قبل المزج وبعده لما اعترف به من الاجماع على عدم مدخلية المزج في التطهير والتنجيس في المسألة فالانصاف انه لا مانع من جريان استصحاب الطهارة فيسقط به استصحاب نجاسة المتمم بالفتح، نعم اورد عليه قدس سره ثالثاً بانه لا مجرى للاصل مع عموم المفهوم في قوله (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء) حيث انه يصدق على المتمم انه قليل لاقى متنجساً فتنجس فيندفع ما يقال ان المستفاد من المحمول وهو قوله لا ينجس كون الموضوع ما يكون قابلاً للتنجس وعدمه وهو الماء الطاهر فيخرج المورد عن موضوع الدليل مفهوماً ومنصوفاً وحاصل الدفع ان نجعل الموضوع الماء المتيمم المفروض الطهارة ونقول هو ماء ليس بكر ولاقى نجساً فتنجس فيندفع ما يقال ان المستفاد من المحمول وهو قوله لا ينجس كون الموضوع ما يكون قابلاً للتنجس وعدمه وهو الماء الطاهر فيخرج المورد عن موضوع الدليل مفهوما ومنصوتاً وحاصل الدفع ان نجعل الموضوع الماء المتيمم المفروض الطهارة ونقول هو ماء ليس بكر ولاقى نجساً فتنجس فيشمل المفهوم لمتمم. نعم قد يورد عليه بان المتيمم الطاهر كذلك  ينطبق عليه عنوان المفهوم لكونه قليلاً لاقى متنجساً فيتنجس كذلك ينطبق عليه عنوان المنطوق لأنه ماء بلغ بالملاقاة كراً فلا ينجس فيتعارض المفهوم والمنطوق ويتساقطان فيبقى استصحاب الطهارة فيه جاريا ويسقط به استصحاب النجاسة في صاحبه فيرجع إلى قاعدة الطهارة لكن اجاب عنه شيخنا رحمه الله بان الظاهر من الرواية ان العاصم والعلة لعدم الانفعال هي الكرية الحاصلة قبل الملاقاة دون ما كان معلولاً له لأن ما كان معلولا للملاقاة يكون متحقق في مرتبة الانفعال لكونها معلولين للملاقاة ولا يمكن ان يمنع احد المعلولين عن الآخر لأن المانع الذي هو علة العدم يجب ان يتقدم على معلوله طبعاً والمفروض ان الكرية متحدة مع الانفعال رتبة فكيف يمكن ان يكون مانعاً وان شئت توضيح ذلك فنقول قد يكون الكرية حاصلة قبل الملاقاة وقد يكون معه وقد يكون متأخرة عنه فما كان قبل الملاقاة لا ينبغي ان يستشكل في قابليتها للمنع عن الانفعال لأن مقتضى النجاسة انما ورد فبمورد مشغول بالمانع فلا يؤثر بل التأثير للمانع الذي هو علة للعدم فيؤثر فالاعتصام وعدم الانفعال وما كان مقروناً مع الملاقاة فهو مبني الفرع السابق في كلام المصنف رحمه الله: (لو قارن الكرية والملاقاة فالأقوى الطهارة والأحوط النجاسة) فأن الكرية التي هي علة الاعتصام متحد مرتبة مع الملاقاة التي هي علة الأفعال فبتزاحم العلتان يعني علة الانفعال وعلة عدمه فيرجع إلى قاعدة من القواعد وما كان متأخراً عن الملاقاة كأن يكون معلولا لها فهو من محل الكلام حيث ان الملاقاة كما يكون علة للانفعال يكون علة للكرية فيكون تحقق الكرية في مرتبة تحقق الانفعال ومن المعلوم ان مثله لا يفعل ان يؤثر في عدم الانفعال لأن غلة الشيء مقدم عليه فلا يعقل ان يقارنه رتبة فالكرية التي تمنع عن الانفعال انما هي الكرية التي يكون اسبق منه وهذا ما يقال ان المستفاد من الصحاح عليه الكرية السابقة على الملاقاة للاعتصام دون الواقعة معه في المرتبة وان كان قد عرفت ان الأقوى مانعية الكرية الملاقية مع الملاقاة ايضاً هذا ولكن لك ان تمنع من كون الملاقاة علة للكرية بل هي عبارة عن اتصال المائين و زوال حديهما بحدوث حدّ واحد لها وهو عين الكرية إذ ليست هي الا كون المجموع كذا مقدار والمفروض ان مجموع المتمم والمتمم الا ذلك المقدار وانما لا يكون كراً لعدم الوحدة فإذا صار بالاتصال واحد كان كراً ومن المعلوم ان وحدتهما عبارة عن زوال الفصل الموجب للتعدد وانقلابه إلى الوصل ومن المعلوم ان الفصل والوصل ضدان ليس وجود احدهما مقدماً على احد الآخر ولا عدم الآخر مقدمة لوجود صاحبه والا لزم الدور المعروف فالملاقاة عين وحدة الحد بينهما وهو في مرتبة زوال التعدد فيكون الكرية في مرتبة الملاقاة فيكون من المسألة السابقة وهي ما لو حدثت الكرية والملاقاة في مرتبة واحدة التي بنى المصنف رحمه الله على طهارته، سلمنا كون الكرية صفة وجودية معلولة للملاقاة لكنا نمنع عن ان الشيء معلولي علة واحدة ولا يمكن ان يمنع احدهما عن الآخر لاتحادهما في المرتبة ولزوم تقدم المانع على الممنوع رتبة وذلك لأنا لا نريد بالتقدم والتأخر في المرتبة الا كون احدهما علة للآخر والآخر معلولاً للاول واما مع عدم العلية بينهما فلا نسبة بينهما من هذه الجهة فلا مجال لأن يقال ان النجاسة والكرية متحدتان في الرتبة لأنهما معلولان لعلة واحدة إذ يجوز ان يكون احد معلولي علة واحدة علة لعدم المعلول الآخر وعليه فيقع التزاحم بين اثري الملاقاة والكرية إذ تأثيرها في الكرية غير قابلة للتزاحم فيكون المزاحم للانفعال اثر الكرية يعني الاعتصام لأنه الذي يضاد الانفعال او يناقضه فيكون حال هذه المسألة حال المسألة السابقة ما لو قارن الكرية والملاقاة، ان قلت سلمنا ذلك لكنا نقول ظاهر الصحاح ان العاصم للماء عن الانفعال ليس الا الكرية السابقة عن الملاقاة دون اللاحقة لها بل المقارنة لها، قلت ليس فيها سوى ان العلة المانع عن الانفعال هي الكرية واستفادت سبقها عنه ليس الا من جهة جعلها مؤثراً في عدمه ولازم العلة المانعة التقدم على الممنوع فيجب ان يكون الكرية التي جعلت مانعاً متقدمة طبعاً على الانفعال حتى يمنع عنه لكنه لا يقتضى إلى التقدم الطبعي وقد عرفت انه ليس الا عبارة عن كونه مؤثراً في عدم الممنوع وهو ممكن مع كونها مع الانفعال معلولين للملاقاة، فضلاً عما إذا كانت هي والملاقاة معلولي علة واحدة فتلخص المفهوم الصحاح لا يرفع استصحاب الطهارة في المتمم الطاهر فيعارض استصحاب النجاسة وقد عرفت ان مقتضى التعارض الرجوع إلى قاعدة الطهارة الا ان يمنع التعارض، وقد يستدل بالخبر المروي المشهور كما ادعاه بعض بل المجبور بعمل من لم يعمل بالخبر الواحد الظني لو منع اشتهاره وهو قوله إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثاً لأن الظاهر من عدم حمله الخبث عدم تحمله له بعد البلوغ ومن الواضح انه يعم الدفع والرفع فتكون الكرية رافعة كما انها دافعة وبهذا يفارق الصحاح (إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء) فأن التنجيس المنفي ظاهر في الحدوث فلا يشمل الرفع واما هذا الخبر فهو باطلاقه يشمل الرفع والدفع فيدل على ان البلوغ كراً مطهر للماء وعليه فلا فرق بين كون المتمم طاهراً او نجساً، ولا دليل على حمل الماء الذي يبلغ كراً على خصوص الماء الطاهر، وما اورد عليه شيخنا في الطهارة من ان الظاهر من الحمل المنفي هو الحمل المتجدد الحادث لظهور الفعل المضارع فيه، غير وارد لأن الحمل المنفي ليس الا الحمل بعد البلوغ وهو حمل جديد فينتفي، وبعبارة اخرى لا يعقل ان يراد من الحمل المنفي غير الحمل الجديد لأن الحمل العتيق غير قابل الزوال ولا دلالة فيه على كون المراد النجاسة الغير المحمولة النجاسة الجديدة، وبعبارة اخرى فرق بين الحمل الجديد والنجاسة الجديدة، والنجاسة المرتفعة وان كانت هي السابقة لكن الحمل المنفي هو الحمل بعد البلوغ وهو جديد، والحاصل دلالة الجملة الفعلية على التجدد والحدوث ليس منشأه الا ما ذكروه من دلالة الفعل المضارع على الزمان وعلى الثبوت والنفي في المستقبل إذ لا ينطبق ذلك الا على كون النسبة المثبتة او المنفية جديدة ومن المعلوم ان ذلك لا يقتضي ازيد من ان يكون اللفظ ظاهراً في النسبة في الزمان المستقبل فيكون معناه ان الماء بعد البلوغ لا يحمل يعني ينفي منه الحمل ومن المعلوم ان الحمل الذي بعد البلوغ حمل جديد ولذا قالوا ان البقاء عبارة عن الوجود بعد الوجود فلو لم يكن وجوداً جديداً كيف يكون وجوداً بعد الوجود، واما دعوى اعتبار الحدوث فيه بمعنى عدم سبقه بالوجود حتى يكون المنفي هو حدوث الحمل لا مطلق وجوده فهي ممنوعة على مدعيها، ولو سلمنا اعتبار الحدوث فأنما نسلمه بالنسبة إلى النسبة السلبية والإيجابية فمعنى لا يحمل انه يحدث في الماء عدم الحمل فبتحفظ على الحدوث المعتبر في الجملة الفعلية، ثم اورد عليه شيخنا الأكبر بعد تسليم دلالته وصحة سنده بمعارضته مع مفهوم (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء) فأنه ظاهر في ان المتمم بالملاقاة ينفعل فيعارض ما دل على ان البالغ كراً لا يتحمل نجاسة والنسبة عموم من وجه لافتراق الصحاح في القليل الملاقي الذي لا يبلغ كراً، والجزء عن الصحاح في البالغ كراً في حال الطهارة ويجتمعان في البالغ نجساً، ان قلت هذا في التيمم بالطاهر واما في التيمم بالنجس فلا معرض للجزء، قلت يعارضه في التيمم بالنجس ادلة نجاسة غسالة الحمام المقتصرة بالسيرة بين المسلمين على الاجتناب من المياه البالغة كراً برواية السكوني: (الماء يُطهِّر ولا يِطهَّر) وقوله سبحان الله كيف يطهر من غير ماء، وفيه ان معارضة الصحاح مع الجزء المزبور يوجب الرجوع إلى قاعدة الطهارة، فلو قيل المرجع استصحاب نجاسة المتمم بالفتح بضميمة الإجماع، قلنا ليس باولى من ان يكون المرجع استصحاب طهارة المتمم بالكسر، مع ان دلالة الصحاح على نجاسة الملاقي في مرتبة البلوغ لا ينافي رفع النجاسة عن الجميع متأخراً عنه كما هو مقتضى ما ذكره من قاعدة الترتيب بين الكرية ومسيها فالملاقي ينجس في مرتبة البلوغ وترتفع النجاسة عن الجميع في مرتبة المتأخرة واما جزء السكوني فمع ضعفه اجمال المراد اسقطه، مع احتمال ان يكون المراد ان الماء لا يطهر بغير الماء وقوله: سبحان الله كيف يطهّر من غير ماء لا محل له هنا إذ لا نقول ان المطر غير الماء بل مقدار منه فإذا بلغ المياه القليلة بالإجماع حداً لكثر يطهر الجميع فيكون كل بعض مطهراً لكل بعض فأنه معنى العصمة بالكثرة، فتلخص ان القول بطهارة المتمم بالطاهر لا يخلو عن وجه بل والمتمم بالنجس ان اجبر الجزء بعمل الحلي وغيره ممن لا يرى العمل بالخبر الواحد بل وينقل الحلي اجماع المخالف والمؤالف عليه لكن يوهن دعوى الإجماع ما نقله بعضهم من انه لم ينقله من الخاصة احد ولم يعمل به من العامة الا ابن حسن وحينئذ فالاحتياط في المتمم بالنجس بل مطلقاً مما لا ينبغي ان يترك.

 

 

فصل ماء المطر

ماء المطر الجاري من السماء بمقدار يصدق عليه المطر عرفاً من غير اعتبار الجريان على الارض للاطلاق وعدم الدليل على التقيد: وتقيده في بعض الاخبار بالجريان مشتبه المراد فلا يوجب التخصيص بازيد من المتيقن وهو الجريان من السماء على وجه يتحقق به عنوان المطرية عرفاً: فهو حال تقاطره من السماء يعني مادام متقاطراً كالجاري فلا يتنجس ما لم يتغير سواء جرى من الميزاب او على وجه الارض ام لابل وان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه عرفاً لما عرفت من الاطلاق وعدم التقيد والدليل على ذلك كله هو الاخبار والإجماعات المتضمنة عاصمية المطر النازل على الارض النجسة حين يكف من السطح او ينتزح من الأرض بل في بعضها التصريح بطهارة طين المطر الى ثلاثة أيام: المحمول على عدم العلم بنجاسته بعدها: واذا اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وان كان قليلا لما عرفت من عصمته وانه مادام الإتصال وعدم الانقطاع عما يتقاطر من السماء لا ينفعل، نعم اذا انقطع منه المطر تنجس ان كان قليلا، ومن جميع ما ذكرنا ظهر الوجه فيما اشتملت عليه:

المسألة الاولى: الثوب او الفراش النجس اذا تقاطر عليه المطر ونفذ قي جميعه طهر، ولا يحتاج الى العصر او التعدد واذا وصل الى بعضه دون بعض طهر ما وصل اليه هذا اذا لم يكن فيه عين النجاسة والا فلا يطهر الا اذا تقاطر عليه بعد زوال عينها، من انه لا يعتبر فيما يطهر بالمطر التعدد ولا العصر ولاشيء مما يعتبر في غيره لانه يطهر كل ما اصابه للمرسلة المعمول بها فهو اقوى في ذلك من الجاري اذ ربما نقول فيه بالمطر بل التعدد في الجملة ولا نقول شيء من ذلك في المطر فالثوب يطهر بمجرد اصابة المطر كله او بعضه وحتى اذا كان فيه عين النجاسة طهر من أجزائه كل ما اصابه سوى الموضع الذي فيه النجاسة فانه لا يطهر مادامت عليه فان ازيلت وأصابه المطر بعد الازالة طهر ويتفرع على ما ذكرناه ما في:

المسألة الثانية: الاناء المتروس بماء نجس ــ كالحب والشربة ونحوهما ـ اذا تقاطر عليه طهر ماؤه واناؤه بالمقدار الذي فيه ماء وكذا ظهره واطرافه ان وصل اليه المطر حال التقاطر، ولا يعتبر فيه الامتزاج، بل ولا وصوله الى تمام سطحه الظاهر، وان كان الاحوط ذلك، ايضاً من ان الماء الموجود في الاناء بل ونفس الاناء يطهر بمجرد اصابته بالماء ووقوعه فيه والموضع الخالي من الماء ايضا يطهر ان اصابه المطر فلا يعتبر في طهارة الموضع المشغول بالماء اصابة المطر له بل ولا في طهارة جميع الماء اصابة المطر بجميع سطحه الظاهر فضلا عن باطنه، ومنه يظهر انه لا يعتبر الامتزاج يعني امتزاج المطر ولو بضميمة ما امتزج معه في الباقي كل ذلك لاطلاق المرسلة (ما اصابه المطر فقد طهّر) ولكن للنفس في جملة مما ذكر شيء نعم لا اشكال في طهارة كل موضع من الاناء اصابه المطر يعني ظهره والموضع الخالي من الماء، واما الموضع المشغول بالماء فلا دليل على طهارته اذ لا يصدق عليه انه اصابه المطر ولا ينافي ذلك اعتصام ما فيه مادام يتقاطر عليه المطر اذ لا دليل على طهارة الاناء بمجرد وصوله بالمعتصم وان فرض انه قام عليه دليل فنستند طهارة نفس الاناء الى طهارة ما فيه لا الى ماء المطر وسيجيء الكلام إن شاء الله في مقام اعتبار التعدد وبالجملة لا كلام في ان الموضوع في المرسلة هو ( الموصول) القابل لان يكنى به عن كل بعض من ابعاض الشيء الواحد كما انه يكنى به عن كل شيء مما وقع عليه المطر فسطح الماء شيء والجزء الآخر الذي لم يقع عليه المطر شيء وكل منهما يصلح لان يكنى عنه بالموصول فطهارة احدهما لا تستلزم طهارة الآخر.

ودعوى انه يكنى به عن كل ما يعد عرفا امرا واحداً ممنوعة جداً والا لطهر الاناء بمجرد اصابة المطر ببعضه لانه شيء واحد وحينئذ فالقدر المعلوم طهارة خصوص ذلك الموضع فان امتزج مع غيره مادام معتصما ومتصلا بالمطر طهر غيره من الاجزاء المتساوية له والنازلة عنه والا فلا يطهر الا نفسه وينجس بمجرد انقطاع المطر، نعم لو امتزج مع سائر الأجزاء طهر الجميع للإجماع على اتحاد الحكم الماء لواحد الممتزج بعضه ببعض ومع ذلك فان قلنا بطهارة الأناء بمجرد وصول المعتصم به فهو والا فيبقى على نجاسته الا ان يعلم وصول المطر الممتزج بما في الأناء ولو باجزائه المختلفة معها اليه وحينئذ فالاحتياط باعتبار المزج لا يترك بل لو لم يعلم بوصول المطر باجزائه الى الأناء الاحتياط في الأناء ايضا لا يترك فينجس الماء بانقطاع المطر بالأناء الا ان يعالج في ماء المطر بوجه يحصل التعدد في الأناء او نقول بطهارته بمجرد الإتصال بالمعتصم.

واما ما اشتملت عليه:

المسألة الثالثة: الارض النجسة تطهَّر بوصول المطر اليها بشرط ان يكون من السماء، ولو باعانة الريح واما لو وصل اليها بعد الوقوع على محل آخر، كما اذا ترشح بعد الوقوع على مكان فوصل مكاناً آخر لا يطهر، نعم لو جرى على وجه الارض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه طهِّر، من طهارة الأرض النجسة بوصول المطر اليها ايضا من فروع ما مر في صدر المسألة بل عرفت التصريح بطهارة طين المطر في بعض الأخبار الى ثلاثة ايام، نعم يعتبر ان يكون ذلك بالتقاطر عليه من السماء ولو باعانة الريح لا يعتبر ذلك في الفرع السابق بل ليس ذلك شرطا غير تحقق عنوان اصابة المطر اذ بعد انفصال المطر من المكان الذي وقع فيه الى مكان اخر خرج عن كونه مطرا عرفاً وان كان من مائه الا اذا كان الوقوع متواتراً بنحو لا ينقطع إتصاله بما يجري من السماء اذا كان السقف رقيقاً فنزل المطر عليه ومنه الى الأرض متواتراً على نحو بعد المجموع متصلاً واحداً فيطهر ما ينزل عليه اذ تكون حينئذ كما اذا جرى المطر على وجه الأرض فوصل الى مكان مسقف بالجريان اليه فانه يطهر بذلك لا لصدق اصابة المطر بل لجريان الماء المعتصم فان اعتبرنا التعدد في التطهير بالمعتصم واعتبرناه هنا ايضا كما انه اذا اعتبرنا انفصال الغسالة اعتبرناه وذلك لأنه مالا يعتبر فيه شيء من ذلك هو التطهير بالمطر لا بكل ما اعتصم بالمطر وما نحن فيه من قبيل الثاني بل يمكن ان يدعى صدق المطر على النازل من السقف الرقيق المتواتر ولا يمكن صدقه في المقام ولعل اطلاق المتن ناظر الى ما يراه من عدم اعتبار شيء من التعدد واخراج الغسالة في التطهير بالمعتصم مطلقاً.

المسألة الرابعة:  الحوض النجس تحت السماء يطهّر بالمطر، وكذا اذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل وكذا لو اطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، وكذا اذا جرى من ميزاب فوقع فيه, الحوض النجس تحت السماء يطهر بوقوع المطر فيه ولو لم يصل الى جميع سطحه من دون اعتبار المزج بناء على ما في المتن كما مر في طهارة ما في الاناء لعدم الفرق بينهما وبناء على ما اعتبرنا من المزج نعتبره هنا ايضاً لعين ما ذكرناه في الأناء وكذا اذا كان الحوض تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها المطر على الحوض لصدق المطر على ما ينزل فلا ينجس ولازمه طهارة ما يتصل به فيطهر البقية مطلقاً او بعد المزج، وكذا لو اطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض لصدق المطر عليه ان لم يعد المتطاير بالريح منفصلا من النازل من السماء عرفاً، وكذا اذا جرى من ميزاب فوقع فيه بشرط إتصاله بالمطر فانه يطهر به الحوض وان لم يصدق به على النازل من الميزاب المطر لفرض اعتصامه بإتصاله بالمطر ووقوع المطر عليه.

المسألة الخامسة: إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهِّراً، بل وكذا اذا وقع على ورق الشجر ثم وقع على الأرض. نعم لو لاقى في الهواء شيئاً ــ كورق الشجر ونحوه ــ حال نزوله لا يضر، اذا لم يقع عليه ثم منه على الأرض، فمجرد المرور على الشيء لا يضر. اذا تقاطر من السقف لا يكون مطهراً لما عرفت من عدم صدق المطر عليه وعدم اعتصامه الا ان يكون على وجه التواتر والتظافر بحيث يعد متصلاً بالمطر بل عرفت انه قد يكون هو المطر نفسه عرفاً وكذا حال ما يقع على الشجر ثم على الأرض فانه بعد انقطاعه عن الورق يخرج عن صدق المطر عليه نعم حين وقوعه على الورق او ملاقاته لشيء في الهواء يكون مطراً فيطهر ما اصابه كما انه لا يضر بصدق المطر عليه مجرد مروره على شيء ما لم يستقر عليه بحيث ينقطع عن الماء النازل من السماء ومما مر من اعتصام المطر بل والمتصل به وانه لا ينفعل تعرف حال ما في:

المسألة السادسة: إذا تقاطر على عين النجس، فترشَّح منها على شيء آخر، لم ينجّس، إذا لم يكن معه عين النجاسة، ولم يكن متغيّراً. ومن هذا القبيل ايضا ما جعله سابع المسائل.

المسألة السابعة: من انه اذا كان السطح نجساً فوقع عليه المطر ونفذ فيه وتقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة وان كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها. لكن بشرط ان يكون ذلك حال تقاطره من السماء وأما اذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على عين النجس فيكون نجساً. وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح. يعتبر فيه امران:

احدهما: ان لا يمر بعد النزول على نجاسة او متنجس في جوف السطح حيث انه لا مانع من ان يتنجس به وذلك لانه حين وقوعه على السطح وان كان معتصماً لا ينجس لصدق المطر عليه لكن بعد نزوله في جوفه يخرج من كونه مطراً بل يكون من قبيل المطر الواقع على محل ثم منه الى محل آخر حيث مر انه يخرج عن العاصمية.

نعم لو كان كثيراً بحيث يعد متصلاً بالمطر عرفاً كان كالماء المطر الجاري من الميزاب من حيث العصمة وعدم الانفعال بالملاقاة.

ثانيهما: ان يكون ذلك يعني مروره بالنجاسة ووقوعه على السطح حال تقاطره من السماء والا تنجس بالملاقاة وكذا الحال فيما ينزل من الميزاب مع إتصاله بالسطح النجس او النجاسة الموجودة فيه فانه وان كان ذلك في حال التقاطر كان طاهراً لكونه معتصماً بإتصاله بالمطر والا كان نجساً وما ذكر في:

المسألة الثامنة: اذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهراً اذا كان التقاطر حال نزوله من السماء، سواء كان السطح ايضاً نجساً ام طاهراً، هو عين ما مر في سابقة من ان وقوع المطر على النجس الموجود في السطح النازل منه لا ينجس وان كان نزوله في حال تقاطره من السماء وكذا ما تعرض له في:

المسألة التاسعة: من ان التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه اذا وصل الى اعماقه حتى صار طيناً، فان قوله ما اصابه المطر فقد طهر يشمله بعمومه بل والمورد مورد للنص الخاص وكذا ما ذكره في:

المسألة العاشرة: الحصير النجس يطهر بالمطر، وكذا الفراش المفروش على الأرض، واذا كانت الأرض التي تحتها أيضا نجسة تطهر اذا وصل اليها. نعم اذا كان الحصير منفصلا عن الأرض يشكل طهارتها بنزول المطر عليه اذا تقاطر منه عليها نظير ما مر من الإشكال فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الأرض، وغالب هذه الفروض قد مر التعرض لها في المتن وليس مدركها سوى عصمة المطر وعدم تنجسه بالنجاسة وانه اذا اصاب المتنجس طهره خصوصاً ما ذكره في:

المسألة الحادية عشر: الاناء النجس يطهَّر اذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم اذا كان نجساً بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير لكن بعده اذا نزل عليه يطهر من غير حاجة الى التعدد، للأصل واطلاق الصحيحة الحاكمة به وهي مقيدة لمرسلة المطر الدالة على عدم الحاجة الى شيء آخر وعن نهاية الأحكام والمختلف سقوط التعفير وفي طهارة شيخنا بعد نقله ما أحسن لها التمسك باطلاق المرسلة، قلت النسبة بين المرسلة والصحيحة الدالة على التعفير هو العموم من وجه ومع التساقط فالمرجع الأصل فلا حسن في التمسك بما هو مبتلى بالمعارض إلاَّ ان يمنع من اطلاق الصحيحة للمطر بل والكثير لظهور الصحيحة في الغسل بالماء القليل وفي كتاب الطهارة ايضاً وما ابعد ما بينه وبين القول بعدم سقوط التعدد كما من المعتبر وهو احوط.

 

 

ماء الحمام

ماء الحمام: الموجودة في حياضه الصغار بمنزله الجاري عاصم لا ينفعل بالملاقاة بشرط إتصاله بالخزانة اذا كان ما في الخزانة وحده او مع ما في الحياض بقدر الكر من غير فرق بين تساوي سطحها مع الخزانة او عدمه.

وتوضيح هذه المسألة يقتضي التعرض لحكم هذا الماء أولاً بمقتضى القاعدة الأولية مع قطع النظر عن الأخبار الخاصة ثم التعرض للمستفاد منها.

فنقول مسألة اعتصام ماء الحمام يعني ما في حياضه الصغار بما في الخزانة مطلقة أو اذا كان ما في الخزانة كراً مبني على اعتبار تساوي السطوح في الكر فمن يعتبره مطلقاً لا يراه عاصماً مطلقاً ومن يعتبر في اعتصام السافل بالعالي كريه العالي: عليه ان يعتبر الكريه في الخزانة ومن لا يعتبر تساوي السطوح حينئذ بل يرى تقوي كل من السافل والعالي بالآخر لا يعتبر الكريه الا في المجموع وعلى كل حال بمقتضى القاعدة اذا لم يكن حتى بانضمام ما في الحياض لما في الخزانة كراً ينفعل السافل ولو بملاقاة العالي، نعم لا ينفعل العالي بملاقاة السافل لعلوه وجريانه هذا مع اختلاف سطح ما في الحياض مع ما في الخزانة واما مع تساوي سطحيهما فلا اشكال في اعتصام وانه في حكم الكر وسيجيء الكلام في اعتبار التساوي وعدمه عند تعرض المصنف له واما بمقتضى القاعدة الثانوية.

( يكن الحمام غير معلوم المراد منه ان لا نعلم كيفية الحمامات في ذلك الوقت اعني وقت ورود الاخبار ) المستفاد من اخباره فقد يدِّعى انصرافها ولو يحكم لغلبة الى ما كانت المادة كراً وقد يمنع من ذلك ولكن يدَّعى ان الغالب بلوغ المجموع كراً وقد لا يُعتنى بهذه الغلبة ولكن يدَّعى معارضتها مع ادلة انفعال القليل فيقال ان مقتضى اطلاقها وان كان عصمته حتى اذا لم يكن كراً ولو بالانضمام الا انها معارضة مع ادلة انفعال القليل فيتعارضان في القليل الحمام فيرجع الى الانفعال بملاحظة ما مر من ان الظاهر من الأدلة احتياج العصمة الى سبب وجودي والأصل عدمه ولكنّا لما نفهم من ادلة الحمام ان له خصوصية ولا ترى لتساوي السطوح في غير الحمام اعتبار فلا يمكن ان يكون خصوصية الحمام الغاء اعتبار تساوي السطوح فيه، تعيَّن عندنا ان يكون الخصوصية الغاء اعتبار كريه.

 ودعوى انه لا يستفاد منها اعتبار خصوصية بل لعلها تشير جميعاً الى عدم اعتبار تساوي السطح وانه يعتصم السافل بالعالي مطلقاً او اذا كان كراً وكثرت التعرض له من جرمه كثرت الابتلاء به وكونه في معرض الأستنذار بل توهم التعدد بحيث يرى الصرف ببعض الملاحظات الموجود في الحياض مع الموجود في الخزانة متعدداً وان كان ذلك توهماً باطلاً، خلاف خبر دعوى الظاهر من النصوص بل الفتاوي.

ودعوى كونه الغالب كريه ما في المادة وان كانت مسلمة في الحمامات المعدة للعامة الا انها ممنوعة غاية المنع في الحمامات الشخصية.

ودعوى اختصاصها بخصوص الحمامات العامة هو مورد السؤال في بعضها مجازفة بينَّة ومنه ظهر ان دعوى غلبه الكرية في المجموع ايضاً ممنوعة مع انها غلبة وجود لا تمنع عن الأطلاق والتعارض بينها وبين أدلة القليل وان كان مسلماً الا ان كونه النسبة عموما من وجه ممنوعة لما مر في بعض مسائل الجاري من ان لحاض النسبة انما هو بين موضوعي الدليلين وموضوع دليل ادلة انفعال قليل وهي الصحاح المقسمة للماء الراكد والقليل أعم من موضوع ماء الحمام وما كان موضوعه ماء القليل في الطريق لم يبلغ ظهوره بمرتبة يعارض دليل الحمام مع انها معارضة بمثلها في موردها فالعمدة الصحاح المشتملة على العموم مع انه بعد التعارض والتساقط كون تقتضي القاعدة الانفعال، ممنوع لما مر الكلام فيه مفصلاً في اوائل المياه ويأتي عند الابتلاء فظهر انما ذكره من كونه ماء الحمام بالشروط المزبورة بمنزلة الجاري والكر لا ينفعل بالملاقاة على طبق القاعدة وعليه فلم تثبت لماء الحمام خصوصية، وان مقتضى ما ذكرنا عدم اعتبار كريه في المجموع فضلاً عن خصوص المادة، وعلى اي حال فاذا تنجس ما فيها يطهر بالإتصال بالخزانة بشرط كونها كراً حتى بناءاً على اعتبار الكريه في المجموع لأن مع تنجس ما في الحياض لا يعتصم به الموجود في الخزانة الوارد عليه فيعتبر كونه ما فيها كراً حتى لا ينفصل الوارد منه بما في الحياض واختلاف السطح بالنزول الى الحياض غير مضر بوحدته عرفاً مضافاً الى اطلاق الأخبار التي يكون اختلاف السطح من المتيقن منها لندرة تساوي سطح ماء الحمام مضافاً الى ما عرفت من تقوي السافل بالعالي سيما مع كون العالي كراً وان كان الإتصال بمثل المزملة وهل يعتبر مزج ما ينزل الى الحياض مع ما فيها في التطهير او يكفي مجرد الإتصال وجهان من استصحاب النجاسة وعدم الإجماع على اتحاد حكم اجزاء ماء الواحد ما لم يمتزج بعضه ببعض، ومن الأطلاقات في خصوص الحمام الغير متعرضة للمزج من ان الغالب انفعال ما في الحياض حينما يراد اجراء الماء من المادة فيها مضافاً الى ما مرَّ من المصنف من كفاية مجرد الإتصال وعلى ما ذكره المصنف من اعتبار الكرية في المادة او في المجموع وعدم اعتبار اتحاد السطح في عصمة الكريه لا فرق بين الحمام او غيره فيجري هذا الحكم دافعا ورفعاً في غير الحمام ايضاً فاذا كان في المنبع الأعلى مقدار الكر او ازيد وكان تحته حوض صغير نجس واتصل بالمنبع بمثل المزملة يطهر وكذا لو غسل فيه شيء نجس يطهر مع الإتصال المزبور تعني إتصاله بما في المادة ولو بمثل المزملة ونحوها واما بناءاً على ما ذكرنا من عدم اعتبار الكرية في المجموع فضلاً عن خصوص ما في المادة فلا يجري الحكم في غير الحمام لكون الحكم على خلاف القواعد فيقتصر على خصوص مورد الدليل الذي يمكن بناء الحكم فيه على عموم الابتلاء الذي يناسبه التخفيف والتسهيل.

 

 

فصل ماء البئر

دون العاري عن النبع المجتمع فيه المياه من المطر وغيره وإن سمي بئراً بمنزلة الجاري عاصم معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة الا بالتغيّر سواءاً كان بقدر الكر او اقل لصحيحة ابن بزيع المعلل فيها بان له مادة حيث لامحل لهذا التعليل مع اشتراط الكرية اذ يكون الأعتصام حينئذ فيه بالكثرة دون المادة فيقدم الصحيحة على عموم ما دل على انفعال القليل بئراً كان او غيره لبعد التخصيص في الصحيحة لما عرفت من استلزامه لغوية التعليل فيها مع ما مر مرراً من احتمال كون دليل البئر اخص من الصحاح المفصلة بين الكر وغيره، واما ما ورد في خصوص البئر مما ظاهره الانفعال مطلقاً كقوله والذي يطهره واشباهه فيرجح عليها الصحيحة لقوة دلالتها وحجتها بعمل المشهور عليها ودعوى ان الأخبار المفصلة بين الكر وغيره يمكن ان تكون جامعة بين الفريقين مدفوعة بما عرفت من عدم امكان تخصيص صحيحة ابن بزيع بالكر واذا تغير ثم زال تغيره من قبل نفسه طهّر لأن له مادة وفي اعتبار المزج بما يخرج من المادة او كفاية مجرد الاتصال ما مر في النابع والحمام والجاري والمطر ونزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب وفي اختلاف اخبارها وعدم التحديد فيما ينزح منها غالباً بل الأكتفاء بأن ينزح منها دلاءاً اشارة الى الأستحباب مضافاً الى ما عرفت من قوة صحيحة ابن بزيع الناصة بطهارتها في غير مورد التغير ومما ذكرنا من كون المستند في الطهارة خصوص الصحيحة تعرف انه اذا لم يكن له مادة نابعة لا يلحقه الحكم بل يعتبر في عدم تنجسه الكرية وان سمي بئراً كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر.

المسألة الأولى: ماء البئر المتصل بالمادة اذا تنجس بالتغير فطهره بزواله ولو من قبل نفسه، فضلاً عن نزول المطر عليه أو نزحه حتى يزول. ولا يعتبر خروج ماء من المادة في ذلك. ماء البئر المتصل بالمادة ولو بجريانه عنها كما في آبار القنوات التي لا تشتمل على النبع الا انها تجرى اليها من النبع طاهر معتصم ايضاً لجريانها واتصالها بالمادة فاذا تنجس بالتغير يكون طهره بزواله ولو من قبل نفسه على اشكال مرت اليه الاشارة بل عرفت انه يعتبر مزجه بما يجري اليه من المادة وكذا يعتبر فيه ذلك اذا اريد تطهيره بنزول المطر، واما اذا اريد تطهيره بالنزح حتى يزول التغير فهو لا ينفك عن المزج وخروج الماء من المادة او جريانها منها اليه.

المسألة الثانية: الماء الراكد النجس كراً كان او قليلاً يطهر بالاتصال بكر طاهر، او بالجاري، او النابع الغير الجاري، وان لم يحصل الامتزاج على الاقوى. وكذا بنزول المطر. لقوله مشيراً الى غدير فيه الماء لا يصيب هذا شيئاً الا وقد طهّر والرواية وان لم تكن مختصة بالكر بل ليس فيه الا انه كان في طريق الرجل الأمام الباقر عليه السلام ماء فيه العذرة وكان يغسل رجله اذا عبره، فرآه الباقر عليه السلام يوماً فقال: (لا يجب غسل رجليك من هذا لا يصيب شيئاً الا وقد طهَّره) وقد الرواية بالمضمون اذ لم يحضرنا المنتهى المرسل عن ابن ابي عقيل وكيف كان فهو مقيَّد بالكر للأخبار الناطقة بانفعال القليل وهذا المرسل بملاحظة كون المرسل ابن ابي عقيل ناقلاً عن بعض اصحاب الباقر عليه السلام انه كان يزوره وفي طريقه ماء لا يقصر عن المسند والناقل عن ابن ابي عقيل العلامة هذا ولكن مع ذلك للنفس في الاعتماد عليه وسوسه بل لعل نقل ابن ابي عقيل ذلك ناظر الى عدم انفعال الماء القليل فكأنه فهم منه ذلك، ويؤيده ان ظاهر النقل ان الماء كان في الطريق مجتمعا من المطر وكان ذلك من الرجل الذي كان مروره امر استمراري ويبعد بقاء ماء المطر في طريق مدينة مدة كم يوم بقدر الكر لا اقل من اجماله وليس ذلك من قبيل اللاطلاق حتى يدعى تقيده بادلة انفعال القليل بل هو من قبيل المجمل ومعه لا يمكن دعوى انجباره بعمل المشهور اذ لم يعلم منهم رفع اجماله حتى يقارن بالعمل او يجبر به وبعبارة اخرى الجمع بينه وبين ادلة انفعال القليل برفع اجماله ببيانها موقوف على جبره وجبره موقوف على رفع اجماله فالأولى الاستناد في المسألة الى الاجماع على اتحاد اجزاء الماء الواحد في الطهارة والنجاسة فيعتبر في الحكم به المزج بينهما واما الاجماع على طهارة الماء النجس بالقاء الكر عليه يستلزم الامتزاج ايضاً لأن الظاهر من الألقاء ما يلازم المزج وكيف كان فالحكم بالطهارة مع عدم المزج خلاف الأحتياط ومثله الكلام في تطهيره بالجاري او النابع او نزول المطر فان الحكم بالطهارة في الجميع قبل حصول الامتزاج لا يخلو عن اشكال وان منع في المتن عن اعتباره في شيء منها.

المسألة الثالثة: لا فرق بين انحاء الاتصال في حصول التطهير فيطهر بمجرده وان كان الكر المطهر ــ مثلاً ــ اعلى والنجس اسفل وعلى هذا فاذا القي الكر لا يلزم نزول جميعه، فلو اتصل ثم انقطع كفى. نعم اذا كان الكر الطاهر اسفل والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني بهذا الاتصال، بل المسألة مبتنية على ما اشرنا اليه انفاً من اشتراط تساوي السطوح في اعتصام الكر وليعلم انها وان وقعت محلاً للخلاف بين اساطين الفقهاء فبين من لم يعتبره مطلقاً ومن فصل فقال بأن السافل يتقوى بالعالي دون العكس ومنهم من خصص ذلك بما اذا كان العالي كرا الا ان مدرك المسألة منحصر بحسب القواعد فيما يتحفظ به وحدة الماء اذ لا يستفاد من ادلة الاعتصام الكر سواها فاذا كان ماء واحد عرفي بالغ كراُ فهو معتصم اجتمعت اجزاؤه او تفرقت مع الاتصال بالسواقي اختلفت السطوح او تساوت والا ظهر بقاء الوحدة العرفية وصدقها مع اختلاف السطوح سائلا كان الماء او ساكنا احد الطرفين بالغاً حد الكر او لم يكن الا بضميمة الآخر فالماء مع اتصال بعضه ببعض واحد ولذا لم يعارض احد في وحدته عند سكونه وعدم جريانه وحينئذ فان لم يعتبر الامتزاج ان اريق من الكر في حوض نجس طهر الحوض وان اعتبرنا الامتزاج توقف على حصول امتزاج مقدار كر من المتنجس وعلى أي حال فلا يجب اراقة جميع الماء في الحوض للتطهير فضلاً عن ان يكون بالالقاء او دفعه ويتوجه على من قال بالامتزاج بالماء المتنجس الكثير جداً اذا مزج بالكر الطاهر فانه يطهر مع انه لا يعقل حصول المزج منه لان الاقل لا يمتزج بجميع اجزاء الاكثر. على المصنف ومن يحذو حذوه ممن لا يعتبر الامتزاج ولا تساوي السطح في العصمة وصدق الوحدة ان لازمهم طهارة الماء المتنجس اذا جرى من العلو الى الحوض الطاهر لحصول الاتصال بالطاهر وعدم اعتبار الامتزاج وعدم اخلال اختلاف السطح في وحدة الماء المتنجس اللهم الا ان يتمسكوا لخروجه بالاجماع وانى لهم بذلك واما نحن فلما نعتبر الامتزاج في التطهر لا يتوجب علينا شيء لان المتنجس ما لم يمتزج بالمعتصم لا يطهر وجزء العالي منه مادام عالياً غير ممتزج فهو باقي على نجاسته، وبالجملة بناءاً على ما يظهر من المصنف من تسليم الامرين المشار لهما من عدم اعتبار تساوي السطوح في صدق الوحدة وعدم اعتبار الامتزاج يجب اقامة الدليل على عدم طهارة المتنجس اذا جرى من فوق على كرٍ طاهر وابداء الفارق بينه وبين ما ذكره.

المسألة الرابعة: الكوز المملوء من الماء النجس اذا غمس في الحوض يطهَّر، ولا يلزم صب ماءه وغسله.

المسألة الخامسة: الماء المتغير اذا القي عليه الكر فزال تغيره به يطهر ولا حاجة الى القاء كر آخر بعد زواله، لكن بشرط ان يبقى الكر الملقى على حاله من اتصال اجزائه، وعدم تغيره، فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس، او تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلاً باقياً على حاله، تنجس ولم يكف في التطهير، والاولى ازالة التغير اولاً ثم القاء الكر او وصله به. واما مع زواله من قبل نفسه فقد مر انه لا يطهر بل لو تغير من الكر الملقى شيء بحيث اوجب نقصه عن الكر نجس الجميع لانه ماء قليل لاقى نجساً كما انه اذا انقطع اجزاء الكر بالمتغير نجس ايضاً لان كل واحد من المتقاطعين اقل من كر فيعتبر بقاء الكر على وحدته واتصاله الى ان يزول تغير المتغير وحينئذ فلا يعتبر بعد ذلك القاء كر آخر بعد زوال التغير لان المفروض ان الكر لم يخرج عما يعتبر في عصمته وانه زال التغير عن المتنجس وصار الجميع متصلاً واحداً فيطهر الجميع، نعم يعتبر على ما مر منا مراراً حصول امتزاج مقدار في الكر فيه بعد زوال تغيره.

المسألة السادسة: تثبت نجاسة الماء ــ كغيره ــ بالعلم، وبالبينة، وبالعدل الواحد على إشكال(1) لا يترك فيه الاحتياط، وبقول ذي اليد وان لم يكن عادلاً، ولا تثبت بالظن المطلق على الاقوى، ناشئ من قوله والاشياء على هذا حتى تستبين لك غيره او تقوم به البينة واصالة حرمة العمل بالظن يعني اصالة عدم الحجية ومن اطلاق دليل حجية خبر الواحد ولم يقم دليل على اعتبار التعدد في موارد الحقوق اقواها الأول لظهور ادلة الشهادة في اعتبار التعدد في كل مورد عدت شهادة عرفاً وما نحن منها.

واما حجية قول ذي اليد فيما نحن فيه وان كان فاسقاً فعليه المنتهى والقواعد والموجز وكشف الالتباس على ما حكى كما ان المحكي عن الذخيرة انه المشهور وعن الحقائق انه ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه وعن الاستاذ انه لا ينبغي الشك فيه، لاصالة صدق المسلم خصوصاً فيما في يده وفيما لا يعلم الا من قبله وفيما لا معارض له والسيرة القطعية والاستقراء وفحوى قبول قوله في التطهير بل والتنجيس بالنسبة الى بدنه كما لعله من المسلمات عندهم لا انه من افراد محل النزاع وما ورد من جواب السؤال عن ذكاة الجلد المشترى اذا كان البائع غير عارف (عليكم ان تسألوا عنه اذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك واذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه) ظاهرة قبول قوله وان كان مشركاً، وفي دلالة جل ما ذكر لولا الكل نظر وتأمل ولذا حكي عن الذخيرة وشرح الدروس اني لم اقف له على دليل وعن نهاية الاحكام الاشكال فيه بل زبما يشير الى عدم حجية صحيحة العصر عن رجل صلى في ثوب رجل اما ما لم ان صاحب الثوب اخبره انه لا يصلى فيه فقال لا يعيد شيئاً من صلاته وان كان في ذلك ايضاً اشكال من جهات فالاولى الاستدلال لاصل المسألة بما ورد في بيع الدهن المتنجس انه يعلمه حتى يستصبح به بل وبقاعدة من ملك شيئاً ملك الاقرار به مع ان في دلالتهما نظر لاحتمال استناد القبول في الاول الى قاعدة الاضرار او خصوص كون المخبر بائعاً ولذا يقبل اخباره في وزن المبيع وكيله والثاني فهو اخص من المدعى ولا يثبت بالظن المطلق على الاقوى لمفهوم ما دل على اعتبار العلم في قطع الطهارة بعد ثبوتها بل لمجرد الاستصحاب وعدم دليل على حجية الظن بل والدليل على عدمه في صحيحة زراه الطويل بعد سؤاله فان ظننت ان قد اصابه ولم اتيقن ذلك وهل يستحب الاحتياط الاقوى، نعم ان لم يكن معرضاً للوسوسة لقوله وان يغسل احب الي ولما ورد في الاجتباب عن سؤر الحايض المتهمة بل كل متهم.

المسألة السابعة: اذا اخبر ذو اليد بنجاسته وقامة البينة على الطهارة قدمت البينة وإذا تعارض البينتان تساقطتا اذا كانت البينة على الطهارة مستندة الى العلم، وإن كانت مستندة الى الأصل تقدّم بينة النجاسة، لاقوائية دليلها على دليله بل لعدم اطلاق في دليل الاول بل ولو تعارضا كان المرجع قاعدة الطهارة او استصحابها ومنه ظهر الحكم فيما لو تعارضت البينتان فانه بعد تساقطهما يرجع الى قاعدة الطهارة، نعم ان كانت بينة الطهارة مستندة الى اصل لا تعارض بينة النجاسة كما انه لو كانت بينة النجاسة مستندة الى استصحابها وكانت بينة الطهارة مستندة الى العلم لا تعارضها بل ليس لمدعى النجاسة بالاصل ان يشهد بها اذا شهدت البينة على طهارتها بالعلم بل وكذا الكلام بالنسبة الى اخبار ذي اليد والبينة وان المقدم منهما ما لو استند الى العلم في قبال المستند الى الاصل فالتعارض بين الامارتين منحصر في ما لم يعلم مستند شيء منهما او كانتا مستندتين الى العلم والا فتقدم المستندة الى العلم على المستندة الى الوصل ومع استناد كل منهما الى الاصل ينوط التقدم والتأخر بتقديم منشأ شهادتهما.

المسألة الثامنة: اذا شهد اثنان بأحد الأمرين وشهد اربعة بالآخر يمكن ــ بل لا يبعد ــ تساقط الأثنين بالأثنين، ويبقى الآخرين. او يعد الأربعة بينة واحدة فتتساقطا او يرجح الأربعة بالأكثرية والأقوائية وجوه لا مجال للأول مع تساوي نسبة دليل حجية البينة للجميع فلا وجه لجعل المعارضة بين اثنين وجعل الآخر مرجعاً لأن التعدد المعتبر في البينة على سبيل الاَّ بشرط يعني يعتبر فيها ان لا يكون اقل من اثنين، سلمنا تعدد البينة لكن المتعدد منها يعارض الواحد فتتساقط كما ان الأكثرية لا توجب الترجيح في ادلة الأحكام التي هي مورد اخبار التراجيح فكيف بما نحن فيه الذي لا نتعدى اليه، والحاصل ان الترجيح بشيء كالاستدلال به محتاج الى دليل فكل ما ثبت مرجحيته نأخذ به والا فلا.

وبعبارة اخرى الترجيح مطلقاً على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على مقدار دلالة الدليل، ولا ينافي ما ذكرناه في محله من ان الأقوى التعدي الى المرجحات الغير منصوتة لأن ذلك ايضاً من جهة ما استفدناه من ادلة التراجيح ولم نستفد التعدي من ادلة الأحكام الى غيرها.

المسألة التاسعة: الكرية تثبت بالعلم، وبالبينة. وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه وان كان لا يخلو عن اشكال، كما ان في اخبار العدل الواحد ايضاً اشكالاً. لما عرفت من قصور دليله لعدم عموم فيه، الا ان يجعل الدليل فيه ما ذكرنا من قاعدة من ملك شيئاً ملك الاقرار به، وفيه ايضاً اشكال او يستفاد من حجية اخبار البائع بمقدار المبيع او يدعى الاستقرار فيه ايضاً وللأشكال يتأثر في اخبار العدل الواحد ايضاً نظراً الى ما عرفت من اطلاق دليل حجيته خبر الواحد وظهور دليل الشهادة في التعدد.

المسألة العاشرة: يحرم شرب الماء النجس الا في الضرورة ويجوز سقيه للحيوانات، بل وللأطفال ايضاً ويجوز بيعه مع الإعلام، للاجماع وتظافر الأخبار بل ودلالة، ويجوز سقيه للحيوانات للأصل واستمرار سيرة المسلمين وكذا يجوز سقيه للأطفال الغير المميزة والمميزة لما مرَّ من الأصل وعدم القاطع لعدم كونه من الإعانة على الاثم اذ لا نهي بالنسبة اليه ولم يثبت بالنسبة الى غير المكلفين فيه مفسدة حتى يقال انه من الايقاع في المفسدة وهو قبيح مضافاً الى المانع من اصل القضية الا في الجملة، ويجوز بيعه لجواز الانتفاع به فهو مال مباح ولم يعلم كونه مصداقاً للوجوه النجس في رواية تحف العقول مضافاً الى عدم ثبوت المنع فيها ايضاً الا من جهة عدم المنفعة المحللة، نعم يعتبر الأعلام للمشتري كما ورد في بيع الدهن المتنجس بناء على عدم اختصاص وجوب الأعلام بالدهن ولو بملاحظة تعليله بقوله حتى يستصبح فالحكم وان كان تعبدياً محضاً لكنه لعموم علته يتعدى الى منع كل نجس الى ان يقال ان ذلك في البيع من جهة عدم المنفعة المحللة له سوى الأستصباح فوجب الأعلام لئلا ينتفع المشتري به المنافع المحرمة فلا يقاس به الماء الذي له منافع محللة لكنه مدفوع بان مورد المنافع المحللة في الماء يوجب كون غاية الأعلام فيه اعم لا جواز ترك الأعلام، هذا مضافاً الى احتمال كون وجوب الأعلام احترازاً من وقوع المشتري في الحرام الواقعي المشتمل على المفسدة الملزمة فان حرام عقلاً وان كان فيه تأمل، او من جهة قلة منفعة المبيع الموجبة لقلة ماليته فعدم الأعلام غش من البائع وفيه ايضاً نظر ظاهر اذ ليس ذلك من الغش المحرم للبيع وسيجيء الكلام انشاء الله.

 

 

 

فصل الماء المستعمل للوضوء

قوله طاهر مطهر من الحدث والخبث بلا اشكال عندنا للأصل استصحاباً واطلاقاً وقاعدة في الجملة، واما المستعمل في الحدث الأكبر فمع طهارة البدن لا اشكال في طهارته للأصل قاعدة وعموماً أو استصحاباً ورفعه للخبث للاطلاق والاستصحاب وعدم المخصص في شيء والأقوى جواز استعماله في رفع الحدث ايضاً لعدم ثبوت ما يقيد الاطلاقات او تخصيص العمومات او يخرج عن الأصل سوى المنقول عن ابن سنان من قوله: (لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل فيه الثوب ويغتسل الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ منه واشباهه واما الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شيء نظيف فلا بأس ان يأخذه غيره ويتوضأ به)، ولا دلالة فيه على المنع لاحتمال كون المنع من جهة وجود النجاسة على بدن الجنب كما كان متعارفاً سابقاً حيث كان بناؤهم على ازالة النجاسة عن ابدانهم حين الاغتسال كما يشهد به الأخبار فلا اطلاق يقطع به الأصول والعمومات مضافاً الى قوله ( لا يتوضأ منه واشباهه) من جهة ارجاع الضمير المجرور الى الماء يشعر بحمل الماء المزبور بكلا قسميه قسماً واحداً ولا يكون ذلك الا بان يكون المانع مانعاً واحداً، مع ان قوله واشباهه يرشد الى ظهور المانع عند المخاطب متى جعل الأمام غيره مما كان مثله متحداً معه في الحكم ولا يمكن ذلك الا ان يكون المانع النجاسة اذ هو الذي كان معروفاً عند الراوي وكان يمكن الحكم عليه بالحاق ما يشهد به مضافاً الى جملة من الأخبار التي يظهر منها كراهة الاغتسال بماء اغتسل فيه الجنب.

نعم الأحوط مع وجود غيره التجنب عنه لما مر من رواية عبد الله بن سنان والفتوى به من بعض الأساطين وتأيده بما دل من المنع من الاغتسال بغسالة الحمام معللاً بأنه يسيل اليه ما اغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب.

واما المستعمل في الاستنجاء ولو من البول كما هو المصرح به في كلام جمع بل في طهارة شيخنا الأكبر انه ظاهر كل من اطلق الاستنجاء بناء على شمول اطلاقه لمخرج البول بشهادة جماعة، وعليه يمكن الاستدلال باطلاقات الاستنجاء وان كان الانصاف ان استحمال الاستنجاء في غسل مخرج الغائط في مقابل مخرج البول في الكثرة بحيث يمنع عن الاستدلال باطلاقات.

نعم يمكن التمسك بترك الأستفصال في رواية محمد بن نعمان (استنجي ثم يقع ثوبي فيه، قال: لا بأس) ورواية الأصول (اخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في الماء الذي استنجيت به، قال: لا بأس) فأن غلبة غسل المخرجين في محل واحد بضميمة ترك استفصال الأمام عليه السلام ربما يفيد الوثوق بالعموم فهو باطلاقه مع الشروط الآتية طاهر لما عرفت من الروايتين المعتضدتين بدعوى بعضهم الاجماع عليه تارة وعدم الخلاف أخرى. وعن بعضهم انه معفواً عنه ومنشأ الخلاف اختلاف الأستفادة من الأخبار فبين من يدعى انه ليس فيها الا نفي البأس وهو لا ينافي النجاسة فيجمع بينها وبين ما دل على انفعال القليل بالنجاسة بالإلتزام مع كونها معفواً عنها فلا ينجس ملاقيه وبين قائل بأن المستفاد عرفاً من نفي البأس خصوصاً مع ان الغالب في الأخبار بيان النجاسة والطهارة بالأمر بالغسل او بغسل الثوب فيخصص بها قاعدة انفعال القليل وربما يدفع ذلك بان استظهار الطهارة من نفي البأس ليس الا من اجل ارتكاز سراية النجاسة من النجس والمتنجس الى ملاقيها فاذا حكم الأمام بعدم البأس استظهرنا منه الطهارة والمفروض من سقوط هذه القاعدة في المقام للعلم بعدم سراية النجاسة الى الملاقي هذا وان تردد الأمر بين عدم سرايتها من المحل الى الماء او من الماء الى ملاقيه فيبقى دليل الانفعال ونفي البأس بحالهما من عدم الدلالة على الطهارة.

قلت سلمنا دوران الأمر بين رفع اليد عموم قاعدة انفعال ماء القليل وقاعدة سراية النجاسة من المتنجس وان مع الدوران يتعين رفع اليد عن الثاني لعدم عموم لفظي فيه حتى يلزم خروج فرد منه تخصيصاُ فيه الا ان المتعين في المقام الأول يعني رفع اليد عن عموم انفعال الماء القليل لخروج القليل الوارد المؤثر في الطهارة عن هذا العموم عرفاً بمعنى ان العرف اذا سمع ان الماء الفلاني يطهر المحل لا يفهم تنجسه به كما سيأتي في توضيحه انشاء الله في الغسالة وحينئذ اذا دار الأمر بين تخصيص دليل الانفعال بهذا الفرد الذي لا يفهم العرف شموله له وبين رفع اليد عن قاعدة سراية النجاسة من المتنجس التي هي امر ارتكازي عندهم كان المتعين الأول، مضافاً الى ما عرفت من دعوى الاجماع تارة وعدم الخلاف اخرى، وعلى كل حال فالأمر عندنا سهل بعد بنائنا على طهارة مطلق الغسالة المطهرة للمحل المفروض ان الغسلة الواحدة المنقية للمحل في المقام مطهرة له فيكون طاهراً بل سيجيء انشاء الله، ان المؤثرة في تطهر المحل يمكن القول بطهارتها ولو لم يعقل طهارته وعلى الطهارة دون العفو يرفع الخبث ايضاً ولكن لا يجوز استعماله في رفع الحدث ولا في الوضوء والغسل نصاً وفتوى ففي رواية ابن سنان السابقة الماء الذي يغسل به الثوب او يغسل به من الجنابة لا يتوضأ منه واشباهه، وهل يختص ذلك بالوضوء والغسل الرافعين او الواجبين او يعمهما، والمندوبين الاظهر الثاني لظهور اشتراك مندوب كل عبادة مع واجبها في الشرائط والأجزاء عرفاً حيث انه اذا امر المولى بفعل وبين له شرائط وأجزاء وكيفيات ثم ندب وسكت عن الشرائط والأجزاء يفهم العرف اذ المأمورية بالأمر الندبي متحد مع الوجوبي في كل ما له شرط وجزء وكيفية الا ان يصرح بالخلاف، واما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل، وفي طهارته ونجاسته خلاف والأقوى ان ماء الغسلة الغير المزيلة الأحوط الأجتناب.

اما الغسلة المزيلة للعين الغير المؤثرة في طهارة المحل فلا اشكال في نجاسته بل لعله خارج عن محل النزاع في نجاسة الغسالة وطهارتها، نعم المتيقن من ذلك خصوص المنفصل قبل زوال العين واما المنفصل معه ولو كان ملاقياً للعين فلا وجه لخروجه من محل النزاع كيف وهو عند جمع من المؤثر في التطهير ولذا يجعلونها من الغسالات، وكيف كان فمراده من الغسلة المزيلة للعين ليس المنفصل عنه قبل زواله بل معه والذي هو خارج عن محل الكلام هو المنفصل قبله ويدل على نجاسته مضافاً الى الاجماع المنقول عن التحرير والمنتهى على نجاسة ماء الغسل اذا كان على بدن المغتسل نجاسة اطلاق الصحاح فانها تدل على نجاسة القليل مطلقاً ورد على النجاسة او وردت عليه اثر في طهارة المحل او لم يؤثر كما ان منطوقها دال على عدم انفعال الكر بالملاقاة كذلك وجملة من الأخبار الخاصة، المروي عن العيص بن القاسم (قال: سألته عن رجل اصابته قطرة من طشت فيه وضوء، فقال: ان كان من بول او قذر فيغسل ثوبه، وان كان من وضوء للصلاة فلا بأس)، وموثقة عمار الواردة في الإناء والكوز القذر (كيف يغسل وكم مرة يغسل قال: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيتحرك فيه ثم يفرغ منه ثم يصب فيه ماء آخر ثم يتحرك ثم يفرغ ثم يصب فيه ماء ويتحرك ثم يفرغ منه وقد طهر)، دل على وجوب افراغ المياه الثلاثة ولو كانت الغسالة طاهرة لم يجب الافراغ خصوصاُ في الثلاثة غاية الأمر وجوب صب ماء آخر غير المياه السابقة على القول بأن الغسالة على تقدير طهارتها غير مزيلة للخبث، (اذ لو قلنا بأن الغسالة الطاهرة مزيلة لما احتجنا الى تكرر صب الماء)، ورواية عبد الله بن سنان عن التوضي بماء يغسل به الثوب او يغتسل به من الجنابة بناء على ارادة مطلق التنظيف من التوضي وخصوص الثوب النجس من قوله يغسل من الثوب وفرض نجاسة بدن المغتسل في قوله او يغتسل به من الجنابة واما الغسلة الغير المزيلة فهي طاهرة لأن اجماعي التحرير والمنتهى على نجاسة ماء الغسل بخصوص وجود النجاسة على بدن المغتسل فلا يشمل صورة خلوه عن عينها ولو كان متنجساً بل يمكن خروجه عن مورد رواية العيض لأن المجتمع في الطشت مجموع الغسالة التي منها المستعمل عينها في ازالة العين فلا شمول لها لمورد لم يكن الماء المستعمل الا في رفع اثر النجاسة بعد زوالها وموثقة عمار في رواية عبد الله بن سنان لا دلالة فيهما على النجاسة بوجه لأن الأمر بتفريغ الكوز والإناء ليس امراً شرعياً بل هو جرى على طبق العادة وان ما يغسل به الإناء يصب لأنه يستقذر منه مضافاً الى ان ابقائه في الأواني لغو محض بناء على عدم جواز رفع الخبث به بل وبناء على جوازه فهو مجرد رخصة وجواز ولا ينافيه الصب والغسل بماء آخر كما هو مجرى العادة في القذارات العرفية تحفظاً على النظافة المطلوبة فيمكن ان يكون الأمر بالأفراغ بهذه الملاحظة، واما رواية عبد الله بن سنان فلا دليل على ارادة مطلق التنظيف من التوضي فلم يبق الا اطلاقات ادلة انفعال القليل ودلالتها مبنية على سوقها مساق بيان المفهوم اولاً وشمول الموصول للمتنجس ثانياً وكونها مسوقة لبيان كيفية التنجيس بالملاقاة او بالورود عليه ثالثاً ولو سلمنا تبين كيفيتها عرفاً فيتوقف ايضاً على كونها مسوقة لمقام البيان حتى يستظهر منها الحوالة على ما عند العرف مع امكان المنع عن تبينه عرفاً هذا كله مضافاً الى ان المرتكز في فهم العرف وان كان انتقال القذارة من المحل الى الماء في القذارات العرفية وبنائهم على قياس النجاسات الشرعية بها الا انه بعد صرفهم عنه هذا القياس واعلان الشرع بأن النجاسات الشرعية تضعف بهذه الأنتقالات بل يكون الماء القليل الملاقي للنجس او المتنجس تمامه في النجاسة والقذارة مثل الملاقى (بالفتح) من غير ان يضعف منه شيء يرون التنافي بين تأثير الملاقاة في الطهارة وتأثيره من الملاقاة بالنجاسة فاذا علموا واطلعوا على ان المحل بها يطهر انكروا نجاسته بها وعلى ذلك فلا يفهون من ادلة الانفعال بنجاسة الماء بالملاقاة المؤثرة في التطهير وان شئت قلت ان عندنا قاعدتين مفروضي الكلية الا مما علم خروجه.

احداهما: تنجس ملاقي النجس، ثانيهما: طهارة المطهّر يعني ان المتنجس لا يؤثر في طهارة ما لا قاه بأن يرفعه واذا دار الأمر بين رفع اليد عن احدهما يقدم الأولى وذلك لأن قاعدة تنجيس المتنجس في المورد غير محفوظة على كل تقدير قلنا بطهارة الغسالة او نجاسته اما على الطهارة فواضح واما على النجاسة فلأن الماء المتنجس لم يؤثر في نجاسة المحل والا لما طهّره فيجب ابقاء القاعدة الثانية على حاله والإلتزام بعدم تنجس الماء بملاقاة المحل توضيحه ان قاعدة تنجس المتنجس بالملاقاة قطعا مخصصة هنا وغير محفوظة في المورد لأنه على تقدير طهارة الغسالة لم يكن المتنجس قد نجس الماء بالملاقاة وعلى تقدير نجاسة الغسالة لم تكن الغسالة قد نجّست المحل بالملاقاة لغرض طهارة المحل فنقطع اجمالا بعدم شمول قاعدة تنجس الملاقي بالملاقاة لما نحن فيه اجمالا فلا تصلح للتمسك بها في المقام ونرجع الى قاعدة الطهارة، ان قلت قاعدة طهارة المطهر ايضا منشؤها تنجس المتنجس اذ لا دليل عليها سواه ففي الحقيقة التصرف في هذه القاعدة يعني قاعدة تنجيس المتنجس لازم لاغير الا انه دائر بين ان يكون باخراج تاثير الماء عن المحل بالملاقاة او تأثر المحل عن الماء ثانيا، وتاثيره فيه بما يضاده، ان قلت نمنع من اقتضاء تنجس الغسالة تنجس محلها لانها مادامت في المحل يكون المحل متنجساً غير قابل للنجاسة وبعد الانفصال وان كان يطهر المحل لكنه لاملاقاة، قلت نعم مرادنا من تأثير المحل بالماء ايضا ذلك يعني مع ان الماء المتنجس يقتضي تنجس ما لاقاه وانما لا يتنجس به في المورد لعدم قابليته للنجاسة لسبقه بها لا يفعل أي يؤثر الطهارة في المحل فانها تضاد مقتضى الماء النجس ان يؤثر فيه ما يضاد مقتضاه،قلت سلمنا لكن الاول مع ذلك التصرف الأول لانه اقرب من الإلتزام بتاثير المتنجس فيما يضاد مقتضاه اذا دار الامر بينه وبين سلب تاثير المحل فيما يقتضيه وهو تنجس الماء هذا مضافا الى ما اشير اليه في اخبار المطر والاستنجاء من تعليل اعتصامهما بان الماء اكثر من المقدار المراد منه بحسب الظاهر عدم ظهور اثر النجاسة فيهما بتغيره باوصافها، وامر النبي صلى الله عليه واله وسلم  الذنوب على بول الأعرابي في المسجد مع انه صلى الله عليه واله وسلم لا يأمر بتكثير نجاسته، وقوله: اغسله في المركن مرتين مع عدم تعرضه لتظهير المركن بعد الأولى او الثانية والالتزام بطهارته تبعاً ليس بأولى من الإلتزام بعدم نجاسة الماء.

ودعوى انه يغسل مع الثبوت مرتان مدفوعة بترك الأستفصال مع عدم جريان المادة لوصول الماء في الثانية بكل مورد وصل اليه في الأولى ومن جميع ما ذكرنا ظهر ان الأقوى طهارة الغسالة له المؤثرة في تطهير المحل كان في المحل عين ام لم يكن قوله.

المسألة الأولى: لا اشكال في القطرات التي تقع في الإناء عند الغسل ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الأكبر، لأنها بالوقوع تستهلك في الماء ولا يمنع عن استعمال ما وقعت فيه بل وكذا لا يمنع وان كان ازيد من القطرات ان لم يمتزج في الماء فانه يغتسل من الجانب الأخر بل ولو مزجت ولم تستهلك لا يمنع ايضاً اذا علم وصول الأجزاء الغير المستعملة بالبدن، نعم ان لم يعلم بذلك لم يعلم بحصول الطهارة.

المسألة الثانية: يشترط في طهارة ماء الاستنجاء امور:

الاول: عدم تغيره في احد الاوصاف الثلاثة. لعدم ما دل على تنجس الماء بالتغير بضميمة التشكيك في اطلاق اخبار الاستنجاء له بل ولو سلمنا فيها الاطلاق فلا اشكال في اقوائية دلالة تلك سلمنا المعارضة والتساقط لكن نقول المرجع حينئذ عموم ادلة الانفعال فانها تشمل المتغير ولم يخرج عنها الا ما لم يتغير من الاستنجاء هذا مضافاً الى ظهور الاجماع.

الثاني: عدم وصول نجاسة اليه من الخارج. لعدم عده حينئذ من الاستنجاء ان كانت النجاسة خارجة عن محل النجد وان كان داخل في النجد فان خرجت مع العذرة في المحل ولاقت المحل فالماء وان عد ماء استنجاء لكن الاطلاق منصرف عن مثله لان الظاهر منها الماء الاستنجاء من حيث كونه ماء استنجاء فلا يتعدَّل الحكم الى مورد اقترنت مع نجاسة الاستنجاء نجاسة اخرى لا اقل من انصراف الاخبار عن مثله.

الثالث: عدم التعدي الفاحش على وجه لا يصدق معه الاستنجاء. فلا يحسن عده من الشروط مع كونه مما يتحقق به موضوع الحكم وعلى هذا فيراد من التعدي المقدار الذي يخرج الماء عن كونه ماء استنجاء وهو الفاحش الموجب لعدم الصدق كأن تكون النجاسة منفصلة بان يتلوث بها محل آخر فلا يضر التعدي عن الموضع المتعارف المعتاد للعامة كما صرح بهذا التعميم بعضهم ولكن لنا في هذا التعميم اشكال لاحتمال انصراف الاخبار الى الاستنجاء على الوجه المتعارف للعامة فلو تعدى عن المحل الملوث بالنجاسة غالباً للنوع اشكل الحكم بطهارته.

الرابع: ان لا يخرج مع البول او الغائط نجاسة اخرى مثل الدم، نعم الدم الذي يعد جزء من البول او الغائط لا بأس به، على وجه يلاقي المحل او يبقى فيه معه فيلاقي ماء الاستنجاء والا فليس لمجرد خروجه مانعاً وعلى أي حال فالدليل على هذا الشرط ما ذكرناه في الشرط الثاني بناء على عمومه لمثل هذه النجاسة، واما قوله نعم الدم الذي يعد جزء من البول او الغائط لا بأس به فلا نعلم وجهه اذ لا وجه لعدم البأس بما يخرج من الدم مع البول والغائط معدوداً من اجزائه ولعل وجهه ان مجرد خروج الدم وغيره مع العذرة لا يوجب عدم عد الماء المغسول به المحل ماء الاستنجاء وما دام كان من ماء الاستنجاء فلا وجه لعدم طهارته، نعم ان خرج من المحل الدم المجرد او على وجه كانت العذرة مستهلكة او مخلوطة لا على نحو يعد الدم جزء منه او من البول خرج الماء حينئذ عن كونه ماء استنجاء لكن قد مر منا انه وان صدف عليه مع ذلك ماء الاستنجاء الا ان المستفاد من الاخبار ليس الا الحكم الحيثي فاذا اجتمع في ماء الاستنجاء جهتان لا يتعدى اليه الحكم مع ان المنصرف من الاطلاقات ليس الا الافراد المتعارفة والمتنجس بالدم الخارج باي وجه كان ليس منها.

الخامس: ان لا يكون فيه الاجزاء من الغائط بحيث يتميز. اما اذا كان معه دود او جزء غير منهضم من الغذاء، او شيء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس. لان عدم تنجسه بالاستنجاء غير تنجسه بتلك الاجزاء بعد الانفصال فمتى ما كان فيها اجزاء تنجس بها البتة نعم ان كانت الاجزاء غير متميزة بحيث قل ان يخلو ماء الاستنجاء عنها لم يضر بالطهارة لعدم الصارف للاطلاق بل وحمل الاخبار على صورة الخلو عن مثله حمل لها على الفرد النادر ولا مانع من الحكم بنجاسته ان اتفق بعد ذلك اجتماع الاجزاء وتميزها في الماء، نعم اذا كان معه دوداً او جزء غير منهضم من الغذاء او شيء آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به يحتمل ان يكون مراده ان وجود ما ذكر في ماء الاستنجاء ليس كوجود اجزاء الغائط مضراً بطهارته بل هو طاهر وان كان فيه بعض ما زبر من الدود واشباهه ولعل وجهه انها تطهر بالاستنجاء فلا ينجس ماء الاستنجاء بها ثانياً ويحتمل ان يكون المراد ان وجودها مع الغائط لا يضر لعدم خروجه عن صدق الاستنجاء المشتمل على مثلها من الافراد النادرة مع انها لو عدت من اجزاء النجاسة الخارجة لا يضر بطهارته.

المسألة الثالثة: لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد وان كان احوط، لعدم دخله في حقيقة الاستنجاء عرفاً ولا مبنياً عليه غالباً حتى يدعى انصرافه الى مثله ولا معدوداً لذلك من النجاسة الخارجة، نعم لما كان محلاً لوسوسة بعض بل محتملاً لانصراف الاطلاق عنه كان الاحوط (لعل الوجه ان اليد لو سبقت كانت النجاسة عليها وهي غير موضع النجو وحينئذ فينجس ماء الاستنجاء بها) سبق الماء على اليد.

المسألة الرابعة: اذا سبق بيده بقصد الاستنجاء ثم اعرض، ثم عاد لا بأس، الا اذا عاد بعد مدة ينتفي معها صدق التنجس بالاستنجاء، فينتفي حينئذ حكمه، ان لم يخرج بذلك عن المستنجي وعن التنجس بالاستنجاء ولم يعد عرفاً من النجاسة الخارجة الغير المرتبطة بالاستنجاء وان لم يثبت له حكم الاستنجاء.

المسألة الخامسة: لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد، حتى في البول المحتاج الى الغسلتين للاطلاق معتضداً بعدم جري العادة على فعل كل غسلة في محل فالسؤال يشمل الغسلتان والجواب يعمهما.

المسألة السادسة: اذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي فمع الاعتياد كالطبيعي(1) ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات في وجوب الاحتياط من غسالته، غير الاستنجاء فينوط العفو مناط الاعتياد او كونه طبيعياً هذا ولكن لا دليل على هذا التعميم سوى الاطلاق وترك الاستفصال مع ما فيها من الاشكال لكون الغرض من الافراد النادرة وان كان الاستنجاء بحسب الاطلاق يعمهما لكن الظاهر عدم نقل خلاف في المسألة فأن ثبت فهو والا فالمسألة محل ريب وتردد.

المسألة السابعة: اذا شك في ماء انه غسالة الاستنجاء او غسالة سائر النجاسات يحكم عليه بالطهارة(2)وان كان الاحوط الاجتناب، لاصالة الطهارة واستصحابها بعد الشك في تنجسه بالملاقاة المعلومة لاحتمال كونه على وجه غير مؤثر في تنجسه ودعوى ان مقتضى الانفعال موجود فيحتاج الحكم بالطهارة الى احراز سبب الاعتصام لما ظهر من الصحاح الواردة في الكر والقليل من ان الملاقاة مقتضى للنجاسة الا ان يكون هناك امر وجودي كالكرية والمطرية والنبع واسبابها تعصمه فاذا شك فيه فالاصل عدم تحققه مدفوعة بما مر من ان هذه الصحاح من هذه الجهة متعارضة مع المستفاد من النبوي خلق الله الماء طهوراً الحديث الظاهر في ان الماء بما هو يقتضي العصمة وعدم الانفعال الا بالتغير الا ان الحديث فيه ما يوجب انفعاله وبعد التساقط يرجع الى قاعدة الطهارة وعدم الاقتضاء للنجاسة فيستصحب طهارة الماء، نعم الاحوط بالنظر الى ما قيل من ضعف النبوي المعارض للصحاح وذهاب جمع من الاساطين الى ما اقتضته كان الاحوط الاجتناب.

المسألة الثامنة: اذا اغتسل في كر ــ كخزانة الحمام ــ او استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الحدث الاكبر او غسالة الاستنجاء او الخبث، لانصراف الادلة الى القليل بل ربما ادعى الاجماع على اختصاص الحكم بالقليل بل لا يعد عرفاً مثل الكثير من الماء المستعمل وان كان ظاهر بعض الاخبار التعميم بل والظهور في الكثير كقوله من اغتسل في الماء الذي يغتسل فيه..الخ، فان الظاهر من الغسل فيه كونه كثيراً والا كان يغسل به او منه الا انه لا خلاف بينهم فيه ظاهر.

المسألة التاسعة: اذا شك في وصول نجاسة من الخارج او مع الغائط يبني على العدم، (غرضه انه لو شك ان ماء الاستنجاء كان ملاقي لنجاسة كانت جزء من الغائط او من الخارج ) للاستصحاب في الاول حيث لم يكن معه نجاسة ولم يكن ملاقياً لها فالاصل بقاؤها أي الغسالة على ما كان بل، والثاني للاستصحاب عدم ملاقاة المحل لشيء من النجاسة غير الغائط ولكن قد يشك في وجود شيء من الدم مثلاً معها في المحل ولو لم يكن ملاقياً للمحل فان نفس وجوده مع الغائط الباقي على المحل الذي يزال بالاستنجاء يوجب نجاسته ولا استصحاب اذ لا حالة لها سابقة حتى يستصحب اذ يحتمل ان يكون خارجة معها من المعدة الا ان يستصحب حينئذ عدم ملاقاة الماء لنجاسة غير الغائط الذي استنجى منها ثم ان فرضنا جريان الاصل الموضوعي على وجه ينفع فهو والا فيبتني المسألة على ما مر مراراً من ان الاصل في الماء الملاقي للنجاسة الذي يشك في وجود سبب الاعتصام معه الطهارة او النجاسة، ان قلت مبنى المسألة هذه القاعدة دون الاصل يعني الاستصحاب لان استصحاب عدم النجاسة مع الغائط او عدم ملاقاة المحل لها او عدم ملاقاة الماء لها لا ينفع في عد الماء غسالة الاستنجاء توضيحه ان خروج الماء الملاقي للنجاسة الخارجة عن الطهارة بسبب خروجه عن غسالة الاستنجاء العنوان على ملاقاة النجاسة الخارجة وعدمه ليس من الشرع وبعبارة ثالثة الواجب احراز ان هذا الماء المشكوك غسالة استنجاء او غيرها وترتب هذا العنوان نفياً واثباتاً على ملاقاته لغير الغائط الخارج ترتب عادي لا شرعي، قلت المناط في الطهارة والنجاسة ملاقاة الماء لخصوص النجو الخارج او لغيره من النجاسات وعنوان غسالة الاستنجاء ايضاً في الادلة ليس الا بهذه الملاحظة والا فليس له موضوعية وبعبارة اخرى ملاقاة الماء لمحل النجو على وجه يؤثر في طهارته لا يوجب نجاسته واذا لاقى شيئاً آخر معه او بعده او قبله ينفعل والمقصود من الاصل ليس الا اثبات هذا المعنى.

المسألة العاشرة: سلب الطهارة او الطهورية على الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر او الخبث استنجاء أو غيره انما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد كخزانة الحمام ونحوهما. قد مر في المسألة الثامنة انه اذا اغتسل في الكر او استنجى فيه لا يصدق عليه غسالة الاستنجاء او الحدث وحينئذ فيجوز استعماله على الاول في رفع الحدث والخبث وان منعنا عن استعمال غسالة الاستنجاء في رفع الحدث وكذا على الثاني يجوز استعماله في رفع الحدث ثانياً وان منعنا عن رفع الحدث بما استعمل في رفع الحدث الاكبر ومدرك الحكم ليس غير الانصراف وكون المتعارف في السابق غيره والاجماعات لكنك عرفت ان بعض الاخبار الظاهرة في كراهة الاغتسال بما اغتسل فيه له ظهور في الكثير.

المسألة الحادية عشر: المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر فلو اخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة وكذا ما يبقى في الإناء بعد اهراق ماء غسالته، المتخلِّف في الثوب والإناء بعد الغسل اللازم لا يعد من الغسالة عند المصنف لان الماء ما لم ينفصل لا يعد غسالة كما في القمامة والزبالة والنجاسة على ابعد الوجوه، او من جهة انصراف ماء الغسالة او الماء الذي غسل به الثوب عنه لان المغسول به هو الذي ينفصل من المحل مع القذارة، او من جهة ان بقائه في المحل والحكم على المحل بالطهارة يلازم الحاقه به في الاحكام عرفاً، ولكن للنفس في كل ذلك شيء فاذا عصر الثوب شديداً او وضع الإناء على وجه اجتمعت الرطوبات والقطرات فصارت ماء لحقها الحكم فلا يستعمل في الوضوء والغسل وانما لم يلحقه الحكم قبل الاجتماع لعده معدوماً، نعم هو طاهر وان قلنا بنجاسة الغسالة لكنه لا ينفع في رفع الحدث به ان قلنا بان الماء الذي يستعمل في رفع الخبث لايستعمل في رفع الحدث لان الموجود منه الا ان يقال ان مدرك الحكم الاجماع ولا اجماع في محل الخلاف لو لم يكن على الخلاف، وفيه ان مدرك الاجماع رواية ابن سنان وهو صادق عليه.

المسألة الثانية عشر: تطهر اليد تبعاً بعد التطهير فلا حاجة الى غسلها، وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب ونحوه، في استنجاء وغيره من الغسلات وكذا غير اليد من آلات التطهير من الظرف وغيره على ترد في اليد التي جرت السيرة عليه وخلت النصوص عن التعرض له بخلاف الظروف التي يغسل فيها الثوب فانه لا سيرة على طهارتها جارية ولم يستفد طهارتها من الاخبار.

المسألة الثالثة عشر: لو اجرى الماء على المحل النجس زائداً على مقدار يكفي في طهارته فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر، وان عد تمامه غسلة واحدة ولو كان بمقدار ساعة، ولكن مراعاة الاحتياط اولى، عند المصنف لا اشكال بناء على طهارة الغسالة بل وكذا بناء على نجاستها ايضاً لان المقدار المحتاج اليه في التطهير المعدود من الغسالة قد انفصل عن المحل فما يرد بعده لا وجه لنجاسته مع فرض تعقب المحل بالطهارة بخروجه الا ان يقال ان المعتبر تحقق الغسلة والغسلة لا تحقق قبل قطع الماء الجاري فكل ما يجري مادام لم ينقطع محسوب من الغسالة فان كانت الغسالة الغسلة الثانية او الاولى مثلاً نجسة كان تمام الجاري على المحل غسالة فيحكم عليه بالنجاسة ولذا قال في المتن ان مراعاة الاحتياط اولى لان مقتضى القاعدة نجاسة الماء القليل الملاقي للنجس خرجنا عن ذلك بما دل الدليل عليه حتى بالنسبة الى تعقب المحل للطهارة والا فكيف يطهر المحل بالمتنجس بل القاعدة يقتضى تأثير المحل عنه ازيد من سابقه لان الملاقي للنجس شرعاً حكمه حكم النجس وليست النجاسة في الشرع كالقذارات العرفية التي تقل وتضمحل بتوارد الغسلات عليها، وبالجملة الخارج عن هذه القاعدة ليس الا ما قام الاجماع عليه او توقف طهارة المحل عليه وطهارة هذا المقدار الزائد ليس عليه اجماع ولا تتوقف طهارة المحل عليه ايضاً فهو باق على مقتضى القاعدة والامر عندنا سهل بعد ان بنينا على طهارة الغسالة نعم بناء على نجاستها فالاحوط لو لم يكن الاقوى نجاسته.

المسألة الرابعة عشر: غسالة ما يحتاج الى تعدد الغسل كالبول ــ مثلاً ــ اذا لاقت شيئاً لا يعتبر فيها التعدد  وان كان احوط، بناء على كون حكم الغسالة بناء على النجاسة كالمحل قبل الغسالة لا كالمحل قبل الغسل مع احتماله فيستصحب النجاسة الى العلم بحصول الطهارة لكن من بنى على اطلاقات الغسل وان مطلقه كاف لرفع النجاسة يقتصر في الخارج على المتيقن وهو المتنجس بعين البول دون غسالته فيرجع الى الاطلاق اما من منع عن الاطلاق فلا مجال له الا عن الاحتياط.

المسألة الخامسة عشر: غسالة الغسلة الاحتياطية استحباباً يستحب الاجتناب عنها، بناء على نجاسة الغسالة في الاحتياط فان حال الغسالة في الاحتياط تكون حال المحل بلا اشكال.

 

 

فصل في الماء المشكوك

فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر اذا لم يكن مسبوقاً بالنجاسة سواء سبق بالطهارة او لا يعلم له حالة سابقة او توارد عليه الحالتان لقاعدة الطهارة فيما لم يسلم استصحابها والا فيكون هو المعتبر لحكومته عليها ولا يقاس بقاعدتي الأشتغال والبراءة المقدمتين على استصحابهما لما قررناه في محله، والمشكوك اطلاقه لا يجرى عليه حكم المطلق الا مع سبق الاطلاق اما الحكم في المستثنى فظاهر لعدم المانع من استصحاب الاطلاق واما في المستثنى منه فمع سبق الأضافة الأشكال فيه ولا كلام ومع عدم سبق شيء من الحالين او تواردهما والشك في المتأخر فلا اصل موضوعي فيرجع الى الأصل في الآثار وهو مع الأضافة، الا في مسألة ملاقاته للنجاسة اذا كان كراً فان البناء على عدم اطلاقه يقتضي الحكم بتنجسه وقد مر انه طاهر لا ينفعل بملاقاته للنجاسة، والمشكوك اباحته محكوم بالأباحة ان لم يعلم بكونه مملوكاً لأحد لقاعدة الحل والأباحة ولا يمكن التمسك لحرمته بما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير لعدم العلم بكونه للغير، واستصحاب عدم تملكه له لا يؤثر في عدم الأباحة الا ان يثبت به ملك الغير له ولا طريق الى اثباته مع احتمال عدم ملك احد عليه مضافاً الى كونه من الأصول المثبتة.

وان علم بمملوكيته لاحد فان علم سبق ملك غيره عليه او كان على ذلك امارة كما لو كان في يد غيره فلا اشكال في وجوب معاملة ملك الغير عليه والا فظاهر المتن انه محكوم بالأباحة لكنه مشكل لأصالة عدم تملكه او عدم دخوله في ملكه ولا يعارض باصالة عدم ملك غيره له لعدم الأثر له الا بالأصل المثبت.

المسألة الأولى: اذا اشتبه نجس او مغصوب في محصور ــ كإناء في عشرة ــ يجب الاجتناب عن الجميع وان اشتبه في غير المحصور ــ كواحد في الف(1) مثلاً ــ لا يجب الاجتناب عن شيء منه، لوجود المقتضي بمعنى دليل الواقع الحاكم بوجوب الأجتناب عن النجس ومال الغير وعدم المانع اذ ليس ما يمكن ان يكون مانعاً سوى الجهل التفصيلي وهو غير مانع اما عقلاً فواضح واما شرعاً فلأنه ليس في الشرع ما يدل عليه سوى قاعدة الطهارة والحل وهما جريا في اطراف الشبهة لجريا في جميعها على وجه يجوز بهما مخالفة الواقع المعلوم قطعاً وهو موجب لطرح الواقع بالأصل ومن المعلوم انه لا يطرح الواقع به، وان اشتبه في غير المحصور لا يجب الأجتناب عن شيء منه وهو في الجملة لا اشكال فيه ولا خلاف بالنسبة الى عدم وجوب الأحتياط وان كانت المسألة بالنسبة الى جواز المخالفة القطعية محل خلاف وجدال كما انه بالنسبة الى ضابط غير المحصورة عن المحصور في ريب واشكال فالمهم التكلم في هاتين الجهتين في ضابط غير المحصور وفي جواز المخالفة القطعية ولا ارى في الجهة الأولى اوثق من ان يقال ان المناط فيه هو بلوغ كثرة الأطراف حداً لا يرى العقل العلم الموجود بياناً لها وهو ان كان في الحقيقة اتكالاً على امر مجهول الا انه لا محيص عنه لأن الأناطة بالحصر وعدم الحصر عرفاً مطلقاً او في زمان قليل غير راجع الى محصل مع ان الرجوع الى العرف انما يحسن اذا انيط بهما العرف في الادلة اللفظية وليس كما ان الاناطة بخروج بعض الاطراف غالباً عن محل الابتلاء اعم من المدعى من وجه واخص من آخر ثم بما ذكرنا ربما يستظهر الحق في الجهة الثانية ايضاً لان المعلوم وان لم يكن بياناً للاطراف على وجه يوجب الاحتياط بتحصيل الموافقة القطعية الا انه لا يزال بياناً للتكليف بالنسبة الى طرحها جميعاً ولذا لم يحتمل احد جواز المخالفة القطعية من غير المحصور اذا كانت الشبهة وجوبية.

المسألة الثانية: لو اشتبه مضاف في محصور يجوز ان يكرر الوضوء او الغسل الى عدد يعلم استعمل مطلق في ضمنه. فاذا كانا اثنين يتوضأ بهما، وان كانت ثلاثة او ازيد يكفي التوضؤ باثنين اذا كان المضاف واحداً، وان كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، وان كان اثنين في اربعة تكفي الثلاثة والمعياران يزاد على عدد المضاف المعلوم بواحد. وان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها(1) كما اذا كان المضاف واحداً في الف، والمعيار ان لا يعد العلم الأجمالي علماً ويجعل مضاف المشتبه بحكم العدم، فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية ايضاً، ولكن الأحتياط اولى، فاما ان يمكن تميز المطلق من المضاف او لا يمكن فان لم يمكن فلا اشكال في انه يجب عليه ان يكرر الوضوء بها حتى يعلم بالوضوء بالمطلق واما اذا تمكن من التميز فهل يجوز ان يكرر الوضوء والغسل كذلك او يجب عليه التميز والوضوء بما يعلم طهارته وجهان مبنيان على تقديم الإمتثال التفصيلي العلمي على الاجمالي منه وقد قرر في محله عدم الدليل على تقدمه لولا الاجماع وتوضيحه محتاج الى تفصيل مخرج عن وضع الرسالة وان اشتبه في غير المحصور جاز استعمال كل منها عند المصنف لان كل واحد من اطراف الشبهة الغير المحصورة عنده في حكم المعلوم دون المشتبه فيعامل مع كل واحد من الاطراف معاملة المطلق دون المشتبه والا فلو كان يعامل معاملة المشتبه لم يجز التوضي به اذ يعتبر في ماء الوضوء الاطلاق وتوضيح مرامه قدس سره ان الاجماع قائم على ان العلم الاجمالي بين الاطراف الغير المحصورة لا يعتد به ولا يؤثر في التكليف بوجه وحينئذ فيلغى الاحتمال المستند الى ذلك العلم فاذا احتمل الاضافة في الماء فان كان كمنشأه العلم بكون احد الانائات الغير المحصورة مضافاً فلا يعتنى به ويجوز التوضي به واما ان كان منشأه غير هذا العلم كأن احتمل ابتداء كونه مضافاً فلا يجوز رفع الحدث والخبث به الا ان يعتمد في ذلك الى الاصل وبعض من عاصرناه ينقل عنه الميل الى ذلك بل اختاره وهو ضعيف جداً اذ لم يدل دليل على لغوية العلم بين غير المحصور بهذا المعنى، غاية الامر قيام الدليل على عدم اقتضائه الاحتياط والموافقة القطعية سلمنا قيامه على جواز المخالفة القطعية ايضاً لكن غايته ان العلم المزبور لا يمنع عن العمل على طبق الاصل ان اقتضى جواز المخالفة واما ان به ينقطع الاصول المقتضية لترك الاستعمال من العقل والنقل فلم يدل عليه دليل فيبقى تحت القاعدة وعليه فلا يجوز التوضي بواحد من اطراف ما علم اضافة احدها ولو كانت غير محصورة فما في المتن من ان الاحتياط اولى ينبغي تبديله باقوى.

المسألة الثالثة: اذا لم يكن عنده الا ماء مشكوك اطلاقه واضافته، ولم يتيقن انه كان في السابق مطلقاً، يتيمم للصلاة ونحوها والأولى الجمع بين التيمم والوضوء به، غير مسبوق بالاطلاق يتيمم للصلاة لأنه غير متمكن من الطهارة المائية بعد ان كان محكوماً باستصحاب الحدث بعد الوضوء وليس في دليل التيمم الا عدم التمكن من الطهارة المائية ومن المعلوم انه لا فرق في عدم التمكن بين ان يكون ذلك لأجل مانع شرعي او عادي فاذا كان المتوضي بمثل هذا الماء محكوماً بالحدث لم يمكن رفع الحدث به شرعاً ومعه يجب عليه التيمم لأنه لا يجد ماء ضرورة ان المراد من عدم وجدان الماء ما يعم عدم التمكن من استعماله على وجه يرفع الحدث، هذا وفيه انا لو سلمنا ان الموضوع للتيمم وغير المتمكن من المائية فهو غير متمكن منه واقعاً لا ما يعم غير المتمكن في الظاهر والأصل المزبور لا يثبت كونه كذلك واقعاً نعم كونه كذلك في الظاهر يترتب على الأصل المزبور وجداناً، وقد يقال ان الموضوع بالتيمم هو غير الواجد للماء وليس المراد من وجدانه هو نفس وجوده بل احرازه لأنه ضد الفقدان وفيما نحن فيه غير محرز للماء فوجب عليه التيمم فكان موضوع التيمم محرز بالوجدان من غير حاجة الى اصل شرعي، وفيه ان عدم الإحراز ليس موضوعاً شرعاً لوجوب التيمم ولذا اوجبوا الأعادة على من صلى ومن يلتفت الى ان في رحلة الماء نظراً الى كونه واجداً للماء في الواقع، مضافاً الى انه لو كان الموضوع ما ذكره لم يجب الفحص عن الماء وليس ذلك الا من اجل ان الإحراز ليس موضوعاً للتيمم، هذا كله مع ان اعتبار الإحراز في الوجدان ممنوع لأن الوجدان ضد الفقدان وله واقع مع قطع النظر عن العلم والإحراز الوجداني فقد يكون واجداً له ولا يعلم به فالتحقيق انه يجب عليه التيمم ان كان مسبوقاً بالفقدان والا فالجمع بين الأمرين لدخوله في احد الموضوعين.

المسألة الرابعة: اذا علم اجمالاً ان هذا الماء اما نجس او مضاف يجوز شربه، ولكن لا يجوز التوضؤ به والقول بأنه يجوز التوضؤ به. وكذا اذا علم انه اما مضاف او مغصوب. وإذا علم انه اما نجس او مغصوب، فلا يجوز شربه ايضاً، كما لا يجوز التوضؤ به والقول بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف جداً،  لعدم العلم الأجمالي بالحرمة وكون احتماله بدوياً مورداً لجريان الأصل، نعم لا يجوز التوضي به لاستصحاب الحدث وعدم احراز شرط الطهارة وهو كون ما يغسل به الغسلات مطلقاً، فنفس قاعدة الأشتغال بالطهارة تقتضي وجوب تحصيل البراءة عنه بل اشتراط صحة الدخول في الصلاة به يقتضي وجوب احرازه لها، وكذا اذا علم انه اما مضاف او مغصوب بعين ما ذكر من جواز شربه وعدم جواز التوضي به لأن احتمال الغصب وان لم يكن مانعاً عن التوضي الا ان نفس احتمال الأضافة مع عدم الحالة السابقة مانع، واما اذا علم انه أما نجس او مغصوب فلا يجوز شربه، للعلم التفصيلي بالحرمة ولا يمنع عن تنجزه الجهل بسببه كما لا يجوز التوضي به لذلك ايضاً اذ المفروض انه عالم باحد المانعين من النجاسة او الغصبية وان لم يكن احتماله مانعاً الا انه اذا لم يكن طرفاً للعلم الأجمالي واما مع طرفيته له فاحتماله منجز ومعه يكون مانعاً عن التصرف فيبطل الوضوء اما لنجاسة الماء او لحرمة التصرف في الماء غسلاً ومسحاً، والقول بأنه يجوز التوضي به ضعيف جداً لعل نظر المجوز الى ان شرط صحة الوضوء ليس هو الأباحة الواقعية حتى تتساقط اصالة الأباحة والطهارة بل الأباحة التي يكون الوضوء بها صحيحاً واقعياً هو ما يعم الظاهر به وحينئذ فلا تتساقط الاصول لعدم العلم بالمخالفة القطعية للواقع من جريانهما لاحتمال كون الماء مغصوباً ومعه يصح الوضوء واقعاً، ان قلت اصالة الاباحة بالنسبة الى جواز التصرفات ولو مع قطع النظر عن الوضوء غير جارية للمعارضة فتحرم التصرفات فعلاً وبه يبطل الوضوء لتنجز الحرمة، قلت لا معارض لاصالة الاباحة في مطلق التصرفات سوى قاعدة الطهارة وهي غير جارية بالنسبة الى الشرب لانه معلوم الحرمة ولا اثر لها بالنسبة الى غيره، ان قلت لا معنى لحرمة الشرب الا معارضة اصالة الاباحة فيه مع اصالة الطهارة وتساقطهما فيحرم شربه فاين الاصل الخالي عن المعارض الحاكم باباحة التصرفات، قلت معارضة الاصل مع اخر بالنسبة الى اثر خاص لا يوجب سقوطه بالنسبة الى غيره فاصل الاباحة بالنسبة الى الشرب وان كان معارضاَ الا انه لا معارض له بالنسبة الى التصرفات الأُخر، الا ان يقال انه معارض باصالة الطهارة في ملاقيه فان بعد سقوط الاصل يعني اصل الطهارة فيه يكون المرجع الاصل في الملاقي فيعارض اصالة الاباحة في سائر التصرفات، الا انه حسن بعد تحقق الملاقي والملاقاة واما قبله فلا موضوع للملاقي حتى يكون مجرى للأصل.

المسألة الخامسة: لو اريق احد الانائين المشتبهين من حيث النجاسة والغصبية لا يجوز التوضؤ بالآخر وان زال العلم الأجمالي، ولو اريق احد المشتبهين من حيث الأضافة لا يكفي الوضوء بالآخر بل الأحوط الجمع(1) بينه وبين التيمم،  تكليفاً ووضعاَ بناء على حرمة التوضي بالماء النجس نفساً والاَّ يحرم الا وضعاً بمعنى فساد الوضوء وعدم سببيته للطهارة وذلك لسقوط اصالة الطهارة في الاول واصالة الاباحة في الثاني بالمعارضة قبل الأراقة فلا يبقى بعد اراقة احدهما اصل يعتمد عليه، ان قلت سقوط الاصل انما هو للعلم الاجمالي والمعارضة، فالسقوط يتبعهما حدوثاً وبقاء فمع زوال علة المعارضة يعني العلم الاجمالي لا معنى لبقاء المعارضة، قلت هو كذلك لو كانت المعارضة في اطلاق الدليل بالنسبة الى ازمنة المتعارضين واما لو كانت بالنسبة الى اصل دخولهما في عموم الدليل فمعنى المعارضة بعد حدوث العلم الاجمالي خروج الطرفين عن عموم الدليلين فلا معنى لدخوله بعد اراقة احدهما، ان قلت خروج الطرفين عن الدليل ليس الا لعدم امكان اجتماعهما في الدخول تحت العموم لان دخول كل واحد ينافي الواقع المعلوم ودخول احدهما معيناً ترجيح بلا مرجح ومخيراً لا دليل عليه وهذا المعنى انما هو بالنسبة الى حال وجود الطرفين واما مع عدم احدهما فلا مانع من دخول الاخر تحت الدليل، قلت دخول المفقود الى زمن وجوده ينافي دخول الاخر كذلك ومجرد طول زمن وجود احدهما وقصر الآخر لا يرفع المعارضة كما لا يخفى ولو اريق احد المشتبهين من حيث الأضافة لايكفي الوضوء بالآخر لعدم احراز اطلاقه ولو سلمنا كان مجرى للأصل مع قطع النظر عن العلم الأجمالي كأن عُلِم اجمالاً بان احد المطلقين صار مضافاً كان استصحاب الاطلاق في كل معارض للآخر وبعد فقد احدهما لا يرجع ولا يصير الموجود مورداً للأصل ومقتضى الأمر من المصنف في المسألة السابقة وجوب التيمم هنا فاشكاله فيها وإلتزامه بالجمع ينافي ما سبق وان كان قد عرفت منا ان الأحوط الجمع بين الوضوء والتيمم وقد مر تمام الكلام مع النقض والأبرام بل مقتضى ما عرفت وجوب الجمع مع بقاء احد المشتبهين بالنجس ايضاً بناء على عدم حرمة استعمال النجس في الوضوء الا تشريعاً.

المسألة السادسة: ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة لكن الأحوط الأجتناب(1)، لأصالة عدم ملاقاته للنجس ولا يعارض بالأصل في ملاقي الآخر اذا لم يكن ملاقاة فعلاً لعدم الموضوع ولا يعارض الأصل فيه على تقدير وجوده بالأصل في الموضوع الموجود، نعم لو فرض ملاقاة شيء آخر للطرف الآخر تعارض الأصل فيهما للعلم بكون احدهما ملاقياً للنجس ومما ذكرنا يظهر جريان اصالة الطهارة في الملاقي من غير معارضة معها في صاحب الملاقي لأنه مبتلى بمعارضته مع الأصل في الملاقى (بالفتح) المتقدم في الجريان على الأصل في الملاقي (بالكسر)، ومن جميع ذلك يظهر ان العلم بنجاسة واحد من الملاقي (بالكسر) وصاحب الملاقى (بالفتح)لا يوجب وجوب الأجتناب عنها مقدمة لما عرفت من جريان الأصل في الملاقي (بالكسر) بلا معارض وابتلاء الأصل في صاحب (الملاقى بالفتح) بالأصل في نفس الملاقِ (بالفتح)، لكن الاحوط الأجتناب ولو بتوهم الأجتناب عن ملاقي النجس من مقدمات تحقق الأجتناب عنه فاذا فرض تنجس الأمر بالأجتناب عن النجس بينهما وفرضنا ان الأجتناب عن الشيء لا يحصل الا بالأجتناب عن كل ما لاقاه وجب الأجتناب عن ملاقي احدهما اذ لولاه لم يعلم الأجتناب عن النجس في البين لو كان هو الملاقى (بالفتح) وتمام الكلام موكول في محله.

المسألة السابعة: اذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم. وهل يجب اراقتهما او لا؟ الأحوط ذلك، وان كان الأقوى العدم. لقوله عليه السلام: يهرقهما ويتيمم ولا يجب الوضوء بهما بل ولا يجوز ولو بأن يتوضأ باحدهما ثم يغسل محل الوضوء بالآخر ثم يتوضأ به حيث يعلم بالوضوء بالماء الطاهر مع طهارة البدن اما لو كان الماء الطاهر هو الأول فظاهر واما لو كان الثاني فلان المفروض غسل محال الوضوء به ثم الوضوء فهو يعلم بتوضئه بالماء الطاهر مع طهارة بدنه وجداناً بل يكفي الوضوء بهما كذلك لاستصحاب طهارة بدنه الى زمان الوضوء بالماء الطاهر ويكفي ذلك لحصول العلم بدافع الحدث، نعم عليه ان يصلي بعد كل وضوء حتى يعلم بوقوع صلاته مع الطهارة الخبيثة المستصحبة والحديثة المعلومة وان لم يصل الا بعدها فسدت صلاته لأنه عالم بنجاسة بدنه وان كان يعلم برفع حدثه ايضاً بالتقريب السابق وذلك لأنه طرح للصحيحة المنقحة الدلالة المعمول بها من جهة مقتضى القواعد والأصول وهو غير مقبول فيؤخذ بمفهومهما ويكتفي بالتيمم، وهل اراقتهما ايضاً كما اشتملت عليه الصحيحة ام لا نظراً الى كونه كناية عن عدم استعمالهما، الأحوط ذلك وان كان الأقوى العدم لما عرفت من ان الأراقة كناية عن المنع عن الأستعمال بل ربما امكن ان يُحمل الصحيحة على صورة لم يتمكن من غسل مواضع الملاقاة بالثاني واستعمالهما على نحو ما مر على وجه لا يتلوث الثوب والبدن بهما فان الوضوء باحدهما ثم غسل محال الوضوء بالآخر ثم التوضي بالآخر على وجه لا يتلوث سائر مواضع الثوب والبدن بهما مشكل جداً فأقرّ الأمام عليه السلام بأراقتهما حتى يصير فاقد الماء ثم يتيمم ولعل في الأمر بالأراقة احتياطاً للتيمم، اذ قبله ربما كان من الواجد للماء وسيجيء انشاء الله في المسألة العاشرة ان الأحوط عدم القناعة بالتيمم مع تمكنه من الأستعمال على الوجه المزبور ايضاً.

المسألة الثامنة: اذا كان إناءان احدهما المعين نجس، والآخر طاهر، فأريق احدهما، ولم يعلم انه ايهما، فالباقي محكوم بالطهارة(1) بخلاف ما لو كانا مشتبهين واريق احدهما، فان يجب الأجتناب عن الباقي, والفرق ان الشبهة في هذه الصورة بالنسبة الى الباقي بدوية، بخلاف الصورة الثانية فان الماء الباقي كان طرفاً للشبهة من الأول، وقد حكم عليه بوجوب الأجتناب، فانه لا يحكم على الباقي بالطهارة لأن المفروض انه سقطت القاعدة بالنسبة اليه بالمعارضة في صاحبه واهراق احدهما لا يوجب بقاؤها في الباقي بلا معارض والا لعولج بذلك كل شبهة محصورة بخلاف الصورة السابقة فانه قبل اراقة احدهما لم يكن شيء منهما مجرى القاعدة ولم يكن علم اجمالي في البين وانما صار الباقي مشتبهاً بمجرد اراقة احدهما فيتحرى فيه القاعد.

المسألة التاسعة: اذا كان هناك إناء لا يعلم انه لزيد او لعمرو، والمفروض انه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله، لا يجوز له استعماله وكذا اذا علم انه لزيد ــ مثلاً ــ لكن لا يعلم انه مأذون من قبله او من قبل عمرو. لم يجز استعماله الا ان يكون مأذوناً من كل منهما واما مجرد اذنه من زيد مثلاً فلا يجوز استعماله لأنه لا يعلم انه له فلا يكون اذنه موجباً لحل التصرف وكذا ان علم انه لزيد ولا يدري انه مأذون من قبله او من قبل عمرو فان الأذن الحاصل له لا يوجب حل التصرف فيه ايضاً لأنه لا يعلم الأذن ممن يملكه ولا يحل مال امرئ الا بأذنه.

المسألة العاشرة: في المائين المشتبهين اذا توضأ بأحدهما او اغتسل وغسل بدنه من الآخر، ثم توضأ به او اغتسل، صح وضوؤه أو غسله على الأقوى، لكن الأحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة، ومع الأنحصار الأحوط ضم التيمم ايضاً. علم بأنه اغتسل او توضأ بالماء الطاهر مع طهارة بدنه فيرتفع حدثه على الأقوى ولكن الأحوط ترك هذا النحو من الأستعمال مع وجود ماء معلوم الطهارة للصحيحة الآمرة بأهراقهما والتيمم وقد عرفت توجيهه كما افتى به جمع وكان سنده معتبراً كان الأحتياط في ترك الأستعمال كذلك لو كان له غيرهما والأجمع بينه وبين التيمم لما مر من احتمال ورود الصحيحة مورد لايتمكن من استعمالهما على وجه لا يتلوث محل من ثوبه او بدنه بهما ومعه وان ارتفع الحدث لكن يعلم بنجاسة بدنه او ثوبه.

المسألة الحادية عشر: اذا كان هناك ماءآن توضأ باحدهما او اغتسل، وبعد الفراغ حصل له العلم بأن احدهما كان نجساً ولا يدري انه هو الذي توضأ به او غيره، ففي صحة وضوئه او غسله اشكال، اذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل اشكال(1) واما اذا علم بنجاسة احدهما المعين، وطهارة الآخر فتوضأ، وبعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر، أو من النجس فالظاهر صحة وضوئه لقاعدة الفراغ. نعم لو علم انه كان حين التوضؤ غافلاً من نجاسة احدهما يشكل جريانها. نظراً الى عموم دليلها او عدمه نظراً الى انها مسوقة لرفع احتمال الفساد الناشئ من السهو والنسيان او التعمد يترك الجزء او الشرط فلا يشمل دليلها ما لو كان احتمال الصحة والفساد مستنداً الى مجرد الأتفاق الغير المستند الى المكلف كما يرشد قوله عليه السلام هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك فان مثله لا يشمل ما لو علم عدم الأذكرية النوعية لأنه يعلم بغفلته حين ذاك عن الطهارة والنجاسة فليس هو حين ذاك اذكر من حين التفاته ومنه يظهر انه لو كان عالماً بذلك قبل الوضوء والغسل ثم اغتسل او توضأ باحدهما ثم شك بعدهما بأنه احرز طهارة ما تطهر به او انه تطهر به شاكاً جرى قاعدة الفراغ لجريان ما عرفت من التعليل والمتيقن من انصراف المطلقات ايضاً لو سلمنا عدم كون ما ذكر من قبيل العلة المخصصة للمطلقات، نعم في الفرض المذكور ايضاً لو علم بأنه حين التوضؤ والاغتسال لم يكن ملتفتاً بأن احدهما نجس لم تجر القاعدة لما عرفت من الأنصراف او العلية، نعم لو منع من الأمرين يعني انصراف المطلقات وكون المذكور من قبيل العلة بل من باب الحكمة التي لا يلزم اطرادها في مورد القاعدة جرت في المقامين او فرق بينهما لو احتمل الأنصراف من الصورة الأولى دون الثانية.

المسألة الثانية عشر: اذا استعمل احد المشتبهين بالغصبية لا يحكم عليه بالضمان الا بعد تبين ان المستعمل هو المغصوب، لعدم العلم بالاشتغال لعدم العلم بكونه مال الغير فيكون احتمال اشتغال ذمته هنا نظير احتمال نجاسة الملاقي لأحد المشتبهين.

 

 

في احكام التخلي

المسألة الثانية عشر: لا يجوز للرجل والانثى النظر الى دبر الخنثى واما قبلها فيمكن ان يقال بتجويزه لكل منهما للشك في كونه عورة لكن الأحوط الترك بل الاقوى وجوبه لانه عورة على كل حال، لعل المراد انه عورة عرفاً اذ ليس المراد من العورة (الا ما يسمى عرفاً) احليلاً وبيضة او فرجاً وهذا الموجود من الخنثى يسمى بهما فيكون عورة ولا يجوز النظر اليها والا فلا وجه لدعوى كونه عورة على كل تقدير، نعم ما يشبه آلة الرجولية للرجل عورة سواء كان الخنثى ذكراً او انثى وما يشبه آ لة الانثوية للانثى عورة سواء كان الخنثى ذكراً او انثى.

المسألة الثالثة عشر: لو اضطر الى النظر الى عورة الغير كما في مقام المعالجة فالأحوط ان يكون في المرآة المقابلة لها إن اندفع الأضطرار بذلك وإلا فلا بأس. اذ ما من شيء حرمه الله الا احله لمن اضطر اليه وهل يعتبر رفع الاضطرار بالنظر في المرآة المقابلة لها ام لا يعتبر فيجوز وان ارتفع الاضطرار بذلك، صريح المتن ان الاحوط ترك النظر ان امكن رفع الاضطرار بالنظر الى المرآة واظن هذا الاحتياط منافياً لما مر من الجزم بحرمة النظر من وراء الشيشة والمرآة لان الجزم بالفتوى هناك يقتضي الجزم بالحرمة هنا لعدم الفرق في المقام والاحتياط هناك يقتضى الاحتياط هنا، ودعوى انها معاً حرام الا ان حرمة النظر بلا واسطة اشد من حرمته فلا مانع من الجزم بالحرمة والاحتياط في تقديم النظر في المرآة وترك النظر بلا واسطة نظير البول الى القبلة والاستدبار لها فأنهما محرمان ولكن مع الدوران يحتاط في المتن بتقديم الاستدبار مدفوعة بأنه لا وجه لاحتمال الاشديّة هنا مع استفادة ان المناط الاستطلاع، بل قد يقال ان مناط حرمة الاستطلاع الذي هو يتبع الشدة في النظر هو في المرآة اقوى مضافاً الى ان ذلك يوجب استحباب الاحتياط كما في مسألة الدوران بين الاستقبال والاستدبار لا وجوبه.

المسألة الرابعة عشر: يحرم في حال التخلي استقبال القبلة واستدبارها بمقادم البدنه وان امال عورته الى غيرهما، والأحوط ترك الاستقبال والأستدبار بعورته فقط، وان لم يكن مقاديم بدنه اليهما. ولا فرق في الحرمة بين الأبنية والصحاري والقول بعدم الحرمة في الأول ضعيف، والقبلة المنسوخة كبيت القدس لا يلحقها الحكم. والأقوى عدم حرمتهما في حال الأستبراء والاستنجاء، وان كان الترك احوط، ولو اضطر الى احد الأمرين تخيّر، وان كان الأحوط الأستدبار، ولو دار امره بين احدهما وترك الستر مع وجود الناظر وجب الستر، ولو اشتبهت القبلة لا يبعد العمل بالظن، ولو ترددت بين جهتين متقابلتين اختار الاخريين، ولو تردد بين المتصلتين فكالترديد بين الأربع التكليف ساقط، فيتخير بين الجهات. كما هو ظاهر الاستقبال بالشيء والاستدبار به فان العرف يفهم منهما الاستقبال والاستدبار بذلك وعليه فلا معنى في رفع الحرمة امالة العورة عنها حين البول كما لا يحرم على غير المستقبل امالة العورة اليها حين البول بما عرفت من ان الظاهر من الاستقبال والاستدبار هو ما كانا بالمقاديم، ان قلت العورة من المقاديم ايضاً فيكفي في رفع الحرمة الانحراف بها بامالتها عنها، قلت العورة من المقاديم بمنزلة اليد بل الاصبع فلا يضر في الصدق انحرافه مع المواجهة بالمقاديم من نحو الصدر وما يعد من البدن بل لا يكفي في رفع الحرمة الانحراف بالوجه والرأس ايضاً، ومن ذلك يظهر لك انه لا يحسن التعبير بالاستقبال والاستدبار بمقاديم البدن على نحو ما يعبرون عنه في مسألة استقبال الصلاة، ان قلت ما ذكرت من ان المناط والاستقبال بمقاديم البدن حسن لو كان المناط في الاستدلال مثل قوله اذا دخلتم الغائط فتجنبوا القبلة وقوله اذا دخلتم المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها وقوله في الجواب عن السؤال عن حد الغائط لا  تسقبل القبلة ولا تستدبرها ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها، واما لو كان مثل قوله عليه السلام: (لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول) وقوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن استقبال القبلة ببول او غائط) فظاهرها الاستقبال بالبول وليس الاستقبال بالبول الا خروجه قبالها او دبرها، قلت لا تنافي بين الروايات ولا منافاة بين حرمة الاستقبال حين البول والاستقبال بالبول فليكن المحرم كليهما ولعل الوجه في احتياط المتن بعد ان افتى بحرمة الاستقبال بمقاديم البدن بقوله: والاحوط ترك الاستقبال والاستدبار بعورته فقط وان لم يكن بمقاديم بدنه، نعم يمكن ان يقال ان الطائفتين من الاخبار ليست من قبيل العامين من وجه بل من قبيل المجمل والمبين لان قوله: تجنبوا القبلة ولا تستقبل القبلة اذا دخلت المخرج مجمل من حيث المتعلق من حيث ان المراد تجنبوا القبلة بان تبولوا لها أو تكونوا مستقبلين لها عند البول او ان المراد لا تستقبل القبلة ببولك او بتبولك اذ لا اولوية لحذف حال البول عن حذف ببولك وحينئذ يكون الطائفة الاخرى مبنية لها وموضحة لان المراد لا تستقبلها ببولك فلو افتى بحرمة الاستقبال والاستدبار بالبول وجعل الاحتياط في الاستقبال حالة وان امال احليله لكان اولى، ثم انه لا يتوهم ان اقتران بعض الاخبار ببعض المستحبات والمكروهات يوجب حرف النواهي عن ظهورها في الحرمة اذ يبقى العاري منها اولاً وعدم صلاحية السوق برفع ظهور النواهي ثانياً، ولا فرق في الحرمة بين الابنية والصحاري على المشهور للاطلاق وظهور قوله (اذا دخلت المخرج واذا دخلت الغائط) في البناء فالتفصيل بحرمة الثانية وكراهة الاولى واباحته ضعيف،وما يروي في الصحيحة من انه قال دخلت على ابي الحسن الرضا عليه السلام وفي منزله كنيف مستقبل القبلة سمعته يقول: (من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها اجلالاً للقبلة وتعظيماً لها لم يقم من مقعده حتى يغفر له)، لا يدل على شيء ولا ينافي فيما عليه المشهور من الحرمة بوجه، والوعد بالمغفرة على من انحرف، ايضاً لا ينافي حرمة الانحراف على وجه يوجب ظهور النواهي، والقبلة المنسوخة كبيت المقدس لا يلحقها الحكم لعدم الدليل ولا المناط المنقبح الذي يوجب التعدي، ودعوى الاطلاق ممنوعة، واحتمال صدق النبوي وهو اذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها قبل تحريف القبلة مدفوع بالاصل مع انه مما لو كان لأبانوا (و الأولى ان يقال ان ادلة نسخ القبلة حاكمة على الاطلاق)، والاقوى عدم حرمتهما في حال الاستبراء والاستنجاء لو لم يعلم بخروج البول ولا بأس بخروج البلل المشتبه، وتنزيله منزلة البول في غير النجاسة والناقضيه غير معلوم.

وقوله كما يقعد للتخلي في جواب من سأل عن كيفية قعود المستنجي لا دلالة له على شيء اذ لم يعلم من التشبيه ما يعم ذلك مع ما في بعض الأخبار من الدلالة على خلافه بل المرتكز في الأوهام اعتبار الجلوس للتنقية والاستنجاء والأستبراء على نحو مؤثر في التسلط على الاستنجاء فيمكن ان يكون السؤال من جهة ذلك المرتكز والجواب ناظر الى ذلك ايضاً ولا يبعد ان يكون الأحتياط بالترك حالها ناظراً الى احتمال الاطلاق كما عن بعض، ودعوى عموم تنزيل البلل المشتبه الخارج حين الأستبراء بل اجزاء الغائط التي قد تخرج حين الاستنجاء ولا بأس به ولو اضطر الى احد الأمرين تخير.

 

 

فصل في الاستنجاء

قوله يجب غسل مخرج البول بالماء مرتين والافضل الثلاث لعله اعتمد في ايجاب الغسل مرتين الى صحيحة البزنطي المروية عن مستظرفات السائر عن نوادره قال: (سألته عن البول يصبب الجسد قال صب عليه الماء مرتين فانما هو ماء) بزعم عموم موردها للاستنجاء على بعد لظهورها في اصابة الجسد من الخارج او استفادة العموم التعليل المشعر بتخفيف الامر في البول بالنظر الى انه ماء فيتعدى من مورده الى كل بول، وفيه ايضاً ان التعليل ناظر الى كفاية مجرد الصب من غير حاجة الى الدلك كما في غيره من النجاسات، ولا ينافيه ظهورها في كون التعليل تعليلاً للمجموع لان كفاية الصب مرتين ايضاً مستند الى كون البول ماء غير مشتمل على جسم محتاج الى الدلك، ويؤيده ما ذكرنا ما سيحكى عن مرسلة (الكابلي) انه ماء ليس بوسخ، نعم بناء على ما ذكرنا من كونه علة للاكتفاء بالصب مرتين ينبغي اعتبار مرتين في مطلق النجاسات وان ما يمتاز البول من بينها بالاكتفاء بالصب فيه من حيث كونه ماء، ولذا استفاد بعضهم حكم التعدد في النجاسات منها بعموم التعليل او بالأولوية، نعم وكيف كان فلا يستفاد حكم الاستنجاء منه مع اختصاص باب الاستنجاء بما يشهد بسهولة الامر فيه، وقد يستفاد التعدد من الجمع بين روايتين نشيط بن صالح عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (سألته كم يجري من الماء في الاستنجاء من البول؟ قال عليه السلام: (مثلاً ما على الحشفة من البلل) وفي رواية اخرى عنه قال يجري من البول ان تغسله بمثله فان الظاهر من كل منهما ان ذلك اقل ما يجزى فيجمع بينهما بان يكون الاولى في مقام اقل ما يجري في الاستنجاء الواجب من البول كما هو الظاهر من السؤال والثانية في مقام بيان ما يجرى في كل غسل فاذا كان المجزى في غسله مثل ما على الحشفة وكان اقل ما يكفي في الاستنجاء مثلاه كان اللازم تعدد الغسل والا لم يكن اقل ما يكفي مثلاه، وفيه ما يظهر لك بعد شرح مفاد الروايتين فنقول قد عرفت ان السؤال في الاولى عن اقل ما يكفي في الاستنجاء من الماء والجواب بأنه مثلاً ما على الحشفة وانت خبير بان المراد مثل ما على الحشفة عند الاستنجاء لا عند الفراغ من البول ومن المعلوم ان ما يبقى على الحشفة بعد البول وعند الاستنجاء بل بعد الاستبراء والتنحنح الذي هو وقت الاستنجاء ليس الا مقدار الرطوبة المتخلفة من البلل لو كان وليس هو على تقدير خروجه الا مقدار نصف القطرة فيكون مثلاه قطرة وانت ادرى ان مقدار قطرة من الماء هو اقل ما يحصل به مسمى غسل محل البول من الاحليل بحيث اذا سألت انت عن مقدار ما يحصل به المسمى غسل المحل المزبور لما اجبت باقل من ذلك ومن الجمع بين ظهور السؤال والجواب يستفاد كفاية مسمى الغسل في الاستنجاء الواجب فما ادري من اين استفاد القائل بالتعدد التعدد فكأنه فرض الموجود على المحل قطرة فكان مثلاه قطرتان فاذا كان اقل ما يجزي في الاتستنجاء الواجب قطرتان وجب التعدد والا لم يكن مقدار مسمى غسلتين اقل ما يجري وقد عرفت ما فيه، واما الرواية الاخرى فالظاهر ان مرجع الضمير في مثله هو البول يعني يجزى في البول او الغسل بمثله يريد منه الماء يعني لا يجزي الاستجمار والخرق، سلمنا لكن مرجع الضمير مجمل فلا يعارض المبين، سلمنا لكن التعبير عن مثلَي ما على الحشفة بمثله مسامحة ومما يمكن رفع اجمال الضمير به نقل الكليني انه روى انه يجزي ان يغسله بمثله من الماء اذا كان على رأس الحشفة وغيره، كما انه يؤيد ما استظهرنا كفايته من تحقق مسمى الغسل بل يدل عليه الموثقة قلت لابي عبد الله عليه السلام (الوضوء الذي افترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط او بال، قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين) فان الظاهر السؤال عن تمام ما يجب فلو كان التعدد من الواجب لأبان به كما ابان عن التعدد المستحب في الوضوء واما كون الثلاثة افضل للمروي حريز عن زرارة قال كان يستنجي من البول ثلاث ومن الغائط بالمدر والخرق او قد ظهر مما ذكرنا انه ليس لما يتحقق به الغسل حد، سوى صدق الغسل وهذا هو المراد بقوله بما يسمى غسلاً كما ظهر انه لا يجزي في البول غير الماء من عير فرق في ذلك كله بين الذكر والانثى والخنثى كما لافرق بين المخرج الطبيعي وغيره من المعتاد وغيره وليس قوله مثلاً ما على الحشفة دلالة على الاختصاص مع اطلاق السؤال وكون التعبير بذلك بلحاظ حال الراوي ولا اعتبار بالانصراف الى المعتاد لتشخّص او خصوص الطبيعي والا لجرى في غالب الاحكام وقدم ما يوضحه في غير هذا المقام، قوله وفي مخرج الغائط مخير بين الماء والمسح بالاحجار بالاجماع بل الضرورة وتظافر الاخبار بل تواترها على الاجتزاء بالاحجار والكرسف بل في بعض ان السنة جرت بذلك بل في صحيح زرارة ان الحسين بن علي عليهما السلام كان يستنجي بالكرسف ولا يغسل بالماء، لكن ذلك اذا لم يتعد عن المخرج على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء والا تعين بل ظاهر المشهور عدم الاكتفاء بكل ما كان مصداقاً للاستنجاء لتقليدهم ذلك بما اذا لم يتعد المخرج يعني مخرج النجو ومن الواضح اخصيته عن المعتاد فضلاً عن كفاية صدق الاستنجاء ودعوى قيام الاجماع على الاخص بعيدة والاعتماد في التقيد على النبوي يكفي احدكم ثلاثة احجار اذا لم يتجاوز محل العادة لا يقتضي التقيد على الوجه الاخص بل اختلاف المستفاد من المشهور مع النبوي يوجب عدم التقيد بالمعتاد ايضاً لعدم الجابر حينئذ له على وجه يقيد به الاطلاقات ولذا اكتفى في المتن، فتلخص ان محتملات المسألة ثلاثة:

احدها: التقيد بعدم التعدي عن المخرج ساء فسر بحلقة الدبر على وجه لا يشمل الشرج او على وجه يشمله.

ثانيها: التقيد بما جرت عليه العادة النوعية.

ثالثها: كفاية صدق الاستنجاء. والدليل للاول ظهور كلمات القدماء وللثاني النبوي والانصراف وللثالث عدم انجبار النبوي بفتوى المشهور لما عرفت من الاختلاف بينهما فيسقط عن الحجية، والمنع من الانصراف ولا لجرى في مسألة طهارة ماء الاستنجاء، وعدم بلوغ فتوى المشهور مبلغ الحجية نعم ان رجع تعبير المشهور الى التقيد بالعادة اجبر به سند النبوي وجاز تقيد المطلقات به وقيدت بالعادة ومنه يظهر الفرق بين مسألتنا ومسألة طهارة ماء الاستنجاء، قوله واذا تعدى على وجه الانفصال يعني لا يوجب هذا القسم من التعدي تعين الماء بالنسبة الى غير المتعدي فيتخير في المخرج معه بين الامرين بخلاف ما اذا تعدى متصلاً فانه لا يجوز غسل المتعدي بالماء واذهاب المقدار المعتاد منه بالاحجار وان كان لجوازه وجه ان ازال الزائد بوجه لا يتصل بالباقي رطوبة خارجية، وكيف كان فالغسل افضل من المسح بالاحجار لما ورد في سبب نزول الآية [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] وقوله ثم احدث الوضوء وهو خلق كريم، والجمع افضل لقوله عليه السلام: (فاتبعوا الماء بالاحجار) ولان الانصاري الذي نزل في حقه الآية جمع بين الامرين، ولا يعتبر في الغسل تعدد بل الحد فيه النقاء لقوله بعد السؤال عن انه هل للاستنجاء حد قال حتى ينقى ما ثمة او لا ينقى ما ثمة والمراد بالنقاء زوال الاثر مع زوال العين والمراد بالأثر في كلمات القوم ما يقابل الباقي بعد الاستجمار فان مصداق النقاء بالماء يغاير مصداقه عند الاستجمار كما في طهارة الرجل بالماء او بالمشي، قوله وفي المسح لابد من ثلث وان حصل النقاء بالأقل للمستفيضة فيها المروي عن سلمان نهانا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان يستنجي باقل من ثلاثة احجار، ومثله خبران عاميان احدهما لا يكفي احدكم دون ثلاثة احجار والآخر لا يستنجي احدكم بدون ثلاثة احجار، ورابع اذا جليس احدكم لحاجة فاليمسح ثلاث مسحات، وخامس واستطب ثلاثة احجار او ثلاثة اعواد او ثلاثة خشنات من تراب، وصحيحة زرارة ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وظاهرة كون الثلاثة اقل ما يجزي وفي اخرى جرت السنة في اثر الغائط بثلاثة احجار ان تمسح العجان ولا تغسله وفي رواية العجلي يجزي من الغائط المسح بالأحجار وظاهرة ارادة المتكرر من الجمع واقله ثلاثة دون النجس، وفي قبال ما عرف تحديده بالنقاء وفي حسنة ابن المغيرة فانه قال: قلت هل للاستنجاء حد، قال: لا حتى ينقى ما ثمة، والموثقة في الوضوء الذي افترضه الله على العباد ولمن جاء من الغائط او بال قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط.

وفي تعين الأخذ بالطائفة الأولى وحمل المطلق على الغالب من عدم الإذهاب بدون الثلاثة او حمله على الاستنجاء بالماء او الأخذ بالأخيرة وحمل الأدلة على الغالب حيث انه لا ينفى بدو ثلاثة وجهان اوجههما الأول لأن ظهور المصدر في التقيد اقوى من ظهور المطلق في الاطلاق مضافاً الى ان الغالب وان كان عدم النقاء بأقل من ثلاثة الا انه لا ينقى بالثلاثة والنافع في الحمل على الغالب هو الأخير.

واما دعوى ظهور الحسنة في خصوص الاستنجاء بالماء فلا وجه له للمنع من انصراف الاستنجاء اليه حتى المستند الى ندرة الوجود فضلاً عن ندرة الأستعمال، وقوله ينقى ما ثمة ويبقى الريح لادلة فيه على كون مورد السؤال خصوص الاستنجاء بالماء لو لم يكن فيه شهادة على خلافه لبقاء الريح غالباً بعد الأستجمار دون الغسل.

واما دعوى ان المراد ان كان زوال العين لا يصح تحديد الاستنجاء بالماء به وان كان ما يعمه وزوال الأثر لا يصح تحديد الأستجمار به وقد عرفت منعها سابقاً وان النقاء مفهوم واحد وان اختلف محققه ومصاديقه بحسب ما ينقى به ولا ينافي ذلك ارادة النظافة العرفية اذ النظافة العرفية ايضاً يختلف حصولها بسبب الماء والحجر فاطلاق الاستنجاء يدل على ارادة المعنى الأعم من النقاء كل بحسبه، ونظير ذلك في التحديد بالاذهاب والنقاء موثقة يونس (قلت: لأبي عبد الله عليه السلام عن الوضوء الذي افترضه الله لمن جاء من الغائط او بال قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط ويتوضأ مرتين مرتين)، وقد يقال ان المسؤول عنه الوضوء الذي افترضه الله وهو لا يشمل الأستجمار، والأنصاف انه ايضاً في غير محله لأن المراد من الوضوء فيه ما يعم التنظيف الشرعي والعرفي وهو يشمل الأستجمار بل الأنصاف ان رفع اليد عن اطلاق الموثقة والحسنة مع وقوعهما في مقام التحديد بعيد جداً فبعد الدوران بينه وبين حمل الأمر بالثلاث على الأستحباب تقدم الثاني، قوله ويجزى ذو الجهات الثلاثة من الحجر لاستبعاد مدخلية الثلاث بما هو كذلك بل في بعض الأخبار اطلاق ثلاث مسحات، نعم قوله بثلاثة احجار غير شامل للواحد ذي الجهات ويمكن ارادة تثليث المسحات منه ايضاً وانما عبر بثلاثة احجار لكونه الفرد الغالب من اختيار تثليث المسحات، ومنه يظهر الكلام في وجوب تثليث الخرق ووحدتها وان الأحوط ثلاثة منفصلات لاستصحاب النجاسة بدونها، ودعوى الاستبعاد لا مجال لها واطلاق تثليث المسح في بعض الأخبار قابل للتقيد بقوله ثلاثة احجار، فالأنصاف انه لا ينبغي ترك الأحتياط باختيار المنفصل من الخرق والأحجار قوله: ويكفي كل قالع، يعني للنجاسة من دون خصوصية للأحجار والعود والتراب الخشن كما في الرواية بل وفي تعليل المنع عن الاستنجاء بالروث والرّمة بأنه طعام الجن اشعار الى وجود المقتضى فيهما بل في كل شيء سوى ما يكون هناك مانع وعليه فلا فرق بين الأصابع وغيره كانت الأصابع منه او من جاريته وزوجته، نعم يعتبر فيه الطهارة للانصراف واستبعاد كون الملاقاة المقتضية للتنجيس مطهراً بل واستفادة ذلك من اشتراط البكارة، بل التحقيق انه لو استنجي بالنجس لا يكفي بعده الا الماء لتنجس المحل بغير نجاسة الاستنجاء، ولا يشترط البكارة وان صرح بها في بعض الأخبار لكنك عرفت ان ارادة الطاهر منها محتمل بل مظنون وعليه فيكفي المتنجس بالاستنجاء او بغير الاستنجاء بعد غسله وتطهيره بل لو اخذنا بظاهر البكارة اقتضى ذلك عدم جواز استجمار الغير به ايضاً فضلاً عن استعماله ثانياً في الأستجمار الآخر ولعل بعض ذلك مخالف للاجماع، ويجب في الغسل بالماء ازالة العين والأثر بمعنى الأجزاء الصغار التي لا ترى لما عرفت ان النقاء بالماء عرفاً كذلك بل لا يطلق على اقل من ذلك النقاء وان صدق عليه عند الأستجمار، نعم لا يعتبر زوال اللون والريح لعدم الدليل مع صدق النقاء عرفاً وشرعاً، وفي المسح يكفي ازالة العين ولا يضر بقاء الأثر بمعنى الأجزاء الصغار الغير المرئية لما عرفت من صدق النقاء والاذهاب.

المسألة الأولى: لا يجوز الاستنجاء بالمحترمات ولا بالعظم والروث، ولو استنجى بها عصى، لكن يطهر المحل على الأقوى(1)، التي تثبت احترامها من الشرع تكليفاً وهل تقتضي طهر المحل ان لم يوجب استعماله ارتداد المستنجي الأظهر، نعم واما الاستنجاء بالعظم والروث فلو منعنا عنه لم يطهر المحل لاستصحاب نجاسته وظهور الاخبار المانعة في الوضع، نعم لدعوى حملها على الكراهة بقرينة التعليل بأنه طعام الجن بضميمة ان التحديد بالإذهاب والنقاء تحديداً لجميع جهات الاستنجاء لا خصوص حد الأزالة كما هو الظاهر من الموثقة والحسنة يتجه جداً.

المسألة الثانية: في الاستنجاء بالمسحات اذا بقيت الرطوبة في المحل يشكل الحكم بالطهارة، فليس حالها حال الأجزاء الصغار، بل المنقول عن الشافعي وابي حنيفة عدم طهارة المحل بالأستجمار وان ثبت العفو في الشريعة لكنه خلاف ظاهر اطلاق الأصحاب بل والأخبار بل كاد يكون قوله في صحيحة زرارة لا صلاة الا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار نصاً في ذلك مضافاً الى النبوي لا تستنجوا بالعظم والروث فأنه لا يطهران وان كان من المحتمل بل المظنون وارادة النقاء من التطهير فيه ولذا حملنا النبوي على الكراهة فيما مضى وكيف كان فظاهر الأخبار طهارة المحل بالأستجمار بل ظاهرها الطهارة بمجرد النقاء وذهاب الغائط وان بقيت الرطوبة في المحل فيكون حال الرطوبة حال الأجزاء الصغار الغير المرئية بل يمكن ان يكون المراد من الأثر الذي لا يجب ازالته في الأستجمار ما يعم الرطوبة المزبورة، وعدم وجوب ازالتها ظاهر في طهارتها وليس بملاك التعبد الا ان يدعى ان الغالب عند عدم تلين البطن عدم بقاء شيء من الرطوبة في المحل بعد الأستجمار واليه يشير قول علي عليه السلام: (كنتم تبعرون بعرى واليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الأحجار) وانما امر بالماء لإزالة الرطوبة ثم على تقدير نجاسة الرطوبة فهل يعتير طهارة المحل ازالتها بالاستجمار او يكفي جفافها بنفسها لكل وجه والاحوط الاول كما ان الاحوط عدم البقاء على طهارة الرطوبة وان كان الظاهر كفاية جفافها ولو بنفسها في طهر المحل لاطلاق ادلة الاستجمار.

المسألة الثالثة: في الاستنجاء بالمسحات يعتبر ان لا يكون في ما يمسح به رطوبة مسرية، فلا يجزئ مثل الطين والوصلة المرطوبة، نعم لا تضر النداوة التي لا تسري، والا لتنجست تلك الرطوبة فيكون ما يستنجى به نجساً وقد عرفت اعتبار طهارته مع قطع النظر عن الاستنجاء او دعوى ان هذه النجاسة ايضاً معلولة عن الاستنجاء مرفوعة بأنها زائدة عن النجاسة اللازمة له.

المسألة الرابعة: اذا خرج مع الغائط نجاسة اخرى كالدم او وصل الى المحل نجاسة من خارج يتعين الماء ولو شك في ذلك يبني على العدم فيتخير، لان الثابت زواله بالاستجمار هو خصوص نجاسة النجوى دون غيره، نعم خروج النجاسة على وجه لا يلاقي المحل ولا الملاقي له على وجه مؤثر في اكتساب الملاقى بالفتح النجاسة الزائدة لا يضر في طهر المحل بالاستجمار، نعم مع الشك في ذلك يبنى على العدم على اشكال في سقوط استصحاب النجاسة بذلك لما قرر نظير الشك في انه محدث بالاكبر او الاصغر في محله من ان نفي الفرد الطويل بالاستصحاب لا يترتب عليه قطع استصحاب النجاسة الا ان يقال انه لو شك في تأثير الاستجمار من جهة وجود مانع والاصل عدمه فليس الشك ناشئاً عن اختلاف نوع النجاسة بل لو كان الشك في خروج النجاسة الخارجة متأخر عن نجاسة المحل بالنجو امكن استصحاب بقاء خصوص النجاسة النجوى دون غيرها هذا ولك الانصاف عدم خلو المسألة عن الاشكال خصوصاً اذا كان الشك في خروج النجاسة الاخرى معه على النحو المؤثر في النجو ودعوى استصحاب بقاء مرتبة النجاسة النجوية وعدم تأثيرها بغيرها حسنة فيما اذا لم يحتمل تكونهما معاً من اول حدوثها.

المسألة الخامسة: اذا خرج من بيت الخلاء ثم شك في انه استنجى ام لا بنى على عدمه، على الأحوط(1) وان كان من عادته، بل كذا لو دخل في الصلاة، ثم شك، نعم لو شك في ذلك بعد تمام الصلاة صحت، ولكن عليه الاستنجاء للصلاة الآتية، لكن لا يبعد جريان قاعدة التجاوز في صورة الإعتياد، للاستصحاب ودعوى كون الشك من قبيل الشك بعد تجاوز المحل مدفوعة بأنها مبنية على تعميم المحل (اذ ليس للاستنجاء محل شرعي لجواز تأخيره شرعاً الى وقت آخر فهو نظير من التزم بالصلاة اول الوقت ثم شك في اثناء الوقت بأدائها ) للمحل العادي نوعاً او شخصاً وهو محل اشكال او منع ومنه يظهر انه لافرق بين جريان عادته على ذلك او عدمه، نعم لو كان ذلك منه بعد الدخول في الصلاة قوي البناء على الاستنجاء بالنسبة الى ما مضى من افعال الصلاة وحينئذ فلو تمكن من الاستنجاء في اثناء الصلاة من غير حصول مناف بنى عليها والا قطع الصلاة واستنجى ومنه يظهر قوة البناء على الصحة لو كان ذلك منه بعد الصلاة كما انه مما ذكرنا ظهر ان البناء على الاستنجاء مطلقاً لو كان معتاده ذلك كما في المتن بعيد.

المسألة السادسة: لا يجب الدلك باليد في مخرج البول عند الاستنجاء وان شك في خروج مثل المذي بنى على عدمه، لكن الأحوط الدلك(1) في هذه الصورة، فانه يغني على عدمه ودعوى انه مثبت بالنسبة الى حصول الغسل مدفوعة بجريان السيرة على اجراء هذا الاصل في موارد الغسل والغسل بالضم والفتح، ودعوى ان المرجع في مثل استصحاب النجاسة مدفوعة بامكان المنع من كونه من قبيل الشك في مسح النجاسة الموجودة بل هو من قبيل الشك في تحقيق مطهر النجاسة الشخصية.

المسألة السابعة: اذا مسح مخرج الغائط بالارض ثلاث مرات، كفى مع فرض زوال العين بها، وهكذا بحاشية الجدار ثلاث مرات لما عرفت من ان المناط المسح بكل قالع بل عرفت ان المناط النقاء فيطهر المحل بتحققه بكل وجه.

المسألة الثامنة: يجوز الاستنجاء بما يشك في كونه عظماً او روثاً او من المحترمات ويطهر المحل، واما اذا شك في كون مائع ماءاً مطلقاً او مضافا لم يكف في الطهارة، بل لا بد من العلم بكونه ماءاً، اما اصل الجواز التكليفي فلاصالة البراءة واما تحقق الطهارة بالمسح به فيشكل في غير الاخير لو قلنا باشتراط عدم كون ما يستنجى به عظماً او روثاً لان التمسك بالعمومات من قبيل التمسك في الشبهة المصداقية، نعم للمصنف كلام في المقام وبظاهرة اجراء اصالة عدم المانع ان احرز من العموم المقتضاة ومن المخصص كونه من قبيل المانع ولعله بنائه على الطهارة في المقام ناشئ من ذلك الاصل وبه يفرق بين الشك في كون ما غسل به المحل مطلقاً او مضافاً وبينما نحن فيه وقد اوضحنا الكلام عليه في غير المقام من الكتاب.

 

 

فصل الاستبراء

قوله والاولى في كيفياته: ان يعبر حتى تنقطع دريرة البول ثم يبدأ بمخرج الغائط فيطهّره ثم يضع اصبعه الوسطى من اليد اليسرى على مخرج الغائط ويمسح الى اصل الذكر ثلاث مرات ثم يضع سبابته فوق الذكر وإبهامه تحته ويمسح بقوة الى رأسه ثلاث مرات ثم يعصر رأسه ثلاث مرات، في الوسائل عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللاً قال: (اذا بال فخرطه ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ثم استنجى فان سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي) وهكذا باقي الاخبار المذكورة في الوسائل فانها ليس فيها اعتبار انقطاع دريرة البول، واما قوله في الصحيحة اذا انقطعت دريرة البول فصب الماء وقول روح بن عبد الرحيم بال ابو عبد الله وانا قائم على رأسه فلما انقطع شخب البول قال بعده هكذا الي فناولته فتوضأ مكانه، فلا يدلان على كون ذلك من آداب الاستبراء، نعم يمكن ان يقال ان محل الاستبراء لما كان عقيب البول يعتبر تحققه بتمامه ولا يتحقق الفراغ من البول الا بعد قطع دريرة البول مع ان اعتبار الاستبراء لما كان لاستظهار تنقية المجرى عما يبقى فيه بعد البول وجب ان يتحقق بعد الفراغ منه لكي يستظهر النقاء فان الواقع من افعاله في اثناء وقبل الفراغ كالواقع منه قبله لا دخل له في تنقية المجرى بعد الفراغ، واما الابتداء بمخرج الغائط قبل الاستبراء كما في موثقه عمار سألته عن الرجل اذا اراد ان يستنجي فايما يبدأ بالمقعدة او بالاحليل فقال بالمقعدة ثم بالاحليل ولعل الوجه فيه انه لما كان المعتبر في الاستبراء عندهم المسح من عند المقعدة كان المناسب ان يقع ذلك بعد الاستنجاء من الغائط والا لتنجس اليد وسرت النجاسة الى ما بين المقعدة واصل الذكر ومنه الى رأسه فناسب ان يكون الاستبراء بعد الاستنجاء من الغائط كما انه يناسب ايضاً ان يكون الاستنجاء من الغائط بعد صب الماء على محل البول فيستنجى من البول ابتداء ثم من الغائط ثم يستبرء فأن خرج شيء يستنجى من البول ثانياً, ثم ان الطريق المسطور في الكتاب للاستبراء في عدد المسحات وكيفيتها لا ينطبق على شيء من اخبار الباب، نعم يمكن ان يستظهر اولوية اعمال اليسرى بما دل على كراهة الاستنجاء باليمين وانه من الجفاء الا اذا كان هناك عذر بناء على ان يكون الاستبراء من شؤون الاستنجاء وان منعت عن ذلك فيكفي فيما ذكره ما دل على المنع من مس الذكر باليمين فان المروي في الوسائل عن ابي جعفر عليه السلام: (اذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه)، كما يمكن استظهار استحباب استعمال الوسطى من نوادر الراوندي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال: (من بال فليضع اصبعه الوسطى في اصل العجان ثم يسها ثلاثاً) ولعل لضعف سنده لم يعتبروه وجوباً وكيف كان فمن استبرء على الوجه المزبور في الكتاب عمل بتمام ما ورد في الاخبار بل قوله في الرواية الاولى مسح ما بين المقعدين والانثيين ثلاث وغمز ما بينهما ان حمل ما بينهما على ما بين اصل الذكر من عند الانثيين ورأسه اشتمل على المسحات التسع بعد ارادة التثليث من الغمز بقرينة ما قبله وعلى ذلك يمكن استظهار المسحات التسع من الرواية الاخيرة ايضاً، واما تعين اعمال السبابة فليس في شيء مما عثرت عليه من الاخبار، نعم هو اقوى في التنقية والاستظهار اذا وقع بهذه الكيفية وكيف كان ففائدته الحكم بطهارة الرطوبة المشتبهة وعدم ناقضيتها كما هو المصرح به في الاخبار الثلاثة السابقة مضافاً الى منقول الاجماع عليه في كلمات جماعة وظاهرهم كظاهر الاخبار الحكم بكون الخارج بولاً ان كان ذلك قبل الاستبراء وهو كذلك كما هو مقتضى تفريع عدم البأس على الاستبراء في الاخبار المزبورة بل تصريح بعض ما ورد فيمن بال ثم اغتسل بأنه يجب عليه الوضوء ولا ينقض غسله، وهو يلحق بالاستبراء في الفائدة المزبورة طول المدة على وجه يقطع بعدم بقاء شيء في المجرى فان احتمل كونه بولاً كان ذلك من اجل احتمال خروجه من الاعلى ام لا وجهان اولهما مختار المتن نظراً الى حصول الفرض من الاستبراء ومن تنقية المجرى وعدم بقاء شيء من البول فيه وهو حسن لو علم ان العلة في الاستبراء ذلك ويمكن التشكيك فيه باحتمال ان يكون ذلك مؤثراً في خروج ما كان في معرض الخروج من البول من محله، وكون الحكمة او العلة في البول بعد المني ذلك كما يظهر من الرواية لا اثر له فيما نحن فيه فالاحتياط لا ينبغي ان يترك، وعلى أي حال فلا يكفي الظن بالنقاء وعدم البقاء لعدم الدليل على حجية هذا الظن فلا يترتب عليه ما يترتب على العلم بنقاء المجرى وعدم بقاء شيء فيه وعدم كون الخارج منه ولا يضر احتمال البقاء وكون الخارج من البول بعد الاستبراء للدليل بل هذا هو الفائدة في الاستبراء والا فهو لا يوجب القطع بالنقاء، وليس على المرأة استبراء لاختصاص دليله بالرجال على وجه لا يمكن اجراءه فيها ودعوى انها تستبرء عرضاً او انها تصبر قليلاً وتتنحنح وتعصر فرجها عرضاً لا دليل عليها، وعلى أي حال فعلت ذلك او لم تفعلها فالرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة وعدم الناقضية للاستصحاب واصالة عدم خروج البول.

المسألة الأولى: من قطع ذكره يصنع ما ذكر فيما بقي، فلا يترك الميسور من اعماله بالميسور اذ ليس الحكم تعبدياً محضاً حتى لا يفهم حكم مثل هذه الفروض من ادلته كذا قيل وهو حسن لو علم بنقاء المجرى بذلك وعدم وجود شيء فيه وعلم ان المناط والعلة في الاستبراء رفع احتمال كون الخارج من البول الباقي في المجرى وفي كلا المقدمتين، تأمل في الرجوع الى ما دل على نقض الوضوء بالبلل الخارج قبل الاستبراء هو الاولى الا ان يدعى انصرافها الى من امكن في حقه ذلك فيكون المقطوع الذكر في حكم الانثى.

المسألة الثانية: مع ترك الاستبراء يحكم على الرطوبة المشتبهة بالنجاسة والناقضية، وان كان تركه من الأضطرار بعدم التمكن منه. كما مر من عدم الخلاف وظهور الاناطة في اخبار الاستبراء واطلاق الامر بالوضوء لما يخرج ممن بال قبل الغسل بعد تقيدها باخبار الاستبراء ومن ذلك عرفت انه لا فرق في ذلك بين ان يكون عدم الاستبراء اختباراً او اضطراراً بل عرفت شمول الاطلاق لمقطوع الحشفة او الذكر ايضاً في وجه.

المسألة الثالثة: لا يلزم المباشرة في الاستبراء فيكفي في ترتب الفائدة ان باشره غيره كزوجته او مملوكته، لا يعتبر المباشرة في الاستبراء بل لا يبعد اعتبار كونه باليد فيحصل بكل ما يؤدي ذلك يعني الغمز والنتر لوضوح ان المقصود منه تنقية المجرى واخراج بقية البلل وهو حسن ان اتضحت العلة بل مطلقاً لان المتبادر من الاوامر في مثل هذه الموارد مطلوبية وجود متعلقها ولا بفعل الغير من دون مباشرة ولا يلتفت الى الظهور النوعي في المباشرة فتأمل.

المسألة الرابعة: اذا خرجت رطوبة من شخص وشك شخص آخر في كونها بولاً او غيره، فالظاهر لحوق الحكم ايضاً من الطهارة ان كان بعد استبرائه، والنجاسة ان كان قبله، وان كان نفسه غافلاً بأن كان نائماً مثلاً، فلا يلزم ان يكون من خرجت منه هو الشاك وكذا اذا خرجت من الطفل وشك وليه في كونها بولاً، فمع عدم استبرائه يحكم عليها بالنجاسة، يلحقه الحكم يعني يحكم ببوليتها ان كان خروجها قبل الاستبراء وبطهارتها ان كان بعده وان كان نفس الشخص غافلاً وغير شاك في الرطوبة كأن كان نائماً وكذا اذا خرجت من الطفل او المجنون وشك وليه بل غيره مطلقاً في كون الخارج بولاً او غيره وذلك لظهور الاخبار في كون الاستبراء سبباً للحكم بطهارة الخارج ومعه لا فرق بين ان يكون الشاك نفس من خرجت منه الرطوبة كما هو مورد الاخبار او غيره.

المسألة الخامسة: اذا شك في الاستبراء يبني على عدمه، ولو مضت مدة، بل ولو كان من عادته، نعم لو علم انه استبرء وشك بعد ذلك في انه كان على الوجه الصحيح ام لا، بنى على الصحة، للاستصحاب وعدم جريان قاعدة التجاوز فيه اذ لم يتقرر له محل حتى يكون فيه محلاً للتقسيم بين التجاوز وعدمه نعم ان فرضنا انه كان من عادته الاستبراء وقت الاستنجاء او الكون في الخلاء وعممنا المحل في اخبار التجاوز الى المحل العادي واتفق شكه بعد تجاوز المحل لم يبعد جريان القاعدة نعم لو علم انه استبرء وشك في صحته وفساده جرى اصالة الصحة والفراغ.

المسألة السادسة: اذا شك من لم يستبرء في خروج الرطوبة وعدمه بنى على عدمه، ولو كان ظاناً بالخروج، كما اذا رأى في ثوبه رطوبة وشك في انها خرجت منه او وقعت عليه من الخارج، للاستصحاب وان ظن الخروج لعدم اختصاص حجية الاستصحاب بغير مورد الظن بالخلاف.

المسألة السابعة: اذا علم ان الخارج منه مذي لكن شك في انه هل خرج معه بول ام لا،لا يحكم عليه بالنجاسة، الاَّ ان يصدّق عليه الرطوبة المشتبهة بأن يكون الشك في ان هذا الموجود هل هو بتمامه مذي او مركب منه ومن البول، لا يلحقه حكم الرطوبة المشتبهة الا ان يرجع الشك الى ان بعض الخارج بول او مذي فمن علم انه خرج منه مقدار من المذي وشك في خروج ازيد منه وان كان يعلم انه لو كان ازيد كان الزائد بولاً يبنى على الطهارة ومن علم ان الخارج ما عدى القطرة الاولى مثلاً مذي وشك في ان القطرة الاولى مذي او بول يلحقه الحكم بل في المتن ان الصورة الاولى ايضاً ان رجعت الى الشك في ان هذا الموجود بتمامه مذي او مركب من المذي والبول لحقه الحكم وفيه تأمل ان لم يرجع الى ما ذكرنا.

المسألة الثامنة: اذا بال ولم يستبريء ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول والمني يحكم عليها بأنها بول، فلا يجب عليه الغسل بخلاف ما اذا خرجت منه بعد الأستبراء فإنه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء والغسل عملاً بالعلم الإجمالي، هذا إذا لم كان ذلك بعد أن توضأ، واما إذا خرجت منه قبل ان يتوضأ فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء لأن الحدث الأصغر معلوم ووجود موجب الغسل غير معلوم، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل، لاطلاق الأخبار ومعاقد الاجماعات الحاكمة على ان الرطوبة المشتبه قبل الأستبراء بول ولكن الاطلاق اشكال لظهور سياقها في بيان الحكم المشتبه بين البول وغيره من الحبائل دون المني وحينئذ فان كان خارجاً من المتطهر بعد البول بالوضوء جمع بين الطهارتين للاستصحاب الحدث بعد فعل احدهما وان كان خارجاً قبله امكن استصحاب الحدث الأصغر ومن آثاره جواز الدخول في الصلاة بالوضوء فيكون حاكماً على استصحاب الحدث الكلي، فتلخص ان المشتبه بين البول والمني لا فرق في خروجه قبل الأستبراء او بعده من المتطهر في وجوب الجمع بين الطهارتين عملاً بالعلم الأجمالي لما عرفت من انصراف الاطلاقات وانما نكتفي بالوضوء لو خرج من المحدث لاستصحاب الحدث الأصغر وعدم تبدله الى الأكبر.

 

 

في مستحبات التخلي ومكروهاته

قال اما الأول فان يطلب خلوه او يبعد حتى لا يرى شخصه او يلج حفيره تأسيا بالنبي صلى الله عليه واله وسلم فأنه لم يرَ على غائط قط وقال عليه السلام من اتى الغائط فاليتستر وعنه تطهر.

 

 

فصل في غايات الوضوءات الواجبة

قوله فان الوضوء اما شرط في صحته فعل كالصلاة والطواف مطلقاً فريضة ونافلة لقوله لا صلاة الا بطهور وقوله الصلاة ثلاثة اثلاث ثلاث طهور الحديث بل ظاهر بعض الأخبار المفتى به عند جمع تحريم الدخول في الصلاة بغير طهارة ولو حال التقية واما الطواف تنزيلاً لقوله الطواف بالبيت صلاة وعن معاوية بن عمار لا بأس ان تقضي المناسك كلها على غير وضوء الا الطواف بالبيت فان فيه صلاة والوضوء افضل يعني في غير الطواف من المناسك، وظاهر كصريح ما يأتي من المتن انه ليس شرطاً لصحة الطواف المندوب وان كان شرطاً لصحة صلاته، وقوله واما شرط في كماله كقراءة القرآن لقوله عليه السلام بعد السؤال عن قراءة القرآن بعد البول والاستنجاء: (لا حتى يتوضأ) وقوله: (لا يقرأ العبد القرآن على غير طهور حتى يتطهر) بل عن عدة الداعي ان القراءة متطهراً خمس وعشرون وغير متطهر عشر حسنات، وقوله واما شرط في جوازه كمس كتابة القرآن لقوله: (ولا تمس الكتاب) بعد السؤال عن قرائته القرآن وهو على غير وضوء، وفي رواية عبد الحميد المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنباً ولا تمس خطه ولا تعلقه، ولا يضر اشتمالها على غير المحرم لغير المتطهر قوله او رافع لكراهته كالأكل فان الجنب اذا اراد ان يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه واكل وشرب وفي دلالة مثله على استحباب التوضي بالوضوء نظر ومنع، ولعل مطلقات الأمر بالوضوء ايضاً قابل الحمل على ذلك وان كان يمكن حملها على الصلاة على ما ينصرف اليه من الوضوء الصلاة ولا ينافيه استحباب المضمضة وغسل ايضاً فيحمل على التخير كما يدل عليه صحيحة الحلبي قال: (قلت للصادق عليه السلام ايأكل الجنب قبل ان يتوضأ, قال: انا لنكسل ولكن يغسل يده او يتوضأ والوضوء افضل)، وعن الوافي انه يشبه ان يكون مما صحّف وكان انا لنغتسل، ويمكن ان يكون على اصله ويراد من ضمير المتكلم مع الغير جميع الناس يعني نحن معاشر الناس نكسل عن العبادة فعبَّر بذلك واراد غير نفسه، قوله او شرط في تحقق امره كالوضوء ليكون على الطهارة واستدل له في الحدائق بالمروي عن الديلمي من احدث ولم يتوضأ فقد جفاني الحديث، وقوله: (كان اصحاب رسول الله اذا بالوا توضؤا او تيمموا مخافة ان تدركهم الساعة) الحديث.

ويمكن الاستدلال له ايضاً بقوله: (يا أنس اكثر من الطهور يزد الله في عمرك وان استطعت ان يكون بالليل والنهار على طهارة فافعل) بل وبكل ما دل على استحباب الطهور، كقوله: (نعم ان الله يحب المتطهرين) ولكن سيجيء انشاء الله انه قد يستدل بها لكون الوضوء مستحباً نفسياً لأنه المراد من الطهور المأمور به، والأنصاف ان لكل من المعنيين وجهاً فمثل هذه الأخبار وغيرها المشتملة على الأمر بالطهور وبعض ما اشتمل على الأمر بالوضوء يمكن ان يكون امراً نفسياً بنفس الوضوء وان كانت الطهارة من آثاره بل ويمكن ان لا تكون الطهارة المأمور بها الا نفس الغسلات والمسحات فالتعبير عنها بالطهور نظير التعبير عن الثورية في الأخبار ويمكن ان يكون امراً غيرياً مقدمياً لتحصيل الطهارة النفسانية، قوله: والوضوء المستحب نفساً ان قلنا به قد عرفت ان مبنى استحباب الوضوء استحباب الغسلات والمسحات دون استحباب تحصيل الطهارة فان الوضوء عليه يكون مستحباً غيرياً فمن يزعم انه مستحب نفساً يقول ان رفع الحدث من آثاره المرتبة عليه شرعاً مطلقاً او عند قصد ذلك عند التوضي ومن منع استحبابه الشرعي يقول ان الثابت استحباب رفع الحدث وتحصيل الطهارة فلا يكون الوضوء الا مقدمة لا ندب اليه شرعاً ولم يثبت منه الأمر بنفس الغسلات ندباً وعلى ذلك فيشكل الأستحباب النفسي له اذ ليس لهم الا قوله: نعم ان الله يحب التوابين ويحب المتطرين وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (اكثر من الطهور يزد الله في عمرك وان استطعت ان تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل).

ومن المعلوم ان من المحتمل قريباً ان يكون متعلق الأمر فيهما ما يتولد من الوضوء يعني الطهارة ورفع الحدث بل ولا دلالة في مثل ما عن نوادر الراوندي كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اذا بالوا توضؤا مخافة ان تدركهم الساعة يعني الموت فان من المحتمل بل المظنون انهم كانوا يتوضؤن لتحصيل الطهارة ولو بملاحظة الرواية السابقة، نعم ما ينقل عن الحديث القدسي من احدث ولم يتوضأ فقد جفاني ومن توضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني الى آخره ظاهر استحباب نفس الوضوء والأنصاف.

 



دليل الكتاب

شرح العروة الوثقى. 1

شرح العروة الوثقى. 3

فصل في المياه. 101

فصل في الماء الجاري. 125

فصل في الماء الراكد. 133

فصل ماء المطر. 159

ماء الحمام. 167

فصل ماء البئر. 171

فصل في الماء المشكوك.. 197

في احكام التخلي. 211

فصل في الاستنجاء. 217

فصل الاستبراء. 229

في مستحبات التخلي ومكروهاته. 237

فصل في غايات الوضوءات الواجبة. 239

 

 

[1]. كتب بعد هذه الجملة حرف ع, على ما يبدو هي من تعليقات الشيخ علي كاشف الغطاء (قدس سره), لا من تقريره على الشيخ الشيرازي.

[2] ((قد يقال: إنّه أهمل من الكيفيّاتِ الشكّ في الجزئية والشرطية والمانعية او تكرار الترك والعدم، كالشكّ في حرمة شيءٍ بين أطرافٍ كثيرةٍ، ويمكن أنْ يدخل هذه الكيفيات في الأقسام المتقدمة))، الشيخ علي قدس سرّه.

[3] ((أقول: لَعَلَّ الفرقَ هو أنَّ المسألة الثانية كانت مشتملة على جواز الاحتياط في ما كان مجتهداً فيه أم مقلِّداً، والمسألة الثالثة كانت مشتملة على كيفيات الاحتياط، والرابعة مشتملة على جواز ترك الاجتهاد والتقليد والعمل والاحتياط، بدليل أنَّهُ عَبَّرَ فيها بإمكانِ الاجتهاد))، الشيخ علي قدس سرّه.

[4]  قد وجَّهْنا كلامَهُ رحمه الله في مَجْلِسِ الدَّرْسِ، بأنَّ مرادَهُ أنَّ عَمَلَ العامّي إذا خالف الواقع وكانَ بلا تقليدٍ ولا اجتهاد فهو باطل قطعاً؛ لأنّه لم يمتثل الأمر الواقعي ولا الظاهري، وليس غَرَضُ المصنّف رحمه الله أنّه باطل حتَّى في صُورة الموافقة للواقع، نعم لو خالف الواقع وكان عن تقليد أو اجتهاد يمكنُ القولُ بعدم البطلان بدعوى إجزاء الأمر الظاهري من الواقعي.

[5](( ينبغي أنْ يُقرِّرَ الدَّورَ في خصوص العبادات بهذا النحوِ، وهو أنَّ العملَ العبادي موقوفٌ على العِلمِ بمشروعيّتِهِ للعامّي، والعلم بمشروعيته له موقوفٌ على تقليدِهِ للغير؛ إذ مع عدم تقليده للغير لا يعلم بمشروعيته له، فلو كانَ التقليدُ موقوفٌ على العمل لزم توقُّفُ الشيء على ما يتوقّف عليه.

وجوابه: أنّ العلم بالمشروعية له لا يتوقّف على التقليد، وإنّما يتوقَّفُ على البناء بأنَّ قولَ الغيرِ حُجّةٌ له، نظير العمل بقول الأمام عليه السلام، فإنَّ العَمَلَ به موقوفٌ على البناء بأنّه حُجَّةٌ عليهِ إذ العلمُ بأنه حُجَّةٌ عليه من شُهْرَة أو بيّنة أو خبرةٍ بالأعلميّة والعدليّة أو المساواة والبناء ليس التقليد عند الخصم، وإنّما التقليدُ عنده هو العَمَلُ المستند للغير.

وبعبارةٍ أوضح إنَّ التقليد يحتاجُ إلى البناء على حُجِيَّةِ قَولِ الغير، ولعلَّ هذا البناء هو  المسمَّى بالإلتزام بقول الغير، وأدلّة صاحب الفصول لا تُثْبِتُ أزيدَ من لزومِ هذا البناء قبل العمل المستند إليه، أمّا أنَّ التقليدَ هو خُصوص هذا البناء أو العَمَل فلا تثبت ذلك، وهذا بنظر أنْ تثبت أنَّ البيعَ أو التعظيم يحتاجُ إلى القصد والبناء قبل العمل؛ لأنَّ العمل لا يَصْدُقُ عليه تعظيم أو بيعُ مُعاطَاة إلاَّ إذا استندَ إلى هذا القَصْدِ والبناء)).

[6]الاولى الاستدلال لهذه المسألة ان التقليد موقوف على احراز الرأي للمجتهد وعند موته لا يحرز رأيه واستصحاب بقاء رأيه لا يجري لأن العرف لا يرى الموضوع باقياً والمعترف الاستصحاب بقاء الموضوع عرفاً لا عقلاً في التقليد ابتداء لا يجوز، نعم بقاء يجوز لان العامي بعد تقليده يحرز ان حكم الواقعة هو ذلك فيستصحب بقاء حكم الواقعة بالنسبة لنفسه.

[7] من لا يحضره الفقيه 3/3، أبواب القضايا والأحكام – باب من يجوز التحاكم إليه ومن لا يجوز حديث رقم 3216.

[8] وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب11، حديث6، وفيه (قاضياً) بدل (حاكماً).

[9] الكافي، 1/67، كتاب فصل العلم، باب اختلاف الحديث، حديث10.

[10] الوسائل، أبواب صفات القاضي، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، حديث20.

[11] هذا ذيل رواية داود ابن الحصين المتقدّمة.

[12] كذا في المخطوط، والكلمة غير واضحة، فربّما تكون (أشَّرَ).

[13] هذا المعنى يفهم من مجموع كلمات الشيخ الأعظم الأنصاري في فرائد الأصول في بحث التعارض 4/44، وقوله كذلك في 3/409 ،410. ((لمّا تقرّر في باب التعارض من أنّ الأصل في المتعارضين التخيير إذا كان اعتبارهما في باب التعبد لا من باب الطريقية..))، وهو رأي الآخوند في الكفاية 285.

(1) وسائل الشيعة، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب9، الحديث27 نقلاً عن معاني الأخبار، ص1، وهو أول حديث في الكتاب وفي البصائر الدرجات ص349، الباب9، باب في الأئمة أنهم يتكلمون على سبعين وجهاً، حديث رقم6. وفيه (أنتم أفقه) بدل (أعلم).

(1) الوسائل، أبواب صفات القاضي، الباب9، حديث20.

(1) الكافي/299، كتاب المعيشة – بابٌ في حفظ المال وكراهة الإضاعة – حديث1. وفيه (المؤمنون) بدل (المسلمون).

(1) الكافي 5/314 – كتاب المعيشة – باب النوادر – حديث رقم40.

(2) بل على الأظهر مع العلم بالمخالفة كما مر.

(1) بل يصح مع احتمال الابتلاء ايضاً اذا لم يتحقق الابتلاء به خارجاً او تحقق ولكنه اتى بوظيفة الشك او السهو رجاءاً.

(1) وجوب القضاء ينحصر بموارد العلم بمخالفة المأتي به للواقع وكون تلك المخالفة موجبة للقضاء بنظر من يجب الرجوع اليه فعلاً.

(1) مرَّ ان الأظهر ثبوتها بشهادة عدل واحد بل بمطلق الثقة ايضاً.

(2) الأظهر هو التفصيل بين ما اذا نقل فتواه بإباحة شيء ثم بانَ ان فتواه هي الوجوب او الحرمة وبين ما اذا نقل فتواه بالوجوب او الحرمة ثم بان ان فتواه كانت الإباحة فعلى الاول يجب الأعلام دون الثاني وكذا الحال بالإضافة إلى المجتهد نفسه.

(1) الضابط في هذا المقام ان العمل الواقع على طبق فتوى المجتهد الاول اما ان يكون النقص فيه نقصاً لا يضر مع السهو او الجهل بصحته، واما ان يكون نقصاً يضر بصحته مطلقاً، ففي الاول لا تجب الإعادة واما الثاني ففيه تفصيل. فاذا قلَّد من يقول بعدم وجوب الصورة في الصلاة ثم قلَّد من يقوم بوجوبها فيها لم تجب عليه اعادة الصلاة التي صلاّها بغير سورة في الوقت فضلاً عن، وأما في الثاني كالطهور فان كان الاجتهاد الثاني من باب الأخذ بالمتيقن وقاعدة الاحتياط وجبت العادة في الوقت لا في خارجه، وان كان من جهة التمسك بالدليل فالظاهر وجوب العادة مطلقاً.

(1) هذا اذا كان المقلد قائلاً بجواز البقاء، واما اذا كان قائلاً بوجوبه فالاظهر هو الاول.

(1) لا فرق في الموضوعات المستنبطة بين الشرعية والعرفية في انها محل للتقليد، اذ  التقليد فيها مساوق للتقليد في الحكم الشرعي كما هو ظاهر.  

(1) في اطلاقه منع ظاهر، والمدار على الصدق العرفي، ومنه تظهر حالة المسألة الثالثة.

(2) الظاهر انه ينجس، ولا اثر للاحتمال المزبور.

(1) تقدَّم ان المناط في عدم التنجس هو الدفع بلا فرق بين العالي وغيره.

(2) الاظهر هو الحكم للطهارة.

 

(1) بل اللازم هو الاحتياط بتكرار الوضوء حتى يعلم بحصول التوضؤ بالماء المطلق.

(1) بل على الأظهر واحتمال جريان قاعدة التجاوز مع الاعتياد ضعيف.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD