جهاد المسلميـن

لأبناء القردة والخنازير

 

المقدمة

سيرة اليهود تختلف عن سيرة باقي الأمم والشعوب فقد وهبهم الله تعالى فرصاً عظيمة من الخير والصلاح بما أرسله من أعداد كثيرة من الأنبياء ولو ساروا على نهج الباري عز وجل لأفلحوا ونجحوا لكنهم حادوا عن الطريق وانحرفوا عن الأنبياء وزاغوا عن الشرائع السماوية. وتحول بنو إسرائيل إلى فتنة للإنسانية جمعاء مع قلتهم. فترى الأمم  والشعوب تشكوا منهم والحكومات تحتاط منهم في مختلف أرجاء العالم وعلى مرور الأيام والسنين، فالروم أخرجوهم من فلسطين انتقاماً لأعمالهم الدنيئة والمسلمون أخرجوهم من شبه جزيرة العرب لمكائدهم ومؤامراتهم، والأسبان طردوهم من بلادهم لتدخلهم في الشؤون الداخلية، وشعوب العالم الحالية ما زالت تئن تحت وطأة جرائمهم، وسوف يستمر اليهود في مشروعهم الصهيوني العنصري إلى أن يأتي يوم يتخلص العالم فيه من شرورهم وينتصر عليهم.

وقد وسمت بحثي هذا بعنوان (جهاد المسلمين لأبناء القردة والخنازير)، وقد جعلت البحث على ثلاثة فصول الفصل الأول تناولت فيه تعريف الجهاد لغةً وشرعاً وفضيلته وأنواعه ومقوماته ولم نتعرض لأحكام الجهاد فإنها موجودة في الكتب الفقهية، وتطرقت في الفصل الثاني إلى اليهود في عصر النبوة فتكلمت عن اليهود في مكة المكرمة ثم في المدينة المنورة ثم أمل المسلمين في إيمان اليهود ثم موقف اليهود من الدعوة الإسلامية وعداء اليهود لمحمد  صلى الله عليه وآله وسلم وسلم والمسلمين، ثم تناولت مواجهة الرسول الأعظم لليهود على مستويين مستوى الأفراد ومستوى الجماعات وسيكون حديثنا مُقْتَصِراً على مُدَّةِ بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والحديث عن اليهود في هذه الْحِقْبَة مهم جداً لأنه سيحدد أبعاد فكرة العداء الذي نصبه اليهود للإسلام ويبين الأسس الأولى التي دارت عليها المعارك، كما سيخطط الأسلوب الذي واجه به المسلمون هذا العداء، وهو أسلوب تشريعي جعل الحق أساسه والعدل شعاره والإسلام غايته ومرماه، أسلوب وضعه الله بعلمه وحكمته، ونفذه أمناء مخلصون جديرون بالثقة والتقدير باتباع منهجهم في كل المواجهات التي تحدث في جميع العصور.

أما الفصل الثالث فقد جاء بعنوان اليهود وفلسطين وتناولت فيه سمات الشخصية اليهودية ثم أهمية فلسطين، وثالثاً الحكم الشرعي في مبادرة السلام مع إسرائيل والعمليات الاستشهادية، ورابعاً آليات الجهاد في المرحلة الراهنة وأسباب فشل المسلمين في الصراع الصهيوني وأخيرا موقف علماء النجف الأشرف من قضية فلسطين.

إنّ الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجاً، وتنتشر الدعوة الإسلامية، وتتم الوحدة العربية تحت راية الإسلام، وفتح مكة، وإخماد فتنة المنافقين، وإتمام النعمة والدين إلا بعد القضاء على اليهود رأس كل فتنة وإجلائهم من المدينة المنورة، ولا يتم للعرب والمسلمين اليوم مستقبل زاهر وسلام عَتيد وعَيْشٌ رغيد إلا بالقضاء على اليهود المتمثلين بالكيان الصهيوني.

المدرسة المهدية الدينية/النجف الأشرف 24/صفر/1423هـ -  6/5/2002م

الفصل الأول

الجهاد في الإسلام

الجهاد هو حجر الزاوية من بناء هيكل الإسلام وعموده الذي قامت عليه سرادقه، واتسعت مناطقه، وامتدت أطرافه ولولا الجهاد لما كان الإسلام رحمة للعاملين وبركة على الخلق أجمعين. والجهاد هو مكافحة العدو ومقاومة الظلم والفساد في الأرض والنفوس والأموال والتضحية والمفادات للحق.

والجهاد على قسمين:

القسم الأول: الجهاد الأكبر  

وهو مقاومة العدو الداخلي وهو النفس ومكافحة صفاتها الذميمة وأخلاقها الرذيلة في الجهل والجبن والجور والظلم والكبر والغرور والحسد والشح إلى آخر ما هناك من نظائرها قال رسول الله: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)(1). وسمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا القسم من الجهاد بالجهاد الأكبر لصعوبة معالجة النفس وانتزاع صفاتها الذميمة وغرائزها المستحكمة فيها، والمطبوعة عليها، ولسنا في بحثنا هذا بصدد الكلام على هذا القسم إنما هو موكول لكتب الأخلاق الإسلامية.

القسم الثاني: الجهاد الأصغر

وهو مقاومة العدو الخارجي، عدو الحق ، عدو العدل، عدو الصلاح، عدو الفضيلة عدو الدين. وبحثنا عن هذا القسم.

أولاً : تعريف الجهاد

1.تعريف الجهاد لغةً: الجهاد على وزن فعال من الجَهد بالفتح بمعنى التعب والمشقة أو بالضم بمعنى الوسع والطاقة وهو مصدر جاهد يجاهد مجاهدة وجهاداً كقتال، وجاهدت العدو إذا قاتلته فهي صيغة مشاركة أي بذل كل واحد جهده وطاقته في دفع صاحبه([1]).

تعريف الجهاد شرعاً: استفراغ الْوُسْع أي الطاقة في مدافعة الأعداء وقتالهم، وهي كلمة إسلامية تستعمل بمعنى الحرب عند بقية الأمم. ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين والعمل بها وتعليمها وعلى مجاهدة الشيطان بدفع ما يزين من الشبهات والشهوات. والجهاد بوجه عام يعتبر مبدأ من مبادئ الإسلام، ودعا القران الكريم المسلمين إليه جماعة وأفراداً، وأن يؤمنوا بتشريعه كإيمانهم بأي معتقد صحيح، وأنْ يقوموا بتنفيذه كما يجب انْ ينفذوا غيره مما فرض الله، وأكد على ذلك مما يجعلنا على بصيرة بأهمية الجهاد.

ثانياً: فضيلة الجهاد

الجهاد باب من أبواب الجنة ومن أركان الإسلام وما ورد من فضله في الكتاب الكريم والسنة الشريفة أكثر من أن يحصى. قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ]([2]). وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجهاد سنام الدين وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (للجنة باب يقال له: باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع في الموقف والملائكة ترحب بهم)([3]). وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (الخير كله في السيف وتحت ظل السيف ولا يقيم الناس إلا بالسيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار)([4]). وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (اغزو تورثوا أبناءكم مجداً)([5]). وروي عن الإمام علي  عليه السلام  انه قال: (إنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجُنته الوثيقة، فمن تركه ألبسه الله ثَوْبَ الذل وشَملهُ البلاء، وديث بالصغار وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وغضب الله عليه بتركه نصرته)([6]). وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه [إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]. وهو القائل  عليه السلام : (أيها الناس إنّ الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيص ومن لم يمت يقتل، وإن أفضل الموت القتل، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على فراش)([7]). وفي خبر أبي حفص الكلبي عن أبي عبد الله الصادق  عليه السلام : (إنّ الله عز وجل بعث رسوله بالإسلام إلى الناس عشر سنين، فأبوا أن يقبلوا حتى أمره بالقتال، فالخير في السيف وتحت السيف، والأمر يعود كما بدأ)([8]). وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق  عليه السلام : (من قتل في سبيل الله لم يُعّرفه الله شيئاً من سيئاته)([9]). وروي عن الإمام الباقر  عليه السلام  في صحيح ابن خالد (ألا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت بلى جعلت فداك، قال  عليه السلام : أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد).

ثالثاً: أنواع الجهاد

الجهاد على أنواع أربعة:

النوع الأول: الجهاد الابتدائي

ويسمى بالجهاد الأصلي أو الجهاد الدعوي وهو جهاد المشركين والكفار ابتداءاً بدعوتهم إلى الإسلام، ويجب كفاية على كل مكلف حر ذكر غير معذور.

النوع الثاني: الجهاد الدفاعي أو الدفاع

وهو جهاد من يَدْهَمُ أو يَهْجُم على المسلمين من الكفار ويخشى منه على بيضة الإسلام أو يريد الاستيلاء على بلادهم وأسرهم وسبيهم وطردهم وأخذ أموالهم. وهو واجب عيني على كل أحد حتى الأعمى والمريض والصغير والأنثى، ولا يختص بمن قصده الكفار من المسلمين بل يجب على من علم بالحال النهوض إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة والدفاع، ويتأكد الوجوب الأقربين فالأقربين، ولولي المسلمين الأخذ من أموال المسلمين بقدر الحاجة ، وإن القتال لدفع اعتداء الكفار عن بلاد المسلمين يباح في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم الحرام ورجب الأصب، وهذه الأشهر يحرم القتال فيها ابتداء من المسلمين ولكن يحل القتال رداً للاعتداء ، وهي أشهر كان يحرم القتال فيها عند العرب وأقرّ الإسلام ذلك  التحريم منعاً للاعتداء كما قال سبحانه وتعالى:[إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً]([10]).

ولا يثبط بُعْد الديار عن البلد الذي دهم أو هوجم من قبل
أعداء الإسلام المؤمنين عن هذا الفرض العيني، فإن الواجب على القاصي والداني أنْ يحمل السلاح ما دام قادراً على حمله ومن عَوَّقَهُ سبب من الأسباب كبعد المكان فإنّه لا يعوقه البعد أن يرسل المال أو يدعو بلسانه لدفع الاعتداء.

وإن الذين يتباطَؤُوْن ويتعللون بتعليلات واهية في هذه الحال فيهم شعب من النفاق والله تعالى عليم بالسرائر، ويدخلون في حكم المتخلفين الذين قال الله تعالى فيهم: [فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ  فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ]([11]).

قال جدنا كاشف الغطاء في كتابه كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء في كتاب الجهاد: (رابعها: جهاد الكفار لدفعهم عن بلدان المسلمين وقراهم وأراضيهم وإخراجهم منها بعد التسلط عليها وإصلاح بيضة الإسلام بعد كسرها وإصلاحها بعد ثلمها والسعي في نجاة المسلمين من أيدي الكفرة الملاعين، ويجب على المسلمين الحاضرين والغائبين إنْ لم يكن في الثغور من يقوم بدفعهم عن أرضهم  أن يتركوا عيالهم وأطفالهم وأموالهم ويهاجروا إلى دفع أعداء الله عن أولياء الله، فمن كان عنده جاه بذل جاهه أو مال بذل ماله أو سلاح بذل سلاحه أو حيلة أو تدبير صرفها في هذا المقام لحفظ بيضة الإسلام وأهل الإسلام من تسليط الكفرة اللئام، وهذا القسم أفضل أقسام الجهاد وأعظم الوسائل إلى رب العباد، ومن قُتِل يقف مع الشهداء يوم المحشر والله هذا هو الشهيد الأكبر فالسعيد من قتل من بين الصفوف فإنّه عند الله بمنزلة الشهداء المقتولين مع الحسين  عليه السلام  يوم الطفوف قد زخرفت لهم الجنان وانتظرتهم الحور والولدان وهم في القيامة أضياف سيد الأنس والجان)([12]).

النوع الثالث

 جهاد من يريد قتل نفس محترمة أو أخذ مال أو سبي حريم مطلقاً وهو يسمى بالدفاع  الفردي. وهو كل من خاف على نفسه أو عرضه أو ماله إذا غلب على ظنه السلامة. وذكر أحكامه الفقهاء في باب الحدود.

النوع الرابع : جهاد البغاة

وهم من خرجوا على الإمام العادل وقاتلوه ومنعوا تسليم الحق إليه([13]).

رابعاً : مقومات الجهاد

إنّ الإيمان بالحق الذي يجاهد في سبيله ركن ركين من أركان الجهاد، فلا يدخل المجاهد مضطرب الإيمان مزعزع العقيدة، فإن الإيمان قوة في الجهاد لا تقل عن قوة السلاح فيقدم على القتال ويوطن نفسه على تقديم النفس، وأن يؤمن معوضاً بحياة أفضل وسعادة أكمل وخير أشمل وهي حياة الشهداء يوم القيامة ومذعن لقوله تعالى:[وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]([14]).

أنْ نشعر المعتدين أعداء الإسلام بأننا أمة واحدة، ويتحقق فينا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)([15]). وقوله  عليه السلام : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)([16]). وقوله  عليه السلام : (المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه ولا يظلمه)([17]). فكل أرض من أراضي الإسلام من حمى الله تعالى فلا يصح أنْ نترك ما هو في حمى الله تعالى يعبث فيه أعداء الله.

بيان الغلظة على الكافرين والتراحم ما بين المسلمين، ونشر الرعب في نفوس أعداء الإسلام قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]([18]).

تهيئة أماكن التدريب لتخريج القادة والجنود متمرسين على الحرب ومتعلمين استخدام أدوات القتال وآلات الحرب، ومعرفة مسالك الدخول في الحرب ليستطيعوا أن يكيدوا للأعداء، فقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعد أعظم السبل للنجاح بما يرسم من خطط موصلة واختيار الأماكن التي ينبعث منها الهجوم.

أنْ ينتصر المجاهد على نفسه التي بين جنبيه وتكون أهواؤه وشهواته خاضعة لأمر الله تعالى ونهيه ، فلا ينتصر على عدوه الذي يحمل السلاح حتى ينتصر على نفسه من شهواتها فقد قال زيد بن علي  عليه السلام : (ما خاف قوم حرّ السيوف إلاَّ ذلوا).

أنْ يكون ما وراء الجبهة جبهة أخرى رصينة ومتماسكة، فإن ما وراء المجاهدين يشدون أزر المجاهدين ويضاعفوا الجهد في تماسك الجبهة وسد احتياجات المجتمع الإسلامي فلهم يكون جزاء الجهاد وإنْ لم يحملوا السلاح.

التسلح بالصبر والمصابرة والجَلَد فإن الحرب بلاء الإنسانية يصحبها نقص في الأموال والأنفس مع الخوف والاضطراب والقلق ولا علاج لذلك إلا الصبر فهو الإرادة القوية والعزم الصادق.

أنْ تكون القيادة مؤمنة شجاعة صابرة حكيمة ذات قرار حاسم غير مترددة تفتح قلوبها للناس.

أنْ يجاهد في سبيل الله لا لأجل حمية أو عصبية أو قومية فقد يدخله ذلك في ظلم، وهذا يؤدي إلى ضعف النفس عن القتال فمن خلا قلبه من الإيمان بالله واليوم الآخر فإن التخاذل يكون منه في وقت الشدة وبالاً على المجاهدين، ولو خرج يكون خبالاً، بينما لا يبقى ثابتاً بثبوت الراسخات سوى الإيمان بالله وباليوم الآخر كما قال تعالى في شأن المنافقين:[لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلا وضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ]([19]). فيكون منهم دعاة التردد والهزيمة ومنهم المثبطون ومنهم من يُرْجِفُوْنَ في المجالس فلا يرون خبراً يلقى باليأس إلا أذاعوا به، وقى الله المسلمين من شرهم فإنّهم سُوْسُ الأمم الذي ينخر في عظامها ويفسد عليها أمورها.

 

الفصل الثاني

 اليهود في عصر النبوة

أولا: اليهود في مكة المكرمة

حين بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة لم تكن فيها أسر يهودية أو جالية منهم يعمل لها حساب كما هو الشأن في المدينة المنورة، بل كان فيها أفراد قليلون لا يؤبه لهم ولا يخشى بأسهم. واليهود في مكة كانوا يعتقدون أنهم غير داخلين في ضمن المخاطبين بالدعوة الإسلامية، ويحسبونها خاصة لأهلها على نسق الدعوات السابقة.

ثانياً : اليهود في المدينة المنورة

هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المَدِيْنَةِ المنورة وهنالك واجه قوماً آخرين غير عبدة الأصنام الذين تركهم بمكة هؤلاء هم اليهود، ويهود المدينة أقوى وأخطر من أهل مكة ، كما أنّ وجودهم بارز فيها من حيث كثرة العدد ووفرة المال وقوة السلاح وتعدد الحصون بالنسبة إلى اليهود في الحجاز، في الوقت الذي لا تربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم باليهود رابطة نسب تخفف من حدة المواجهة كما كانت رابطته بقريش. وحينما حلّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة كتب بينه وبينهم عهداً آمنهم فيه على حريتهم الدينية وطقوسهم ومعابدهم وأموالهم وأبقاهم على محالفاتهم مع بطون الخزرج والأوس، وأوجب لهم الحماية مشترطاً عليهم أن لا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدواً ولا يمدوا يداً بأذى. قال تعالى: [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ]([20]).

وقوله تعالى:[الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونٍَ]([21]). ولكن ما أن لبث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة حتى أخذ اليهود ينظرون بعين التوجس إلى احتمال رسوخ قدمه وانتشار دعوته واجتماع شمل الأوس والخزرج تحت لوائه بعد ذلك العداء الدموي الذي كان اليهود من دون ريب يستغلونه في تقوية مركزهم، وخشوا على هذا المركز والامتيازات الكبيرة التي كانوا يتمتعون بها ويجنون منها أعظم الثمرات . ولهذا كان باعثاً على تنكرهم للدعوة وحقدهم على صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وسلم منذ الخطوات الأولى في العهد المدني، ولما رأى اليهود الناس قد أخذوا ينصرفون عنهم ويتخذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرجعهم الأعلى ومرشدهم الأعظم وقائدهم المطاع استشعروا بالخطر العظيم يحدّق بمركزهم الذي يتمتعون به بين العرب وامتيازاتهم التي كانوا يستغلون العرب فيها إذا تم النجاح والاستقرار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته. ولهذا اندفع اليهود في التنكر والحقد والصد والتآمر إلى النهاية على الدعوة الإسلامية.

ثالثاً: الأمل في إيمان اليهود

كان على اليهود أنْ يكونوا أول المؤمنين بالدعوة الإسلامية لا أن يكونوا أول الكافرين بها، وذلك لأسباب عدة في قبول الدعوة أو على الأقل وقوفهم موقف المحايد ونجمل أهمها:

جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة كلها سلام لا تبغي ظلماً ولا عداء. قال تعالى: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]([22])، ولهذا عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود معاهدة على حسن الجوار والتعاون وعلى تأمينهم على دينهم وأموالهم.

إنّ اليهود جماعة سبقت لهم دعوة سماوية أساسها التوحيد والإيمان بالرسالات والمعاد، والقرآن جاء مصدقاً لهم [قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ]([23]).

إن القرآن الكريم مدح الأنبياء السابقين وقدس كتبهم التي أنزلها الله عليهم وجعل ذلك شرطاً لصحة إيمان المؤمنين ليبين أنّ دعوته ليست عنصرية ولا خاصة.

إنّ التوارة المنزلة من عند الله بشرت بمحمد ورسالته كما قال تعالى: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الامِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ]([24]).

دخول بعض أحبار اليهود المشهور لهم بالعلم والتقوى للإسلام كعبد الله بن سلام أحد رؤساء بني قينقاع كان أهلاً أن يتبعه اليهود في ذلك([25]).

استقبال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لبيت المقدس مدة سنة ونصف في صلاتهم كما تستقبله اليهود في صلواتهم.

ولكن اليهود أصروا على معاداتهم للدعوة الإسلامية، بل أملوا من وراء ذلك أن ينحاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دعوته ودينه إلى دينهم كما قال تعالى: [وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ]([26]).

رابعاً: موقف اليهود من الدعوة الإسلامية

قال الله تعالى:[يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي*وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي* وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ]([27]).

إنّ هذه الآيات المباركة هي أول ما خوطب به يهود المدينة من الآيات القرآنية المدنية ، وهي صريحة الدلالة على أنّ اليهود لم يقابلوا الدعوة الإسلامية التي وجهت إليهم مقابلة حسنة، وفيها إشارة إلى النهي لهم عن أنْ يكونوا أول الكافرين بالقرآن، وعن لبس الحق بالباطل وكتم الحق الذي يعرفونه وهو كون رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووحي الله إليه بالقرآن حقاً وصدقاً، ثم السؤال الاستنكاري عن أمرهم الناس بالبر وعدم سيرهم في طريقه. ففي كل ذلك دلالات على المقابلة غير الحسنة للدعوة التي وجهت إليهم أولا ثم على ظهور إمارات وقوفهم منها موقف الجحود والتعطيل ثانياً. وهنالك عدة أسباب لعداء اليهود للدعوة الإسلامية أهمها:

اعتقاد اليهود أنهم خارجون عن نطاق الدعوة الإسلامية، فإذا هم يدعون إليها والاندماج بها ومساواتهم بالعرب وهم شعب الله المختار الذي له السيادة والسلطان على غيرهم من الأميين فكيف يقبلون ذلك؟

سد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود باب الأمل في مَجِيْئ رسول من سلالتهم يحقق لهم أغراضهم، وذلك لتقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخاتمية الرسالة ولا نبوة بعده. فكيف يقبلون أن تكون فخر الرسالات لسلالة نبينا إسماعيل  عليه السلام ؟، كما إن اليهود أنكروا أن تكون هناك رسالة من غير بني إسرائيل، فهم وحدهم الجديرون لاختيار الرسل منهم، ومحمد من العرب الأميين [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ]([28])، فلذلك لا يعترفون برسالته وقد قال حي بن أخطب وكعب بن أسد وأبو رافع وغيرهم لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما تكون النبوة في العرب
ولكن صاحبك ملك([29])، وقد أنزل الله تعالى في ذلك:[بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ]([30]).  

عمل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم على وحدة وتأليف وتقوية الأوس والخزرج بالإيمان والإسلام، ومعنى هذا تقوية صفهم ضد اليهود وزعزعة مركزهم الذي عمل اليهود طوال أيامهم على الاستئثار بالسلطان وهذا ما لم يكونوا ينتظرون.

انصراف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن قِبْلَةِ اليهود بعد أن كان مستقبلاً لبيت المقدس لذلك صرّح بعض اليهود مثل سلام بن يشكم وشاس بن قيس حين قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا؟([31]).

زعم اليهود أن الله الحق هو الذي يعبده بنو إسرائيل فقط ولا يستحق غيرهم من الأميين أن يكون لهم هذا الإله خالقاً ومعبوداً، ولما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى إله واحد لجميع الناس خالقاً ومعبوداً كان في ذلك تسوية لإله غيرهم بإلههم وكان فيه تسوية لغيرهم به هذا وكيف يرتضيه اليهود؟.

رفض اليهود القرآن المنزل بدعوى أنّ الذي حمله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو جبريل، وجبريل عدو لهم لأنه ينزل عليهم بما يشق من التكاليف فردَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: [قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ   مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ]([32]).

أنكر اليهود هناك بشارة في كتبهم أو عَهْداً بالإيمان ببعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وقد قال مالك بن الصيف للنبي حين ذكر لهم ما أُخِذَ عليهم من ميثاق: والله ما عهد إلينا في محمد عهد وما أخذ له علينا من ميثاق([33])، فأنزل الله سبحانه وتعالى: [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ]([34])  وقد كانَ اليهود يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البَراءِ بن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم([35]). ثم عهد اليهود إلى تغيير صفاته الموجودة في التوراة واستبدلوا بها صفات أخرى لا تنطبق عليه ليضلوا الناس ويتخلصوا من عهد الإيمان به. قال تعالى: [وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ]([36])، وقال تعالى: [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ]([37]).

 

هذه بعض الأساليب التي اتخذها اليهود للطعن في الدعوة الإسلامية والقرآن الكريم ولكن مثل هذه الأساليب يمكن أن تتكشف وتتحطم إذا كانت هنالك قلعة حصينة من العقيدة القوية وقيادة حكيمة واعية وحراسة متيقظة تفوت على العدو غرضه، وتحمي المجتمع شره وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام إزاء أساليب اليهود، وكان الوحي يؤيدهم لأنهم أخلصوا النية، وصدقوا العزم فكان الله معهم بالعون والتوفيق.

خامسا: عداء اليهود لمحمد والمسلمين

لم تفلح اليهود في عدائها للدعوة الإسلامية ولم تنجح أساليبهم في غزوهم الفكري للعقيدة الجديدة فلجأوا إلى معاندة الأشخاص وإيذائهم وهذه حيلة العاجز عن معاندة الحق كمبدأ بل أنّ معاداة اليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين معه كانت تسير جنبا إلى جنب مع معارضة الدعوة في وقت مبكر كأسلوب من جملة الأساليب الكثيرة التي تتفنن فيها اليهود في الإيذاء والإفساد، وهذه بعض مظاهر العداء منها:

 

محاولة اليهود للتخلص من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باغتياله ومما عرف من ذلك ثلاث طرق:

الطريقة الأولى:  عهد اليهود إلى رجل منهم اسمه لبيد بن الأعصم وهو من يهود بني زريق بإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمرض عن طريق كان معروفا للعرب وهو السحر([45]).

الطريقة الثانية: محاولة اليهود لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإلقاء حجر عليه من فوق جدار كان يجلس تحته.

الطريقة الثالثة: حاولت امرأة من اليهود اسمها زينب بنت الحارث وهي امرأة سلام بن مشكم من بني النضير أن تقضي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة السم عندما أهْدَتْ لرسول الله شاة مطبوخة فيها سم(2).

 

سادسا: مواجهة الرسول عداء اليهود

بعد استعراض لموقف اليهود العدائي من الدعوة الإسلامية ومن شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ونقضهم للعهود وغدرهم أدى ذلك إلى إذن الله لرسوله بتصفيتهم على مستوى الأفراد والجماعات.

أولا: تصفية اليهود على مستوى الأفراد

 

ثانيا: تصفية اليهود على مستوى الجماعات

 

الفصل الثالث

اليهود وفلسطين

أولا: سمات الشخصية اليهودية:

إنّ آيات القرآن الكريم رسمت صورة وافية لسمات الشخصية اليهودية، والذي يتضح أنّ هذه السمات ليست خاصة بمكان وزمان لليهود وإنما هي جبلة راسخة متوارثة من الآباء والأجداد غابرين ومعاصرين، وقد وصفتهم الآيات القرآنية بالكفر والجحود واللجاج والأنانية والزهو والتبجح والترفع عن الغير واعتبار أنفسهم فوق الناس وعدم الاندماج الصادق مع أحد والتضليل والتدليس والدس والشره الشديد إلى ما في أيدي غيرهم والحسد الشديد لهم ولو متعوا أنفسهم بأوفر النعم، ومحاولة الاستيلاء على الكل والتأثير في الكل واللعب في وقت واحد على كل حبل واستحلالهم لما في أيدي غيرهم وضنهم بأي شيء لغيرهم إذا ملكوا وقدروا، وعدم مبادلة غيرهم في الود والبر والمحبة وعدم تقيدهم بأي عهد ووعد وميثاق وحق وعدل وواجب وأمانة، وتشجيعهم لكل حاقد وفاسد ومنافق ودساس ومتآمر في سبيل التهديم وشفاء لداء الحسد والحقد والخداع المتأصل فيهم.

ولما تجمعت هذه الصفات الرذيلة في اليهود نظر إليهم المجتمع في كل زمان ومكان نِظْرَةَ ازدراء وسخط فأصبحت النفوس متبرمة بهم، والناس مستثقلون ظلمهم، والحذر رائدهم منهم، وشرهم ومكرهم بالغا الأثر فيهم، والجميع راغب في التخلص منهم بأية وسيلة، ولهذا يعرف عظم هول البلاء الذي رمى به طواغيت الاستعمار العرب والمسلمين بزرع هذا الكيان الصهيوني في أرض فلسطين ليتخلصوا من اليهود وليقضوا مآربهم الخبيثة وهذه بعض سمات الشخصية اليهودية:

ثانيا: أهمية فلسطين

فلسطين قِبْلَةُ الإسلام الأولى ومهد الأنبياء ولدوا فيها وعلى أرضها درجوا وبين طيات تربتها دفنوا، ولأهميتها جعلها الله سبحانه وتعالى قبلة الإسلام الأولى وقرن اسمها مع قبلته الثانية فقال جل جلاله في محكم كتابه: [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا](1).

إنّ فلسطين قلب العروبة النابض تقع في وسط البلاد العربية،فالصهيونية العالمية والامبريالية التي خططت لاحتلال هذه البقعة المباركة هدفها إخضاع البلاد العربية ومنطقة الشرق الأوسط للنفوذ الاستعماري، وضرب الإسلام في أهم مفاصله ومواقعه.

ثالثا: الحكم الشرعي في مبادرة السلام

إنّ اليهود في فلسطين معتدون في الأصل على دار المسلمين والعرب ومغتصبون لما احتلوه من فلسطين اغتصابا باغيا بمساعدة طواغيت الاستعمار بعد أن حاربوا العرب والمسلمين فيها أشد حرب، وآذوهم أشد أذى، وطردوهم من مدنهم وقراهم، واستولوا على بيوتهم ومزارعهم وبساتينهم وثرواتهم المنقولة وغير المنقولة، وقتلوا الآلاف منهم، ومنهم أطفال ونساء وشيوخ عُزَّل غير محاربين ومثلوا فيهم أفضع تمثيل، وهتكوا حرمات العرب المسلمين، ودنسوا مقدساتهم، وأزالوا معالم الإسلام والعروبة ولم يكن بين العرب وبينهم سابق عداء قبل تفكيرهم في غزو فلسطين وإنشاء دولة على أنقاض العرب والمسلمين فيها، بل كان العرب والمسلمون في ظِلِّ السلطان الإسلامي يمنحون من كان منهم في ظِلِّ هذا السلطان الحرية والأمان والطمأنينة في حين كانوا وظلوا معرضين للاضطهاد والمطاردة والمصادرة في كل البلاد الأخر التي كانوا يحلون فيها، فالجهاد المفروض على المسلمين في فلسطين هو الجهاد الدفاعي الذي هو فرض عين كما تقدم تفصيله في الفصل الأول. فلا ينطبق معنى الجنوح إلى السلم على الصهاينة إذا أعلنوا أنّهم يريدون الصلح والمسالمة والسلام مع العرب والمسلمين مع احتفاظهم بما اغتصبوه من دار المسلمين وأموالهم وبالدولة التي أقاموها على أنقاضهم.ولا يجوز للمسلمين والعرب إجابتهم إلى ذلك أو المبادرة إلى السلام مع اليهود حتى لو تركوا بعض ما اغتصبوه واكتفوا بالقسم الذي قررته لهم هيئة الأمم لأنه دار المسلمين والعرب، وليس لهيئة الأمم ولا أي جهة كانت أن تمنح الصهاينة جزءا مهما كان صغيرا من هذه الدار لأن عقيدتنا كمسلمين لا يمكن أن نعترف بأحقية الغاصب حتى لو أنّ العالم كله اعترف بالكيان الصهيوني، وذلك لأن ديننا الإسلامي لا يعطي أي مبرر أو أية شرعية لأن يوقع المسلم الصلح مع الصهاينة حتى لو كانت السياسة العالمية أن تعطي التبرير أو الشرعية الدولية للاعتراف بإسرائيل. وليس لأحد من المسلمين والعرب حق قبول ذلك، وأي قبول أو تنازل أو تساهل أو تفاوض في ذلك هو خيانة لله ولرسوله و للمسلمين وعلى المسلمين أن يحاربوا كل مشاريع التسوية ومبادرات السلام مع الصهاينة، كما على المسلمين واجب إعداد كل قوة يستطيعونها، والاستعداد بكل وسيلة لمقاتلة اليهود وتضييق الخناق والحصار عليهم بدون هوادة ولا كلل إلى أنّ يقوضوا دولة إسرائيل ويستردوا ما اغتصبه اليهود من أرض فلسطين المقدسة ويطهروها من رجسهم لتعود إلى السلطان العربي الإسلامي كما كانت. [إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ](1)، [َإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ](2).

وإنّ العمليات الاستشهادية في فلسطين هي من أروع صور الجهاد وأكمل أفرادها فإن الجود بالنفس في سبيل الله هي غاية الجود والتضحية، وقد جاد الإمام الحسين  عليه السلام  بنفسه عندما رأى أنّ دين الله لا يستقيم إلاَّ بسفك دمه فقدمها قربانا لله وَلِسانُ حالِهِ يُرَدِّدُ:

إنْ كان دين محمد لم يستقم

إلا بقتلي يا سيوف خذيني

 وأما قياس العمليات الاستشهادية بالانتحار فهو قياس مع الفارق، وذلك أنّ المنتحر هو يريد التخلص من الحياة لجزعه وضعفه وقصور همته وإرادته، بينما المستشهد في العمليات الاستشهادية يضحي بالنفس من أجل سعادة وحياة الآخرين وطرد الظالمين وإرهابهم، والاستشهاد هو الإقدام على الموت بخطى ثابتة مطمئنة يريد بها إعلاء كلمة الله وفي سبيل الله دفاعا عن الآخرين ونصرة للمظلومين وردعا للمعتدين فأين هذا من ذاك؟ ولكن العقول الناقصة وقوى الاستكبار وشريعة الغاب تقلب الحقائق وتخلط المفاهيم وتذر الرماد في عيون الضعفاء فتسمي الربا بالفائدة والحجاب واحتشام المرأة تعدي على حقوق الإنسان والعمليات الاستشهادية إرهاب وطمس معالم الحضارات بالعولمه والله المستعان كما يجوز في هذه العمليات الاستشهادية أي فعل مما يؤدي إلى إيهام العدو والنيل منه ونجاح العملية وإنْ كان ينافي الأحكام الشرعية من التزي بزي اليهود وترك الحجاب للمستشهدات وغيرها.

رابعاً: آليات الجهاد في المرحلة الراهنة

 

ونشر ثقافة الثورة الحسينية عند الطلبة الفلسطينيين في الجامعات والمدارس خاصة، وبيان فضيلة الاستشهاد، وبيان أنّ الانتصار ركنه الأساس هو الإقدام على الموت بخطى ثابتة كأصحاب الحسين  عليه السلام ، ففي هذه المرحلة الحرجة فإن فكر الثورة الحسينية هو الطريقة المثلى والفكرة النيرة لمواجهة فكر الكيان الصهيوني الاستيطاني التوسعي. ورفع شعار لا صوت إلاَّ صوت المواجهة ولا مواجهة إلاَّ بالعمليات الاستشهادية المؤثرة في المجتمع الإسرائيلي، ولا وسيلة لطرد الاحتلال الإسرائيلي إلاَّ بالعمليات الاستشهادية وبيان للعالم بأنّ الاحتلال الإسرائيلي هو أعلى درجات الإرهاب. وإنّ تحرير فلسطين يتطلب التضحية بدماء زكية طاهرة من علماء الأمة وقادتها وفقهائها ومن سبر التأريخ فإنّ نقاطه المضيئة من التضحيات هي تضحيات قادته وفقهائه ورجاله العظام، لأنه كلما كان النصر عظيما والمعركة مصيرية يحتاج إلى قربان عظيم ودماء زكية طاهرة معروفة فما دام الجهاد الفعلي في ساحات الوغى منحصر على المجاهدين من الشعوب دون علمائها وقادتها فإنّ هذا يؤدي إلى إضمار شعلة الجهاد وإطفاء نار الشوق نحو الاستشهاد بينما كان سلفنا الصالح من علماء الدين وقادة المسلمين وحملة علم خاتم النبيين في مقدمة جيوش المسلمين لا يسبقهم سابق ولا يتقدم عليهم لا حق. بينما فقهاؤنا وعلماؤنا في هذا العصر يفتون بالجهاد ولم نر أحد منهم في ساحات القتال بل إنّي أجزم أنّهم لا يستطيعون ذبح شاة بل إنّ بعضهم لم يلمس السلاح مدة الحياة، وعندما رأى المجتمع الإسلامي أنّ فقهاءه  وولاة أمره قد تغيبوا عن سوح الجهاد خمدت شعلة الاستشهاد في نفوس أبنائه. نسأل الله تعالى أن يرزقنا الشهادة على أشر عباده اليهود. فهل لهذا من سبيل؟ والله يعلم السرائر وهو من وراء القصد.

خامساً: أسباب فشل المسلمين في الصراع الصهيوني

 

سادسا : موقف علماء النجف الأشرف من قضية فلسطين

إنّ لعلماء النجف الأشرف اليد الطولى في محاربة اليهود، فقد حاربهم جدنا الأعلى الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب كتاب (كشف الغطاء) المُتَوَفَّى سنة (1228هـ) يوم احتل اليهود أراضي الحلة الفيحاء قرب مرقد ذي الكفل  عليه السلام  وحاولوا تهويد أهلها، فانبرى الشيخ للسفر لأهلها مع جملة صالحة من تلاميذه ما انفك الشيخ جعفر يحارب اليهودية بيده ولسانه وقلمه بعد ما أتقن اللغة العبرية ودرس التوراة، وقد أسلم على يده منهم رهط كثير([65]). ثم قامت علماء أسرة آل كاشف الغطاء جيلا بعد جيل بمحاربة اليهود العنصريين بأقلامهم وألسنتهم ونفوسهم فقد استنهض المرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء في جمادي الآخرة سنة 1356هـ المسلمين واستفزهم في دفع اليهود عن فلسطين في فتوى نقتبس منها: (أما بعد فقد بلغكم وملأ أسماعكم ما أفتى به علماؤكم الروحانيون زعماء الدين وأئمة المسلمين وحجج الله على العالمين من وجوب الجهاد على كل مسلم في شرق الأرض وغربها العربي والفارسي والهندي والتركي من سائر الأقطار والأمصار والشعوب أعدوا لهم ما استطعتم من قوة بالكتب والكتائب والخطب والرسائل والاستنهاض والاستنفار والترغيب والترهيب واللسان والسنان والأموال والرجال وغير ذلك من شتى الوسائل التي يحصل بها النصر على أعداء الدين المعتدين الآثمين من اليهود في فلسطين الذين يريدون أنْ يستعبدوا الأحرار ويملكوا نواحي العباد، ويأبى الله ورسوله وأنوف حميت وشيم عربية. فيا أبطال الوغى ويا ليوث الهيجاء ويا قادة جندنا ويا أباة الضيم ويا حماة العرين طيبوا عن أنفسكم نفسا وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، وأعيروا الله جماجمكم ساعة حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون، واعلموا (أنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الواقية فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل والهوان وشمله البلاء والخسران)([66]). وقد أنهى فتواه بقلب مكلوم وصدر مألوم.

كما وقف المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء مواقف مجيدة للدفاع عن فلسطين فسافر إلى المؤتمر الإسلامي في فلسطين وبمعيته الشيخ عبد الرسول كاشف الغطاء، وأوضح للعالم الإسلامي خَطَرَ الصهيونيين، وخطب الخطب العديدة في محافل حاشدة واجتماعات حافلة بعبارات كلها بينات مستنهضا هممهم([67]). وقد صدرت منه عدة نداءات حول قضية فلسطين منها ما نشرته جمعية الدفاع عن فلسطين رقم (11) بغداد/ السبت في 6آب 1938 م في 5 جمادي الآخرة 1357 هـ نصه: (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم أيها العرب أيها المسلمون بل أيها البشر وأيها الناس أصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجبا على كل إنسان لا على العرب والمسلمين فقط. نعم هو واجب على كل إنسان لا بحكم الأديان والشرائع فقط بل بحكم الحس والوجدان ووحي الضمير وصحة التفكير والخطة العملية في ذلك أنّ من يستطيع اللحوق بمجاهدي فلسطين بنفسه فليلتحق بهم ولا أقول: إنّي ضمين له أنّه كالمجاهدين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر، فإنّ المقام أجلى وأعلى من ذلك المقام مقام شرف وغيرة وحس وشعور لا مقام طلب أجر وثواب وإنْ كان ذلك بأعلى مراتبه، ومن لم يستطع اللحوق بنفسه فليمدهم بماله إمّا بتجهيز من لا مال له ليلحق بهم أو بإرسال المال إلى المجاهدين وعيالهم وأطفالهم، ومن عجز عن كل ذلك فعليه أن يجاهد ويساعد بلسانه وقلمه ومساعيه جهد إمكانه وهذه أدنى المراتب، وليكن كل أحد على علم جازم أنّ القضية قضية موت العرب وحياتهم)([68]).

ثم أفتى الشيخ علي كاشف الغطاء بوجوب الجهاد عن فلسطين في سنة (1376هـ) في نداء وجهه لعامة المسلمين الذي نشرته الصحف تحت عنوان: (النداء العام في الجهاد عن فلسطين)([69]) ونقتطع بعضا من نصوصه: أيها المسلمون إنّ من هزل الدهر أنْ يتطاول على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم شرذمة لفضها الغرب على شاطئ البحر وقاءتها اليهودية على فلسطين ومن أغلاط الزمن أن يشين كرامة أبناء الضاد تحت سمائهم فئة باغية تعد بالأصابع.

يا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنّ الدفاع عن فلسطين باب من أبواب الجنة فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل والهوان ومني بالبلاء والخسران، فجاهدوا في سبيل الله أعداء الله المعتدين الآثمين الذين يريدون أنْ يستعبدوا أحراركم ويسلبوا دياركم وأراضيكم، فسارعوا إلى كبح جموعهم بعزم ثابت وقدم راسخ [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]([70])،  فإنكم[إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]([71]) حتى ينجلي عمود الحق وأنتم الأعلون [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]([72]) وعند زيارة الشيخ علي كاشف الغطاء في 19 محرم الحرام المصادف 20/5/1965م إلى غزة الذي كان يترأس الوفد العراقي لمؤتمر البحوث الإسلامية في القاهرة وبمعيته شيخ الأزهر العلامة حسن مأمون ورهط كبير من رجال الدين فلما وصل بهم المسير إلى دار حنون حيث كانت الحدود الفلسطينية والحدود اليهودية المغتصبة، تَأَثَّرَ الشيخ علي كاشف الغطاء كثيرا على ضياع أرض الوطن العربي بيد اليهود المغلولة فانفجر سماحته كالبركان ثائِراً بشقشقة هدرت، فتصاعدت من صدر سماحته الحسرات والأنات بخطبة حماسية ارتجالية وكان لها وقع عظيم في ذلك الجمع الحاشد أبكت الجميع وخشعت لها القلوب والنفوس. وفي أيام حرب سنة 1967م كان الشيخ علي يحرض الجماهير العربية والإسلامية ويبعث الحماس فيهم بقلمه ولسانه على نصرة القضية الفلسطينية كما أعلنت الصحف اليومية صوم الشيخ علي نصرة للعرب والمسلمين على الصهاينة المجرمين وقد طلب من رجال الدين أنْ يستغلوا جميع إمكانياتهم للمساهمة في نصرة الجيوش العربية، وأن يبينوا للمسلمين أبعاد المؤامرة الصهيونية التي حيكت لضرب الأمة العربية والإسلامية بالاشتراك مع أعدائهم ومتربصي الدوائر بهم. ثم بعد هذا أقام مجلس الفاتحة على أرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين في جامعته في النجف الاشرف ثم أصدر سماحته نداءا عاما للمسلمين نشرته الصحف العراقية بتاريخ 16 جمادي الثاني سنة 1387هـ المصادف20 أيلول سنة 1976م تحت عنوان: (الإمام كاشف الغطاء يدعوا المسلمين لتحرير الأراضي المقدسة)، وقد طلبت منظمة فتح فتوى بالجهاد من الشيخ علي كاشف الغطاء بتاريخ 15/1/1969م فأجابهم على ذلك،كما احتج سماحته لدى الأمم المتحدة وجمعية حقوق الإنسان على الجريمة التي اقترفتها الصهاينة بدفنها عددا من العرب الأحياء بتاريخ 23/2/1969م، كما استنكر سماحته جريمة الصهاينة بإحراق المسجد الأقصى الشريف، وناشد كافة الشعوب الإسلامية والجيوش العربية والفصائل الفدائية بتشديد الضربات الساحقة إلى الصهاينة والمستعمرين لارتكابهم الجريمة البشعة النكراء بحق أولى القبلتين وثالث الحرمين المسجد الأقصى لدى أهل الشهادتين، وقد جاء ذلك في برقية بعث بها سماحته ردا على برقية تلقاها من الاتحاد العام لطلبة فلسطين والاتحاد العام لعمال فلسطين واتحاد المرأة الفلسطينية، وجاء في برقية سماحته: (لقد كان لبرقيتكم الأثر البليغ في نفوسنا فقد زادت بها لواعج الأشجان والأحزان، وإنّ عبراتي في هذا المجال تسبق العبرات، وإنّ زفراتي تمتزج بالحسرات على العمل الإجرامي الذي ارتكبته الصهاينة بانتهاكهم حرمة المسجد الأقصى. فيا لله وللمسجد الأقصى من هؤلاء العتاة المردة فأين ذوي النجدة من الصلحاء والأبرار ومنشدي العدالة الإنسانية في شرق الأرض وغربها من استرجاع الحق لأهله وتطهير الأرض)([73]). وقد أجاد الشاعر بقوله:

فمتى ترى للعرب جيشا واحدا
بِهُدى رسول الله سار وعزمه
ويعيد وقعة مرحب وصريعها

وشعاره يوم الهجوم الثارُ
في النائبات يَؤُمُهُ الكرارُ
في تل أبِيْبٍ عِجْلُها الخَوّارُ
 

 وما زالَ مشايخ آل كاشف الغطاء أحفاد أولئك الرجال يبذلون الغالي والنفيس من أجل تحرير المسجد الأقصى في فلسطين من براثن الغزاة الطامعين.

كما أعلن كبار علماء الدين ومراجع المسلمين ورؤساء المؤسسات والجمعيات الدينية في النجف الأشرف الجهاد ضد الصهاينة المجرمين ودعوا المسلمين للوقوف صفا واحدا للقضاء على دويلة العصابات إسرائيل اللقيطة من خلال فتاويهم إلى مقلديهم وتصريحاتهم إلى وكالات الأنباء ومراسيلها ومناشدتهم لقادة العرب والدول الإسلامية بالوقوف أمام الهجمة الصهيونية([74]).

إنّ الفكر الإمامي الاثني عشري يعتبر اليهود أشد أعدائه على هذه الأرض على مر التاريخ لاعتقاده بأنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم استشهد بمؤامرة يهودية وذلك بسمه من قبل امرأة يهودية بشاة مسمومة، وإنّ إمام المتقين وسيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  عليه السلام  قد قتله ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم،وإنّ الإمام الثاني عشر المهدي بن الحسن عجل الله فرجه سوف تقتله امرأة يهودية برميها حَجَراً على رأسه بعدما يقضي على اليهود ويصلي في القدس الشريف ويقتل كل يهودي حتى ينطق الحجر فيقول: خلفي يهودي فاقتله أيها المسلم، ومع هذا ألصق أعداء الإسلام بأنّ التشيع أصله يهودي لإضعاف هذا الفكر الثوري الذي قدم على مر الأزمنة والسنون أنهار من الدماء الزكية من قبل أئمته وأتباعه في سبيل الله ودفاعا عن الإسلام والمسلمين.

وفي الختام أخاطب الأمة العربية والإسلامية: أيتها الأمة ثقي إنّ آخرك لا يصلح إلاَّ بما صلح بِهِ أولك، وأعلمي إنّك لا تستعيدين مجدك المندثر وعزك التليد إلاَّ إذا رجعت إلى تعاليمك الناصعة فهي خير كفيل لتحقيق ما تريدين، فجددي الدعوة ووحدي بين الصفوف وأعيدي سيرتك الأولى في التضحية والجهاد، فلم يصبنا ما أصابنا من ذل واستعمار إلاَّ بعد أنْ ضربنا بتعاليمنا ظهريا وغيرنا ما بأنفسنا، وإنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وتلك سنة الله في الأمم ولن تجد لسنة الله تبديلا.

أيها العرب إنّ نبيكم لم يمت فهذه تعاليمه ناصعة وهذا قرآنه حي إلى آخر الأبد فسيروا بنوره، وشقوا لكم طريق الخلاص، وإنّ الله سبحانه مع الجماعة، واعلموا إنّ الله لا يضيع أجر العاملين.                                     

 

المصــادر

 

(1) بحار الأنوار /67/36/باب (44)/ القلب وصلاحه وفساده.

 

([1]) لسان العرب 1/ 520.

 

([2]) سورة التوبة, آية: 111.

 

([3]) وسائل الشيعة / باب 1 من أبواب جهاد العدو وحديث 2 /م11/ ص5.

 

([4]) وسائل الشيعة/ باب 1 من أبواب جهاد العدو حديث 1 / م11/ ص5 .

 

 

([5]) المصدر نفسه/ باب 1/ م11 /حديث 16 / ص9 .

 

([6]) المصدر نفسه/ باب 1/ م11 /حديث 13 / ص8 .

 

([7]) المصدر نفسه/ باب 1/ م11 /حديث 14 / ص9 .

 

([8]) المصدر نفسه/ باب 1/ م11 /حديث 19 / ص9 .

 

([9]) المصدر نفسه/ باب 1 من أبواب مقدمة العبادات حديث 3 .

([10]) سورة التوبة, آية: 36.

([11]) سورة التوبة, آية: 81، 82، 83.

([12]) كشف الغطاء 6/ 5.

([13]) ينظر أحكام البغاة والمحاربين 1/ 48.

([14]) سورة آل عمران, آية: 169.

([15]) الكافي /ج 9/ح6/ص33.

([16]) المصدر نفسه/ج 9/ح4 /باب أخوة المؤمنين بعضهم لبعض/ ص32.

([17]) وسائل الشيعة باب 37/ م11 / حديث 1/ ص597.

([18]) سورة التوبة, آية: 123.

([19]) سورة التوبة, آية: 47.

([20]) سورة البقرة, آية: 100.

([21]) سورة الأنفال, آية: 56.

([22]) سورة البقرة, آية: 208.

([23]) سورة الأحقاف, آية: 9.

([24]) سورة الأعراف, آية: 157.

([25]) ينظر: صحيح البخاري 3/ 161 ، السيرة النبوية /ابن هشام 2/ 25.

([26]) سورة البقرة, آية: 120.

([27]) سورة البقرة, آية: 40, 41, 42, 43, 44.

([28]) سورة الجمعة, آية: 2.

([29]) ينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 44.

([30]) سورة البقرة, آية: 2.

([31]) ينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 44.

([32]) سورة البقرة, آية: 97، 98.

([33]) ينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 36 .

([34]) سورة البقرة, آية: 100.

([35]) ينظر: دائرة المعارف 30 /258 .

 

([36]) سورة البقرة, آية: 42.

 

([37]) سورة البقرة, آية: 79.

 

([38]) سورة المائدة, آية: 104.

(5) سورة البقرة, آية: 88.

(6) سورة النساء, آية: 153.

(1) السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 36.

 

(2) سورة آل عمران, آية: 72.

 

([40]) سورة آل عمران, آية: 186.

 

([41]) سورة النساء, آية: 46.

 

([42]) ينظر: السيرة النبوية /ابن هشام 3/ 5.

 

([43]) سورة آل عمران: 12، 13.

 

([44]) ينظر: ابن هشام: 2/ 128.

 

([45]) ينظر: صحيح البخاري: 4/ 123. طبعة الشعب.

 

(2) ينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 3/ 218.

 

([46]) ينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 127، وينظر: صحيح البخاري3/ 17.

 

([47]) صحيح البخاري 3/ 18، وينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 127.

 

([48]) ينظر: صحيح البخاري 3/ 18، وينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 127.

 

([49]) ينظر: صحيح البخاري 3/ 18، وينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 2/ 127.

 

([50]) ينظر: صحيح البخاري 3/ 66.

 

([51]) ينظر: صحيح البخاري 3/ 66.

 

([52]) ينظر: صحيح البخاري 3/ 34، وينظر: السيرة النبوية/ ابن هشام 3/ 108.

 

([53]) السيرة النبوية / ابن هشام 3/ 349.

 

([54]) المصدر نفسه / ابن هشام 3/ 349.

 

([55]) ينظر: أنساب الأشراف: 2/347.

 

([56]) سورة آل عمران, آية: 71.

 

([57]) سورة المائدة, آية: 13.

 

([58]) سورة البقرة, آية: 63.

 

([59]) سورة البقرة, آية: 89.

 

([60]) سورة البقرة, آية: 109.

 

([61]) سورة آل عمران, آية: 180، 181.

 

 

([62]) سورة النساء, آية: 51، 52.

 

 

([63]) سورة النساء, آية: 161.

 

([64]) سورة المائدة, آية: 62، 63.

(1) سورة الإسراء, آية: 1.

(1) سورة محمد, آية: 7.

(2) سورة الحج, آية: 39.

(1) سورة آل عمران, آية: 28.

(2) سورة آل عمران, آية: 149.

(1) سورة الأنفال, آية: 60.

 

([65]) ينظر: بين جامعة الإمام كاشف الغطاء و مجمع البحوث الإسلامية/ السيد كاظم الكفائي 40.

 

([66]) ينظر: المصدر السابق: 48، 49.

 

([67]) الخطب الأربعة 12.

 

([68]) ينظر: بين جامعة الإمام كاشف الغطاء ومجمع البحوث الإسلامية/ السيد كاظم الكفائي : 60، 61.

 

 

([69]) ينظر: بين جامعة الإمام كاشف الغطاء ومجمع البحوث الإسلامية/ السيد كاظم الكفائي: 60، 61.

 

([70]) سورة الأنفال, آية: 60.

 

([71]) سورة محمد, آية: 7.

 

([72]) سورة آل عمران, آية: 169.

 

([73]) مجلة العدل/الجزء العاشر و الحادي عشر /السنة الثانية/1387هـ – 1967م.

 

([74]) جريدة الفرات/ العدد (103)/ السنة الثالثة/ الاثنين/ 24صفر/ 1423هـ.

 
 
البرمجة والتصميم بواسطة : MWD