ادوار علم الفقه

1331- 1411هـ

تحقيق

الشيخ تحسين البلداوي

العراق ـ النجف الأشرف

1435هـ ـ 2014م

منشورات

مؤسسة كاشف الغطاء العامة

7801006730 ــ 00964  /  info@kashifalgetaa.com  /  www.kashifalgetaa.com

 

 

 

 

مقدمة التحقيق

الحمد لله رب العالمين, حمداً معتبراً كثيراً متصلاً إلى يوم الدين, يكشف الغطاء عن سابغ نعمه على المؤمنين, والصلاة والسلام على من بلّغ رسالة رب العالمين, إلى مَن لم يكن يحضرهم فقيه يعلمهم أمور الدين, فانحرفوا عن الطريق القويم, وعلى آله الذين هذبوا الأحكام من بعده ووضعوها على النهج المستقيم, لاسيما باب مدينة علم الفقه أمير المؤمنين عليه السلام.

بين أيدينا كتابان جليلان الأول في علم الفقه وأدواره, والثاني في مقدمات علم الفقه التي ينبغي لطالب العلم أن يعرفها, فالكتاب الأول يذكر أدوار علم الفقه التي مرّ بها مِن عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أيام الناس هذه, فقد تطرق المصنف قدس الله روحه وطيّب ضريحه إلى هذه الأدوار بنفس العالم الذي هضم تاريخ الفقه ودرسه بعمق, فصاغ خلاصة ذلك بقلم سيال في أدبياته ومعلوماته عنها؛ إذ أراد لطالب العلوم الشرعية أن يكون ملماً بها وبتعريف علم الفقه وكتبه وأنواعها وشرفه ومنزلته بين سائر العلوم.

والكتاب الثاني يذكر فيه مبادئ علم الفقه وتعريفه وموضوعه ورؤوسه على نحو أوسع مما ذكره في الكتاب الأول مع إضافات جليلة تهيئ الطالب لدراسة أعمق في ذلك كله؛ ليكون مستعدا للغوص في غمار المناهج الحوزية المقررة.

وقد جعل المصنف هذين الكتابين مقدمة لدورة فقهية وأصولية متكاملة يأتي بها كتابه الآخر الموسوم بالنور الساطع والفقه النافع في الاجتهاد والتقليد, ويتبعه أيضاً كتاب في العبادات والمعاملات, ثم بدورة أصولية يبتدِئُها بمصادر الحكم الشرعي, وبعد ذلك كله يأتي كتاب الأحكام الموسع في علم الاصول وتعارض الأدلة الشرعية.

لقد كانت للمصنف منهجية خاصة في ذلك كله, وطريقة مميزة عمّن سبقه ممن صنف في أصول الفقه, وذلك بتبويبه تبويباً حديثاً قائماً على أربعة عناوين هي: الحاكم والحكم والمحكوم عليه والمحكوم به.

وهذه طبعة جديدة للكتابين معاً في مجلد واحد تقدمها مؤسسة كاشف الغطاء العامة مع إضافة بعض التخريجات التي لم تكن موجودة في الطبعة الاولى لكثرة المصادر والوثائق التي رجع لها المصنف في مطاوي كتابيه, فتكون بذلك قد اعانت الطالب على الاطلاع على ما حول دراسته ومناهجه لكي يفهم أسباب دراسته لهذه الكتب المنهجية مثل المكاسب والكفاية وغيرهما.

ولا أنسى أن أشكر جهود العاملين في المؤسسة على إخراج الكتابين بحلتهما الجديدة, لاسيما أمينها العام الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء ابن الشيخ علي كاشف الغطاء ونائبه الشيخ احمد نجل الشيخ عباس كاشف الغطاء فجزاهم الله خير جزاء المؤمنين, سائلا المولى عز وجل أن يوفقهم على ما بذلوه إنه سميع مجيب.

تحسين غازي البلداوي

      28/ صفر/1433هـ

 

 

 

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين, وبعد، فيقول المفتقر إلى الله تعالى علي ابن المرحوم الشيخ محمد رضا ابن المغفور له الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء.

تطور علم الفقه

إن علم الفقه لما كان من العلوم التي ترتبط بواقع الحياة وصميمها, لأنه تُعالج فيه الوقائع والحوادث الداخلية والخارجية, حيث انه العلم بالأحكام الإلهية لأفعال المكلفين, فكان ولابد أن تصقل مسائله العقول وتنقح مطالبه الأفكار ويناله التطور الذي ينال كل علم من العلوم التي يكون لها هذا الشأن.

كيف وموضوعه هو أفعال المكلفين, وهي تتغير بتغير الزمن وتتطور بتطور الحياة وكم كان الفرق بين الحياة في صدر الإسلام وبينها في هذه الأيام فان في هذه الأيام, قد صارت استفادة قوانينه وتطبيقها على الحوادث النازلة والوقائع المتجددة واستنباط الوظائف الدينية في الحياة العملية، واستلهام الأحكام الشرعية منها يحتاج إلى مهارة علمية ومقدرة فنية لانقطاع زمن الوحي, وهذا أمر يتجدد بتجدد الحوادث ويختلف باختلاف الأفهام وسعة الاطلاع، فكان تطور علم الفقه بتطور الزمن, وتجدده بتجدد الأحداث أمراً لازماً لطبيعة موجوديته ولنفس حيويته وان تمر به أدوار مختلفة منذ نشأته حتى اليوم.

وعلى الفقيه الاطلاع على هذه الأدوار وتاريخ تطورها باختلاف الظروف والأحوال وتعدد مظاهرها الناتج عن اختلاف المذاهب والأنظار وتفاوت العقائد والأفكار، بل يكاد أن يكون من المحتم على من أراد زيادة البصيرة في هذا العلم التعرف بما قطعه هذا العلم من الخطوات والعقبات في مضمار رقيه وتقدمه الذي أبرزه بهذه الصورة في هذه الحياة، فان في ذلك عرضاً للأسس العامة للثقافة الدينية وبياناً لمناهج دراستها العلمية الفقهية, وهو ما يزيد الفقيه معرفة وخبرة واطلاعاً وبصيرة، والذي حصلناه من بطون الكتب المحررة في هذا الموضوع واستخرجناه من المؤلفات في هذا العلم انه قد مرت بهذا العلم أدوار متعددة.

 

 

الدّور الأول

علم الفقه

الأول: دور التشريع للأحكام الشرعية حيث أن الأحكام الشرعية هي التي يتركز عليها علم الفقه لكونها هي التي يُبحث في علم الفقه عن ثبوتها لأفعال المكلفين، وهذا الدور يبدأ من زمن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد كانت عندما أكمل الأربعين سنة من عمره قبل هجرته للمدينة المنورة بثلاث عشرة سنة حيث كانت بعثته سنة 610 م تقريباً عندما صعقه الوحي في غار حراء فقال له [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1 )خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2 )اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3 )الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4 )عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5 )]([1]) فارتعدت صلى الله عليه وآله وسلم فرائصه, ورجفت جوانبه, وعاد إلى أهله قائلاً: زملوني, فزملوه حتى ذهب عنه الفزع والروع(2).

مكان الوحي ومبدؤه:

كان ذلك الوحي في 27 من رجب عند الإمامية وفي 17 من شهر رمضان عند أهل السنة في الموضع الذي كان محل عبادته صلى الله عليه وآله وسلم بضواحي مكة المكرمة (غار حراء) ثم أخذ المسلمون يتلقون من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام الدينية وما يوحى إليه فيه في دار الأرقم بمكة المكرمة.

ثم بعد ذلك أصبح منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة هو الذي فيه يتلقى منه صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام الفقهية والقوانين السماوية.

ومن بعد ذلك كان مسجده صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة هو الموضع الذي يأخذ منه صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام الشرعية والمعارف الإلهية، وينتهي هذا الدور بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة للمدينة المنورة بعشر سنين أي سنة 633م.

مقدار الزمن الذي بلّغ فيه صلى الله عليه وآله وسلم الرسالة:

فتبليغه صلى الله عليه وآله وسلم يبلغ اثنتين وعشرين سنة وعدة أشهر. وقد ذكر بعضهم بأنه عبارة عن اثنتين وعشرين سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً([2]), وقد كانت دعوته صلى الله عليه وآله وسلم سراً بعد بعثته إلى مدة ثلاث سنوات, وبعدها أمره الله تعالى بأن يجهر بدعوته بقوله تعالى: [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ]([3]) واستمرت دعوته ما يقارب ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة وقد نزل عليه من القرآن ما يقارب ثلثيه ثم ذهب للطائف بعد بعثته بعشر سنين سنة 620م.

وقت الإسراء والمعراج وفرض الصلاة:

وفي السنة الحادية عشرة من بعثته المصادف سنة 621 م وقت الإسراء والمعراج وفرضت الصلوات الخمس اليومية.

وقت زمن هجرته صلى الله عليه وآله وسلم:

ثم هاجر من مكة إلى المدينة المنورة في السنة الثالثة عشرة من بعد بعثته وقد وصلها يوم الجمعة 2 تموز سنة 623م.

مبدأ التاريخ الإسلامي:

وكانت هجرته هذه هي بدء التاريخ الإسلامي الهجري القمري وفي المدينة تكونت الدولة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ الرسول يبين الأحكام الإسلامية حتى كملت فنزل قوله تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا]([4]) وكان نزولها قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أشهر ولم تنزل بعدها آية من آيات الأحكام.

مدة نشره صلى الله عليه وآله وسلم للأحكام:

كانت مدة نشره صلى الله عليه وآله وسلم للأحكام في المدينة المنورة عشر سنوات نزل فيها من القرآن ثلثه الأخير وشيء يسير منه.

الأعمال التي قام بها صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة:

وفي السنة الأولى من الهجرة بنى صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوي وبنى مسجد قبا, وفيها شرع الجهاد والأذان وصلاة العيدين. وعن الواقدي([5]) انه لا خلاف بين الحجازيين في انه في هذه السنة 12 ربيع الثاني زيد في الصلاة ركعتان بعد أن كانت ركعتين حضراً وسفراً ولعله هو مراد الشيخ الطوسي من قوله في مصباحه (في أول سنة من الهجرة استقر فرض صلاة الحضر والسفر)([6]).

وفي السنة الثانية من الهجرة تحولت القبلة من المسجد الأقصى وهو بيت المقدس إلى الكعبة بعد أن صلى المسلمون إلى البيت المقدس (16) شهراً. وفيها كان أول خمس خمسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاخذ الصفايا والخمس في غزوة بني قينقاع وأعطى الباقي لأصحابه. وفي شهر شعبان منها شرع صوم شهر رمضان بعد ما كان الصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وفيها فرضت زكاة الفطرة.

ثم بعد ذلك فرضت في هذه السنة زكاة الأموال وسنت صلاة العيد وتزوج الإمام علي عليه السلام بفاطمة سيدة النساء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي السنة الرابعة شرع القصر في صلاة المسافرين.

وفي السنة الخامسة أبطلت عادة التبني التي كان العرب يعاملون فيها الربيب معاملة الابن الحقيقي.

وفي السنة السادسة فرض الحج وفيها توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه إلى مكة معتمراً فمنعه المشركون.

وفي السنة السابعة اعتمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي السنة التاسعة حج بالناس أبو بكر.

وفي السنة العاشرة توفى إبراهيم ابن النبي. وفيها حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع وخطب خطبته المعروفة وبين فيها أن علياً خليفته.

أسماء سني هجرته صلى الله عليه وآله وسلم:

وقد سمى المسلمون السنوات من هجرته إلى وفاته بأسماء مخصوصة، فالأولى بعد الهجرة سموها سنة الإذن، والثانية سنة الأمر بالقتال، والثالثة سنة التمحيص، والرابعة سنة الترفيه، والخامسة سنة الزلزال، والسادسة سنة الاستئناس، والسابعة سنة الاستغلاب، والثامنة سنة الاستواء، والتاسعة سنة البراءة، والعاشرة سنة الوداع، وكانوا يستغنون بذكرها عن عددها من الهجرة.

كيفية بيان التشريع في هذا الدور:

وفي هذا الدور كان التشريع للأحكام إما بآية من القرآن العظيم أو بالسنة من النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم. والسنة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبارة عن كلامه صلى الله عليه وآله وسلم أو كتابته صلى الله عليه وآله وسلم أو فعله صلى الله عليه وآله وسلم أو تقريره صلى الله عليه وآله وسلم وإمضائه صلى الله عليه وآله وسلم فان هذه الأربعة تسمى باصطلاح الفقهاء بالسنة نقلاً من معناها اللغوي الذي هو الطريقة ويسمى الحاكي للسنة (بالخبر أو الحديث) وهو تارة يكون متواتراً وتارة يكون خبراً غير متواتر ويسمى بالخبر الواحد.

وقد تطلق السنة على ما يعم الحاكي والمحكي.

اتجاه التشريع في مكة المكرمة:

وكان التشريع في مكة المكرمة متجهاً نحو تركيز العقيدة وإصلاح الفاسد منها ومكافحة الإلحاد والشرك بالله وإثبات الرسالة المحمدية.

 

اتجاه التشريع في المدينة المنورة:

وفي المدينة المنورة كان متجهاً إلى سن الأحكام الشرعية والقواعد الفقهية حتى كمل الدين وتمت رسالة سيد المرسلين, ولم يترك حادثة صغيرة أو كبيرة إلا ونجد حكمها بنصوصه أو آثاره أو في كلياته وأصوله، وترك معرفة الوقائع المتجددة لفهم المتفقهين في قوانينه, وهذا ما صير الدين الإسلامي يتماشى مع سائر العصور خاتمة للأديان وصالحاً للبقاء في كل حال وزمان.

مصدر التشريع في الدور الأول:

إن مصدر التشريع في هذا الدور هو الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل رب العالمين سواء كان التشريع بآية قرآنية أو بالسنة النبوية.

اجتهاد الرسول:

وقد نسب للشافعية والمالكية وبعض الحنفية القول بأن التشريع قد يكون مصدره اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أدى إليه رأيه لا بالوحي المنزل عليه. وذهب أصحابنا الإمامية والأشعرية وكثير من المعتزلة والمتكلمين إلى عدم ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم وقد أشبعنا المقام بحثاً وتنقيحاً في المجلد الأول من كتابنا الأحكام الشرعية وشؤونها (1).

إلا انه لا ينكر أن الاجتهاد قد كان عند الصحابة بالمعنى الأعم فان فهم أحكام الوقائع من بعض النصوص الدينية يحتاج إلى إعمال الرأي وبذل الوسع والجهد, وهو لا محالة يصدر عن الصحابة عند عدم تيسر وصولهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل ربما يرجعون لحكم العقل إذا لم يكن لديهم نص يمكن استلهام الحكم الشرعي للحادثة النازلة بهم لانسداد باب العلم فيها.

ومن هذا الباب ما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أذن لمعاذ بن جبل([7]) لما بعثه إلى اليمن أن يجتهد فيما إذا لم يجد نصاً من الكتاب أو السنة في الواقعة التي هي محل ابتلائه([8]) وانك لتلمس الاجتهاد من بعض الصحابة عندما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الصحابة ألاّ يصلي العصر إلا في بني قريظة فكان فريق منهم لم يصلوا العصر رغم فوات وقته حتى وصلوا لبني قريظة تعبداً بالنص بينما الفريق الآخر اجتهد واعمل رأيه فصلى العصر قبل الوصول لبني قريظة قبل فوات وقت العصر وقال ان المقصود الحث على الإسراع بالوصول لبني قريظة لا التعبد المحض([9]).

إكمال الدين:

وفي هذا الدور كمل بيان الأحكام الشرعية وبيان مصادرها.

إطلاق كلمة الفقه والفقيه:

وكانت كلمة (الفقه) في هذا الدور تطلق على معرفة سائر الأحكام سواء كانت أصولية أو فرعية وسواء كانت أخلاقية أو تعبدية, وكان (الفقيه) في هذا الدور من حفظ آيات من القرآن الشريف وعرف معانيها وناسخها من منسوخها ومتشابهها من محكمها وخاصها من عامها ومقيدها من مطلقها.

تسمية القراء بالفقهاء في هذا الدور:

وكانوا يسمون الفقهاء بالقراء, أي الذين يقرؤون الكتاب باعتبار أن هذا أمر يميزهم عن عامة الناس, لأن الأمية كانت منتشرة وعامة, ولما كمل علم الفقه فيما بعد ذلك وأصبح علماً مستقلاً أبدلت أسماؤهم بالفقهاء.

المعروفون بالفتوى في هذا الدور:

وكان المعروفون في الفتوى في هذا الدور أبو بكر، وأبو الدرداء([10]), وأبو رافع([11]), وأبو سعيد الخدري([12]), وأبي بن كعب([13]), وأبو أيوب الأنصاري([14]), وحذيفة بن اليمان([15]), وجابر الأنصاري, وزيد بن ثابت(7), وسلمان الفارسي، وعبد الرحمن بن عوف([16])، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان, وعمر بن الخطاب, وابنه عبد الله، وعبد الله بن العاص(2)، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عباس, ومعاذ بن جبل(3).

المرجع في تشخيص الحكم هو الإمام علي عليه السلام:

وكان الإمام علي عليه السلام هو المرجع الأعم في تشخيص الحكم الشرعي بعد النبيصلى الله عليه وآله وسلم, ففي المحكي عن الطبقات الكبرى ج2 ص 332, طبع بيروت عن ابن عباس أنه قال (إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا فلا نعدوها)([17]) ومثله عن كتاب (الجرح والتعديل) للحافظ الرازي([18]) والصواعق لاْبن حجر([19]) وتاريخ الخلفاء للسيوطي([20]), ونظيره عن الاستيعاب([21])ج2 ص462 طبع حيدر آباد وتهذيب ([22]) التهذيب للعسقلاني ج1 ص337 طبع حيدر آباد والإصابة([23]).

قول عائشة في الإمام علي عليه السلام:

وقد تواتر عن عائشة ان علياً (اعلم الناس بالسنة) كما في الاستيعاب([24]) وتاريخ الخلفاء للسيوطي([25]) وإسعاف الراغبين([26]) وذخائر العقبى([27]) والمناقب للخوارزمي([28]) وغيرها. ومما يدل على ذلك قول عمر (أقضانا علي) كما في
الطبقات الكبرى([29]) وأخبار القضاء([30]) والمستدرك([31]) والتاريخ الكبير لابن عساكر([32]) والطبقات المالكية([33]) وغيرها من كتب الأخبار والتراجم وعن الاستيعاب بسنده عن المغيرة (ليس أحد منهم أقوى قولاً في الفرائض من علي)([34]).

من اشتهر من الفقهاء في هذا الدور:

واشتهر من الفقهاء عبد الله بن عباس حتى سمي البحر لكثرة علمه. وسلمان الفارسي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه من أهل البيت([35]), وعمار بن ياسر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مع الحق والحق معه([36]). وأبي بن كعب([37]) الذي روي عن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم أنه أقرأ أمته([38]).

وجود الفقه والاجتهاد في هذا الدور:

فالفقه في هذا الدور موجود لدى القراء لكون الفقه هو: ملكة العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية, وهم لوجود الكتاب والنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينهم كانت عندهم الملكة المذكورة, كما ان الاجتهاد أيضاً موجود عندهم لأن الاجتهاد هو القدرة على الاستنباط, ولا ريب عندهم في ذلك لسهولة الاستنباط في هذا الدور.

قصة معاذ بن جبل:

ويدل على وجوده عندهم قصة معاذ بن جبل حيث أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاجتهاد عند فقد النص([39]). وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المجتهد أنه إذا أخطأ له اجر واحد وإذا أصاب كان له أجران([40]).

واقعة بني قريظة:

وقد وقع مع الصحابة الاجتهاد كما تقدم في واقعة بني قريظة لما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فصلاها بعضهم قبل الوصول لبني قريظة لفوت الوقت عند الوصول إليهم واجتهد في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحمله على أن المقصود طلب الإسراع في الوصول إليهم لا تأخر الصلاة عن وقتها.

 

اجتهاد عمار:

وهكذا اجتهد عمار بن ياسر في التيمم حيث تمعك في التراب([41]).

القضاء في هذا الدور:

وكان القضاء في هذا الدور منحصراً في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو من يقيمه مقامه.

كتابة الأحكام في هذا الدور:

وكتبت في هذا الدور الأحكام الشرعية ويسمى ما كتب فيه بالصحائف منها صحيفة أمير المؤمنين علي عليه السلام الصحيفة التي ذكرتها كتب الفريقين([42]) ومنها ما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هجرته للمدينة بكتابته كأحكام الزكاة وما تجب فيه ومقادير ذلك, وقد كتبت في صحيفتين. ومنها ما أعطاه صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمر بن حزم([43]) لما ولي اليمن أحكاماً مكتوبة من الفرائض والصدقات والديات وغير ذلك([44]). ومنها ما أعطاه صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن حكيم ([45]) من الكتاب الذي فيه أحكام الحيوانات الميتة([46]). ومنها ما أمر به صلى الله عليه وآله وسلم من كتابة خطبته يوم فتح مكة لرجل من اليمن حين سأله ذلك([47]).

ومنها ما دفعه إلى وائل بن حجر([48])عندما أراد الرجوع إلى بلاده حضرموت من الكتاب الذي فيه أحكام الصلاة والصوم والربا والخمر وغيرها([49]).

ومما كتب من الصحائف في هذا الدور صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص([50]) وذكروا ان فيها ما يكفي كاتبها في معرفة الشريعة كلها في جميع أبواب الفقه وان كنا لا نؤمن بهذه المبالغة لأن عبد الله بن عمرو بن العاص وأباه قد أسلما قبل وفاة رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم بسنتين وكان له من العمر حين إسلامه خمس عشرة سنة ولم يكن له من الصلة والمعاشرة مع الرسول ما يؤهله لذلك. وقد طعن فيها الحافظ ابن كثير في المجلد الأول من تاريخه المسمى بالبداية والنهاية([51]).

ومنها صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري([52]) وصحيفة عبد الله بن أبي

 

أوفى([53]). وصحيفة جابر بن عبد الله([54]) وصحف عبد الله بن عباس([55]). وصحيفة سمرة بن جندب([56]).([57])

أمر الرسول زيد بن ثابت بتعلم كتابة اليهود:

وحكي عن أهل التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الرابعة من الهجرة أمر زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة اليهود ليكتب لهم ويقرأ ما يكتبونه له صلى الله عليه وآله وسلم ([58]) وفي مختصر جامع بيان العلم ص37 عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال قيدوا العلم بالكتابة. إلا أن الكتابة للأحكام الشرعية لم تكن معروفة لدى الصحابة في هذا الدور وكان نوع الصحابة يحفظون الأخبار والآثار على صدورهم مستغنين بذلك عن كتابتها وجمعها.

ما يمتاز به هذا الدور:

ومما يمتاز به هذا الدور انه لم يكن فيه مجال للخلاف في الأحكام الشرعية لوجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينهم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم هو فصل الخطاب.

زمن انتهاء الدور الأول وزمن انقراض الصحابة:

وقد انتهى هذا الدور بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة يوم الاثنين سنة 10هـ كما انقرض عصر الصحابة في سنة 100هـ حيث كان آخر واحد منهم أبو الطفيل الكناني([59]) مات سنة 100هـ وقيل كان آخر واحد منهم هو سهل بن سعد الساعدي([60]) توفي بالمدينة وهو ابن مائة سنة 91هـ.

المراد بالصحابي:

والصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً ومات على ذلك وقد قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي. والتابعي من لقي الصحابي مسلماً ومات على ذلك. وأما من اسلم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلقه ولكنه لقي صحابياً فهو معدود من التابعين.

خلاصة تاريخ حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

وتتلخص حياته صلى الله عليه وآله وسلم بأن بدايتها يوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم 20 نيسان عام الفيل سنة 570 م وهو العام الذي جاء فيه أبرهة من ملوك الحبشة لهدم الكعبة صباح الاثنين في مكة المكرمة 17 ربيع الأول أو 12 منه وبعدها بأربعين سنة بعث رسولاً من رب العالمين من غار حراء في ضواحي مكة المكرمة الذي كان محل عبادته وفيه هبط عليه الوحي الأمين، فقال له [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]([61]) الاثنين 27رجب عند الإمامية و17 رمضان عند السنة المصادف سنة 610م فكان صلى الله عليه وآله وسلم أعجوبة من عجائب الزمن في مواقفه الرائعة وآياته الباهرة، وجهاده العظيم يعجز عن حصرها القلم وعن وصف واقعها المفرد العلم وبعد عشر سنين من بعثته توفي كافله أبو طالب([62]) وزوجته خديجة([63]) أم المؤمنين فهاجر للطائف يدعو بني ثقيف لنصرته على قريش فقابلوه بالأذى ورجع بعد شهر لمكة المكرمة ثم هاجر إلى المدينة المنورة في أول ربيع الأول في السنة الثالثة عشرة من بعثته الموافقة لسنة 623م أو سنة 622م وبقي فيها عشر سنين يرشد الناس للأحكام الشرعية ثم ذهب بعدها لجوار ربه مسموماً 28صفر سنة 10هـ وقيل 12 ربيع الأول فيكون عمره الشريف 63 سنة وعند جماعة ان يوم ولادته وهجرته ووفاته صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول.

وعن اْبن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد يوم الاثنين وأوحي إليه يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين وخرج من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين([64]).

ما يجعل الأفكار صرعى في هذا الدور الأول:

ومما يدهش الفكر والنظر في هذا الدور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند مرضه الذي التحق به إلى الرفيق الأعلى أراد أن يكتب كتاباً لا يضل بعده أبداً فمنعه عمر عن ذلك وقال ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلبه الوجع وهو يهجر وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله وأوجب ذلك اختلاف الحاضرين عنده فمنهم من أراد الكتابة ومنهم من أبى ذلك مكتفياً بكتاب الله تعالى فلما رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خصومتهم قال صلى الله عليه وآله وسلم قوموا. وما فتئ ابن عباس بعدها يرى أنهم أضاعوا شيئاً كثيراً حيث لم يسرعوا إلى كتابة ما أراد النبيصلى الله عليه وآله وسلم إملاءه([65]).

النبي في مرضه يهجر وأبو بكر لم يهجر:

مع ان أبا بكر عند مرضه أيضاً أراد ذلك ولم يمنع منه مانع ولم يقل قائل عندنا القرآن وحسبنا كتاب الله فاستحضر عمر عثمان بن عفان واستكتبه استخلاف عمر على المسلمين([66]).

كتبة الخلفاء الأربع:

وقد كان أبو بكر قد اتخذ عثمان كاتباً له كما اتخذ عمر زيد بن ثابت كاتباً له كما اتخذ عثمان مروان بن الحكم كاتباً له واتخذ علي عليه السلام عبد الله بن أبي رافع([67]) مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كاتباً له.

الدور الثاني

مبدأ الدور الثاني ومنتهاه

إن الدور الثاني للفقه يبدأ من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سنة 10هـ وينتهي بخروج معاوية عن طاعة خليفة المسلمين علي عليه السلام سنة 36هـ.

كتابة القرآن المجيد:

وقد اتجه فيه المسلمون وخلفاؤهم إلى كتابة أول مصدر للفقه الإسلامي وهو القرآن الشريف واستنساخه وجمعه حفظاً له من الضياع ومن اختلاط آياته بالأحاديث النبوية.

أول من تصدى لجمع القرآن الإمام علي عليه السلام وشهادة العلماء بذلك:

وأول من تصدى لذلك هو أمير المؤمنين علي عليه السلام فقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقسمت أو حلفت أن لا أضع ردائي على ظهري حتى أجمع بين اللوحين فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن([68]) كما جاء ذلك في الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص12 طبع المكتبة التجارية. وعن السيوطي([69]) عن ابن الغرس من حديث محمد بن سيرين عن عكرمة قال لما كان بدء خلافة أبي بكر قعد علي بن أبي طالب في بيته فقيل لأبي بكر قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال (أكرهت بيعتي) فقال خشيت كتاب الله يزداد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا للصلاة حتى أجمعه قال له أبو بكر: فانك نعم ما رأيت([70])

واخرج ابن سعد وابن عبد البر في الاستيعاب عن محمد بن سيرين([71]) (قال نبئت أن علياً أبطأ عن بيعـة أبي بكر فقـال أكرهت إمارتي فقال: آليـت بيمين أن لا ارتدي بردائي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن)([72]) الحديث .

وفي الإتقان ج1 ص59 أن علياً عليه السلام قال (آليت على نفسي أن لا آخذ عليّ ردائي إلا لصلاة الجمعة حتى اجمع القرآن فجمعته)([73]). وفي إرشاد الساري([74]) ج7 ص459 وفتح الباري([75]) ج9 ص43 وعمدة القارئ([76]) ج9 ص304 ما يدل على جمع علي عليه السلام للقرآن.

وعن الدرر([77]) عن تفسير علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام يا علي القرآن خلف فراشي في الصحف والجريد والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيع اليهود التوراة فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب اصفر ثم ختم عليه في بيته وقال: لا ارتدي حتى اجمعه وانه كان الرجل يأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه). ويقول المؤلف لهذا السفر إني قد شاهدت قطعة منه في خزانة الأمير عليه السلام وشاهدت قطعة من قرآن علي عليه السلام في خزانة ضريح رأس الحسين عليه السلام في مصر.

وفي رحلة ابن بطوطة([78]) ج1 ص25 عدد من الآثار الموجودة في الرباط المبني على ضفاف النيل مصحف أمير المؤمنين علي ابن أبي طالبعليه السلام بخط يده، وذكر ابن النديم في الفهرست ص41 ان عند أبي يعلى حمزة الحسني مصحفاً بخط علي يتوارثه بنو الحسن([79]) وإذا لاحظنا هذا الخبر وهذا الأثر مع ما ثبت من جمع القرآن من الرقاع عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يرشد إلى ذلك ما هو المحكي عن مستدرك الحاكم([80]) ج2 ص611 ومسند الطيالسي([81]) ص270 والمحبر لابن حبيب([82]) ص286 وتاريخ الشام([83]) ج7 ص210 وفتح الباري([84]) ج9ص440 ثم أضفنا إلى ذلك كله ما في صحيح البخاري في كتاب العلم باب (39)([85]) وفي باب كتاب الجهاد والسير باب (171)([86]) وفي كتاب الجزية باب (10)([87]) وغير ذلك من الأخبار المتظافرة الدالة على أن الكتاب المجيد كان عند أمير المؤمنين علي عليه السلام.

فانا نستفيد من المجموع أن القرآن الذي جمعه هو القرآن الذي كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموجود في الرقاع التي كانت في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت منتشرة فجمعها علي عليه السلام وكتبها في كتاب خاص ولم يجمع عليه السلام القرآن كما جمعه الغير من صدور حفظة القرآن ولا مما في أيدي المسلمين من العسب (جمع عسيب) وهو جريد النخل حيث كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض ولا من (الأكتاف) (جمع كتف) وهو عظم البعير أو الشاة يكتبون عليه بعد أن يجف ولا من (الأقتاب) (جمع قتب) وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه ولا من (قطع الأديم) وهو الجلد، فعلي عليه السلام لم يجمع القرآن من هذه الأشياء وإنما جمعه وكتبه مما هو موجود عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الرقاع.

 

جمع الإمام علي عليه السلام للقرآن حسب التنزيل:

وأما ما في إرشاد الساري([88]) ج7 ص459 وما حكي عن عمدة القاري للعيني([89]) ج9 ص304 وعن فتح الباري([90]) ج9 ص43 من جمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لكتاب الله على حسب النزول لعل المراد به هو جمع القرآن مع التعليق على آياته الكريمة وبيان وقت نزولها وفيمن نزلت وإلا فعلي لا يعقل أن يغير كيفية الجمع التي صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

جمع أبي بكر للقرآن:

ثم انه بعد ذلك تصدى أبو بكر إلى جمع القرآن بعد سنتين من خلافته فيكون جمعه للقرآن بعد جمع الإمام علي له لأن الراوية المتقدمة قد دلت على جمع الإمام علي عليه السلام له بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل والرواية التي دلت على جمع أبي بكر له قد دلت على أن أبا بكر قد جمعه بعد واقعة اليمامة بين المسلمين وبين أهل الردة من أتباع مسيلمة الكذاب التي استشهد فيها من حفظة القرآن سبعون من الصحابة سنة اثنتي عشرة للهجرة.

ففي صحيح البخاري ما حاصله أن زيد بن ثابت  رضي الله عنه  قال: أرسل عليّ أبو بكر عند مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر ان عمر أتاني فقال: ان القتل قد استحر (أي اشتد) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمواطن الأخرى فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عمر: هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي هو رأي عمر. قـال زيد : قال أبو بكر : انك رجــل شـاب عاقل لا نتهمـك وقد كـنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتتبع القرآن فتجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن, قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: هو والله خير, قال زيد: فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب([91]) واللخاف([92]) وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ]([93]) حتى خاتمة البراءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر مدة حياته ثم عند حفصة([94]) بنت عمر([95]).

وعلى هذه الرواية فيكون قد تم جمع القرآن كله خلال سنة واحدة لأن بين واقعة اليمامة المذكورة وبين وفاة أبي بكر سنة واحدة مع أن الجمع قد كان من العسب واللخاف وصدور الرجال.

تسمية القرآن بالمصحف:

وعن الإتقان أنه قد اخرج ابن أشته([96]) في كتاب المصاحف من طريق موسى بن عقبة([97]) عن ابن شهاب قال: لما جمعوا القرآن فكتبوه على الورق قال أبو بكر: التمسوا له اسماً فقال بعضهم: السفر وقال: ذلك اسم تسميه اليهود فكرهوا ذلك, وقال بعضهم: المصحف فان الحبشة يسمون مثله (المصحف) فاجتمع رأيهم على أن يسموه المصحف([98]).

جمع عثمان للمصحف:

ثم أنه بعد انتهاء غزو أرمينية وأذربيجان توجه حذيفة اليماني القائد المشهور للمدينة محذراً عثمان من اختلاف القراء في قراءة القرآن، فان أهل الكوفة يقرؤون بقراءة ابن مسعود وأهل البصرة يقرؤون بقراءة أبي موسى وأهل الشام ودمشق يقرؤون بقراءة أبي بن كعب وأهل حمص يقرؤون بقراءة المقداد بن الأسود([99]). وطلب منه توحيد القراءة، وبعد مشاورة عثمان لبعض أصحاب الرسول في ذلك عزم عثمان على تنفيذ فكرة حذيفة فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت المدني وثلاثةٌ من قريش عبد الله بن الزبير([100]) وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام([101]) أن يكتبوها من صحف حفصة التي جعلت لهم أصلاً، وقال عثمان: إذا اختلفتم انتم وزيد بن ثابت في شيء من القران فاكتبوه بلسان قريش فانه إنما نزل بلسان قريش ففعلوا حتى إذا تم نسخ الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق([102]).

الرد على السيوطي:

ويمكن تحديد الوقت الذي حصل فيه ذلك بما بعد سنة ثلاثين هجرية لأن الغزو المذكور كان في سنة ثلاثين وعليه فلا وجه لما حكي عن إتقان السيوطي من انه حدده بسنة خمس وعشرين([103]) وبعضهم حدده بسنة 65م, هذا ولكن التاريخ لم يروِ لنا أن المصحف الذي جمعه علي عليه السلام قد أحرق فقد عدت المصاحف التي أحرقت ولم يذكر معها مصحف علي عليه السلام.

الأمر العجيب في جمع الخلفاء للمصحف:

والأمر العجيب الملفت للنظر هو عدم تعرض الأخبار والمؤرخين إلى أن أبا بكر وعمر وعثمان راجعوا علياً في مصحف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما تصدوا لجمع القرآن الكريم, وهكذا لم يراجعوا المصحف الذي كتبه الإمام علي عليه السلام على مصحف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الأخبار والتاريخ قد تظافرت على وجود مصحف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الإمام علي عليه السلام وانه قد كتب الإمام علي عليه السلام المصحف عليه([104]) كما انه مما يلفت النظر عدم وجود كبار الصحابة في من جمع القرآن بأمر عثمان فليس فيهم عبد الله بن العباس ولا عبد الله بن عمر ولا الإمام علي عليه السلام ولا غيرهم.

إرسال الحفاظ مع المصاحف المرسلة للأقطار:

ثم ان المعروف ان عثمان أرسل مع المصحف الخاص بكل إقليم حافظاً يوافق قراءته. فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني. وعبد الله بن السائب([105])مقرئ المكي. والمغيرة بن شهاب([106])مقرئ الشامي. وأبو عبد الرحمن السلمي([107])مقرئ الكوفي. وعامر بن عبد القيس([108])مقرئ البصري.

تشكيل أبي الأسود المصاحف وتنقيطها:

ولما ظهر الإلحان في قراءة البعض للقرآن توجهت العناية إلى أن يشكلوا المصاحف وينقطوها حذراً من الغلط في القراءة للقرآن والإلحان فيها فانبرى إلى ذلك أبو الأسود الدؤلي فان المشهور انه أول من شكل القرآن ونقطه فكان يجعل علامة الفتحة نقطة على أول حرف والضمة نقطة على آخر الحرف والكسرة نقطة تحت أوله وبقي الأمر كذلك إلى زمن الخليل بن احمد فوضع الحركات على النحو الموجود لدينا.

خلاصة الكلام في شرح هذا الدور الثاني:

وخلاصة الكلام أن في هذا الدور الثاني قد توجهت عناية المسلمين إلى المصدر الأول للتشريع وهو القرآن الشريف وإخراجه بصورة يستفيد من منهله العذب سائر المسلمين. وكان الفقه الإسلامي هو المعمول به عند المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم الداخلية والخارجية والمرجع فيه هم الصحابة وقول الخليفة هو الفصل، وفي الأقطار البعيدة إذا نزلت بهم الحادثة يرجعون لما عندهم من أمير ذلك البلد وهو بدوره إذا لم يعرف الحكم يرجع للصحابة الذين معه في البلد فان كان عندهم أثر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حكموا به وإلا اجتهد أمير البلد فيها.

المصدر لمعرفة الأحكام الشرعية في هذا الدور الثاني:

والمصدر لمعرفة الأحكام الفقهية الإسلامية عندهم خمسة الأول الكتاب، الثاني السنة، الثالث الإجماع، الرابع استشارة الصحابة وأهل البصيرة في الحكم، الخامس الرأي بأن يستنبط الحكم الشرعي بفكره وتأمله فيما تقتضيه المصلحة ودفع المفسدة أو بالقياس والمقارنة.

والحاصل انهم إذا نزلت بهم حادثة أو وقعت واقعة رجعوا إلى كتاب الله في معرفة حكمها بحسب فهمهم فان لم يجدوا حكمها فيه رجعوا للسنة وسألوا من الصحابة عمن يحفظ في هذه الحادثة حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فان لم يجدوا ذلك استشاروا فان أجمعوا على حكمها بما تستوحيه عقولهم أخذوا به وان اختلفوا اجتهد خليفة المسلمين فعمل بالقياس وبما تقتضيه المصلحة، ففي كتاب عمر إلى شريح([109])، إذا حضرك أمر لا بد منه فانظر في كتاب الله فاقض به, فان لم يكن ففيما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فان لم يكن ففيما قضى به الصالحون وأئمة العدل فان لم يكن فان شئت ان تجتهد برأيك فاجتهد وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيراً لك ([110]).

وفي كتاب أعلام الموقعين ج1 ص243 أن أبا عبيدة ذكر في كتاب القضاء قال (حدثنا كثير بن هاشم عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله فان وجد فيه ما يقضي به قضى به وان لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فان وجد فيها ما يقضي به قضى به فان أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى فيه بقضاء فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى بكذا وكذا، فان لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به([111])) وكان عمر يفعل ذلك فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قد قضى فيه بقضاء فان كان لأبي بكر فيه قضاء قضى به وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به.

وروي عن ميمون بن مهران([112]) أن أبا بكر وعمر إذا لم يجدا في كتاب الله ولا في سنة رسوله حكماً للواقعة يجمعان الناس للاستشارة في استنباط حكمها بالاجتهاد والرأي فان اتفق المستشارون في الرأي اخذوا به.

وروي أن عمر أمر شريحاً أن يعمل في الكوفة كذلك ويبني على ذلك قضاءه([113]), وكان بعضهم يحترم اجتهاد صاحبه فقد روي أن عمر بن الخطاب لقي رجلاً له قضية نظرها الإمام علي عليه السلام فعرضها الرجل على عمر حين لقيه في الطريق فقال: لو كنت أنا لقضيت بكذا فقال الرجل فما يمنعك والأمر إليك فقال عمر: لو كنت أردك إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لفعلت ولكن أردك إلى رأي والرأي مشترك ولست ادري أي الرأيين أحق([114]) وفي هذا الدور عمل بالقياس وكـان أول مـن بذر ذلك وأمر بالعـمل به هو عـمر بن الخطاب ففي كتابه لأبي موسى الأشعري (اْعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك على نظائرها)([115])، وفي هذا الدور نشأ الخلاف بين الشيعة والسنة في الخلافة فالأولون يقولون بخلافة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنص من الله تعالى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعده أولاده، وأما أهل السنة فيقولون بأن الخليفة بعد الرسول هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ولذا كان الشيعة في هذا الدور يرجعون لأمير المؤمنين علي عليه السلام وأولاده الإمام الحسنعليه السلام والإمام الحسين عليه السلام وأمهم فاطمة الزهراء I والصحابة العدول الثقاة كسلمان والمقداد وأبي ذر ونحوهم في معرفة أحكامهم الشرعية لاعتقادهم بعصمتهعليه السلام وعصمة أولاده الأحد عشر وانهم عندهم علم ما كان ويكون حتى ارش الخدش([116]) ولحصول الوثوق بالصحابة العدول.

شروط قبول الخبر الواحد عند الخلفاء:

وينقل ان أبا بكر لم يقبل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا إذا جاء بشاهد على صدقه وأن عمر كان يطلب البينة ممن روى له الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن علياً عليه السلام يحلف الراوي على انه سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([117]).

رجوع الشيعة للأئمة هو رجوع للسنة النبوية:

هذا ولا يخفى أن الرجوع للأئمة عليه السلام عند الشيعة من الرجوع للسنة النبوية لقول الصادق عليه السلام كما في الشافي([118]) وفي أصول الكافي في كتاب فضل العلم ص103 ان (حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله وحديث رسول الله قول الله)([119]) وقد ذكرنا في كتابنا باب مدينة الفقه في مبحث واضع الفقه ان عند الإمام علي عليه السلام الجامعة سبعون ذراعاً كلها من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبخط الإمام علي عليه السلام وفيها حتى ارش([120]) الخدش وقد ذكرناه أيضاً في مبحث إيداع الرسول لبيان بعض الأحكام للأئمة الأطهار عليه السلام ويرشدك إلى أن الرجوع إليهم عليه السلام رجوع للسنة النبوية أن فقهاء الشيعة عندما تجيء الرواية عن الأئمة عليه السلام إذا قال فيها الإمام عليه السلام: وأنا اصنع كذا([121]) لم يتبعوه في عمله وإنما يحملون ذلك على الاستحباب والأولوية كما انهم يعملون بالأخبار النبوية وان كانت مروية من غير طرق أصحابهم إذا كان رواتها موثوقين أو حصل لهم الثقة بصدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكتب الشيعة مشحونة بذلك.

وفي الدور الثاني وقع الاختلاف بين الصحابة في عدة أشياء.

الاختلاف في تدوين الحديث:

منها الاختلاف في تدوين السنة فكان علي وابنه الحسن عليهما السلام مما يرى كتابتها كما نص على ذلك السيوطي في تدريب الراوي([122])، وعن ابن شهر اْشوب([123]) انه قال: أول من صنف في الإسلام علي عليه السلام ثم سلمان الفارسي ثم أبو ذر([124])، ونقل الكثير من الفريقين ان عليَّ ابن أبي طالب عليه السلام كتب الجامعة من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت تبلغ سبعين ذراعاً([125]) وكتب العهد لمالك الأشتر([126]) والوصية لاْبنه محمد بن الحنفية([127]). وهذا أبو رافع المولى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي أهداه له العباس بن عبد المطلب وسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إبراهيم وكان ملازماً للإمام علي عليه السلام وخرج معه إلى الجمل وهو ابن خمس وثمانين سنة وقيم الإمام علي عليه السلام على بيت ماله في الكوفة وكان يقول بايعت البيعتين وصليت القبلتين وهاجرت الهجر الثلاث فقيل وما الهجر الثلاث؟ فقال: الأولى إلى الحبشة والثانية؟

المدينة وهذه الثالثة الكوفة مع أمير المؤمنين([128])، قد كتب السنن والأحكام والقضايا وكان ولداه عبيد الله وعلي كاتبي أمير المؤمنين علي عليه السلام وقد كتب الأول منهما كتاباً في الوضوء والصلاة وسائر الأبواب وكتب الثاني منهما كتاباً في فنون الفقه والوضوء والصلاة وسائر الأبواب وكان أهل البيت يعظمون كتاب علي بن أبي رافع ويطلبون من شيعتهم الرجوع إليه، وكان لسلمان مدونة في الحديث([129])، وألف الأصبغ بن نباته كتابين: مقتل الحسين وعجائب أحكام أمير المؤمنين علي عليه السلام وألف سليم بن قيس كتابه في الإمامة([130]) وألف ميثم صاحب أمير المؤمنين كتاباً في الحديث يروي عنه الكثير من المحدثين وغيرهم من المؤلفين([131]) وكان عمر بن الخطاب ممن يمنع من كتابة الحديث وتدوينه وقد سبب ذلك ضياع أعظم ثروة علمية والتفريط بأعظم مرجع بعد القرآن الكريم ويا حبذا لو أمر بجمع الأحاديث مع التحفظ على صحتها كما صنع الخليفة الأول في جمع القرآن الكريم لما استطاع أهل الأغراض الافتراء والكذب والدس في السنة كما لم يستطيعوا ذلك في القرآن الكريم.

الاختلاف في خروج الفقهاء من المدينة:

ومنها الاختلاف في خروج الفقهاء من المدينة فان عمر كان يمنع خروج الفقهاء لسائر الأمصار إلا ما أخرجه للقيام بالوظيفة كالولاية والقضاء وقيادة الجيوش بخلاف الإمام علي عليه السلام.

الاختلاف في الرجوع إلـى الرأي:

ومنها الاختلاف في الرجوع إلى الرأي فكان الإمام علي عليه السلام يمنع منه ويقول (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل القدم أولى بالمسح)([132]) كما في المحلى لاْبن حزم, وكان على ذلك طريقة الأئمة الأحد عشر من بعده حتى قال الإمام جعفر الصادق لأبان بن تغلب([133]) المتوفى سنة 141هـ (أخذتني بالقياس, والسنة إذا قيست محق الدين)([134]) وكان أكثر أهل الحجاز على هذه الطريقة, ويؤكد صحتها قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]([135]) فان الرجوع إلى الرأي في المسألة معناه أما الإهمال للدين فيها أو الالتزام بنقصان الدين وعدم كماله بالنسبة إليها، وفي جامع بيان العلم ج2 ص76 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعظم فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال([136]).

مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي:

وكانت هذه الطريقة, أعني المنع من الأخذ بالرأي هي التي اتبعتها مدرسة أهل الحديث وتسمى بمدرسة المدينة وبمدرسة الحجاز وكان ممن أخذ بهذه الطريقة سعيد بن المسيب المتوفى سنة 93هـ وتلقى منه هذه الطريقة الكثير من فقهاء الحجاز وغيرهم.

من أخذ هذه الطريقة وحرم الإفتاء بالرأي:

وممن أخذ بهذه النزعة سالم بن عمر([137]) فانه كان يرفض الإفتاء بالرأي فإذا سئل عن حكم واقعة لم يسمع فيها شيئاً قال لا ادري, لعلي إذا أفتيت لك برأي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأياً غيره فلا أجدك فماذا يكون مصيري([138])، وممن اتبع هذه المدرسة زيد بن ثابت، ولم تكن مدرسة الحديث, أعني من اتخذ هذه الطريقة هم خصوص فقهاء الحجاز بل الكثير منهم من أقطار أخرى كعامر الشعبي([139]) التابعي فانه من فقهاء الكوفة، وسفيان الثوري([140])من تابع التابعين أحد أعلام الكوفة في الفقه، ويزيد بن أبي حبيب المصري([141]), والأوزاعي الشامي([142]), وكانوا في طرق استنباطهم للأحكام الشرعية لا يعتمدون إلا على العلم أو العلمي, بمعنى ان الحكم الشرعي إما ان يقوم عليه الدليل العقلي الذي يوجب العلم والقطع به كالدليل العقلي على حسن رد الأمانة فان الدليل العقلي المفيد للقطع حجة بنفسه, وليست الأحكام الشرعية الفرعية أعظم شأناً من الأحكام الشرعية الاعتقادية, والدليل العقلي المفيد للقطع حجة فيها, فبالطريق الأولى في الأحكام الشرعية الفرعية، وإما ان يقوم على الحكم الشرعي الفرعي الدليل الذي قام الدليل القطعي على حجيته كالخبر الصحيح الذي عمل به المشهور فان الدليل المفيد للقطع قام على حجيته وهكذا ظواهر القرآن, ولذا لم يعتبروا القياس والاستحسان نهما أدلة لا تفيد القطع بالحكم ولم يقم دليل يفيد القطع بحجيتها.

وينسب لبعضهم بأن مدرسة الحديث لم يكتب لها البقاء حيث اختفت بوفاة الإمام الظاهري سنة 270هـ([143]) ولعله أراد عند بعض طوائف الإسلام وإلا فمدرسة الحديث لا تزال باقية ما بقي الإسلام، وقد خالف عمر بن الخطاب في ذلك حيث استعمل الرأي بصورة واضحة في استخراج الأحكام الشرعية, وهو أول من أمر بالعمل بالقياس وبذر بذرته ففي كتابه لأبي موسى الأشعري اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور في ذلك على نظائرها([144]) وكانت طريقته هي التي اتبعتها مدرسة أهل الرأي في العراق وتسمى بمدرسة الكوفة حيث قد تأثر أكثر أهل العراق بفقه ابن مسعود في الكوفة، وابن مسعود يسير على طريقة عمر، فكانوا لا يحجمون عن الفتوى برأيهم فيما لم يجدوا نصاً بل يتبعون في فتواهم العلل التي يستخرجونها من النصوص وان خالفت ظواهر النصوص ويبنون الأحكام على العلل وان خالفت ظواهر الأدلة, فمدرسة الرأي تعتمد على الأدلة التي تفيـد الـظن وان لـم يقـم الـدليـل القـطعي على حجيتهـا فاعتمـدوا على مـثل القياس والاستحسانات مع انه لم يقم الدليل القطعي على حجيتها. ولم تكن مدرسة الرأي اعني, من اتخذ هذه الطريقة هم خصوص فقهاء أهل الكوفة بل الكثير منهم من أقطار أخرى ، فان في المدينة نفسها كان ربيعة بن عبد الرحمن المتوفى سنة 136 أحد كبار التابعين من أهل هذه المدرسة ولذا سمي بربيعة الرأي([145]).

نواة مدرسة الرأي ومدرسة الحديث:

والحاصل ان هذا الاختلاف في معرفة الحكم الشرعي كان نواة وبذرة لوجود مدرستين للفقهاء عرفتا فيما بعد باسم مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، وكان أكثر المذاهب عملاً بالقياس الحنفية ولذا صار عندهم دليلا مستقلا في مقابل الرأي وخصوا اسم الرأي بحكم العقل من غير طريق القياس.

انتشار الفقهاء في أوائل خلافة عثمان :

وفي هذا الدور عند أوائل خلافة عثمان انتشر الفقهاء في الأمصار الإسلامية واخذ أهل كل قطر يأخذون ممن نزل عليه من الصحابة الفتوى والرواية والعلم والمعرفة بعد أن كان عمر بن الخطاب لا يمكنهم من الخروج من المدينة المنورة إلا للقيام بالأعمال التي تخص الخلافة، فخرج عبد الله بن عباس لمكة المكرمة وتوفي بالطائف سنة 68هـ. وخرج للكوفة علقمة بن قيس النخعي المتوفى سنة 62هـ([146]) وسعيد بن جبير الذي قتله الحجاج سنة 95هـ وإبراهيم بن يزيد النخعي المتوفى سنة 96هـ([147]) وخرج لمصر عبد الله بن عمرو بن العاص الذي كان يلوم أباه على القيام في الفتنة. وخرج انس بن مالك للبصرة المتوفى سنة 93هـ. وبقي في المدينة المنورة جماعة منهم الإمام علي عليه السلام وزيد بن ثابت الذي كان عثمانياً ولم يشهد مع الإمام علي عليه السلام حروبه والمتوفى سنة 45هـ وعبد الله بن عمر بن الخطاب الذي ندم على تركه القتال لخصوم علي عليه السلام ولحروبه والمتوفى سنة 73هـ وسعيد بن المسيب التابعي المتوفى سنة 94هـ ولقد كان بين سعيد وبين عكرمة مولى ابن عباس منافرة فكان يكذب عكرمة، وعكرمة يخطئه في فتواه.

من أعمال عمر في هذا الدور:

وفي هذا الدور استقضى عمر بن الخطاب شريحاً المتوفى سنة78هـ على الكوفة وأرسل للكوفة عبد الله بن مسعود الصحابي المتوفى سنة 32هـ معلماً ووزيراً وكان يأخذ أهل الكوفة منه الحديث إلى أن صار بينه وبين عثمان كدورة فاستقدمه للمدينة ومات فيها، وبعث عبد الرحمن الأشعري؟([148])  لتفقيه الناس، وهو الذي تفقه على يده التابعون بالشام سنة 78هـ وكان المرجع في كل بلد فتاوى من كان فيه من الصحابة والتابعين.

المرجع في الفتوى في هذا الدور الثاني:

وكان المرجع في الفتوى في هذا الدور هم الصحابة والتابعون وكان المرجع في الفتوى عند التحير فيها من الجميع هو الإمام علي عليه السلام كما تشهد بذلك السير والتاريخ حتى قال فيه عمر لولا علي لهلك عمر([149])، ولا يفتين أحدكم في المسجد وعلي حاضر([150]).

الأسف على إهمال مثل البخاري لأكثر روايات علي عليه السلام:

ويؤسفنا جداً أن يكون مثل الإمام علي عليه السلام الذي تربى في حجر النبوة وهو أكثر الصحابة مصاحبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وباب مدينة علمه وفقهه ان تكون روايته وفقهه قليلة في كتب الروايات كالبخاري ومسلم بحيث لا تتناسب مع المدة التي قضاها مع الرسولصلى الله عليه وآله وسلم وبعده.

ما يستوقف الفكر في هذا الدور الثاني:

وكيفما كان فالذي يستوقف نظري في هذا المقام أمور:

الأول: إعراضهم عن القرآن الكريم الذي جمعه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فانه لا يعقل ان يكون الرسول قد ترك القرآن بلا جمع مبعثراً في الصدور والعظام واللخاف مع انه الدستور الشرعي لصلاح الأمة وهو خاتمة الأنظمة الإلهية مع ما في ذلك من تعريضه للتلف وللتحريف والتبديل الذي عابه الله على اليهود والنصارى بالنسبة لتوراتهم وإنجيلهم, وقد دلت الروايات المتضافرة على انه كان مجموعاً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إضبارة خاصة كما في أحكام القرآن([151])وفتح الباري([152])ومستدرك الحاكم([153]) وتاريخ الشام والمحبر لابن حبيب([154])ومسند الطيالسي([155]) وفي صحيح البخاري في فضائل القرآن عن أنس بن مالك ان أربعة من الصحابة جمعوا القرآن في زمن حياة رسول الله وهم معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد([156]) واختلفت الرواية عنه في الرابع بين أبي الدرداء وأبي بن كعب, وفي إرشاد الساري ما يدل على جمع ابن عمر له في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعليه فما وجه إعراض القوم عن هذا القرآن والتجائهم إلى جمعه من اللخاف والعسب وصدور الرجال.

الثاني: إعراضهم عن القرآن الذي كتبه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام على نسخة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

الثالث: إعراضهم عن كبار الصحابة وحفظة القرآن في جمعهم للقرآن الكريم كالإمام علي بن أبي طالب. وعبد الله بن عباس. وعبد الله بن عمر. وابن مسعود وغيرهم من حفظة القرآن الكريم.

الرابع: منع الخليفتين أبي بكر وعمر من كتابة السنة وإصرارهما على ذلك مع انه في ذلك حفظها من التحريف والتبديل ومعرفة القوانين الإسلامية على الوجه الأكمل، ولم يكن سبيل للدس والافتراء من قبل أعداء الإسلام وأصحاب الأهواء لقرب العهد بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والخوف من ولاة الأمور كما هو الشأن في القرآن الكريم مع ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالكتابة لأبي شامة اليماني وأجاز لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يكتب عنه صلى الله عليه وآله وسلم الحديث([157]) كما تقدم وكان عليهم ان يحفظوا السنة بالتدوين كما حفظوا القرآن بالتدوين مع ان في السنة أحكاماً أكثر, وشرحاً للقرآن أجدر, بل هي المكملة للأحكام التي لم تأت صريحة في القرآن العظيم والمبينة للقوانين التي أجمل بيانها التنزيل الكريم, وفيها من الثروة الفقهية ما يعرف بها حتى ارش الخدش وقد دخل على المسلمين من ترك تدوينها بادئ بدء ضرر عظيم أوجب ان يشق عصا وحدتهم واختلاف كلمتهم وانقسام آرائهم، والقول بأن تدوينها يوقع الخلط بينها وبين القرآن الكريم ناشئ من الجهل ببلاغة القرآن وإعجازها فإنها هي المميزة بين التعبير الإلهي النازل للأعجاز وبين الحديث النبوي الصادر لبيان الأحكام ثم ان ذلك لا يوجب المنع وإنما يوجب المحافظة من الاختلاط بينهما ولعل التدوين كان أحسن شيء للتفرقة بينهما ولو خشي من الاختلاط.

الخامس: منع الخليفة عمر من خروج الصحابة والفقهاء من المدينة المنورة إلا بإذن خاص منه مع ان في ذلك نشر الأحكام الإسلامية وتفهيمها للمسلمين، وإذا ضممنا هذين الأمرين الرابع والخامس إلى ما ذكرنا من منع عمر أن يكتب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حال مرضه كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ترى انه قد ذهب من أيدينا ثروة علمية عملية كانت تزيل هذا الانشقاق بين صفوف المسلمين في الخلافة الإسلامية وتمنع من انفصام عرى وحدتها في الأحكام الشرعية.

وقت وفاة أبي بكر وعمر وعثمان:

وفي هذا الدور توفي أبو بكر سنة 13هـ وتوفي عمر بن الخطاب سنة 23هـ وقتل عثمان بن عفان سنة 35هـ.

موقف الإمام علي عليه السلام من قتل عثمان:

وقد أرسل الإمام علي عليه السلام ولديه الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام لحمايته فكانا على باب داره يحفظانه حتى تسلق القوم على حائط قصره فنزلوا عليه وقتلوه.

 

 

 

الدور الثالث

مبدأ الدور الثالث ومنتهاه

والعوامل التي أوجبت انشقاق المسلميـن

ثم يبدأ الدور الثالث من حيث ينتهي الدور الثاني أي من سنة 36هـ إلى خلافة عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ فان في هذا الدور أعلن معاوية الخروج عن طاعة أمير المؤمنين وانشق المسلمون نصفين بعد أن كانوا في الدورين السابقين يداً واحدة يرجع بعضهم لبعض في تفهم المسائل الشرعية وكانت الشيعة متفقة مع السنة لا يجرؤ أحدهم على مخالفة الآخر في الظاهر للمحافظة على وحدة الصف وجمع الكلمة والأخوة الدينية الإسلامية، أما في هذا الدور فقد عصفت بهم ريح عاتية مزقتهم شر ممزق وفرقتهم أيدي سبأ بالخروج على خليفة المسلمين الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام فأعلن معاوية العصيان وجمع جموعه على خليفة المسلمين وكان ذلك أول حدث في الإسلام شق عرى وحدتهم وفرق ما اجتمع من صفوفهم وأثارها فتنة شعواء ليوم المحشر تقذف علينا بحمم كأنها جمالة صفر([158]) غيرت الاتجاهات الروحية وبلبلت الأفكار الدينية وسببت التطاول على مركز الخلافة الإسلامية التي هي رمز الوحدة والأخوة في ذات الله.

وقعة الجمل:

وما كانت وقعة الجمل إلا نتيجة لخروج معاوية وإعلانه العصيان، فان مكة لم تتألب فتخرج على الإمام علي عليه السلام إلا بعد أن أعلن معاوية العصيان وتأهب الإمام علي عليه السلام للذهاب بجيشه لحرب معاوية.

وقعة النهروان:

وحتى وقعة النهروان فإنها كانت نتيجة لإعلان معاوية الحرب للإمام علي عليه السلام واستعماله الخدعة في رفع المصاحف.

موقف الأموييـن من العلوييـن والمنكرات التي ارتكبوها:

وكان من جراء إعلان الأمويين الحرب على الإمام علي عليه السلام أن يوجهوا جهودهم لبسط سلطتهم وسطوتهم مهما كلفهم الأمر وبالغوا في تكوين دولتهم ونفوذ سلطانهم حتى بكشف العورات وإبداء السوءات كما فعل ذلك ابن العاص وبسر بن أرطأة([159]). وسعوا وراء إشباع شهواتهم وتنفيذ أمانيهم ورغباتهم وان تجاوز ذلك الحد وخالف الشرع فسبوا خليفة المسلمين([160]) على منابرهم ثمانية وخمسين سنة وسفكوا الدماء الزكية الطاهرة من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتهكوا الحرمات الإلهية وأسرفوا بالقتل والفتك في المسلمين والسلب والنهب لحجاج بيت الله المؤمنين فقتلوا عبد الله بن حنظلة([161]) وسبعمائة من المهاجرين والأنصار. وأغاروا على المدينة المنورة واحرقوا دورها حتى دار أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم بعد هذا أباحوها للجند ثلاثة أيام يقتلون فيها الناس ويسلبون الأموال ويسبون النساء. ورموا الكعبة بالمنجنيق بعد نصبه على جبل أبي قبيس فاحترق سقفها وأستارها. كما رماها الحجاج مرة ثانية في أيامهم وبأمرهم. واتخذوا الخصيان ومنعوا حج بيت الله الحرام. واضطهدوا الفقهاء فجلدوا سعيد بن المسيب المسمى بفقيه الفقهاء وشهروا به في أسواق المدينة ومنعوا الناس من الاجتماع به.

واغتالوا محمد بن أبي بكر الفقيه الصالح بالسم. ونكلوا بسعيد بن جبير المقرئ الفقيه المحدث الزاهد التابعي العالم بالتفسير وكان يلقب بجهبذ العلماء ولم يرعوا العبد الصالح حجر بن عدي([162]) بقتلهم إياه وهو من أبطال الفتح لنهاوند, وفي الكامل لأبن الأثير إن (الناس يقولون أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر ودعوة زياد)([163]) أي دعوة معاوية لزياد بن سمية بأنه أخوه لأبيه أبي سفيان، وقتلهم عمرو بن الحمق([164]) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مقرباً عنده وكان رأسه أول رأس طيف به في الإسلام وصلبهم لرشيد الهجري، وقتلهم ميثم التمار([165]) قبل قدوم الحسين للكوفة بعشرة أيام وقتلهم قنبر مولى أمير المؤمنين، وقتلهم العالم الورع كميل بن زياد([166]). وإستلحاق أولاد الزنا بهم كزياد بن أبيه([167])حيث إستلحقه معاوية بأبيه مقراً بأخوته له على حين أن الشريعة الإسلامية لا تبيح ذلك ولا ترضاه. قال الحسن البصري (ثلاث كن في معاوية لو لم يكن إلا واحدة منهن لكانت موبقة, إنتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء وإستلحاقه زياداً وقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر, وقتله لحجر بن عدي وأصحابه فيا ويله من حجر وأصحاب حجر)([168]) وبمثل هذا ينسب القول لسعيد بن المسيب حيث نقل عنه انه يقول: قاتل الله معاوية كان أول من غير قضاء الرسول وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر([169]).

فصل الدولة عن الدين:

وقد فصلوا الدولة عن الدين وأصبحت الخلافة أموية دنيوية إرثية لا إسلامية ولا أخروية ولا شوروية وجعلوا الفقه ينفصل عن الحياة العملية تدريجياً ويكون علمياً أكثر منه عملياً مما سبب انفصال الفقهاء عن السلطة وانصرافهم عن الدولة حتى قال أسيد بن حضير الأنصاري لا أقضي ما وليت بما قال معاوية([170])، وبلغ بهم أن يغروا بعض الرواة والفقهاء بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتأييد مقامهم وتثبيت مراكزهم وإضعاف مخالفيهم فتطاولوا على مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب عليه وأقحموا في الفقهاء من لم يستكمل عناصر الاجتهاد لديه ولم يستنتج الحكم الشرعي بالنظر السليم المجرد عن الهوى فيه وشجعوهم على الإفتاء بما لم ينزل به الله من سلطان.

اختلاط صحيح الحديث بضعيفه:

وبهذا وذاك اختلط صحيح الحديث بضعيفه وحسنه بسقيمه وادخل في الدين ما ليس من الدين وفسرت آيات القرآن الكريم بما تهوى الأنفس وتشتهيه وأصبحت مهمة علماء الحديث والفقهاء والمفسرين شاقة متعبة في معرفة الحكم الشرعي والنص الصحيح النبوي والتفسير للمراد الإلهي وهذا هو السبب الأول الذي دعا العلماء لتكوين فكرة تلخيص الروايات والتفسير والفتاوى وتنقيتها عن الشوائب والمفتريات والمفتعلات.

 

موقف الإمام علي عليه السلام من العبث في الدين:

وأما جماعة الإمام علي عليه السلام فكانوا يأخذون بالكتاب وما انصياعهم للرافعين للمصاحف يوم صفين إلا من جهة تمسكهم بالكتاب المبين وقد ردوا الروايات التي تخالفه حتى لو كانت رواتها في أسمى درجات الصحة. وعند فقد نص الكتاب أو ظاهره أخذوا بالسنة إذا صحت روايتها حتى لو كان نقلتها على غير طريقتهم.

أخذ الشيعة بروايات أهل السنة وإجماعاتهم:

وقد أوجب الشيخ الطوسي في كتاب العدة([171]) وهو صاحب الصحيحين عند الشيعة الاستبصار والتهذيب وجوب العمل بالخبر من طريق المخالفين إذا لم يكن للشيعة في حكمه خبر مخالف ولا يعرف لهم فيه قول.

كيف وقد عملت الشيعة بما رواه حفص بن غياث العامي الكوفي القاضي([172]) وغيره من غير الشيعة. وفي الصحاح الأربعة المعول عليها عند الشيعة, الكثير من أخبارها تنتهي إلى غير الشيعة. ويأخذون بالإجماع إذا كان كاشفاً كشفاً قطعياً عن سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد ملئت كتبهم الفقهية من الاستدلال به ككتب الشيخ

والسيد المرتضى([173]) والعلامة([174]) وغيرهم. حتى أن بعض علماء الشيعة يعمل بالإجماع الذي ينقله مالك عن أهل المدينة في موطئه لكشفه عن رأي المعصوم عنده ويعمل الشيعة بالرأي ان كشف عن الحكم الشرعي كشفاً قطعياً لا ظنياً لعدم حجية الظن. وفي أخبار الشيعة ما يدل على ذلك كما في باب العقل من كتاب الكافي([175]) فالعجب من بعض الكتبة في هذا المقام أن ينفي عن الشيعة العمل بالكتاب والسنة المروية عن غيرهم والإجماع والرأي.

المرجع في الفتوى في هذا الدور الثالث:

وفي هذا الدور كان المرجع الأعلى في الفتوى هو الإمام علي عليه السلام لأنه هو خليفة المسلمين إلى سنة استشهاده سنة 41هـ.

المذاهب الستة في هذا الدور:

واتفق في هذا الدور أن تكونت للمسلمين مذاهب ستة وعندما نرجع لتاريخها وأصلها وأساسها نجد أن ما عدا الأول منها كان بسبب خروج معاوية على الإمام علي عليه السلام ولولاه لكان الإسلام على المذهب الأول منها وهي:

المذهب الأول

المذهب الأول أتباع الإمام علي عليه السلام وهم بين قائل بأنه رابع خليفة وبين قائل بأنه أول خليفة.

المذهب الثاني

والثاني وهم أصحاب الجمل وهم يذهبون إلى أن علياً ليس بخليفة وليس الخلفاء الذين عندهم إلا ثلاثة.

مذهب أصحاب الجمل:

وكان مرجعهم في الفتيا عائشة وطلحة(1) والزبير(2) وقد انقرض هذا المذهب بموت عائشة في سنة 58هـ.

المذهب الثالث

والثالث مذهب الأمويين وهم الذين يرون أن الخليفة بعد عثمان هو معاوية بن أبي سفيان ثم من بعده أولاده وهذا المذهب قد انقرض في المشرق والمغرب بعد ذهاب دولة الأمويين فيهما.

المذهب الرابع

والرابع مذهب المرجئة وهم الذين اعتزلوا الناس ولم يقاتلوا وأرجأوا الحكم لله تعالى ومن هؤلاء عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة([176]) وأسامة بن زيد([177]) وأبو سعيد الخدري وحسان بن ثابت ومسلمة بن مخلد([178]) وغيرهم.

مذهب المرجئة:

وعندهم ان الإيمان مجرد الاعتقاد ولا أثر للعمل في تحققه ولا تنافيه المعصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة وقد تلاشت هذه الفرقة في العصر الأموي.

المذهب الخامس

والخامس مذهب أهل النهروان وهم الخوارج ويسمون (الحرورية) لأنهم خرجوا من الكوفة بعد أن صمموا على محاربة الإمام علي عليه السلام إلى قرية قريبة للكوفة تسمى (حروراء) وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي([179]) من الأزد وقد حاربهم الإمام علي عليه السلام في موضع يسمى بالنهروان وهزمهم شر هزيمة وقد قوي أمرهم في زمن الدولة الأموية فكان قسم منهم اتخذ (البطائح) قرب البصرة مركزاً لهم وقسم استولى على حضرموت واليمامة والطائف وكانت الحرب بينهم وبين الأمويين مستمرة ولما جاء العباسيون ضعفت شوكتهم وانحط شأنهم ولا يزال قسم منهم يحتل بعض الإمارات في الخليج العربي وعندنا كتاب قديم في معتقداتهم وكتاب جوهر النظام في فروعهم([180]).

مذهب الخوارج:

ومذهبهم صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان في صدرها الأول أي مدة ست سنوات وعلي قبل التحكيم ويطعنون في طلحة والزبير وعائشة ويكفرون معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري ويشترطون في الخليفة أن يكون باختيار المسلمين ولا يصح أن يتنازل ولا أن يحكم غيره في قضاياه ويرون أن العمل بالفرائض الدينية كالصلاة والصوم والزكاة وترك المحرمات جزء من الإيمان, وليس الإيمان الاعتقاد وحده بدون العمل بالفرائض. وان مرتكب الكبيرة والذي لا يعمل بالفرائض كافر. ويرى قسم منهم أن القرآن وحده هو المصدر للأحكام الشرعية وليس غيره مصدراً لها وأنه يجب الخروج على السلطان الجائر, وقد افترقوا إلى فرق عديدة ومنهم الأباظية وهم تحت سلطنة مسقط.

 

المذهب السادس

السادس المذهب الكيساني ويعزى هذا المذهب لكيسان مولى لعلي(1) عليه السلام وقد أسسه عقب مقتل الحسين عليه السلام يدعو فيه إلى الخلافة لمحمد بن الحنفية, وكان من أتباعه كثير عزة(2) الشاعر المعروف.

الكتب التي ألفت في هذا الدور ولا تزال موجودة لدينا:

ويوجد في مكتبتنا في هذا الدور كتاب سليم بن قيس(3) الذي توفي مستتراً عن الحجاج سنة 90هـ وقد أدرك سليم الإمام علي عليه السلام والأئمة من ذريته إلى زمن الباقرعليه السلام وهو مجموعة من الأخبار التاريخية يستفيد منها الفقيه أحكام بعض المواضع الفقهية كالجهاد ونحوه وما يتعلق بالإمامة من الأحكام الشرعية وهو من أقدم الكتب التي بين أيدينا توجد منه نسخة خطية قديمة في مكتبة جدي الهادي وطبع بالحروف.

وفي هذا الدور كتب همام بن منبه(1) أخو وهب صحيفته التي رواها عن أبي هريرة وقد رواها أحمد في مسنده بكاملها(2). وقد ذكر أهل التاريخ أن هماماً كان يوم وفاة أبي هريرة عمره ثماني عشرة سنة. ويوجد لدينا تفسير ابن عباس الموسوم بتنوير المقباس عن تفسير ابن عباس المتوفى سنة 68هـ اختصره صاحب القاموس من تفسير ابن عباس الكبير(3).

فقهاء الدور الثالث:

وكان في هذا الدور الثالث من الفقهاء:

عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة 73هـ واسلم مع أبيه وهو صغير وقد ندم على عدم مشاركته للإمام علي في حروبه, وأكثر من روى عنه ابنه سالم ومولاه نافع وينقل عن الشعبي انه قال (كان ابن عمر جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه)(4).

ومنهم أبو هريرة المتوفى سنة 58هـ اسلم سنة سبع من الهجرة أي قبل وفاة الرسول بثلاث سنين مع انه أكثر رواية من أبي بكر وعمر والإمام علي. ففي مسند احمد بن حنبل يكون مسند أبي هريرة (313) صفحة بينما مسند علي عليه السلام فيه (85) صفحة ومسند أبي بكر (14) صفحة ومسند عمر (41) صفحة.

ومنهم سعيد بن المسيب المتوفى سنة 94هـ وهو زعيم مدرسة أهل الحديث وقد حكي عن الذهبي انه قال في سعيد بن المسيب انه اعلم الناس بالقضاء وسيد التابعين وليس فيهم أحد أوسع علماً منه([181]) وذكر أهل التاريخ انه أبى أن يزوج ابنته للوليد بن عبد الملك([182]) وزوجها لأحد الفقراء اسمه (أبو وداعة) وكان لا يقبل جوائز السلطان وكان بينه وبين الحسن البصري مكاتبة. وكان سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر([183]) وأبو خالد الكابلي(4) من ثقاة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام وحوارييه.

ومنهم إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي(5) المتوفى سنة 96هـ زعيم مدرسة أهل الرأي والقياس وشيخ حماد بن أبي سليمان([184]) الذي هو شيخ أبي حنيفة. وقد نقل حديثه البخاري ومسلم ويذهب إلى أن الأحكام الشرعية لها علل وان على الفقيه إدراكها ليجعل الأحكام الشرعية تدور مدارها خلافاً لسعيد بن المسيب الذي يذهب إلى لزوم متابعة الكتاب والسنة من دون الرجوع لعلل الأحكام.

ومنهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي([185]) المتوفى سنة 94هـ وكان كثير الرواية.

ومنهم سعيد بن جبير فانه من أعلام الفقهاء الذين تخرجوا من مدرسة الكوفة وعن ابن حجر في تقريبه انه فقيه ثبت([186]), قتله الحجاج صبراً سنة 65هـ وقد عده اليعقوبي من الفقهاء الذين يفتون الناس في عصر الوليد وسليمان بن عبد الملك([187]). وعن ميمون بن مهران انه قال: مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض رجل إلا ويحتاج إلى علمه, وكان ابن عباس إذا سأله أهل الكوفة عن أمور دينهم يقول أليس فيكم سعيد بن جبير([188]).

ومنهم علقمة بن قيس النخعي الكوفي المتوفى سنة 62هـ وقد روى عنه البخاري ومسلم.

وعن الذهبي انه قال (كان فقيهاً إماماً بارعاً ثبتاً فيما ينقل, صاحب خير وورع)([189]) وكان على رأس من تخرج من مدرسة الفقه في الكوفة.

ومنهم الأسود بن يزيد النخعي([190]) المتوفى سنة 95هـ ابن أخي علقمة بن قيس المتقدم ذكره وكان عالم الكوفة.

ومنهم الحرث بن عبد الله الهمداني([191]) وعن ابن أبي داود إنه أفقه الناس([192])وعن أبي جعفر الطبري في ذيل المذيل انه تعلم منه الشعبي الفرائض والحساب([193]).

ومنهم أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ في البصرة بالطاعون وكان في طليعة أهل العلم وعن الراغب الأصفهاني في مفرداته انه كان من أكمل الرجال رأياً وعقلاً([194])، وقد وضع علم النحو بتعليم الإمام علي عليه السلام وقد روى عنه البخاري ومسلم وعن الأغاني انه من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدثيهم([195])وعن ابن خلكان انه من سادات التابعين وأعيانهم([196]) وهو أول من أعرب القرآن العزيز وتلميذه يحيى بن يعمر العدواني([197]) المتوفى سنة 129هـ بخراسان وهو أول من نقط القرآن الكريم.

ومنهم عروة بن الزبير بن العوام([198]) المتوفى سنة 94هـ ذكر الذهبي انه عالم المدينة ويحكى عن الزهري انه قال فيه: انه بحر لا ينضب([199]).

ومنهم عبد الله بن عباس بن عبد المطلب المتوفى بالطائف سنة 68هـ وكان يسمى بترجمان القرآن وعليه يدور علم أهل مكة في التفسير والفقه.

ومنهم مسروق بن الأجدع الهمداني([200]) المتوفى سنة 63هـ تتلمذ على الإمام علي عليه السلام وعن الشعبي انه اعلم من شريح القاضي([201]).

ومنهم عبيدة بن عمرو السلماني([202])المتوفى سنة 72هـ وكان يفتي الناس في الكوفة وأخذ الفقه من الإمام علي عليه السلام.

ومنهم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتوفى سنة 93هـ وقد سكن البصرة وكان من علمائها.

ومنهم عبد الرحمن الأشعري المتوفى سنة 78هـ بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام ليفقه الناس.

ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى سنة 65هـ أخذ المصريون عنه علماً كثيراً وكان يلوم أباه على القيام مع معاوية في الخروج على الإمام علي عليه السلام وحضر صفين مع الإمام علي عليه السلام إلا انه يقال انه لم يسل سيفاً خوفاً من العقوق.

واتفق في هذا الدور أن قتل الإمام علي عليه السلام بسيف ابن ملجم([203])سنة 40هـ واستشهد الإمام الحسن عليه السلام بسم معاوية له سنة 49هـ.

أخذ الفقهاء من الإمام الحسن عليه السلام:

وقد أخذ الفقهاء والعلماء من الإمام الحسن عليه السلام الكثير من الأحكام الشرعية. وكلماته ومواعظه أكثر من أن تعد وتحصى, وألف في الفقه كما نص على ذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي([204]) وقد قاسم ماله مرتين أو أكثر وحج خمساً وعشرين حجة ماشياً والركائب تقاد بين يديه.

استشهاد الإمام الحسيـن عليه السلام:

واستشهد الإمام الحسين عليه السلام بقتل يزيد بن معاوية له سنة 61هـ وعن الترمذي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً)([205]) وهو صاحب الدعاء المعروف في يوم عرفة الذي اشتمل على الأسرار الدينية والمعارف الإلهية والبلاغة المنطقية وما يدهش العقول ويخلب الألباب.

استشهاد الإمام زين العابدين عليه السلام:

واستشهد الإمام علي بن الحسين عليهما السلام بسم الوليد بن عبد الملك سنة 95هـ والذي يقول في حقه الزهري ما رأيت أحداً أفقه من علي بن الحسين([206]).

وروى عنه مالك في موطئه. وعن ابن المسيب انه قال: ما رأيت أروع([207]) منه وهو صاحب الصحيفة السجادية البالغة منتهى البلاغة في ادعيتها, كتبها ولده الباقر عليه السلام بإملاء أبيه عليه السلام وكتبها ولده زيد الشهيد عليه السلام بإملاء أبيه عليه السلام وكانت النسختان قد وصلتا للإمام للصادق عليه السلام وكان يقبلهما ويقول في نسخة الإمام الباقر: هذا خط أبي وإملاء جدي([208]), وفي نسخة زيد : هذا خط عمي وإملاء جدي, وقد قوبلت النسختان فلم يكن بينهما مخالفة. وكان من تلاميذه القاسم بن محمد بن أبي بكر. وسعيد بن المسيب. وأبو خالد الكابلي.

وذكر الكثير من أهل التاريخ انه مات مسموماً بسم الخليفة الأموي سنة 95هـ السنة التي مات فيها الكثير من الفقهاء.

الإمام الباقر عليه السلام

ومن الأئمة في هذا الدور أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر عليه السلام إلا انه استشهد في الدور الرابع سنة 114هـ وقد دونت عنه أئمة المذاهب.

الانتقال إلـى قم في هذا الدور:

وفي هذا الدور سنة 83هـ انتقل جملة من التابعين إلى قم.

 

 

الدور الرابع

مبدؤه ومنتهاه

وهو يبتدئ من زمن خلافة عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم سنة 99هـ الذي كانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وينتهي هذا الدور بأفول نجم الدولة العباسية بأوائل القرن الرابع الهجري والقرن العاشر الميلادي حيث أن باب الاجتهاد انسد عند أهل السنة في آخر هذا الدور لتصريحهم بأنه لم ير مجتهد منهم بعد محمد بن جرير الطبري([209]) المتوفى سنة 310هـ.

ما حدث من الأمور التي تخص علم الفقه في هذا الدور الرابع:

وفي هذا الدور حدثت أمور تخص هذا العلم.

الأول: منها أن هذا العلم قد نال من الدعاية والعناية والتشجيع والترغيب حظاً وافراً فهذا عمر بن عبد العزيز أرسل العلماء إلى الآفاق الإسلامية لتعليم أهلها الأحكام الشرعية الإسلامية وقد روى لنا التاريخ انه بعث عشرة من العلماء التابعين إلى أهل أفريقيا لتعليم أهلها الدين.

ذهاب الفقهاء إلـى المدن:

وأخذ الفقهاء يتفرقون في المدن فكان في مكة سفيان بن عيينة(1). وفي المدينة مالك. وربيعة الرأي. وفي الكوفة سفيان الثوري. وأبو محمد البجلي(2). وأبو حنيفة. وفي البصرة الحسن البصري. وفي بغداد احمد بن حنبل. والظاهري. والطبري. وأبي ثور(3). وابن أبي عمير(4). وهشام بن الحكم. وفي دمشق الأوزاعي. وفي مصر الشافعي والليث بن سعد.

انتقال السلطة من الأموييـن إلى العباسييـن:

والثاني منهما: انتقال السلطة والسلطنة من الأمويين إلى العباسيين سنة 132هـ باسم الدين.

ظهور دولة العباسييـن بادئ بدء بمظهر الدين:

وهذا ما أوجب أن يظهر العباسيون بمظهر المحافظين على الشريعة المحمدية ويصبغوا الدولة بصبغة الدين ويتوجهوا لعلمائها الروحانيين ويشيدوا بالفقه والفقهاء الربانيين وقد أدركوا خطأ الأمويين في بعدهم عن الصحابة والتابعين وعدم رعايتهم للفقهاء الروحانيين وهذا ما دعا العباسيين أن يرجعوا لهم في المسائل الشرعية وحل الخصومات باسم الأحكام الدينية وبلغ بالعباسيين الحد في تشييدهم مجد الفقهاء أن يتمنى المنصور أن يجلس في مصطبة وحوله أهل العلم والحديث ويأمر مالك بن انس أن يكتب له كتاباً يتجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر فكتب([210]) (الموطأ) سنة 174هـ ويقال أن المنصور أراد أن يحمل الناس على العمل بالموطأ وأبى مالك ذلك([211]). ويبعث هارون الرشيد ولديه الأمين والمأمون ليتعلما الأحكام الشرعية من مالك والشيباني ويطلب من أبي يوسف أن يكتب له كتاباً في الخراج([212]).

وأمر هرثمة ابن أعين([213]) حين ولاه خراسان برعاية العمل بالأحكام الشرعية والرجوع للفقهاء في معرفتها. وقد صب وهو الخليفة الماء على يدي أبي معاوية الضرير أحد الفقهاء. وان يجمع المأمون العلماء ويبحث معهم المسائل الدينية. ويبحث معهم في إثبات أفضلية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلا أن الحقيقة انهم أرادوا أن يتذرعوا بالدين للقضاء على أهل الدين ويتخذونه وسيلة لتوطيد سلطانهم ورفع مقامهم كما يشهد بذلك إسرافهم في قتل الصلحاء وسبي النساء والولوغ بدماء الأبرياء وأتباع الشهوات فكان سفاحهم سفاكاً للدماء ومنصورهم نصيراً للباطل ورشيدهم مرشداً للضلال ويدرك ذلك كل من ألقى السمع وتبصر في التاريخ.

دولة الأدارسة:

والثالث منها: أن في هذا الدور تكونت دولة الأدارسة في المغرب الأقصى برئاسة إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ([214]) حيث بويع في مدينة (وليلي) من المغرب الأقصى يوم الجمعة 4 رمضان سنة 172هـ أيام خلافة هارون الرشيد. وقد أسسوا مدينة فاس وبنوا فيها المدارس العلمية وأنشأوا فيها المكتبات واستمروا في نشر المعارف الدينية إلى أن انتهى أمر خلافتهم سنة 309هـ على أيدي الفاطميين.

دولة العلوييـن:

الرابع منها: تكونت دولة العلويين في طبرستان برئاسة الحسن بن زيد([215]) المنتهي نسبه إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام في سنة 250هـ وعلى أيديهم اسلم أهل الديلم والجبل وذهبوا مذهب التشيع ونال على أيديهم الفقهاء حسن الكرامة وعظيم المنزلة واستمرت دولتهم لسنة 316هـ.

دولة البويهييـن:

الخامس منها: ظهور دولة البويهيين برئاسة أبي شجاع الملقب بعماد الدولة([216]) وكان ابتداء سلطانه في شيراز سنة 321هـ وكان لهم الحب العظيم للعلم والعلماء وفتحوا المدارس وعمروا ما خرب منها ودروا على الفقهاء وباقي أرباب العلوم الأرزاق واستمرت سلطتهم لسنة 447هـ .

دولة الفاطمييـن:

السادس منها: ظهور دولة الفاطميين في بلاد المغرب سنة 296هـ برئاسة عبيد الله المهدي([217]) الذي اعتنق مذهب الإسماعيلية وقد بنوا القاهرة وأنشأوا فيها جامع الأزهر سنة 358هـ والجامعات والكليات ودار الحكمة والمكاتب العامة وينسب للدروز الاعتقاد بأن الحاكم بالله الخليفة الفاطمي قد غاب سنة 411هـ واستمرت دولتهم لسنة 567هـ.

دولة الحمدانييـن:

والسابع منها: ظهور دولة الحمدانيين برئاسة حمدان التغلبي([218]) سنة 281هـ وقد قامت بخدمة العلم والعلماء والفقهاء واستمرت دولتهم لسنة 392هـ.

تدوين السنة على نطاق واسع:

والثامن منها: أن في هذا الدور الرابع شعر الفقهاء بضرورة تدوين السنة التي هي المصدر الثاني للفقه على نطاق واسع وكان مبدأ الأمر هو محاولة عمر بن عبد العزيز جمع الحديث في أوائل القرن الثاني للهجرة المصادف للقرن الثامن للميلاد فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قاضي المدينة المنورة([219]) وواليها وإلى باقي عماله في الأمصار يأمرهم بتدوين أحاديث الرسول ولكن عمر بن عبد العزيز قد عاجله الأجل قبل إتمام جمعها من قبل عامله ابن حزم بيد انه قد حقق أمله في زمن حياته محمد بن مسلم الزهري المدني التابعي المتوفى سنة 124هـ فقد دوّن لعمر بن عبد العزيز كتاباً في ذلك وأخذ عمر يبعث إلى مصر دفتراً من دفاتر هذا الكتاب وكان الزهري يفتخر ويقول (لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني)([220]) ويحكى أن الزهري قد أملى على بعض ولد هشام بن عبد الملك([221]) أربعمائة حديث وإنها كانت مكتوبة لديه وكان يطوف على العلماء ويكتب كل ما سمعه منهم وقالت له امرأته: إن هذه الكتب اشد علي من ثلاث ضرائر([222]).

أول من دوّن السنة وأول من صنفها وبوبها:

وقد روى الرواة أن أول من دوّن العلم هو محمد الزهري المذكور وإن أول من صنف وبوب سعيد بن أبي عروبة([223]). وألف مكحول الشامي([224])المتوفى سنة 116هـ كتاب السنن في الفقه وكتاب المسائل في الفقه([225]).

أقدم كتاب وصل إلينا في الحديث:

وأقدم كتاب ألف في الأحاديث الفقهية قد وصل إلينا المجموع الفقهي الذي رواه إبراهيم بن الزبرقان([226]) ونصر بن مزاحم([227]) عن الإمام زيد الذي استشهد بأمر هشام بن عبد الملك الأموي سنة 121هـ فانه أقدم من الموطأ بنصف قرن وكان الإمام جعفر الصادق المتوفى سنة 148هـ يحث العلماء والرواة على تدوين السنة فقد نقل عنه بعدة طرق انه قال: اكتبوا فإنكم لن تحفظوا حتى تكتبوا(7).

محاولة المنصور تدوين الفقه بتحريض ابن المقفع:

وعندما تحولت الخلافة من الأمويين إلى العباسيين سنة 132هـ حاول المنصور العباسي تدوين الفقه بنحو يكون هو المرجع للأقطار الإسلامية بتحريض من ابن المقفع([228]) المتوفى سنة 144هـ صاحب ترجمة كليلة ودمنة, فقد طلب من المنصور أن يضع قانوناً عاماً يؤخذ من الكتاب والسنة وعند عدمهما يؤخذ مما يرتضيه العدل والصالح العام فيكون ذلك هو المرجع لسائر الأقطار الإسلامية.

والظاهر أن هذه الفكرة بقيت في ذهن المنصور فلما حج سنة 148هـ الموافق سنة 765 م طلب من مالك أن يحمل الناس عـلى مذهـبه فـأبى مـالـك ذلـك (وقال: لكل قوم سلف وأئمة, فان رأى أمير المؤمنين إقرارهم على حالهم فليفعل)([229]) فاقتنع المنصور بما قاله مالك ولم ينفذ فكرة ابن المقفع.

وفي سنة 163هـ الموافق لسنة 777 م ذهب المنصور مرة ثانية للحج وعرض الفكرة الأولى على مالك وقال له (ضع الفقه ودوّن منه كتباً وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس وشوارد عبد الله بن مسعود وأقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونثبتها في الأمصار ونعهد إليهم أن لا يخالفوها) فكتب مالك الموطـأ وأصر على موقفه ولم يرض لحمل الناس على مذهبه([230]). ولما جاء هارون الرشيد للخلافة طلب من مالك أن يكون كتابه الموطأ مرجعاً للقضايا والفتوى ويوزع منه نسخاً على الأمصار الإسلامية للعمل على طبقه فأبى مالك ذلك وأصر على فكرته السابقة*([231]) فبقي الأمر على ما هو عليه من اختلاف المذاهب في الفقه الإسلامي.

زمن كثرة التصنيف والتدوين للسنة والفقه والتفسير:

ويمكن أن يقال إن التأليف والتصنيف وتدوين السنة والفقه والتفسير قد كثر في عام 143هـ.

فصنف وألف في بغداد محمد بن مسلم([232]) المتوفى سنة 150هـ كتابه الأربعمائة مسالة.

ومحمد بن حسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ ألف كتبه وطبع منها الشيء الكثير.

وأبو يوسف القاضي عند هارون الرشيد.

وفي مكة المكرمة ألف عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج([233]) المتوفى سنة 150هـ كتبه.

وفي المدينة المنورة صنف محمد بن إسحق(3) المتوفى سنة 151هـ ومالك بن أنس المتوفى سنة 179هـ.

وبالبصرة الربيع بن صبيح([234]) المتوفى سنة 160هـ وسعيد بن أبي عروبة([235]) المتوفى سنة 156هـ وحماد بن سلمة المتوفى سنة 167هـ وحماد بن عيسى الذي أغرقه السيل في موضع الإحرام عندما أراد أن يغتسل سنة 209هـ فان له عدة كتب منها كتاب الصلاة.

وألف بالكوفة أبان بن تغلب المتوفى سنة 141هـ ويوجد في آخر السرائر مستطرفات من كتبه مطبوعة([236]). وسفيان بن سعيد الثوري المتوفى سنة 161هـ.

وهشام بن الحكم المتوفى سنة 199هـ صاحب الكتب الكثيرة والمناظرات الجليلة.

وحماد بن عثمان([237]) المتوفى سنة 190هـ. وعبد المؤمن بن القاسم بن قيس بن فهد الأنصاري([238]) المتوفى سنة 147هـ. ومحمد بن قيس البجلي المتوفى سنة 151هـ. ومحمد بن مروان الذهلي([239]) المتوفى سنة 161هـ. ومعاوية بن عمار([240]) المتوفى سنة 175هـ وقد استطرف صاحب السرائر من كتبه بعض الأحاديث في آخر سرائره.

وبالشام صنف عبد الرحمن الأوزاعي المتوفى سنة 157هـ والوليد بن مسلم([241]).

وباليمن صنف معمر بن راشد([242]) المتوفى سنة 153هـ. وقد ظهر في الآونة الأخيرة كتاب المصنف لأبي بكر عبد الرزاق الصنعاني المتوفى سنة 211هـ والمولود سنة 126هـ. ومؤلفه قد طبع في بيروت في أحد عشر مجلداً ضخماً وعليه فيكون قد عاصر مالك صاحب الموطأ.

وصنف بخراسان ومرو عبد الله بن مبارك([243]) المتوفى سنة 181هـ.

وبالري جرير بن عبد الحميد([244]).

وبمصر الليث بن سعد المتوفى سنة 175هـ.

وبواسط هيثم بن بشير([245]).

أول من قام بتكثير أبواب الحديث:

ويحكى أن أبا بكر بن أبي شيبة أول من قام بتكثير الأبواب وكان الحديث في هذه الكتب ممزوجاً بأقوال الصحابة والتابعين.

ما أطلق عليه المصنف:

وأطلق على هذا النوع من الجمع اسم المصنفات وأشهرها موطأ مالك. وعند الزيدية مجمع الإمام زيد([246]).

من افرز أحاديث الرسول:

ثم جاء بعد هؤلاء من أفرد وافرز أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن فتاوى الصحابة والتابعين وكان ذلك ما بعد المئتين من الهجرة.

ما أطلق عليه اسم المسند:

وأطلق على هذا النوع اسم المسانيد.

أول من ألف في الأحاديث المسندة:

ويقال: أن أول من ألف في ذلك هو أبو داود الطيالسي المتوفى سنة 204 وأكثر المسانيد رواية وحديثاً هو مسند احمد ابن حنبل المتوفى سنة 241هـ.

أول من ألف النوادر والمراد منها:

ولعل محمد بن حسن الشيباني صاحب هارون الرشيد المتوفى سنة 179هـ أول من ألف في النوادر, وهي في مصطلح أهل الحديث الأخبار التي ليس بمضمونها خبر آخر أو يكون ولكنه قليل جداً وليس لها معارض ومسلم صحتها بخلاف الشواذ فإنها الأخبار غير الصحيحة أو لها معارض.

وكتاب نوادر الحكمة تأليف الشيخ الجليل محمد بن احمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمي([247])يشتمل على عدة كتب وعن ابن شهر آشوب انه اثنان وعشرون كتاباً كما في مجمع البحرين([248]).

ثم جاءت بعد هذه الطبقة, أي ما بعد المائتين والخمسين من الهجرة طبقة أخرى فاختارت من الأحاديث التي كانت موجودة في بطون الكتب وصدور الرجال.

العلماء الذين نالوا الشهرة:

وكان الذين نالوا الشهرة منهم دون سواهم في التأليف وكتبهم موجودة لدينا.

البخاري وعدد أحاديثه:

محمد البخاري([249]) المتوفى سنة 256هـ وبلغت أحاديث كتابه على ما حكي (7275) حديثاً المكرر منها (3000) حديثاً.

صحيح مسلم وعدد أحاديثه:

ومسلم بن الحجاج النيسابوري([250])المتوفى سنة 261هـ، وأحاديث كتابه على ما حكي (12000) حديثاً، وأبو داود سليمان السجستاني([251])المتوفى سنة 275هـ ومحمد السلمي الترمذي([252]) المتوفى سنة 279هـ، ومحمد القزويني المعروف بابن ماجه([253])المتوفى سنة 273هـ، واحمد بن شعيب النسائي([254]) المتوفى سنة 303هـ.

الصحاح الستة:

وكتب هؤلاء الستة هي المعروفة بالصحاح الستة عند أهل السنة.

والمحاسن للبرقي([255]) المتوفى سنة 274هـ ومختلف الحديث لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة([256]) المتوفى سنة 276هـ دافع فيه مؤلفه عن الأحاديث التي زعم أهل المعقول بأنها تناقض الكتاب المجيد أو يتناقض بعضها مع بعض.

والغيبة للنعماني(2) من علماء القرن الثالث.

وأبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار(3) المتوفى سنة 290هـ صاحب بصائر الدرجات المطبوع سنة 1285هـ.

وأبو محمد الحسن الحلبي(4) المتوفى سنة 381هـ صاحب تحف العقول.

وأبو حنيفة النعمان قاضي(5) مصر صاحب دعائم الإسلام المتوفى سنة 363هـ.

كيفية الفتوى:

وكان الفقهاء يفتون في المسألة بلفظ الحديث بحذف إسناده دون أن يذكروها بألفاظهم وآرائهم وفيما سبق كانوا يفتون في المسألة بذكر الرواية بإسنادها وأما في عصرنا الحاضر فتذكر الفتوى بلفظ رأي المجتهد.

علم الرجال ورجال الجرح والتعديل:

ثم جاء إلى جانب أهل الحديث رجال بحثوا عن حال الرواة من حيث صحة الاعتماد على روايتهم من كونهم عدولاً أو ثقات أو ضعافاً أو ضابطين وقد عرَّفوا بتسميتهم برجال الجرح والتعديل وقد وضعوا كتاباً في ذلك.

أول من صنف في علم الرجال:

وأول من صنف في علم الرجال هو عبد الله بن جبلة بن ابحبر الكناني(1) المتوفى سنة 219هـ عن عمر طويل ثم كثر التأليف والتصنيف في هذا الموضوع.

أقدم كتاب لدينا في علم الرجال:

ولعل أقدم كتاب لدينا في هذا الموضوع لأهل السنة طبقات ابن سعد المتوفى سنة 230هـ وللشيعة هو رجال احمد بن محمد بن خالد البرقي المتوفى سنة 274هـ وعلى نهجه سلك اغلب مؤلفي الشيعة في الرجال كالشيخ الطوسي وغيره وسبب ذلك وجود الأحاديث المكذوبة في السنة بكثرة من جهة دس أهل الضلالة فيها, أما معاداة للإسلام أو لإبراز نفسه مبرز أهل الحديث أو استنكافاً من الجهل أو نحو ذلك فكان الشخص الذي يريد معرفة الحكم من السنة يقع أمام عقبة كؤود صعبة لمعرفة الصحيحة منها من غيرها فوضعوا كتباً تشرح حال الرواة من هذه الناحية.

الميزان في صحة الرواية الوثوق بها:

ثم قام إلى جانب ذلك طبقة جعلوا الميزان في صحة الرواية هو الوثوق بصدورها وهو إنما يحصل بالعمل بها والاستناد إليها من قبل الكثير من المتقدمين.

الميزان في ضعف الرواية:

والميزان في ضعف الرواية هو إعراض المشهور من المتقدمين عن العمل بها فلو كانت الرواية رواتها كلهم عدول وقد اعرض عنها المشهور من المتقدمين وهي بمرأى منهم ومسمع فهي ضعيفة عندهم. وبعضهم اعتبر الشهرة في الرواية واعرض عن الرواية الشاذة فإذا كانت الرواية اشتهر نقلها أخذ بها وإذا لم يروها إلا القليل طرحها فالميزان عنده شهرة نقلها لا شهرة العمل بها.

الأسباب لكثرة المذاهب الفقهية في الدور الرابع:

وفي هذا الدور كثرت المذاهب الفقهية وتعددت الآراء في المسائل الشرعية وذلك لأسباب كثيرة.

عدم الاهتمام بادئ بدء بالتدوين:

أحدها: ولعله هو الأهم عدم اهتمام ولاة الأمور بادئ بدء بتدوين السنة بل منعوهم عنها فان عدم كتابتها قد أدى إلى تحريفها والدس فيها مما أوجب اختلاف الفقهاء في الاعتماد عليها فتجد بعضهم اعتمد على نوع منها في حكم المسألة دون أن يعتمد الآخر عليه.

التفاوت في سعة الاطلاع:

ثانيها: تفاوتهم في سعة الاطلاع على السنة فتجد أن بعضهم اطلع على رواية في معرفة حكم المسألة دون أن يطلع الآخرون عليها مما جعل المطلع يفتي بما اطلع عليه دون أن يفتي الآخر به.

اختلاف الأفهام:

ثالثها: اختلاف الإفهام لمعاني آيات القرآن وأحاديث الأحكام.

اختلاف الفقهاء في الأدلة:

رابعها: اختلاف الفقهاء في أدلة الأحكام كاختلافهم في حجية القياس ودليليته على الحكم وكتب أصول الفقه قد بسطت البحث في ذلك.

الاطلاع على علة الحكم:

خامسها: اختلاف مدارك الفقهاء لعلل الأحكام الموجبة لسريان الحكم فان بعضهم قد يطلع على علة الحكم لعمق تفكيره فيسريه بها دون الآخر.

السياسة:

السادس: السياسة كان لها عظيم الأثر في تحصيل بعض الفتاوى في مقابل الفتاوى التي لا توافق أذواقهم وسيرهم. ولعل من هذه الجهة كثرت الحيل في الخروج عن حكم المسألة فإنها كانت لسلاطين الوقت.

تعارض الأدلة:

السابع: التعارض بين الأدلة وقد شرحته كتب الأصول وبسطت البحث فيه أحسن شرح وألطف بسط.

والحاصل ان في هذا الدور الرابع كثرت المذاهب لكثرة الفقهاء فيه مع اختلافهم في دليلية بعض الأدلة والاطلاع على ما هو الدليل منها دون اطلاع الآخرين أو فهم الحكم من المطلع عليه دون فهم الفقيه الآخر منه أو الداعي رغبة الدولة والاتجاه السياسي, فان هذه الأمور ابرز الأشياء لتعدد المذاهب في هذا الدور، ولكن المذاهب التي قدر لها الدوام والشهرة والبقاء حتى الآن عدة مذاهب:

مذهب الإمامية

الأول منها مذهب الإمامية وراعينا في تقديم بعضها على بعض بحسب الزمان ومع التساوي في القدم الزماني نقدم الأشهر من المتساويين بالنسبة للآخر, والأشهر هو الذي يكون أتباعه أكثر ودائرته أوسع، وعليه فيكون أول المذاهب هو مذهب الإمامية باعتبار انه أقدمها زماناً وأكثرها شهرة وانتشاراً بالنسبة لما قارنه من المذاهب.

وجه التسمية بالإمامية وبمذهب أهل البيت:

وسمي بهذا الاسم نسبة للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام باعتبار أن هذا المذهب يتركز على إمامته عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بلا فصل.

ويسمى أيضاً بمذهب أهل البيت لأن أهل البيت هم المقصودون في آية التطهير عند علماء التفسير وهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم, علي عليه السلام, وفاطمة I, والحسن عليه السلام, والحسين عليه السلام. وأهل هذا المذهب يتمسكون بهؤلاء الخمسة حيث يتبعون أقوالهم وأفعالهم وتقاريرهم دون باقي المذاهب فانهم لا يتبعونهم في ذلك.

ويسمى هذا المذهب أيضاً بمذهب التشيع لأن معتنقيه قد شايعوا علياً وذريته وتابعوهم ويسمون بالشيعة لأن الشيعة هي الفرقة الموالية وهم موالون للإمام علي عليه السلام وذريته ومفردها شيعي.

ما روته السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مدح الشيعة:

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طرق أهل السنة أن علياً وشيعته في الجنة ما بلغ حد التواتر كالعسقلاني في لسان الميزان([257]). والخطيب الخوارزمي في المناقب([258]). والترمذي في المناقب([259]). والحافظ في فردوس الأخبار(4). وابن الجوزي في التذكرة(5). وعلاء الدين في منتخب كنز الأخبار. والسيوطي في الدر المنثور([260]). والآلوسي في تفسيره([261])(7) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد(8) وغيرهم.

الفرقة الجعفرية:

وقد افترق أصحاب المذهب الإمامي إلى عدة فرق إلا أن الذي قدر لها البقاء فرقتان ـ إحداهما ـ فرقة الإمامية الجعفرية وثانيهما الفرقة الزيدية. أما الفرقة الجعفرية فهم أتباع الإمام جعفر الصادق وسميت بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق عليه السلام.

وهي التي تقول بإمامة علي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل وبعده ابنه الحسن عليه السلام ثم أخوه الحسين عليه السلام ثم ابن الحسين علي عليه السلام ثم محمد الباقر عليه السلام ثم جعفر بن محمد الصادق عليه السلام المولود سنة 83هـ والمتوفى سنة 148هـ.

وجه التسمية بالجعفرية:

وإنما نسبت هذه الفرقة للإمام جعفر دون باقي الأئمة عليه السلام بسبب كثرة نشرهعليه السلام  لهذا المذهب أكثر بكثير من باقي أئمة هذا المذهب حتى نهل من معين معدنه عليه السلام مثل أبي حنيفة وأمثاله كما ذكره تهذيب التهذيب([262]) والإسعاف([263]) للسيوطي وروى عنه مالك في الموطأ وأطرى عليه كما هو المحكي عن شرح الزرقاني على الموطأ([264]).

 وتاريخ القضاء في الإسلام([265]).

الفرصة التي أتاحت للصادق عليه السلام نشر مذهب التشيع:

ولا ريب أن الفرصة قد أتاحت له بسط الأحكام الشرعية لأنه كان عليه السلام في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية الزمن الذي انتقلت به الخلافة من الأمويين إلى العباسيين وكانت الكوفة هي مركز الانتقال حيث تمت بها البيعة للسفاح([266]) والسلطة الزمنية مشغولة بنفسها عن السلطة الدينية مما أوجب أن ينفسح للإمام الصادق عليه السلام المجال لبسط الأحكام الشرعية ونشر المعارف الإلهية والأخلاق الإسلامية وتربية رهط كثير من طلاب المعارف الدينية.

تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام:

وهذا الحسن بن علي([267]) الوشاء يقول لابن عيسى القمي إني أدركت في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد عليه السلام ([268]). وهذا أبان بن تغلب([269])وهو أحد القراء المشهورين يروي عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألف حديثاً.

الصادق عليه السلام المؤسس الأول للمدارس الفلسفية في الإسلام:

وعن تأريخ العرب لمير علي([270]) أن الإمام الصادق عليه السلام يعتبر في الواقع أول من أسس المدارس الفلسفية المشهورة في الإسلام ولم يكن يحضر حركته العلمية أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب فحسب بل كان يحضرها طلاب الفلسفة والمتفلسفون من الأنحاء العامة.

وقد تواتر النقل بأن الرواة عنه قد بلغوا أربعة آلاف رجل([271]).

اعتبار المذهب الجعفري مذهباً خامساً:

وفي الآونة الأخيرة اعتبر مذهباً خامساً للمذاهب السنية الأربعة وقرر تدريسه في جامعة الأزهر وفي معهد الدراسات العربية العالية.

وفي الصواعق المحرقة لابن حجر أن الصادق (نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان. وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وأيوب السختياني)([272]).

 

الغريب من البخاري:

ومن الغريب أن البخاري لم يرو عنه شيئاً.

وفي ميزان الاعتدال للذهبي ان التشيع كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق فلو ردَّ حديث هؤلاء لذهبت جميع الآثار النبوية([273]).

وفي الموطأ لمالك تجد الرواية الكثيرة عن فقهاء الشيعة كالقاسم وسعيد بن المسيب وابن جبير.

كما أن الكثير من فقهاء السنة ومحدثيهم قد رووا عن الأئمة عليه السلام فقد روى الزهري ومالك ومحمد بن إسحاق والسفيانان وابن أبي ليلى([274]) والطبري(4) والبلاذري(5) وابن سعد وابن حنبل الشيء الكثير من أخبارهم عليه السلام.

انقسام الجعفرية:

وقد انقسمت الفرقة الإمامية الجعفرية إلى عدة أقسام إلا أن الذي قدر له البقاء قسمان: القسم الأول هو الفرقة الإثنا عشرية وهي المنتشرة في الآفاق وسميت بذلك لذهابها إلى أن الأئمة اثنا عشر من قريش واحداً بعد واحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

صحاح السنة تذكر ان بعد رسول الله يتولـى الأمر اثنا عشر اميراً:

كما يظهر ذلك من الصحاح كالبخاري([275]) في الجزء الرابع صحيفة 158 واحمد بن حنبل([276]) في الجزء الخامس صحيفة 87 والترمذي([277]) في الفتن صحيفة46.

وقد كان لفقهاء الإمامية الإثني عشرية من التصنيف فيما يخص علم الفقه أنواع وأقسام.

أنواع تصانيف الشيعة الإثني عشرية في الفقه:

أحدها ويسمى بالأصول والجوامع ككتب الأخبار التي ألفت في زمن الأئمة الإثني عشر في الأحاديث المروية عن طريق أهل البيت.

مقدار كتب الأصول:

وهي تزيد على ستة الآف وستمائة كتاب كما في الفائدة الرابعة من كتاب الوسائل([278]) وقد عرض منها على الأئمة عليه السلام ككتاب يونس بن عبد الرحمن حيث عرض على الإمام العسكري عليه السلام وككتاب عبيد الله بن أبي سعيد([279]) على الإمام الصادق عليه السلام وككتاب الفضل بن شاذان([280]) على العسكري عليه السلام وقد اشتهر كتاب حريز عندهم.

المعتبر من كتب الأصول:

وقد كان موضع الاعتبار والأهمية منها أربعمائة كتابٍ سميت في ألسنة الفقهاء بالأصول الأربعمائة ويوجد الكثير منها في مكاتب النجف إلا أن تدوين أكثرها إلا ما شذ لم يكن مرتباً على أبواب الفقه إذ أن أربابها كانوا يكتبون كل ما يسمعون من الأئمة بحسب الزمن لا بحسب أبواب الفقه.

المرجع لكتب الصحاح الأربعة وتعدادها:

وقد كانت هي الأساس والمرجع لتدوين الكتب الأربعة المسماة بالصحاح الأربعة والجوامع الأربعة وهي الكتب الأربعة التي كان تدوينها حسب أبواب الفقه.

التعريف بكتاب الكافي:

أولها كتاب الكافي للشيخ أبي جعفر محمد الكليني المتوفى سنة 329هـ وهو يشتمل حسبما حكاه بعض الثقاة على (16199) حديثاً في الأصول والفروع مع أن أحاديث البخاري بحذف المكرر (4000) ومثله صحيح مسلم بحذف المكرر. وأحاديث الموطأ وسنن الترمذي والنسائي لا تبلغ عدد صحيح مسلم.

التعريف بكتاب من لا يحضره الفقيه:

وثانيها كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ أبي جعفر الصدوق محمد بن علي الحسين القمي المتوفى سنة 381هـ ويشتمل حسبما نقله الثقاة على (5963) حديثاً.

التعريف بكتاب مدينة العلم:

وكان له كتاب في الأخبار سماه بمدينة العلم اكبر من كتابه هذا كان موجوداً إلى زمان الشهيد الأول ثم فقد ولم يعثر عليه رغم كثرة التحريات عنه.

التعريف بكتاب التهذيب والاستبصار:

وثالثها ورابعها كتاب التهذيب المشتمل على ما ذكره الثقاة على (13590) حديثاً للشيخ الطوسي  رحمه الله  المتوفى سنة 460هـ. وكتاب الاستبصار المشتمل على ما ذكره الثقاة على (5511) حديثاً أيضاً للشيخ الطوسي  رحمه الله  وكلها مطبوعة بعدة طبعات ولها شروح مطبوعة.

التعريف بكتاب الوافي:

وسيجيء إن شاء الله ان ملا محسن الفيض الكاشاني(1) المتوفى سنة 1091هـ قد جمع روايات هذه الكتب الأربعة حسب أبواب الفقه وشرح أحاديثها شرحاً وافياً في كتاب سماه الوافي قد طبع في إيران.

التعريف بالوسائل:

ثم جاء محمد الحر العاملي([281]) المتوفى سنة 1104هـ فجمع روايات هذه الكتب الأربعة مع زيادة من كتب أخرى كانت موضع اعتماده ورتبها حسب أبواب الفقه وسماه بكتاب الوسائل طبع عدة مرات.

التعريف بالمستدرك:

ثم جاء محمد حسين النوري([282]) المتوفى سنة 1320هـ فاستدرك على كتاب الوسائل المذكور ما فات صاحبه وأسماه بالمستدرك قد طبع أكثر من مرة. وقد توفرت كتب الأخبار وتوسعت عند الشيعة وتيسرت.

التعريف بالبحار:

فقد كان المرحوم محمد باقر المجلسي([283]) المتوفى سنة 1110هـ قد ألف موسوعته الكبرى في الأخبار في ستة وعشرين مجلداً سماها بالبحار طبعت غير مرة.

النوع الثاني من المصنفات الفقهية:

النوع الثاني: ما جمعت فيه نصوص الأخبار بألفاظها بحذف أسانيدها مرتبة على أبواب الفقه والموجود عندي منها مطبوعاً المقنع للصدوق  رحمه الله  والهداية له  رحمه الله  والمقنعة للمفيد  رحمه الله  والنهاية للشيخ الطوسي  رحمه الله  وكان بعض الأصحاب إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إليها.

النوع الثالث من المصنفات الفقهية:

النوع الثالث: ما جمعت فيه نصوص الأخبار من غير التزام بألفاظها مع إسقاط أسانيدها مرتبة على أبواب الفقه, والموجود لدي منها المراسم لأبي يعلى([284])والوسيلة للشيخ أبي جعفر([285])والكافي لأبي الصلاح([286]).

النوع الرابع من المصنفات الفقهية:

النوع الرابع: ما جمعت فيه القواعد الشرعية كقواعد الشهيد وقواعد جدنا الشيخ جعفر كاشف الغطاء المطبوعة في إيران.

النوع الخامس من المصنفات الفقهية:

النوع الخامس: ما ألف في الوسائل الفقهية وهو على قسمين:

أحدهما ما اشتمل على الوسائل التي هي موضوع الخلاف وإقامة الحجة على المختار من الأقوال وهو على نوعين:

الأول: ما اشتمل على مسائل الخلاف بين الإمامية والسنة ككتاب الخلاف للشيخ الطوسي وقد طبع عدة طبعات.

الثاني: ما اشتمل على مسائل الخلاف بين الإمامية ككتاب المختلف للعلامة الحلي وقد ذكر مؤلفه العلامة انه أول من صنف في هذا الموضوع وككتاب مفتاح الكرامة للسيد جواد العاملي(1) الذي ألفه بطلب من جدنا الشيخ جعفر كاشف الغطاء يشتمل على بيان الخلاف في مسائل كتاب القواعد للعلامة الحلي وقد يتعرض لخلاف أهل السنة وقد طبع في مصر.

وثانيهما: ما يشرح فيه المسألة الفقهية ويذكر آراء الفقهاء فيها مع أدلتهم على ما اختاروه فيها ويذكر رأيه فيها مع الدليل عليه ككتاب المستند للنراقي(2) وكتاب أنوار الفقاهة للمرحوم الشيخ حسن كاشف الغطاء(3).

النوع السادس من المصنفات الفقهية:

النوع السادس: ما ألف في المسائل الفقهية التي انفردت الإمامية في حكمها عن غيرهم وتسمى بالانفرادات كالانتصار للسيد المرتضى وككتاب الأعلام للمفيد فانه ذكر فيه ما اتفقت الإمامية عليه من الأحكام وخالفتهم فيه أهل السنة.

النوع السابع من المصنفات الفقهية:

النوع السابع: هو ما اشتمل على التفريع على النصوص الفقهية وفرض الفروع وتخريجها على الأصول، وقال الشيخ الطوسي في أول كتابه المبسوط: ان الإمامية لم يكونوا يفرعون إلى زمانه وكانوا يقفون عند النصوص التي وصلت إليهم يداً بيد عن قدمائهم وأن مخالفيهم قد طعنوا به عليهم([287]) وان كتابه أول كتاب في هذا المسلك.

ولقد أجاد أحسن إجادة المرحوم الشيخ حسن كاشف الغطاء في كتابه أنوار الفقاهة في تفريعه الفروع الممكنة الحصول على الأصول.

النوع الثامن من المصنفات الفقهية:

النوع الثامن: هو الشروح لكتب الفقه أو التعليق عليها كشروح شرائع المحقق الحلي، وهذا النوع قد كثر في الأزمنة المتأخرة. وكالجواهر للمرحوم الشيخ محمد حسن(2) وكموارد الأنام للمرحوم الشيخ عباس نجل الشيخ علي(3).

النوع التاسع من المصنفات الفقهية:

النوع التاسع: الرسائل العملية التي تجمع فتاوى المجتهد حسب أبواب الفقه كالعروة الوثقى للسيد كاظم([288])وكالسفينة للشيخ احمد كاشف الغطاء([289])والهدى لجدنا الهادي([290]).

النوع العاشر من المصنفات الفقهية:

النوع العاشر: أجوبة المسائل الفقهية بنحو الاستدلال.

الفتوى عند الشيعةّ

إن الفتوى بالحكم الشرعي قد تطور بيانها عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية فقد كان أصحاب الأئمة يفتون الناس بنقل نفس الحديث للمستفتي مثل زرارة بن أعين([291]), ويونس بن عبد الرحمن, ومحمد بن مسلم, وأبي بصير, وأبان بن تغلب([292]), وجميل بن دراج([293]), ومحمد بن أبي عمير, والحسن بن علي بن فضال([294]), وصفوان بن يحيى وغيرهم، ثم تطورت الفتوى عندهم فاخذوا يفتون بنص الرواية من دون ذكر السند ثم تطورت الفتوى فاخذوا يفتون بما أدى إليه اجتهادهم في حكم الواقعة الشرعي بتعابيرهم الخاصة، والحاصل انه لما وقعت الغيبة الكبرى للحجة المهدي عليه السلام سنة 329هـ.

بوفاة علي بن محمد السمري([295]) السفير الرابع للإمام الثاني عشر عجل الله فرجه انحصرت معرفة الشيعة للحكم الشرعي في الحوادث والوقائع بفتوى فقهائهم بأمر الحجة عليه السلام لهم بذلك على يد السفير الرابع فرجعوا لهم واحتاج الفقهاء إلى إعمال اجتهادهم في معرفة أحكام المسائل التي تعرض عليهم بردها لأصولها الموجودة في الكتاب والسنة وما تقتضيه القواعد الشرعية والموازين العقلية وتشخيص ما قام إجماع الشيعة عليه إلى غير ذلك مما يقتضيه الاجتهاد ويتطلبه الاستنباط.

فأول من انبرى لهذا العمل هو الحسن بن علي العماني([296]) شيخ فقهاء الشيعة والذي إستجازه صاحب كامل الزيارة([297]) سنة 329هـ وقد صنف كتاب المتمسك بحبل آل الرسول وعاصر الكليني وعلي بن بابويه([298]).

الزعامة الدينية للشيعة:

والظاهر أن الزعامة الدينية للشيعة كانت له بعد الغيبة الصغرى فإنها قبل ذلك لم تكن إلا لإمام العصر أو السفراء بينه وبين الخلق ثم من بعده انتقلت الزعامة الدينية لمحمد بن احمد بن جنيد الإسكافي المتوفى سنة 381هـ صاحب كتاب تهذيب الشيعة وكتاب الأحمدي ثم من بعدهما للشيخ محمد المفيد المتوفى سنة 413هـ وكان كتابه المقنعة مداراً للدراسة بين الفقهاء وهو الذي علق عليه الشيخ الطوسي وسمى تعليقه عليه بالتهذيب.

ثم من بعده علم الهدى المتوفى سنة 436هـ.

ثم من بعده الشيخ الطوسي . وهكذا مرجع بعد مرجع وزعيم بعد زعيم.

عقيدة الشيعة الإثني عشرية في علم الأئمة عليه السلام بالأحكام الشرعية:

ويتلخص مذهب الشيعة في الأئمة الإثني عشر ان علمهم عليه السلام بالأحكام الشرعية ليس من طريق الاجتهاد كسائر المجتهدين, وإنما هو من طريق إيداع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأحكام عندهم وهم معصومون من الخطأ في بيان الأحكام كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ذكرنا ذلك في كتابنا باب مدينة الفقه عند الكلام منا في الواضع لعلم الفقه وفي الدور الثاني لعلم الفقه انه عند الأئمة عليه السلام كتاب علي عليه السلام الذي هو بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط عليعليه السلام وإن فيه حتى ارش الخدش([299]). وتقدم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أودع بيان قسم من الأحكام للائمة الأطهار عليه السلام وانهم لا يزالون يتوارثون هذا الأمر إلى الإمام الثاني عشر.

نعم انهم لو أرادوا أن يعلموا بالأحكام من طريق الإلهام وانكشاف الواقع لتأتى لهم ذلك كما يتأتى لهم ذلك لو أرادوا العلم والمعرفة بأي شيء من حقائق المخلوقات والكائنات لقدسية نفسهم عليه السلام وفي الخبر عبدي أطعني تكن مثلي([300]) وفي كتاب الحجة من أصول الكافي ص231 (ان الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا)([301]).

الدليل على انهم عليه السلام لو أرادوا أن يعلموا علموا:

ويشهد لذلك انهم مع غزارة علمهم وكثرة بيانهم للعلوم وضخامة ما أورثوه للشيعة من الأحاديث والأخبار لم تجد في كتب التراجم والتاريخ المعتبرة عند شرح حال أحدهم أن يذكر انه تتلمذ على أحد من الفقهاء. أو روى عن أحد من الرواة وهو أدل دليل على أن علمهم قد حصل لهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو بطريق انكشاف الواقع له.

وهذا الإمام جعفر الصادق قد بين لجابر بين حيان([302])أسرار علم الكيمياء وشرح لغيره أسرار الكائنات حتى ما كان منها في السماوات وهكذا من قبله ومن بعده من الأئمة عليه السلام مع انهم لم يذكر عنهم عليه السلام انهم درسوا وتتلمذوا على يد أحد من العلماء بأسرار الطبيعة.

وما يكون ذلك إلا لانكشاف الواقع لأنفسهم عليه السلام وافتضاح أسرار العالم لديهم عليه السلام ومن راجع البحار لا سيما كتاب السماء والعالم([303]) منه يرى ما يجعل الأفكار حيرى والعقول صرعى من الأخبار الواردة عنهم عليه السلام المشتملة على مختلف العلوم والفنون, وعليه فيكون عصر النص عند الشيعة ينتهي بأول الغيبة الكبرى سنة 330هـ للإمام الثاني عشر ويكون وجود الأئمة عليه السلام استمراراً لوجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف أهل السنة فان عصر النص عندهم ينتهي بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن رجوع فقهاء الشيعة في معرفة حكم المسألة للاجتهاد إنما كان عند بعدهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أئمتهم عليه السلام أو بعد غيبة الإمام الثاني عشر بخلاف أهل السنة فانه كان عند بعدهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم. وأن الأئمة عليه السلام عند الشيعة معصومون من الخطأ والنسيان كالرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتكون أقوالهم عليه السلام وأفعالهم عليه السلام وتقاريرهم عليه السلام كأقوال وأفعال وتقارير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجة على الحكم الشرعي ولذا تجدهم يعبرون عن السنة التي هي الدليل على الحكم الشرعي بقولهم (سنة المعصوم) ولا يخصون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر لكون السنة التي هي الحجة عندهم هي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقول الأئمة وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعل الأئمة وتقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقرير الأئمة عليه السلام فلا فرق بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الإثني عشر عندهم في الاطلاع على الحكم الشرعي وانكشاف الواقع إلا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينكشف له الواقع من طريق الوحي والإمام ينكشف له الواقع من طريق القرآن المجيد أو من قول من قبله من الأئمة أو من الكتاب الذي أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عليه السلام فان الكتاب المذكور كما قد عرفت أن فيه حتى ارش الخدش([304]) وقد عرفت أن الأئمة كان عندهم طريق الإلهام والكشف لمعرفة الواقع بدليل انهم كانوا يملون الحقائق العلمية والأسرار الكونية من طريق انكشاف الواقع لهم بالإلهام.

ان الأئمة لم يستعملوا طريق الإلهام في الكشف عن الأحكام:

ولكنهم عليه السلام لم يصدر منهم نص على انهم عليه السلام استعملوا هذا الطريق أو احتاجوه في معرفة الأحكام الشرعية حتى في مستسرهم فانهم عليه السلام كانوا في بيان الأحكام الشرعية قد أشاروا لمصدرها من القرآن الكريم أو السنة أو من الكتاب الذي خطه الإمام علي عليه السلام من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشيروا قط لطريق الإلهام في معرفة الأحكام وذلك يدل على عدم ارتكابهم له، فالشيعة ترجع للائمة عليه السلام في معرفة الأحكام الشرعية باعتبار انها مروية لديهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولذا لو قال الإمام: أنا اعمل كذا لم يحمل على الإلزام وإنما على الأولوية والاستحباب والاحتياط.

طريقة الشيعة في معرفة أحكام الشريعة

إن للشيعة الإثني عشرية الإمامية عند عدم التمكن من الرجوع للائمة أو الحرج عليهم في ذلك طريقتين لمعرفة الأحكام الشرعية إحداهما يسمى أصحابها بالأصوليين لرجوعهم في معرفة الحكم الشرعي للأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل وهي تسمى بالأصول لأن الأصل ما ابتنى عليه غيره وهذه الأربعة يبتني عليها معرفة الحكم الشرعي.

وكيف كان فهذه الطريقة هي عبارة عن الرجوع للكتاب المجيد وعند عدم معرفة الحكم الشرعي منه يرجعون للسنة المروية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو عن الأئمة عليه السلام بسند يكون معتبراً عندهم. ورجوعهم للكتاب أو السنة إنما هو بالعمل بنصوصها أو ظواهرها ولا يأخذون بالسنة لو خالفت الكتاب كما لا يأخذون بسنة الأئمة لو خالفت سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الثابتة عندهم وعند فقد ذلك كله يرجعون للعقل الحاكم بالبراءة أو الاحتياط أو التخيير أو الاستصحاب عند من اعتبرها من باب العقل وإلا فمن اعتبرها من باب قيام الكتاب والسنة عليها يكون رجوعه إليها من باب الرجوع للكتاب والسنة.

وأما رجوعهم للإجماع فان كان من باب الحدس لرأي المعصوم من الاتفاق فهو من باب الرجوع للعقل وإن كان من باب إحراز دخول المعصوم في جملة المجمعين فهو من باب الرجوع للسنة، وتوضيح ذلك وتفصيله يطلب من كتب أصول الفقه للشيعة.

طريقة استنتاج الإخبارييـن للحكم الشرعي:

والطريقة الثانية يسمى أصحابها بالإخباريين لعدم عملهم بالأدلة الأربعة وإنما يعملون بأصل واحد وهو الأخبار وبعضهم من جوز العمل بالكتاب أيضاً ولم يعملوا بالأصول الأربعة بأجمعها فان الكثير منهم منع من العمل بأصل البراءة حتى في الشبهة الوجوبية، وطريقتهم في معرفة الأحكام الشرعية هي الرجوع للأخبار وعدم رجوعهم للإجماع وللعقل بل وعند الكثير منهم عدم حجية الكتاب لاختصاص فهمه بمن نزل عليهم وهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليه السلام حتى حصر الكثير منهم الحجية بالأخبار المودعة في الكتب الأربعة: الكافي ومن لا يحضره الفقيه والتهذيب والاستبصار وغيرها من الكتب المعتبرة باعتبار أن البيان للأحكام قد كمل بها ولذا غاب الإمام الثاني عشر عليه السلام آخذين بظواهرها من دون فرق بين الصحيح منها وبين الضعيف وبين الشاذ الذي لم يعمل به الأصحاب وبين المشهور المعمول به وبين المرسل وبين المسند وبناؤهم على أصالة الحرمة في الأشياء المحتملة حرمتها بل الكثير منهم بناؤه على أصالة الوجوب في الأشياء المحتمل وجوبها وذلك لاعتبارهم الاحتياط في الشبهات ومنعوا من الاجتهاد وحرموا العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد وانه ليس بحجة ومنعوا من دراسة علم أصول الفقه باعتبار انه طريق للاجتهاد وتسمى هذه الفرقة من الشيعة بالمحدثين والإخباريين.

من نقح طريقة الإخبارييـن:

وعمدة من نقح طريقتهم المذكورة الميرزا محمد أمين الاسترآبادي(1) في فوائده المدنية ومن مشاهير علمائهم السيد نعمة الله الجزائري([305]). وصاحب الحدائق  رحمه الله ([306])

وقويت هذه الطريقة في القرن الحادي عشر الهجري والثاني عشر وأوائل الثالث عشر ولكن الطريقة الأصولية تغلبت عليها بمواقف الوحيد البهبهاني([307]) المتوفى سنة 1206هـ ثم من بعده تلميذه جدنا الشيخ جعفر كما ذكرته كتب التاريخ.

عدم عمل الشيعة بالقياس:

ولا تعمل الشيعة بالقياس وأنكرته اشد الإنكار لأن الدين قد كمل أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن القسم الكثير منه قد أودعه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الأئمة عليه السلام إما لعدم الابتلاء بالوقائع المحكومة به في ذلك العصر أو لعدم المصلحة في إظهاره في ذلك الوقت وإلى زمن الغيبة الصغرى قد كمل ظهوره وتم إخراجه. وبعضهم يرى بأن بعض أحكام الأشياء اقتضت المصلحة إخفاءها إلى زمن ظهور الحجة عليه السلام أو لأن وقائعها لا توجد إلا ذلك الوقت, وعند ظهوره عليه السلام يظهر تلك الأحكام.

وبلغ إنكار الأئمة عليه السلام للعلم بالقياس وعدم الأخذ بالرأي أن يقول الإمام الصادق عليه السلام لأبان بن تغلب المتوفى سنة 141هـ (السنة إذا قيست محق الدين)([308]).

الإسماعيلية والبهرة والآغاخانية

القسم الثاني من الإمامية هو القسم المسمى بالإسماعيلية وهم الذين يقولون بإمامة إسماعيل بعد إمامة أبيه جعفر الصادق عليه السلام ومن بعد إسماعيل ولده محمد ثم في أعقابه، ولا يقولون بإمامة الإمام موسى الكاظم عليه السلام الأخ لإسماعيل لأنه لا إمامة لأخوين عندهم بعد الحسن والحسين.

وتتلخص عقيدتهم في الإمامة بأنه لابد من وجود إمام معصوم في كل وقت من نسل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وفاطمة I منصوص عليه من الإمام الذي قبله من والد إلى ولد حتى تقوم القيامة, وهم على طائفتين:

الأولى المسماة بالمستعلية والبهرة وتبدأ الإمامة عندهم من الإمام علي عليه السلام ثم لابنه الحسن عليه السلام ثم للحسين عليه السلام ثم في أعقابه.

الطائفة الثانية المسماة بالنزارية والمسماة بالأغاخانية فالإمام بعد الإمام علي عليه السلام هو الحسين ولا يعدون الإمام الحسنعليه السلام  في عداد الأئمة واتفقت الطائفتان على إمامة الحسين ثم لابنه علي ثم لابنه محمد الباقر ثم لابنه جعفر الصادق ثم لابنه إسماعيل ثم في أعقابه، ويقولون إن إسماعيل لم يمت قبل أبيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام وانه قد رؤي بالبصرة بعد خمس سنوات من موت أبيه.

وان أباه الإمام الصادق عليه السلام أخفى وجوده وأظهر موته خوفاً عليه من الخلفاء العباسيين حيث كانت دلائل الإمامة ظاهرة عليه واستتر سنة 145هـ حتى مات سنة 158هـ ولكن الشيعة الاثني عشرية يعتقدون بموت إسماعيل أيام أبيه سنة 143هـ وانه أظهر إمامته خوفاً على ولده موسى عليه السلام لعلمه بموت إسماعيل قبله وبقاء موسى بعده فإذا أظهر إمامة إسماعيل وقد مات قبل الإمام لم يبق للأعداء الخوف من الإمام موسى عليه السلام حتى يقتلوه.

وقت ظهور المذهب الإسماعيلي:

وقد ظهر هذا المذهب بواسطة الدولة الفاطمية في المغرب التي أسسها سنة 297هـ إمامهم المهدي عبيد الله بن الإمام الحسين(1) في الجزائر واتخذ تونس عاصمة له وفي سنة 358هـ افتتح مصر إمامهم المعز لدين الله الفاطمي(2) بن الإمام المنصور ابن الإمام القائم بأمر الله بن الإمام المهدي المتقدم ذكره بقيادة جوهر الصقلي([309])وطريقتهم في معرفة الأحكام الشرعية هي الأخذ بما في كتاب دعائم الإسلام, طبع في مصر، وكتاب الاقتصار, طبع في دمشق وكتاب الهمة في آداب اتباع الأئمة, طبع في مصر والجميع من تأليف أبي حنيفة نعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور المغربي([310]) المتوفى سنة 367هـ وليس لهم فقه سوى ما دونه لهم هذا الرجل وقد عينه القائم بأمر الله الفاطمي الخليفة الثاني قاضياً وبقي يشغل هذا المنصب إلى زمن الخليفة الرابع المعز لدين الله فجعله قاضي القضاة وداعي الدعاة ثم تولى هذا المنصب من بعده أولاده.

والمهم من هذه الكتب عندهم هو دعائم الإسلام فهو القانون الأساسي لهم ولا يزال كذلك حتى اليوم عند طائفة البهرة منهم، وهو يشتمل على مرسلات عن الإمام الصادق عليه السلام وآبائه عليه السلام تطابق فقه الإمامية الاثني عشرية.

ويحكى أن يعقوب بن كلس ([311]).

 وزير العزيز بالله ([312]) احضر في سنة 380هـ جماعة الفقهاء وأهل الفتيا واخرج لهم كتاباً في الفقه قد عمله وقال هذا عن الإمام العزيز بالله عن آبائه الكرام وهذا الكتاب يعرف بالرسالة الوزيرية ويعتمدون في تاريخهم على كتاب افتتاح الدعوة، طبع في بيروت، هذا وقد أسس الفاطميون جامع الأزهر لتدريس هذا المذهب وكان التدريس لمذهب مالك والشافعي في الجامع العتيق وبذلوا قصارى الجهد لإحلال المذهب الإسماعيلي محلها.

واستمرت الخلافة الفاطمية في مصر حتى عهد المستنصر بالله([313]).

انشقاق الدولة الفاطمية:

وبعد وفاته سنة 487هـ وقع النزاع بين ولديه الأكبر نزار([314]) وبين الأصغر منه المستعلي بالله([315]) فبويع الثاني في مصر وأدى ذلك إلى انقسام الإسماعيلية إلى فرقتين المستعلية وهي التابعة للمستعلي وهي التي قامت أئمتها بالخلافة في مصر إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي وأزال الدولة الفاطمية واتلف جميع ما أمكنه إتلافه من الآثار العلمية لهذه الدولة فزال القضاء بالمذهب الإسماعيلي وحل مكانه القضاء بالمذهب الشافعي إلى أن جاء الظاهر بيبرس([316]) فعدد القضاة من المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وتوجد هذه الفرقة فعلاً في الهند وباكستان واليمن والشرق الأقصى وانجلترا وتسمى فعلاً هذه الفرقة بالصورتية نسبة لبلد صورة في الهند وبالبهرة ومعناها بالهندية التجار لأن عمل اغلبهم التجارة وهم يؤمنون بوجود إمام مستور انتقلت له الإمامة من المستعلي بالله بالتوارث ولداً بعد ولد.

وله داعٍ مطلق ظاهر وهو اليوم السلطان الدكتور محمد برهان الدين وقد تبادلنا معه الزيارة والطعام في بيتنا وبيته عدة مرات وحضرنا المؤتمر الإسلامي الذي عقده في بومبي وكان شخصية فذة يتمتع بأخلاق عالية وأدب راقٍ.

ويأتي عندهم بعد مرتبة الداعي المطلق مأذون الدعوة وهو اليوم سيدي خزيمة قطب الدين(1) وقد تناولنا معه الطعام في بيتنا وكان رجلاً يجمع الخصال الحميدة في منطق بليغ وأدب جم ومرتبته هي مرتبة أخذ العهد والميثاق وتأتي بعدها مرتبة المكاسر وهي مرتبة جذب الأنفس المستجيبة.

ومما يعتمدون عليه في عقائدهم كتاب تاج العقائد, طبع في بيروت.

الفرقة الآغاخانية:

والفرقة الثانية من الإسماعيلية هي الفرقة المسماة بالنزارية وهي التي تسمى بالأغاخانية فعلاً وهي التابعة لنزار بن المستنصر فقد خرج من مصر مع أخيه عبد الله بعد أن بايع أهل مصر أخاه المستعلي إلى الإسكندرية وبايعه أهلها ولقبوه بالمصطفى لدين الله وقامت الحرب بين الخليفتين الأخوين انتهت بانتصار المستعلي فانتقلت الفرقة النزارية من مصر إلى فارس وجعلت المقر قلعة الموت.

وقد أيد الدعوى النزارية ومهد لها الأمور الحسن بن الصباح([317]) بعد أن فلت من أيدي خصمائه أتباع المستعلي فكان يدعو لإمامة نزار بعد أبيه ولبطلان خلافة المستعلي في الشام وأطرافها وخوزستان ونواحيها وأصفهان وتوابعها، ثم انتقلت هذه الفرقة من إيران إلى الهند لسوء التفاهم الذي وقع بين إمامها حسن علي شاه الحسيني([318]) وبين سلطان إيران محمد بن علي شاه واتخذ بومباي مقراً له ولأتباعه وقد نقل لي مشايخنا الكرام قدس سرهم ان أغاخان الثاني علي بن حسن شاه المذكور نقل جثمانه بعد أن حنط في بومباي إلى كربلاء. وان زوجته عالية شمس الملك القاجارية ابنة نظام الملك رئيس وزراء إيران([319])  في عهد فتح علي شاه سلطان([320]) إيران قد أتت بابنها آغاخان الثالث محمد شاه وهو صغير السن ومعه جماعة من أتباعه النزارية فحلقت رأسه تحت ميزاب الذهب في جانب الصحن الشريف القبلي ثم أتت به لدارنا المعروفة بدار كاشف الغطاء وطلبت كتاباً فقهياً لدراسة ولدها المذكور فقدم لها جدي العباس ابن الشيخ علي كتاب الشرائع للمحقق. وكان بخط جيد في ورق من الترمة.

وتذهب هذه الفرقة إلى أن الإمامة في ذرية نزار نسلاً بعد نسل حتى تقوم القيامة وإن إمامهم آغاخان الرابع من ذريته إلا أن أحكامهم وأنظمتهم قد تطورت بتطور الزمن وأصبحت لا تتفق مع تنظيماتها السابقة ولا يعدون الإمام الحسن عليه السلام في عداد أئمتهم بل ينتقلون من أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى ولده الإمام الحسين عليه السلام بخلاف المستعلية.

الزيدية

 الفرقة الثانية من فرق الإمامية هي الفرقة المسماة بالزيدية وتسمى بمذهب الشيعة ومذهب أهل البيت كما تقدم في تسمية المذهب الجعفري بذلك، وهم يفترقون عن الفرقة الجعفرية في الإمام الخامس محمد الباقر عليه السلام فالجعفرية يقولون بإمامته والزيدية يقولون بإمامة أخيه زيد بن علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقد ولد زيد سنة 76هـ واستشهد سنة 122هـ ويقولون بإمامته بعد إمامة أبيه عليه السلام وإمامة الحسن والحسين وأبيهما علي بن أبي طالب عليه السلام ثم كل فرد فاطمي من ذرية الحسن والحسين عليهما السلام متدين خارج بالسيف تكون فيه الإمامة بشروطها من العلم الباهر والفضل الظاهر والشجاعة والسخاء وجودة الرأي بلا تردد والقوة على تدبير الأمور والورع المشهور، وكان زيد يتمتع بشخصية علمية دينية أوجبت أن يلتف حوله رهط من أهل العلم والفقه وكان من تلاميذه أبو حنيفة حضر عنده سنتين ويعتمدون على المجموع الفقهي المنسوب إليه وشرحه الروض النضير لمؤلفه شرف الدين السياغي([321]) المتوفى سنة 1221هـ وتممه السيد عباس بن احمد من آل إبراهيم([322]) من علماء القرن الرابع عشر وقد طبع معه، ولما كان هذا المجموع غير مستوف لشتات المسائل الفقهية.

بحيث يستغنى به عما عداه اعتمدوا في الفقه على يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ([323]) وعلى كتبه في الفقه مثل الأحكام والمنتخب والفنون وله في الأصول وغيرها كتاب اسمه المجموع. وعندهم الاجتهاد شرط في أئمتهم ويعدون فقهاءهم من أهل مدرسة الرأي.

وهذا يحيى الذي أسس حكومة أهل البيت الزيدية في اليمن سنة 288هـ وكان هو الإمام الأول في صنعاء وذلك عن طلب أهل اليمن له من المدينة المنورة ولا تزال الإمامة في أبنائه إلى هذا الزمان، وعليه تخرج فقهاء الزيدية وأئمتهم وقلدوه في آرائه حتى لقبوا بالهادوية ولم يتعدوها فهو عندهم كأبي حنيفة والشافعي من أئمة أهل السنة، وأدلته في الفقه أدلتهم، من أراد التوسع في بحث الأدلة فعليه بكتاب (الأنوار في أدلة الأزهار) لمؤلفه الإمام احمد بن يحيى([324]) المتوفى سنة 841هـ وكتاب (البحر الزاخر) وتخريجه كتاب (الغيث المدرار) وغيرها، وكتاب (التجريد) للإمام المؤيد بالله احمد بن الحسين الهاروني([325]) وكتاب (الشفاء) للأمير الحسين بن بدر الدين([326]).

ويتبعون في عقيدتهم مذهب الاعتزال وهم الآن في اليمن ويقال انه يوجد منهم في افريقية الشمالية وفي طبرستان.

الحنفية

والثاني من المذاهب: مذهب الحنفية وهم الذين يعملون بمذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه المولود سنة 80هـ بالكوفة تفقه فيها وتوفي في بغداد سنة 150هـ وقد روى عنه تلاميذه في الحديث مسانيد عديدة بلغت على ما يحكى خمسة عشر مسنداً منها مسند القاضي أبي يوسف يعقوب المتوفى سنة 182هـ ومسند محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ وغيرها جمعها قاضي القضاة محمد الخوارزمي([327]) المتوفى سنة 655هـ في كتاب واحد أسماه (جامع المسانيد).

لكن ابن خلدون يذكر في مقدمته أن الأحاديث المروية عن أبي حنيفة تبلغ سبعة عشر حديثاً أو نحوها([328]).

ولأبي حنيفة كتاب أسماه بالفقه الأكبر وهو رسالة صغيرة في العقائد شرحه ملا علي القاري([329])طبع مع الشرح في مصر.

وكان أكثر تلقيه لعلم الفقه من شيخه حماد بن سليمان المتوفى سنة 120هـ تلميذ إبراهيم بن يزيد النخعي([330]) المتوفى سنة 96هـ تلميذ علقمة بن        قيس([331])، وعلقمة تلميذ الإمام علي عليه السلام. وقد قضى اثنتين وخمسين سنة من عمره في العصر الأموي والباقي في العصر العباسي ولما أسس المنصور بغداد كان أبو حنيفة من العلماء الذين استقدمهم إليها.

طريقة أبي حنيفة في استنباط الأحكام:

وكانت طريقته في الاستنباط للأحكام الشرعية على ما نقل عنه من الأخذ بكتاب الله فإذا لم يجد فيه أخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتواترة أو ما اتفق علماء الأمصار على العمل بها أو ما رواها صحابي أمام جمع منهم ولم يخالف فيها أحدا فإذا لم يجد ذلك أخذ بأجماع الصحابة فإذا لم يجد ذلك اجتهد وعمل بالقياس فإذا قبح القياس عمل بالاستحسان. وكان تشدده في عدم العمل بالسنة سبباً في كثرة أخذه بالقياس والاستحسان والاجتهاد والرأي.

وقد تتلمذ على الإمام جعفر الصادق عليه السلام وعلى أبيه الإمام محمد الباقر عليه السلام وعلى زيد بن علي أخي الباقر وقد أكثر تلميذاه أبو يوسف ومحمد الشيباني من الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في مسنديهما لأبي حنيفة.

الوحشة بيـن أبي حنيفة وبيـن فقهاء الكوفة:

وصارت وحشة ونفرة بين أبي حنيفة وبين عظماء فقهاء أهل الكوفة كسفيان بن سعيد الثوري المولود سنة 97هـ والمتوفى سنة 161هـ لأن أبا حنيفة من أهل الرأي وسفيان من أئمة الحديث. وكشريك بن عبد الله النخعي(1) قاضي الكوفة من قبل المهدي العباسي المولود سنة 95هـ والمتوفى سنة 177هـ ويعزى تنافرهما لسببية تنافر الأقران. وكمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المولود سنة 74هـ والمتوفى سنة 148هـ وكان من أصحاب الرأي وصار قاضياً عند بني أمية وبني العباس وهو الذي يقول الثوري فيه وفي ابن شبرمة (فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة)(2) ويعزى تنافرهما إلى سببية المخالفة بينهما في كثير من المسائل فطالما ابن أبي ليلى يقضي, ويفتي أبو حنيفة بخلافه.

أقسام مسائل الفقه عند الحنفية:

ومسائل الفقه عند الحنفية ثلاثة أقسام:

الأول: الأصول, وهي المسائل التي رواها الثقات عن أبي حنيفة أو أحد تلاميذه كأبي يوسف وزفر([332]) ومحمد بن حسن الشيباني وغيرهم ممن سمع من نفس أبي حنيفة وتسمى بظاهر الرواية وقد جمعها محمد بن الحسن المذكور في كتب ستة تعرف بكتب ظاهر الرواية أو مسائل الأصول وسيجيء إن شاء الله ذكرها. وعن هذه الكتب أخذت جمعية مجلة الأحكام العدلية أكثر مسائلها المدونة فيها.

الثاني: النوادر, وهي المسائل التي رواها الموثوق بهم عن أبي حنيفة أو عن أصحابه ولكن لم تشتهر روايتها وتسمى بكتب النوادر أو مسائل النوادر ككتاب أمالي محمد في الفقه.

الثالث: الفتوى, وهي المسائل التي أفتى بها مجتهدو الحنفية المتأخرون فيما لم يرو فيه رواية عن أبي حنيفة ولا عن أصحابه ولكن كانت الفتوى تخريجاً على مذهبه ويقال إن أول كتاب عرف في هذا القسم, اعني فتاوى الحنفية هو كتاب النوازل لأبي ليث السمرقندي([333]) المتوفى سنة 373هـ.

تلاميذ أبي حنيفة الأربعة :

وقد انتشر مذهب أبي حنيفة بواسطة تلاميذه الأربعة (أحدهم) يعقوب المعروف بأبي يوسف المتوفى سنة 182هـ فانه لما ولى هارون الرشيد القضاء لأبي يوسف سنة 170هـ لم يقلد القضاء هارون إلا لمن أشار إليه أبو يوسف واعتنى به, قال ابن حزم: مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان, الحنفي بالمشرق والمالكي بالأندلس([334]) , والمعروف أن أبا يوسف أول من صنف الكتب على مذهب أبي حنيفة ولم يصل إلينا حسب اطلاعنا من كتبه إلا رسالته في الخراج كتبها للرشيد وقد طبعت بمصر, وكتاب اختلاف أبي حنيفة وأبي ليلى وقد نقله الشافعي هو وكتاب سير الأوزاعي في كتاب الأم, وقد ناقش الشافعي الكثير من أقوال أبي يوسف في كتابه الأم المذكور([335]).

و(ثانيهم) تلميذه زفر بن الهذيل الكوفي.

و(ثالثهم) تلميذه محمد الشيباني وإليه يرجع الفضل في تدوين المذهب الحنفي, وله كتب ستة تسمى بكتب ظاهر الرواية, المبسوط, والجامع الكبير, والجامع الصغير, والسير الكبير, والسير الصغير، والزيادات قد جمعت في هذه الستة بعد حذف المكرر منها في كتاب الكافي لأبي الفضل المعروف بالحاكم([336])المتوفى قتلا سنة 334هـ ثم شرح الكافي السرخسي([337])في كتابه المبسوط. وكان بين محمد الشيباني وبين أبي يوسف وحشة.

و(رابعهم) الحسن اللؤلؤي الكوفي وكان هؤلاء الأربعة نسبتهم لأبي حنيفة نسبة التلاميذ لأستاذهم لا نسبة المقلدين إلى مرجعهم لاستقلالهم بما به يفتون وقد يخالفونه في الفتوى.

وعن طبقات الحنفية أن أول من كَتَبَ، كُتُبَ أبي حنيفة أسد بن عمرو([338]).

وعنها أيضاً انه قيل: أن نوح بن أبي مريم([339])عرف بالجامع لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة([340]), وينسب إلى أبي حنيفة انه قال (هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه, فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب, والله لا ادري أن قولي هو الحق فقد يكون الباطل الذي لا أشك فيه)([341]) ويرى أبو حنيفة وأصحابه رأي المرجئة من أن المعاصي مهما كان نوعها لا تمنع من الإيمان كما لا تنفع من الكفر الطاعات. والمعروف أن الغالب على الحنفية أنهم يتبعون في عقائدهم مذهب أبي منصور الماتريدي([342])وليس بين مذهب الماتريدي وبين مذهب الأشعري خلاف إلا في بضع عشرة مسألة والباقي من الحنفية أشعريون على قلة جداً.

ويغلب وجود المذهب الحنفي بين أهل السنة فعلا في العراق والشام والأتراك العثمانيين والألبان وسكان بلاد البلقان والأفغان وبلاد القوقاز والهند.

الطعن في مذهب أبي حنيفة:

وقد طعن الظاهرية بالمذهب الحنفي بأنه فلسفة فارسية. ورمى ابن حزم أبا حنيفة وأتباعه بالكلام القارص فوصف أقوال أبي حنيفة وأتباعه بالكذب وبالكلام الأحمق البارد([343]). وسدد سهامه الخطيب البغدادي في تأريخه بعبارات خشنة عليه وعلى أتباعه([344]). وقالت مجلة الأحكام العدلية([345])عن المذهب الحنفي بخصوصه في تقريرها الذي رفعته للصدر الأعظم عالي باشا([346])سنة 1286هـ بأن مذهب الحنفية قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة. ووقع فيه اختلاف كثير ومع ذلك فلم يحصل فيه تنقيح كما حصل في فقه الشافعية.

المالكية

الثالث من المذاهب: مذهب المالكية وهم أتباع مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي ويحكى عن الواقدي انه من الموالي ووالده المذكور غير أنس الصحابي المعروف ولد بالمدينة سنة 93هـ وأقام بها ولم يرحل عنها ومات بها سنة 179هـ أي بعد وفاة أبي حنيفة بتسع وعشرين سنة وقبل وفاة أبي يوسف بثلاث سنين.

وشيخه في الفقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام وربيعة الرأي التابعي وسمع الحديث من نافع مولى ابن عمرو الزهري وكان يجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتدريس الفقه ومن تلاميذه الشافعي وعبد الله بن وهب(1) ومحمد بن حسن الشيباني وأسد بن الفرات(2) وكان لتلاميذه اجتهادات تخالف فتاويه إلا أنها لا تخرج عن دائرة قواعده. وكان مالك يعتمد في فتاويه على الكتاب ثم السنة ثم عمل أهل المدينة. وقد يرد الحديث إذا لم يعمل به أهل المدينة، ثم بقول الصحابي إذا لم يستند للرأي ثم بالقياس. ونسب إليه العمل بالمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والذرائع والعرف والعادة. وانتشر مذهبه في شمال افريقية والأندلس ولمالك كتاب اسمه الموطأ ومعناه (الممهد) ويحكى عن ابن فهر (3)انه لم يسبق أحد مالكاً بهذا الاسم وكان من ألف في زمانه يسمي كتابه بالجامع أو بالمصنف أو بالمؤلف ورواه عنه الكثيرون ممن أخذوه عنه وكان في رواياتهم اختلاف من حيث الزيادة والنقصان إلا أنه لم يصل إلينا حسب اطلاعنا منها إلا اثنان رواية يحيى الليثي(4) التي شرحها الزرقاني والسيوطي ورواية محمد بن حسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة, وحكي ان ما في الموطأ من الأحاديث سبعمائة حديث ويقال أن التي صحت عنده منها نحو خمسمائة حديث وعادته في هذا الكتاب أن يذكر الأحاديث ويضم إليها جملة من فتاوى بعض الصحابة والتابعين ويضيف إليها أحياناً ما يؤدي إليه اجتهاده وينقل عن مالك انه قال إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي كل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافقهما فاتركوه)([347]).

وأشهر الكتب في المذهب المالكي هي المدونة لتلميذه أسد بن فرات والتي أخذها سحنون(2) ورتبها ونشرها باسم المدونة الكبرى.

المطارحة التي دارت بيـن مالك وبيـن الليث:

وقد دارت بين مالك وبين الليث بن سعد فقيه مصر مطارحات نقل بعضها ابن القيم(3) فكان مالك يرى أن عمل أهل المدينة حجة يؤخذ به وان الحديث يرد إذا لم يعمل به أهل المدينة. وقد رد عليه الليث بأن المدينة وإن كانت منزل المهاجرين والأنصار إلا أنهم قد خرجوا عنها للجهاد في سبيل الله فجندوا الأجناد منها وكان في كل جند منهم طائفة يعملون بالكتاب والسنة ويجتهدون برأيهم.

سبب انتشار مذهب مالك:

وسبب انتشار مذهب مالك في الأندلس هو أن يحيى بن يحيى بن كثير الأندلسي قد صار مالكياً بعد أن كان أوزاعياً وقد رجعت الفتوى إليه وعظم أمره فكان المنتصر لم يقلد أحداً منصب القضاء إلا بإشارته. وسبب انتشار مذهب مالك في افريقية هو ان سحنون بن سعيد لما ولي القضاء في افريقية نشر مذهب مالك ثم المعز بن باديس(1) فانه حمل جميع أهل افريقية على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه من المذاهب.

ونشر مذهبه في مصر عبد الرحيم بن خالد(2) وعبد الرحمن بن القاسم(3) إلى أن قدم الشافعي إلى مصر سنة 198هـ فتبعه جماعة من أعيانها فقوي مذهب الشافعي إلى ان قدم القائد جوهر من افريقية سنة 358هـ وبنى مدينة القاهرة وكان شيعياً فانتشر مذهب التشيع في مصر ولم يبق بمصر مذهب سواه إلى أن جاء صلاح الدين بن أيوب سنة 564هـ وأزال القضاء الشيعي فاختفى المذهب الشيعي وظهر المذهب المالكي والشافعي وكان صلاح الدين المذكور على عقيدة الأشعريين وأوقف عليهم في مصر مدرسته الناصرية.

والمعروف أن المالكية يتبعون مذهب الأشعري في عقائدهم كما أنهم يسمون بأصحاب الحديث. ويوجد المذهب المالكي فعلا بنحو الغلبة في المغرب الأقصى والجزائر وتونس وطرابلس وفي السودان والصعيد والكويت.

الشافعية

والرابع من المذاهب: مذهب الشافعية وهم أتباع أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع وقد أنهى بعضهم نسبه لعبد المطلب بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيل إن جده شافع كان مولى لأبي لهب بن عبد المطلب, ولد بغزة سنة 150هـ وتوفي في مصر سنة 204هـ وبعد سنتين من ميلاده حملته أمه إلى موطن آبائه بمكة وتلمذ على يد شيخ الحرم ومفتيه مسلم بن خالد الزنجي(1) وسفيان بن عيينة ورحل إلى المدينة وتلمذ على مالك صاحب الموطأ ودرس عليه الموطأ وعلى إبراهيم بن محمد بن يحيى المدني(2) تلميذ الإمام الصادق عليه السلام وأكثر الشافعي من الرواية عنه. ثم ذهب لليمن وقد بلغ سن الثلاثين للقيام بعمل يساعده على دهره واتهم هناك بالتشيع فأمر هارون الرشيد بحمله إليه سنة 148هـ وجيء به للرشيد وهو بمدينة الرقة وبعد ذلك أمر بإطلاقه واتصل بمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ثم رجع لمكة المكرمة ثم عاد للعراق مرة ثانية سنة 195هـ زمان خلافة عبد الله الأمين(3) ثم عاد للحجاز، وفي سنة 198هـ قدم العراق مرة ثالثة ومنه سار إلى مصر ونزل بالفسطاط ولم يزل بها حتى مات سنة 204هـ. وفي مقدمة طبقات الشافعية انه لما قتل الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في بغداد خرج الشافعي من العراق إلى مصر.

طريقة الشافعي في استنباط الأحكام الشرعية:

وطريقته في الاستنباط أن يأخذ بظواهر القرآن إلا إذا قام الدليل على عدم إرادة ظاهرها, وبعده بالسنة وكان يعمل بخبر الواحد الثقة الضابط ولو لم يكن مشهوراً, خلافاً للحنفية, ولا موافقاً لعمل أهل المدينة, خلافاً لمالك ثم بعد ذلك يعمل بالإجماع وعدم الخلاف ثم بعد ذلك يعمل بالقياس إذا كانت علته منضبطة، ورد اشد الرد على عمل الحنفية بالاستحسان وألف فيه كتاباً سماه إبطال الاستحسان([348]) ورد عمل المالكية بعمل أهل المدينة وأبطل العمل بالمصالح المرسلة وأنكر الأخذ بقول الصحابي لأنه يحتمل أن يكون عن اجتهاد اخطأ فيه ورفض الحديث المرسل إلا مراسيل ابن المسيب لأنه يرى أن القوم متفقون على صحتها.

أشهر تلاميذ الشافعي:

ومن أشهر تلاميذه وأصحابه أبو ثور إبراهيم(2) فقد أخذ من الشافعي وصار له مذهب خاص وأتباع لكنه لم يقدر له البقاء. ومنهم احمد بن حنبل إمام الحنبلية. والحسن الزعفراني([349]) الذي يروي عنه البخاري وغيره من أئمة الحديث إلا مسلماً. والحسين الكرابيسي([350]) الذي تجنب الناس رواية الحديث عنه. واحمد بن يحيى البغدادي([351])المتكلم الذي لازم الشافعي في بغداد ثم صار من أصحاب داود وتبعه في رأيه. ويوسف بن يحيى المصري([352]) الذي مات مسجوناً ببغداد في فتنة خلق القرآن سنة 231هـ, وغيرهم. ومن أهم كتبه التي وصلت إلينا هو كتاب الأم في الفقه الذي أملاه على الربيع المرادي([353])وطريقته فيه أن يذكر المسألة ودليلها ويرد على خصمه فيها والجزء السابع منه اشتمل على مواضيع مختلفة ورسائل متعددة.

 نسبة كتاب الشافعي لغيره:

ويحكى عن الغزالي في إحياء العلوم, وعن أبي طالب المكي([354]) في كتاب قوت القلوب([355]) ان كتاب الأم لم يصنفه الشافعي وإنما صنفه تلميذه أبو يعقوب البويطي ثم زاد عليه الربيع بن سليمان وتصرف فيه وأظهره بهذا المظهر.

وكان لمذهب الشافعي شيوع في مصر والشام وما وراء النهرين وبعض بلاد العرب, وكذا في الحرمين قبل ظهور المذهب الوهابي بالحجاز وينقل عن الشافعي انه قال (لا تقلدوني وإذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا انه مذهبي)([356]).

النزاع بيـن الشافعية وغيرهم:

وعن المقدسي أن سجستان وسرخس كانت تقع فيهما عصبيات بين الشافعية والحنفية تراق فيها الدماء ويدخل بينهم السلطان([357]).

وعن المقدسي في أحسن التقاسيم([358])قال (رأيت أصحاب مالك يبغضون الشافعي) ويقولون (أخذ العلم من مالك ثم خالفه) والمعروف انه يتبع غالب الشافعية مذهب أبي الحسن الأشعري إلا ما شذ.

ويغلب وجود هذا المذهب فعلا في الريف المصري وفلسطين وبلاد الأكراد وبلاد أرمينية.

الحنبلية

والخامس من المذاهب: مذهب الحنبلية وهم أتباع احمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ولد ببغداد سنة 164هـ. وتوفي ببغداد سنة 241هـ. وهو الذي يقول في حقه الشافعي خرجت من بغداد وما خلفت رجلا أفضل ولا افقه من احمد بن حنبل صنف المسند الذي يحتوي على نيف وأربعين ألف حديث ورتبه بحسب السند لا بحسب أبواب الفقه فجمع لكل راوٍ أحاديثه وقد توفي قبل أن ينقحه ويهذبه وقد رواه عنه ابنه عبد الله(1) بعد أن نقحه وهذبه واتهم بأنه قد أضاف للمسند بعض الأخبار الموضوعة كما أن بعضهم ذكر أن ابنه احمد بن عبد الله بن احمد بن حنبل وأبا بكر القطيعي(2) أضاف له بعض الزيادات, وله في الأصول كتاب طاعة الرسول وكتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب العلل. وهو الذي امتنع من القول بخلق القرآن رغم إصرار المأمون على خلقه وإجابة العلماء له وبقي مصرّاً على ذلك من سنة 218هـ وهي السنة التي دعا فيها المأمون العلماء للقول بخلق القرآن إلى سنة 233هـ السنة التي أبطل المتوكل فيها تلك الدعوة وترك للناس حرية الرأي في خلق القرآن وعدمه. ودرس الحديث على هيثم بن بشير(3) وعلى الإمام الشافعي ولم يكتب في الفقه إلا ما أجاب به عن بعض المسائل والمنقول عنه أنه حرم على تلاميذه كتابة الفقه إلا أنهم لم
يستجيبوا له فقد كتب تلميذه عبد الملك بن مهران(1) وغيره الفقه عنه وجمعوا فتاويه وأقواله الفقهية وجعلوها أساساً لمذهبه الذي نسبوه إليه.

طريقة احمد بن حنبل في استنباط الأحكام الشرعية:

وطريقته في الاستنباط أن يأخذ بالنص كتاباً أو سنة حتى المرسل والضعيف منها ويقدم الكتاب على السنة عند التعارض في الظاهر ثم ان لم يجد النص أخذ بما يفتي به الصحابة ولم يختلفوا فيه, وعند الاختلاف بين الصحابة في المسألة رجح قول من كان اقرب للكتاب أو السنة فان لم يظهر له ما هو الأقرب حكى الخلاف. وينقل عنه انه يأخذ بالحديث المرسل ويقدمه على القياس والرأي إذا لم يكن ما يعارضه شيء من الكتاب أو السنة أو قول صحابي أو اتفاق على خلافه(2) وإلا استعمل القياس والاستصحاب والذرائع والمصالح المرسلة وكانت القاعدة عنده في العقود والشرائط هو قاعدة الإباحة إلا إذا قام الدليل على المنع.

أشهر أصحاب احمد:

ومن أشهر أصحابه احمد بن هاني الأثرم(أ). الذي روى عنه الفقه والحديث. وعبد الملك الذي كتب الفقه عنه وولداه صالح الذي ورث الفقه عن أبيه وولي القضاء على خلاف سنة أبيه. وعبد الله الذي ورث الحديث عن أبيه وروى مسند أبيه واتهمه بعضهم بأنه قد أضاف لمسند أبيه بعض الأخبار الموضوعة.

ويحكى أن محمداً بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ألف كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء ولم يذكر احمد بن حنبل فقيل له في ذلك فقال لم يكن فقيهاً وإنما كان محدثاً.

وقد انتشر هذا المذهب في بعض بلاد العراق وما وراء النهرين, وظهر في مصر متأخراً وكان أول من ولي قضاء الحنابلة بدمشق الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن احمد بن قدامة المقدسي([359]) ثم الصالحي المتوفى سنة 682هـ. والذي هو شيخ احمد بن تيمية. وقد قام ابن تيمية وابن القيم بنشر هذا المذهب وناضلا عنه وحرضا الناس على تعليمه وأخذت به نجد في أول عهد الوهابيين ثم ساد جميع بلاد الحجاز في هذا العصر.

وحكى عن ابن حنبل انه قال (انظروا في أمر دينكم فان التقليد لغير معصوم مذموم) واستفحل المذهب الحنبلي في بغداد في القرن الرابع حتى إذا مر بهم شافعي أغروا به العميان فضربوه بعصيهم حتى كاد يموت. وعن طبقات السبكي أن أكثر فضلاء متقدمي الحنابلة أشاعرة([360]).

المذاهب المنقرضة

إن المذاهب الإسلامية التي قدر لها البقاء حتى الآن بمعنى أنها لا يزال لها أتباع يسيرون عليها حتى هذا الوقت واتسع أفقها وكثر أتباعها هي المذاهب المتقدمة الخمسة وهناك مذاهب أخرى وجدت في هذا الدور وحصل لها أتباع يسيرون عليها ولكنها انقرضت وزالت.

مذهب الأوزاعي

أشهرها مذهب الأوزاعيين أتباع عبد الرحمن الأوزاعي ولد ببعلبك سنة 88هـ وتوفي في بيروت سنة 157هـ ودفن في محلة منها تعرف باسمه وكان يميل لبني أمية وقد عمل بمذهبه أهل الشام ثم انتقل مذهبه إلى الأندلس مع الداخلين إليها من نسل بني أمية ثم اضمحل مذهبه في الشام وحل محله مذهب الشافعي وانقرض في الأندلس وحل محله مذهب المالكي وذلك في منتصف القرن الثالث. وكان ممن يكره القياس.

مذهب الظاهري والداودي:

ومن المذاهب المنقرضة مذهب الظاهريين والداوديين وهو مذهب داود بن علي بن خلف الأصفهاني المعروف بالظاهري ولد بالكوفة سنة 202هـ ونال رئاسة العلم في بغداد مذ كان شافعياً وانتقل سنة 223هـ إلى نيسابور ثم جاء لبغداد ومات فيها سنة 270هـ. واتخذ لنفسه مذهباً خاصاً وهو العمل بظاهر الكتاب والسنة ما لم يقم دليل على خلافهما وعدم البحث عن علل الأحكام فان لم يجد نصاً عمل بالإجماع إذا صدر عن الصحابة أو عن جميع العلماء ورفض القياس والاستحسان والتقليد والرأي رفضاً باتاً وقال: إن في عموم النصوص من الكتاب والسنة ما يفي بكل جواب.

 

عدم تحقق الإجماع:

بل يحكى عنه عدم إمكان تحقق الإجماع بعد عصر الخلفاء الأربعة لتفرق الصحابة وانقسامهم بسبب السياسة والحكم قال ابن حزم (التابعون لم يحصهم أحد ولا يعرف الكثير مما قالوا فمن ادعى إجماع هؤلاء فهو كاذب) وعنده ان الآية الكريمة [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ]([361]) هي جامعة لكل ما تكلم الناس فيه من أولهم إلى آخرهم.

وللظاهري عدة مؤلفات ينسب له القول بجواز أن يكون القاضي امرأة. وقد استمر مذهبه متخذاً إلى منتصف القرن الخامس ثم أخذ بالاضمحلال والأفول، ويحكى عن ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456هـ انه قام بنشر هذا المذهب في القرن الخامس ببلاد الأندلس والذود عنه. وألف ابن حزم كتاب الإحكام لأصول الأحكام الذي هو أحسن ما ألف في أصول المذهب الظاهري وكتاب المحلى الذي هو أحسن ما ألف من الكتب المتداولة في الفقه على مذهب الظاهرية وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه حتى قيل في حقه كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج الثقفي شقيقين وخاصمه علماء وقته فردوا قوله واجمعوا على تضليله وشنعوا عليه ونهوا عوامهم عن الدنو منه وهو القائل إن مذهبين انتشروا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان الحنفي بالمشرق والمالكي بالمغرب([362]) والمحكي عن ابن فرحون([363]) في الديباج المذهب انه قد عد المذهب الظاهري من المذاهب المعمول بها في زمنه أي في القرن الثامن([364])، والظاهر انه قد درس في أواخر القرن الخامس أو كان في حكم المندرس كما يظهر من جملة من العلماء.

مذهب محمد بن جرير:

ومن المذاهب المنقرضة مذهب محمد بن جرير بن يزيد ولد سنة 224هـ بآمل طبرستان وتوفي في بغداد سنة 310هـ صاحب التفسير المعروف والتاريخ المشهور كان شافعياً ثم اتخذ مذهباً له واستمر مذهبه متبعاً إلى منتصف القرن الخامس للهجرة ونسب إليه القول بجواز كون القاضي امرأة كما تقدم نسبة ذلك للظاهري خلافاً لباقي مذاهب السنة الأربعة المشهورة والموجودة حتى اليوم. هذه هي أشهر المذاهب المندثرة وهناك مذاهب لفقهاء لم ينتشر مذهبهم كالليث ابن سعد إمام أهل مصر وصديق الإمام مالك والذي يقول فيه الشافعي انه أفقه من مالك ولكن لم يحصل له أصحاب ينشرون مذهبه([365]).

القراءات السبعة

وفي هذا الدور الرابع كما اختلفت المذاهب في استنباط الأحكام الشرعية كذلك اختلفت القراءات للقرآن الكريم وتكثرت إلا أن الذي اشتهر منها في كل قطر في هذا الدور هي القراءات السبعة. فبالمدينة المنورة اشتهرت قراءة نافع بن أبي نعيم([366]) توفي سنة 167هـ. وبمكة قراءة عبد الله بن كثير([367]) توفي سنة 120هـ. وبالبصرة قراءة أبي عمرو بن العلاء المازني([368]) توفي سنة 154هـ وبدمشق قراءة عبد الله بن عامر([369]) توفي سنة 118هـ وبالكوفة أبو بكر عاصم بن أبي     النجود([370]) توفي سنة 128هـ وهو اليوم يقرأ القرآن بقراءته، وبالكوفة أيضاً حمزة ابن حبيب الزيات([371]) توفي سنة 145هـ. وبالكوفة أيضاً أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي([372])من أولاد الفرس توفي سنة 179هـ ويلي هذه القراءات في الشهرة ثلاث قراءات أخرى. قراءة أبي جعفر يزيد القعقاع المدني([373]) توفي سنة 130هـ وقراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي([374]) توفي سنة 205هـ وقراءة خلف بن هشام البزاز([375])وتسمى هذه القراءات مع السبعة المذكورة بالقراءات العشر. ويليها في الشهرة أربع قراءات أخرى قراءة ابن محيصن محمد بن عبد الرحمن المكي([376])ويحيى بن المبارك اليزيدي([377]). والحسن بن أبي الحسن البصري الفقيه([378]). والأعمش سليمان بن مهران([379]).

العُلوم العقلية

وفي هذا الدور الرابع انتشرت العلوم العقلية والفلسفية والكلامية واتسع أفق المعارف بواسطة ترجمة الكثير من الكتب الأجنبية وأدى ذلك إلى تعليل الأحكام الشرعية.

 انشقاق الفقهاء إلـى أهل الحديث وإلـى أهل الرأي:

فقوي الرأي في معرفة الأحكام الشرعية مما أدى إلى انقسام الفقهاء إلى طائفتين وتضخم كل من القسمين واتساع أفقهما مختلفين.

طائفة أهل الرأي:

الطائفة الأولى: تسمى بأهل الرأي والتي كانت برئاسة عبد الله بن مسعود في الكوفة وهم من يجيلون النظر والفكر في العلل الشرعية والأغراض من الأحكام الإلهية ليعرفوا حكم الواقعة الشرعية دون الوقوف على دلالة النص فهم يأخذون بالرأي والاجتهاد ويبحثون عن علل الأحكام لمعرفة حكم الوقائع النازلة بهم.

الطائفة الثانية أهل الحديث:

الطائفة الثانية: وتسمى بأهل الحديث التي كانت برئاسة سعيد بن المسيب في الحجاز وهم يعتمدون في معرفة الأحكام الشرعية على دلالة النصوص وظواهر الألفاظ وينفرون من الأخذ بالرأي والاجتهاد وعدم التعمق في استخراج العلل للأحكام والإستحسانات بعكس الطائفة الأولى فأنها لم تأخذ من الأحاديث إلا قليلها ولا من الآيات إلا نصوصها وكان رجوعهم في كثير من المسائل الفقهية إلى حكم العقل والرأي والاجتهاد بالقياس والاستحسان. وهذا ما أدى إلى انقسام مدرسة الفقه إلى مدرستين مدرسة الرأي ومدرسة الحديث.

خاتمة المطاف

إن مصادر الفقه في هذا الدور, أعني الدور الرابع, كانت كثيرة تختلف باختلاف اعتبار الفقهاء لها وكان في طليعتها الكتاب والسنة, والإجماع وعمل أهل المدينة والقياس وقول الصحابي والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير وكانوا يقدمون عمل أهل المدينة على القياس؟ باعتبار أن عمل أهل المدينة بمنزلة روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكون بمنزلة رواية جماعة عن جماعة فهو أولى بالتقديم، ونشطت فيه حركة جمع الروايات والأحاديث والآثار الشرعية وقد كان التأليف في هذا الدور بادئ بدء هو ضم الأحاديث بعضها إلى بعض حسب أبواب الفقه كأحاديث الصلاة وأحاديث الصوم وغير ذلك كما في مسند زيد ونحوه وقد يمتزج بأقوال الصحابة والتابعين ممن يرى حجة قولهم كما في موطأ مالك ثم جاء بعد ذلك فكرة المسانيد فكان يفرد كل شخص بأحاديثه عن أحاديث غيره كما في مسند ابن حنبل ثم جاء بعد ذلك من قام باختيار ما هو المعتبر لديه من الأخبار فألفوا الصحاح.

مجموع الإمام زيد أقدم كتب الأخبار:

ولكن الظاهر أن مجموع الإمام زيد الشهيد أقدم ما بأيدينا من كتب الأخبار فقد استشهد سنة 121هـ أو سنة 122هـ وهو مرتب على أبواب الفقه كما أن مناسك الحج له طبع بغداد مرتب على أبواب الحج. وكيف كان فلا ينكر انه في هذا الدور قد كثر فيه تأليف كتب الأخبار التي هي أهم مصدر لعلم الفقه وقويت الحركة نحو الفقه قوة منقطعة النظير وتظافرت الجهود على ضبط مسائله وتأسيس أصوله وقواعده ودونت فيه العلوم التي تساعد على استنباط مسائله كعلوم القرآن وعلم الكلام والعلوم العربية ونحو ذلك مما أوجب ازدهار الفقه واتساع دائرته وكثرة مسائله.

الإمام محمد الباقر عليه السلام:

وفي هذا الدور الرابع استشهد الإمام محمد الباقر عليه السلام بسم هشام بن عبد الملك([380])سنة 114هـ وعن الطبقات الكبرى لابن سعد انه كان عالماً عابداً ثقة عند المسلمين روى عنه أبو حنيفة وغيره من أئمة أهل العلم والمذاهب([381])، وعن تذكرة ابن الجوزي([382])عن عطاء أحد أعلام التابعين انه قال: ما رأيت العلماء عند أحد اصغر علماً منهم عند أبي جعفر الباقر, لقد رأيت الحكم بن عيينة([383])عنده كأنه عصفور مغلوب([384])وعن ابن الأثير في جامع الأصول انه مجدد مذهب الإمامية على رأس المائة الأولى([385]).

الإمام جعفر الصادق عليه السلام:

وفيه استشهد الإمام جعفر الصادق عليه السلام بسم المنصور سنة 148هـ وقد قضى شطراً من حياته ما يقارب الخمسَ عشرة سنة في حكومة الأمويين والشطر الآخر من حياته في حكومة العباسيين. وعن الملل والنحل أن أبا عبد الله الصادق (ذو علم غزير في الدين وأدب كامل في الحكمة وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات)([386]).

الإمام موسى الكاظم عليه السلام:

وفيه استشهد الإمام موسى الكاظم عليه السلام بسم الرشيد سنة 183هـ وهو الذي ذكر عنه القرماني صاحب كتاب (أخبار الدول) انه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجة قط وعن الشافعي أن قبر موسى الكاظم([387])ترياق مجرب لإجابة الدعاء. قال الخليفة العباسي للإمام موسى الكاظم عليه السلام: أن الناس يقولون لا تحريم في القرآن للخمر فقال الإمام عليه السلام: بل هي محرمة في كتاب الله قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ]([388]) فهي إثم والإثم محرم بنص القرآن حيث قال [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ]([389]).([390])

الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام:

وفيه استشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بسم المأمون سنة 203هـ وكان قد نصبه ولياً للعهد وينسب له جملة من أصحابنا كتاب فقه الرضا وقد طبع في إيران وكتب الشيخ النوري في مستدركه بحثاً مفصلاً عنه قد اثبت فيه صحة نسبة الكتاب إليه سلام الله عليه([391]).

كتاب فقه الرضا:

وإن كان في عقيدتي أن الكتاب على تقدير صحة النسبة انه قد مزجه بعض الرواة بالروايات المعارضة لما فيه, وهكذا ينسب إليه المسند ويسمى بصحيفة الرضا عليه السلام وقد طبع مع مسند الإمام زيد في بيروت بواسطة مكتبة الحياة وذكر المؤرخون أن الإمام الرضا عليه السلام إذا مر ببلد أخذ الفقهاء والعلماء بلجام دابته ليفيض عليهم من علمه وفضله.

الإمام محمد الجواد عليه السلام:

وفيه استشهد الإمام محمد الجواد عليه السلام بسم المعتصم([392])سنة 220هـ وله مواقف مع يحيى بن أكثم([393])في علم الفقه مع صغر سنه تكون من معاجز الفن.

الإمام علي الهادي عليه السلام:

وفيه استشهد الإمام علي الهادي عليه السلام بسم المعتز العباسي([394])سنة 254هـ وقد دونت مناقبه واحتجاجاته كتب الأخبار والتاريخ.

الإمام الحسن العسكري عليه السلام:

وفيه استشهد الإمام الحسن العسكري عليه السلام بسم المعتمد([395]) أو المعتضد([396])سنة 260هـ وينسب له تفسير للقرآن الكريم قد طبع وشكك في صحة نسبته له بعض الفقهاء وقد اشبع البحث عنه النوري في مستدركه([397])وصاحب الذريعة([398])وفي مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص525 ذكر أن الكندي أحرق جميع ما ألفه في تناقض القرآن بواسطة الإمام الحسن العسكري عليه السلام([399]).

غيبة الحجة المهدي عليه السلام:

وفي هذا الدور غاب الإمام الثاني عشر المهدي الحجة القائم المنتظر عليه السلام سنة 260هـ الغيبة الصغرى حيث لم تنقطع السفارة بينه وبين الشيعة، وأما غيبته الكبرى التي انقطعت فيها السفارة فقد كانت في الدور الخامس حيث أنها وقعت سنة 329هـ.

فقهاء الدور الرابع:

وفي هذا الدور الرابع برز جماعة من الفقهاء لا يسعنا حصرهم ولكن نذكر قسماً منهم على سبيل المثال.

 يونس بن عبد الرحمن:

منهم يونس بن عبد الرحمن فقد ألف ما يزيد على ألف مجلد من الكتب وكان لا يترك التأليف إلا للصلاة والطعام وقضاء الحاجة.

محمد بن أبي عمير:

ومنهم محمد بن أبي عمير توفي سنة 217هـ ويروى عن الجاحظ انه قال فيه: إن محمد بن أبي عمير كان أوثق الناس عند الخاصة والعامة([400]) ويحكى عن ابن بطة انه قال فيه: انه ألف أربعاً وتسعين كتاباً وقد تلفت كتبه في الحبس فلذا كانت رواياته مرسلة إلا أنها معتبرة عند العلماء([401]).

صفوان بن يحيى البجلي:

ومنهم صفوان بن يحيى البجلي المتوفى سنة 210هـ وعن ابن النديم انه ألف ثلاثين كتاباً([402]).

احمد البزنطي:

ومنهم احمد بن محمد البزنطي المتوفى سنة 221هـ من المؤلفين في الفقه.

الحسن الوشاء:

ومنهم الحسن بن علي الوشاء ألف في الفقه كتباً كثيرة.

الحسن السراد:

ومنهم الحسن بن محبوب السراد المتوفى سنة 224هـ له كتاب المشيخة مبوب على معاني الفقه.

احمد الأشعري:

ومنهم احمد بن محمد بن عيسى الأشعري له مؤلفات في الفقه كثيرة، ومحمد بن خالد الأشعري ومحمد بن علي الأشعري صاحب المؤلفات والمصنفات وله كتاب اسمه نوادر تصنيف المصنفين كانت نسخة منه بخط الشيخ الطوسي عند صاحب السرائر استطرف منها بعض الأخبار وطبع المستطرف منها مع السرائر.

علي بن مهزيار:

ومنهم علي بن مهزيار الأهوازي بلغت مؤلفاته ستة وثلاثين كتاباً.

الفضل بن شاذان النيسابوري:

ومنهم الفضل بن شاذان النيسابوري بلغت كتبه مائة وثمانين كتاباً في مختلف المواضيع.

عبد الله بن سعيد الكناني:

ومنهم عبد الله بن سعيد بن حنان الكناني ألف في الفقه والحديث كتباً كثيرة.
عبد الله القمي
:

ومنهم عبد الله بن جعفر القمي شيخ القميين له أكثر من ثلاثين كتاباً في مواضيع مختلفة.

عمر بن مسلم التميمي:

ومنهم عمر بن مسلم التميمي الكوفي له مؤلفات كثيرة في الفقه.

الحسيـن بن سعيد الأهوازي:

ومنهم الحسين بن سعيد الأهوازي وأخوه الحسن وعن ابن نديم أنهما ألفا أكثر من ثلاثين كتاباً.

الحسن البرقي:

ومنهم الحسن بن خالد البرقي صاحب تفسير العسكري.

محمد بن مسعود العياشي:

ومنهم محمد بن مسعود العياشي صاحب تفسير العياشي الذي طبع في الآونة الأخيرة على ما قيل وقد بلغت مؤلفاته مائتي مؤلف.

احمد بن محمد البرقي:

ومنهم احمد بن محمد بن خالد البرقي المتوفى سنة 274هـ ويحكى عن النجاشي([403]) وغيره أن له أكثر من تسعين مؤلفاً.

محمد بن معافى:

ومنهم محمد بن معافى بن جعفر المتوفى سنة 265هـ له كتاب شرايع الإيمان وكان من أصحاب الكاظم عليه السلام وابنه الإمام الرضا عليه السلام.

إبراهيم الثقفي:

ومنهم إبراهيم بن محمد الثقفي المتوفى سنة 283هـ وله مؤلف في الفقه والأحكام.

إبراهيم الأسلمي:

ومنهم إبراهيم بن محمد بن يحيى المدني الأسلمي المتوفى سنة 184هـ له كتاب مبوب في الحلال والحرام رواه عن الإمام الصادق عليه السلام.

عبيد الله بن شعبة:

ومنهم عبيد الله بن علي بن أبي شعبة له كتاب في الفقه كبير عرضه على الإمام الصادق عليه السلام فصححه واستحسنه وقال: ليس لهؤلاء في الفقه كتاب مثله([404]) .

محمد بن سيرين:

ومنهم محمد بن سيرين مولى انس بن مالك المتوفى سنة 110هـ سكن البصرة علامة في تعبير الرؤيا ويعد من فقهاء عصره.

القاسم بن محمد بن أبي بكر:

ومنهم القاسم بن محمد بن أبي بكر المتوفى سنة 108هـ وعن ابن خلكان انه من سادة التابعين وأفضل أهل زمانه([405]), وعن أبي الزناد: ما رأيت فقيهاً اعلم من القاسم. وعن طبقات ابن سعد([406]) انه كان إماماً فقيهاً ثقة ورعاً كثير الحديث. وعن عمر بن عبد العزيز انه قال له لو كان لي من الأمر شيء لاستخلفت أعيمش بني تيم يعني القاسم وكان في عهده أربعة من الملوك الوليد وسليمان وأولاد عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك.

طاووس اليماني:

ومنهم طاووس بن كيسان اليماني المتوفى بمكة سنة 106هـ روى البخاري عنه عن مجاهد وغيره, وعن الذهبي انه كان شيخ أهل اليمن وبركتهم وفقيههم وله جلالة عظيمة([407]).

قتادة:

ومنهم قتادة بن دعامة المتوفى سنة 118هـ كان ضريراً حافظاً وفقيهاً ورأساً في العربية واللغة والتاريخ والنسب سكن البصرة.

سليمان بن مهران:

ومنهم سليمان بن مهران الأسدي الكوفي الملقب بالأعمش وكان محدث أهل الكوفة ولم يكن أحد في زمانه أكثر منه حديثاً ولقب بالأعمش لسيلان دمعته وضعف بصره وكان مزاحاً فقد قصد داره أهل الحديث (فخرج إليهم وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم)([408]) وكان يعني بذلك زوجته. وبعث إليه هشام بن عبد الملك قرطاساً ليكتب له فيه مناقب عثمان ومساوئ علي عليه السلام فاخذ القرطاس ووضعه في فم شاة وقال للرسول هذا جوابه فقال له الرسول لقد توعدني بالقتل إن لم آته بجوابك. فاخذ القرطاس وكتب عليه بعد البسملة: أما بعد فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض لما نفعتك ولو كان لعلي مساوئ أهل الأرض ما ضرتك فعليك بخويصة نفسك([409]).

يحيى بن يعمر:

ومنهم يحيى بن يعمر العدواني الوشقي المضري المتوفى سنة 129هـ وهو أول من نقط القرآن وقد حكي عن ابن خلكان انه تابعي شيعي كما انه أول من أعرب القرآن أستاذه أبو الأسود الدؤلي([410]).

عامر بن شراحيل:

ومنهم عامر بن شراحيل الشبعي المتوفى سنة 104هـ روى عن الإمام عليعليه السلام  وولي قضاء الكوفة وكان من مدرسة أهل الحديث.

 

الحسن البصري:

ومنهم الحسن البصري المتوفى سنة 110هـ ويحكى عن القاضي عياض عده من الأئمة وأصحاب المذاهب المقلدة المدونة([411]), وعن إعلام الموقعين انه (جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة)([412]).

عطاء بن رباح وغيره:

ومنهم عطاء بن رباح المتوفى سنة 115هـ. ومنهم عكرمة مولى ابن عباس المتوفى سنة 115هـ. ومنهم مسلم بن خالد الزنجي المتوفى سنة 179هـ.

ومنهم عبد الرحمن الأوزاعي المتوفى سنة 157هـ. ومنهم الليث بن سعد المتوفى سنة 175هـ. ومنهم أبو بكر محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة 124هـ.

خندق الأسدي وموقفه من أهل البيت:

ومنهم خندق بن بدر الأسدي المستشهد سنة 100هـ بعرفات عندما وقف بها في الموسم وذكر فضل أهل البيت عليه السلام وظلم الناس لهم وغصب حقهم وقد ساء الباقرعليه السلام مقتله.

أبان بن تغلب:

ومنهم أبان بن تغلب المتوفى سنة 141هـ أحد القراء المشهورين والفقهاء البارزين. ومنهم ثابت أبو حمزة الثمالي المتوفى سنة 150هـ الذي روى الدعاء المعروف.

جابر الجعفي:

ومنهم جابر الجعفي الكوفي المتوفى سنة 128هـ الورع الصدوق. ومنهم أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي المتوفى سنة 150هـ بالحبس وقد ذكرناه في تعداد المذاهب.

زرارة بن أعيـن:

ومنهم زرارة بن أعين الذي قال فيه الإمام الصادق ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة. ويسمى بأوتاد الأرض زرارة. وأبو بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم، وبريد العجلي([413]) ولزرارة أخوة أربعة معروفون بالعلم وهم حمران النحوي اللغوي. وبكير الثقة الجليل القدر. وعبد الملك الثقة الجليل القدر. وعبد الرحمن الجليل القدر.

من توفي في هذا الدور من علماء الأدب وشعرائه:

وتوفي في هذا الدور الخليل بن احمد سنة 160هـ مدون علم العروض وعلم متن اللغة.

وتوفي معاذ بن مسلم الهراء([414]) سنة 187هـ واضع علم الصرف وقرأ عليه الكسائي وهو ابن عم محمد الرواسي الذي هو أول من ألف من الكوفيين في النحو كتاباً.

وقتل دعبل الخزاعي([415]) الشاعر المعروف سنة 242هـ وقتل يعقوب بن السكيت([416]) اللغوي سنة 244هـ بتفضيله علياً وابنيه على الخليفة العباسي.

وتوفي أبو تمام الطائي سنة 231هـ في الموصل. وتوفي الفيلسوف المعروف الكندي([417]) سنة 250هـ.

العلوم الفلسفية

وقد ظهرت العلوم العقلية في هذا الدور الرابع واتسع افقها وانتشرت كتبها وكان من أشهر المتكلمين فيها عمرو بن عبيد(4) المتوفى سنة 144هـ وأبو الهذيل العلاف(5) المتوفى سنة 235هـ وعمرو الجاحظ(6) المتوفى سنة 255هـ. فان الفلسفة اليونانية وغيرها قد دخلت البلاد الإسلامية بعد قرنين إلا انه قد أوضح المسلمون مسائلها وأضافوا إليها الشيء الكثير وأخرجوها بهذه الحلة الجميلة بعد أن هذبوها ونقحوها وناقشوا ما كان مخالفاً للعقيدة الدينية والآيات القرآنية فظهرت خالصة من الآراء الإلحادية والخرافات التقليدية وأزالوا عنها الحجب والغموض وفتحوا باب المناقشات والمباحث فيها وأعطوا للعقل حرية الفكر وأضافوا إليها مباحث قيمة كمبحث النبوة والإمامة ورتبوها ترتيباً حسناً حتى أصبحت العلوم العقلية غير العلوم العقلية اليونانية أو الرومانية والفارسية والهندية.

وكان اظهر طابع على العلوم العقلية الإسلامية هو قدرتها على الجمع بين الدين والفلسفة والحكمة والمعرفة وللإسلام الفضل الأكبر في حفظ الفلسفة اليونانية وغيرها من الفلسفات القديمة فان النصرانية عندما ضربت سرادقها على بلاد اليونان خافت من فلسفتها على دينها فمنعت من تدريسها ودفنت كتبها تحت التراب في الدهاليز والإنفاق حتى استطاع المأمون(1) سنة 304هـ – 819 م أن يحصل على الكثير من هذه الكتب وقد أصابها التلف. كما ان للإسلام الفضل الأكبر على الديانتين اليهودية والمسيحية فقد أخرجهما القرآن الكريم بحليتهما الواقعية المجردة عن الأوهام والخرافات التي لم ينزل الله بها من سلطان.

 

 

 

 

 

 

الدور الخامس

دور التقليد عند أهل السنة

يبدأ هذا الدور بما انتهى إليه الدور الرابع أي انه يبدأ من أوائل القرن الرابع إلى سقوط الدولة العباسية سنة 655هـ بزحف التتر على بغداد وسقوطها بأيديهم, فان هذا الدور قد جاء وقد تفككت عرى الوحدة الإسلامية بخلافات طائفية ومذهبية وانقسامات عنصرية وطبقية وتمزق شمل المسلمين فالبويهيون في فارس والفاطميون في شمال أفريقيا والأمويون في الأندلس والأخشيديون في سورية ومصر والساسانيون في خراسان والقرامطة في البحرين والحمدانيون في الموصل.

هذا وبغداد عاصمة الدولة العباسية منقسم بعضها على بعض تعصف بها الزوابع السياسية والفتن الداخلية لنيل التاج أو الصولجان لا للصالح العام ويغار عليها من كل جانب ومكان حتى هرب الخليفة العباسي المتقي([418]) من بغداد خوفاً, من الجيش البربري الزاحف عليها واستنجد بناصر الدولة([419]) في الموصل فأنجده وأرجعه إليها فضعفت الرغبة من العلماء في الاجتهاد لتبلبل الأحوال واضطراب الأوضاع. أضف إلى ذلك أن الدولة نظراً لضعفها في هذا الدور أصبحت لا تمنح المنصب الديني ولا القضاء للذي يعمل برأيه وإنما تنصب من كان مقيداً ومتبعاً لمذهب من المذاهب وتفرض عليه اجتناب كل قضاء يخالف ذلك المذهب خوفاً من تبلبل الأفكار وحدوث الانشقاق والانقسام وأخذوا لا يجعلون شخصاً في منصب من المناصب الدينية إلا إذا كان متبعاً لأحد المذاهب السنية المشتهرة المعروفة كالحنفية والظاهرية والشافعية ونحوها من المذاهب ولا يكيلون وزناً للمجتهد المنفرد فأوجب ان ينصرف أهل السنة عن الاجتهاد حتى انه لم يبق بعد محمد بن جرير الطبري([420]) المتوفى سنة 310هـ من يجتهد في الأحكام الشرعية.

وبطبيعة الحال أصبحت النتيجة الحتمية عندهم بعد هذا الزمن الإجماع والاتفاق على العمل بالمذاهب السابقة وانسداد باب الاجتهاد.

والإجماع عندهم حجة لا ترد ودليل لا يفند فافتوا استناداً لهذا الإجماع بسد باب الاجتهاد وحصر المذاهب التي يرجع إليها بالمذاهب السابقة وأصبح هذا الدور للفقه الإسلامي السني في هذه الفترة من الزمن دور التقليد المحض لأهل السنة وكان من جراء ذلك أن يحصر علماؤهم أبحاثهم ضمن نطاق خاص وإطار مخصوص فكان كل واحد منهم في هذا الدور لا يتجاوز بحثه حدود مذهب فقيه سابق قد قلده لا يحيد عنه ولا يتعداه لغيره ويرى أن ما قاله مقلده هو الصحيح وما عداه من الآراء خطأ لا يتبع ولم ير من يجتهد في الأحكام الشرعية فيأخذ أحكامه من أدلتها غير متقيد برأي أحد من الأئمة ورضوا لأنفسهم التقليد ولإمام معين واعتبار فتاواه كأنها نص من الشارع المقدس فأصبحوا عالة على فقه أبي حنيفة ومالك والأوزاعي والظاهري وأمثالهم ممن كانت مذاهبهم متداولة والتزم كل منهم مذهباً معيناً لا يتعداه وبذل كل ما أوتي من قوة في نصرة ذلك المذهب جملة وتفصيلا ويأخذون أحكامهم الشرعية منه دون أن يرجعوا للكتاب والسنة فكان الفقيه في هذا الدور هو الذي يستنبط الأحكام الشرعية من كتب أحد الفقهاء السابقين ويسمى ذلك بالاجتهاد المقيد بل لا يستجيز لنفسه أن يخالف فتوى الفقيه الذي قلده ولو قامت عليها الأدلة من الكتاب والسنة.

وقد بلغ هذا التعصب المذهبي في هذا الدور إلى أن يقول أبو الحسين الكرخي([421])رئيس الفقه الحنفي في العراق المتوفى سنة 340هـ (أن كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ)([422]) وإلى أن يقول صاحب الدر المختار (إن من ارتحل عن المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي يعزر)([423]) وأصبحت كلمات أئمتهم وعباراتهم هي المصدر الذي يستنبطون منه الحكم الشرعي حتى أنه في المغرب لما استولى عليه عبد المؤمن بن علي([424]) ألزم العلماء الاجتهاد وترك التقليد فأحرق كتب الفروع كلها وأمر بوضع كتب أحاديث الأحكام وكذا فعل حفيده يعقوب([425]) سنة 595هـ وقد بلغ التطاحن بين الفقهاء وأتباعهم في هذا الدور ومهاجمة بعضهم البعض من ناحية التعصب والتحيز للفقهاء السابقين حد التقاتل كما يظهر ذلك من ابن الأثير ج8 ص106([426]) وكان نتيجة ذلك أن تأثر الفقه بالجمود لدى أهل السنة وأصبح بعيداً عن واقع الحياة رغم تطور الحضارة وتبدل الأوضاع فقد حدثت أشياء وأحوال لم تكن في عصر انفتاح باب الاجتهاد حتى يعالجها فقهاؤهم السابقون ولا يحق للمتأخرين منهم أن يعالجوها لانسداد باب الاجتهاد عليهم.

 

وجه الانحصار بالمذاهب الأربعة

في هذا الدور الخامس ومبدئه

وبعد ذلك في هذا الدور انحصرت المذاهب المتبعة عند السنة في أربعة: الحنفية. والمالكية. والحنبلية. والشافعية. وكان بذرة انحصارها هو القادر العباسي([427]) الذي تولى الخلافة الإسلامية سنة 381هـ فانه كان ذا سياسة وكياسة وظهر بمظهر الصلاح والتقوى حتى عده ابن الصلاح([428]) من الفقهاء الشافعية وأخذ الفقهاء يعقدون الاجتماعات برئاسته بصفة كونه زعيماً دينياً فيصدرون الفتاوى بتحريم حرية الرأي وتكفير بعض الطوائف كالفاطميين ومهاجمة المعتزلة وتكفير من يعتنقها. وأمر أربعة من الفقهاء أن يصنف كل واحد منهم مختصراً على مذهبه من المذاهب الأربعة. فصنف الماوردي([429]) الإقناع على مذهب الشافعي, وصنف أبو الحسين القدوري([430]) مختصراً على مذهب أبي حنيفة, وصنف أبو محمد عبد الوهاب مختصراً([431]) على مذهب المالكي, وصنف آخر مختصراً على مذهب الحنبلي وأمر الخليفة القادر العمل بها لأجل تقليل الآراء في الأحكام الشرعية([432]).

ولا ريب أن هذا العمل من القادر يوجب اتساع رقعة المذاهب الأربعة وكثرة المتبوعية لها وضعف باقي المذاهب السنية وقلة متبوعيتها وندرة الدعاة لها لأن الخلافة العباسية مهما تطور الوضع بها وانحط نفوذها الزمني فهي لم تفقد سيادتها الروحية وبقيت تحتفظ بزعامتها الدينية عملا وعقيدة والخليفة العباسي وإن فقد سلطته الزمنية إلا انه لم يتجرد حتى عند رعيته عن كونه إماماً روحياً وزعيماً دينياً ومصدراً لجميع السلطات الإلهية وانه الرئيس الفعلي للحكومة الدينية فإذا صدر منه الأمر بالعمل بتلك المذاهب الأربعة لا ريب كان معناه إلغاء العمل بما عداها من المذاهب بحكم الزعيم الديني. ولا ريب أن ذلك يوجب اضمحلالاً شيئاً فشيئاً حتى تتلاشى وبالفعل أخذت باقي المذاهب بالتلاشي شيئاً فشيئاً حتى إذا عصفت العاصفة الكبرى وحلت الطامة العظمى سنة 656هـ باحتلال المغول (التتر) بغداد وبلغ منهم التخريب والتهديم والحرق والذبح منتهى المبلغ ستة أسابيع حتى صارت الدماء تنساب على الطرقات وصبغت ماء دجلة باللون الأحمر القاني عدة أميال وهدمت الجوامع والمدارس وأحرقت الكتب والنفائس وقتل المغول (التتر) الخليفة المستعصم([433]) وأولاده ولم ينج منهم نافخ ضرم, وانقرضت بذلك الخلافة العباسية في بغداد وظل الأفق السني طوال ثلاث سنين ونصف بلا خلافة وأصبح بحاجة لزعيم ديني وقد أدرك بيبرس الملقب بالظاهر ملك مصر من ملوك دولة المماليك بعد أن تغلب على المغول حاجة العالم الإسلامي إلى إحياء الخلافة فاستدعى إليه احمد بن الظاهر محمد بن الناصر العباسي(2) الذي نجا من حبائل المغول وهو عم المستعصم الذي قتله المغول فبايعه الملك وقاضي القضاة تاج الدين وكبار الفقهاء والناس بالخلافة سنة 660هـ أو سنة 659هـ ولقب احمد بالمستنصر بالله وأصبحت القاهرة من ذلك الحين مقراً للخلفاء العباسيين وكانوا يلقبون بالأئمة وكانت سلطتهم لا نفوذ لها إلا من الجانب الديني فقط.

ثم أراد الملك بيبرس(3) أن يسترجع بغداد للخلفاء العباسيين فأعد العدة وجهز الجيوش وتوجه مع الخليفة المستنصر المذكور فلما احتلوا دمشق عاد الملك بيبرس إلى مصر وتقدم الخليفة المستنصر قاصداً بغداد وقبل أن يصل إليها وصلت إليه المغول وقتلوه واغلب أصحابه ولم تكن خلافته إلا خمسة أشهر وعشرين يوماً وكان في حلب رجل ينتسب للعباسيين اسمه احمد بن علي نجا مختفياً من بغداد استقدمه الملك بيبرس إلى مصر وبايعه بالخلافة ولقب بالحاكم بأمر الله سنة 661هـ فعادت الخلافة العباسية في مصر برعاية ذلك الملك الظاهر إلا أنها كانت منصباً دينياً محضاً حتى دخول السلطان سليم(1) الفاتح المشهور لمصر فتنازل له آخر الخلفاء العباسيين عن منصب الخلافة وأصبحت الخلافة لملوك آل عثمان وفي سنة 663هـ.

وبعد أن امتد النفوذ الديني للخليفة العباسي الحاكم بأمر الله احمد المتقدم ذكره للعالم الإسلامي حتى للحجاز بواسطة السلطان الملك الظاهر بيبرس نصب الخليفة العباسي المذكور برعاية الملك الظاهر المذكور بالديار المصرية وبدمشق أربعة قضاة شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي وركز العقيدة الأشعرية فكان هذا العمل من الخليفة الذي يمثل المقام الديني مؤكداً لما صنعه الخليفة العباسي القادر من أمره بالعمل بالمذاهب الأربعة فأخذ يتضاءل ما تبقى من غير المذاهب الأربعة حتى لم يبق في سنة 665هـ في مجموع أمصار الإسلام مذهب لأهل السنة يعرف غير هذه المذاهب الأربعة ولا عقيدة غير عقيدة الأشعري, وعودي من تمذهب بغيرها ولم يول قاضٍ ولا تقبل شهادة شاهد ولا يقدم للخطابة, والإمامة والتدريس أحد منهم لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب الأربعة خصوصاً وقد أخذ يقوى المركز الديني للخليفة المذكور وطفق يتوسع نفوذ السلطان الظاهر المذكور وهما يحملان الشعار بالتمسك بالمذاهب الأربعة فكانت النتيجة الحتمية هي حصول الإجماع والاتفاق من علمائهم على أتباع المذاهب الأربعة وعدم صحة تقليد ما عداها والإجماع حجة عند أهل السنة يوجب الفتوى بمقتضاه فأفتى الفقهاء منهم بوجوب أتباع هذه المذاهب الأربعة وتحريم ما عداها ولم تبق عقيدة عند أهل السنة إلا عقيدة الأشعري وأوجب ذلك عليهم أن يتجه نشاطهم الفقهي في هذا الدور نحو تكميل المذاهب الأربعة الفقهية من الترجيح لروايات الفتاوى المختلفة عن أئمتها الأربعة والتخريج لعللها المسمى بتخريج المناط والفتوى فيما لم يوجد فيه فتوى منهم بالقياس بواسطة تلك العلل.

مشاهير علماء الدور الخامس:

ومن مشاهير علماء الحنفية في هذا الدور هو علي بن محمد البزدوي(1) المتوفي سنة 483هـ ألف المبسوط أحد عشر مجلداً, ومن مشاهير علماء المالكية في هذا الدور محمد الأبهري(2) المتوفى سنة 375هـ ألف عدة كتب في شرح مذهب مالك, ومحمد بن رشد(3) المتوفى سنة 595هـ صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد, ومن مشاهير علماء الشافعية في هذا الدور احمد النيسابوري المتوفى سنة 432هـ ألف كتاب الأحكام, وأبو حامد الغزالي([434]) المتوفى سنة 505هـ صاحب المستصفى في أصول الفقه طبع أكثر من مرة.

الشيعة الإمامية في هذا الدور الخامس

وخلفوا لنا ثروة فقهية كبرى في هذا الدور رغم أن أئمتهم بدأوا يختفون عنهم في الأزمنة المتأخرة من زمن الإمام العاشر علي الهادي عليه السلام فإنه احتجب عن كثير من الشيعة إلا عن عدد يسير من خواصه وجاء بعده ابنه الإمام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السلام فكان يكلم شيعته الخواص وغيرهم من وراء الستر غالباً إلا في الأوقات التي يركب فيها لدار السلطان فلما توفي سنة 260هـ جاء بعده الإمام الثاني عشر وكان قد استتر عن أعين شيعته سنة 266هـ.

السفراء الأربعة

وجعل بينه وبينهم السفراء الأربعة أبو عمر وعثمان بن سعيد ثم بعده ابنه محمد بن عثمان المتوفى سنة 304هـ ثم بعده أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي المتوفى سنة 326هـ ثم بعده أبو الحسن علي بن محمد السمري المتوفى سنة 329هـ وكان هؤلاء هم الوسائط بينه وبين شيعته ويصدر منه عليه السلام بواسطتهم التوقيعات وأجوبة المسائل وبيان الأحكام الشرعية وغيرها ويعرفون خطه عليه السلام وبوفاة محمد السمري وقعت الغيبة الكبرى وانسد باب السفارة والنيابة الخاصة وفوض عليه السلام الأمر إلى الفقهاء العالمين بالأحكام الإلهية المطلعين على الأخبار والأحاديث الشرعية وجعلهم النواب عنه عليه السلام.

والحاصل انه في زمن الإمام العاشر إلى الإمام الثاني عشر كان من الصعوبة معرفة الحكم الشرعي للحادثة, والكتب الموجودة عندهم لم تكن سهلة المأخذ فقد تقدم أن نوعها غير مبوب مع ما فيها من الأحاديث غير المقبولة مع أن بعض الأخبار كانت محفوظة في الصدور يخشى ضياعها فانبرى علماؤهم للقيام بسد هذه الخلة وكان في طليعتهم محمد بن يعقوب الكليني  رحمه الله  المتوفى سنة 329هـ.

كتاب الكافي:

فألف كتاب الكافي الذي جمع فيه من الأحاديث ما صح عنده ونظمها حسب أبواب الفقه والأصول وهو من أعظم كتب الشيعة وأكثرها فائدة وأجلها شأناً وقد ألفه في زمن السفراء الأربعة أي في زمن غيبة الإمام الثاني عشر الصغرى ويحكى عن ملا خليل القزويني شارح الكتاب المذكور أن كتاب الكافي عرض على الإمام الثاني عشر فاستحسنه, ويحكى عن الوحيد البهبهاني(1) أن الشيخ الكليني قد لاقى في جمع كتابه الكافي الأتعاب والمشاق بسفره إلى البلدان والأقطار واجتماعه بشيوخ الرواة والإجازات وظفره بالأصول الأربعمائة والكتب المعمول عليها في الأحاديث وقد مضى على تأليفه له عشرون سنة, وعن الشهيد الأول أن أحاديث الكافي تزيد على الصحاح الستة فقد أحصيت إلى (16199) حديثاً مع أن أحاديث البخاري بحذف المكرر (4000) حديثاً ومثله صحيح مسلم بحذف المكرر وأحاديث الموطأ وسنن الترمذي والنسائي لا تبلغ عدد صحيح مسلم.

رسالة والد الصدوق:

وقد كتب في هذا الدور علي بن الحسين([435]) والد الصدوق المتوفى سنة وفاة السمري  رحمه الله  آخر السفراء وسنة وفاة الكليني  رحمه الله  سنة 329هـ لولده الصدوق رسالة في الأحكام الشرعية يأخذ الأصحاب الفتوى منها إذا أعوزتهم النصوص لأنها عبارة عن نصوص الأحاديث بحذف إسنادها ثقة به واعتماداً عليه تجد قطعاً منها في كتب ولده الصدوق ومختلف العلامة وكفى في جلالة قدره ما في التوقيع المنقول عن الإمام العسكري عليه السلام من وصفه له بالفقيه المعتمد.

ما قد وصلنا من كتب الأخبار:

ومما قد وصل إلينا من كتب الأخبار المؤلفة في زمن الغيبة الصغرى كتاب الغيبة للنعماني ألفه سنة 300هـ كما وصل إلينا الكافي المتقدم ذكره ثم كثر بعد الغيبة الصغرى التأليف من الشيعة في الأخبار والأحاديث فألف علي بن احمد الكوفي([436]) المتوفى سنة 352هـ من الكتب ما يزيد على الخمسين في الفقه والفلسفة والرد على أهل العقائد والمذاهب الفاسدة وغيرها وألف جعفر بن قولويه(1) المتوفى سنة 368هـ أو سنة 369هـ كتاب كامل الزيارة.

من لا يحضره الفقيه:

وألف الصدوق المتوفى سنة 381هـ كتاب من لا يحضره الفقيه المطبوع عدة طبعات أحصيت أحاديثه فكانت (5963) حديثاً مرتبة حسب أبواب الفقه وقد سماه بهذا الاسم اقتباساً من اسم الكتاب الذي ألفه الرازي في الطب وسماه بمن لا يحضره الطبيب ويقول في حقه صاحب مرآة الجنان إنه البارع في الكلام والجدل والفقه(2). وربما زاره عضد الدولة(3) وإن له أكثر من مائتي مصنف.

الاستبصار والتهذيب:

وألف الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ الاستبصار والتهذيب المطبوعين عدة طبعات وهذان الكتابان مع كتاب الكافي ومن لا يحضره الفقيه تعرف عند الإمامية بالصحاح الأربعة لكون مؤلفيها لم ينقلوا فيها إلا ما صح عندهم روايته.

الوسائل:

وقد جمع محمد الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ روايات هذه الكتب الأربعة مع زيادة من كتب أخرى كانت موضع اعتماده وصحيحة عنده في كتاب اسماه الوسائل طبع عدة مرات.

الوافي:

كما جمع ملا محسن الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091هـ روايات هذه الكتب الأربعة وشرح أحاديثها شرحاً وافياً في كتاب اسماه الوافي.

المستدرك:

وجاء المرحوم محمد حسين النوري(1) المتوفى سنة 1320هـ فاستدرك على كتاب الوسائل المذكور ما فات صاحبه، أسماه المستدرك ثم أخذت كتب الأخبار عند الشيعة تتوسع.

البحار:

حتى جاء المرحوم محمد باقر المجلسي(2) المتوفى سنة 1110هـ فألف تلك الموسوعة الكبرى في الأخبار المسماة بالبحار إلا أن فيها الدرة والأجرة ولم نطلع على من سبقهم من فقهاء الشيعة أن يجمع الأحاديث وينظمها هذا التنظيم ويبوبها هذا التبويب وإنما كان جمعهم للأخبار التي سمعوها من الأئمة بالذات أو بالواسطة حسب موضع الحاجة الشخصية اعتماداً على وجود الأئمة عليه السلام عندهم فإذا ابتلوا بمسألة كان من السهل عليهم معرفتها من منبعها وهو إمام ذلك الوقت.

مبدأ تدوين علم الفقه عند الشيعة

ولم يدون الشيعة في هذا الدور الخامس إلى زمن الغيبة الكبرى سنة 329هـ علم الفقه على النهج المعروف فعلا من تحرير المسائل الفقهية وبيان الدليل عليها إذا لم تكن بديهية وبيان اصح الأقوال فيها أو أظهرها أو ظاهرها إذا كانت مختلف فيها بل كانت فتاواهم المدونة هي نصوص الأحاديث إلى أن جاء ابن أبي عقيل الحسن بن علي بن أبي عقيل أبو محمد العماني الحذاء شيخ الشيعة ووجهها وفقيهها فإنه أول من حرر المسائل الفقهية وذكر لها الأدلة وفرع عليها الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى وقد أثنى الشيخ المفيد على كتابه (المتمسك بحبل آل الرسول) في الفقه وقد أدرك زمان السمري آخر السفراء وزمان الكليني وعاصر الصدوق علي بن بابويه واستجازه جعفر بن قولويه صاحب كتاب كامل الزيارة المتوفى سنة 369هـ أو سنة 368هـ وجاء بعده الشيخ الفاضل أبو علي محمد بن احمد بن جنيد الإسكافي(1) المتوفي سنة 381هـ صاحب كتاب تهذيب الشيعة في عشرين مجلداً يشتمل على جميع أبواب الفقه, وكتاب المختصر في الفقه الأحمدي اختصر به كتابه التهذيب وهو الذي وصل لأيدي المتأخرين ومنه انتشرت مذاهبه وأقواله فقد قام  رضي الله عنه  بتحرير المسائل الفقهية على وجه الاستدلال وقد أدرك زمان السمري والكليني صاحب الكافي، ورأيت بخط والدي  رضي الله عنه  أن الإسكافي هو الذي دون الأصول على مذهب الإمامية وكذا تحرير الفتاوى في الكتب الفقهية.

 قال العلامة المجلسي في كتابه: مرآة العقول (وهو المتبحر والمطلع على كثير من أصول القدماء وكتبهم):

إن الإفتاء لم يكن شائعاً في زمن الكليني  رحمه الله  وما قبله بل كان مدارهم على نقل الأخبار وكانت تصانيفهم مقصورة على جمعها وروايتها وبالطبع مراده  رحمه الله  عند الشيعة الإثني عشرية وإلا فالسنة كانت الفتاوى عندهم أكثر من أن تحصى، ثم جاء من بعد ابن جنيد والإسكافي تلميذهما الشيخ محمد الملقب بالمفيد  رضي الله عنه  المتوفى سنة 413هـ فألف ما يقارب المائتي كتابٍ ومنها كتابه المسمى (بالمقنعة) الذي بينّ مصادره وذكر أدلته من الأخبار والأحاديث الشيخ الطوسي وأسماه (بالتهذيب) أحد الكتب الأربعة, ومن جلالة قدر المفيد  رحمه الله  في الأوساط الدينية انه كان يزوره عضد الدولة.

ثم جاء من بعده تلميذه علم الهدى الشريف المرتضى المتوفى سنة 436هـ فألف كتبه في أصول الدين كالشافي وفي أصول الفقه كالذريعة ويقال انه أول كتاب صنف في هذا الباب للشيعة ولم يكن لهم في علم أصول الفقه قبل هذا إلا رسائل مختصرة وألف  رحمه الله  في فروع الفقه الناصريات والانتصار وغيرهما. ثم جاء من بعده في هذا الدور الشيخ محمد الطوسي المتوفى سنة 460هـ صاحب كتاب التهذيب والاستبصار فألف كتاب الخلاف في الفقه الاستدلالي وكتاب المبسوط المملوء بالفروع الفقهية والذي ذكر فيه بأنه لا يزال يسمع من معاشر مخالفينا من المتفقهين يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية وإن هذا جهل منهم بمذهبنا وقلة التأمل لأصولنا.

وألف كتاب النهاية الذي هو موضع العناية من الفقهاء وكان الفقهاء يتبعون طريقة الشيخ الطوسي ومنهجه في الاستدلال والاستنتاج ولم يخرجوا عن ذلك مدة تقارب القرن من الزمن لحسن ظنهم بالشيخ بل قيل أنهم كانوا مقلدين له حتى أن البعض لقبهم بالمقلدين له فيما استنبط والمقتفين أثره فيما اجتهد واستنتج لا يتعدون عما قال ولا يخرجون عن رأيه في البحث والمقال إلى أن جاء في هذا الدور محمد بن إدريس الحلي(1) المتوفى سنة 598هـ فهاجم طريقة الشيخ الطوسي في الاستنتاج وشن الحملة على آرائه الفقهية في كتابه السرائر وفتح باب التمسك بالأدلة العقلية بينما كان المعتمد عليه في الأزمنة السابقة الإجماع والنص والظاهر دون الأدلة العقلية ثم تبع ابن إدريس  رضي الله عنه  تلاميذه ومن جاء بعده من فقهاء الشيعة في حرية الرأي ومناهج الاستدلال والاستنتاج ضمن نطاق الأدلة الأصولية الصحيحة لديهم التي قام عندهم على حجيتها القطع أو القطعي، واتسع أفق البحث والنظر فيها حتى اليوم وأوجب ذلك ثروة فقهية عند الشيعة لا تكاد تجدها عند غيرهم.

علم دراية الحديث:

وفي هذا الدور الخامس دون علم دراية الحديث وكان أول من دونه كما في كشف الظنون أبو عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405هـ(1) وتبعه ابن الصلاح الحافظ الشافعي المتوفى سنة 643هـ.

ما وصل إلينا من المؤلفات في هذا الدور الخامس:

وفي هذا الدور أي الدور الخامس وصل إلينا من المؤلفات في علم الرجال والترجمة للرواة والأصحاب فهرست ابن النديم(2) المتوفي سنة 385هـ ورجال الكشي فانه من أعلام القرن الرابع، ورجال النجاشي المتوفى سنة 405هـ.

أول من ألف في علم الرجال:

وقد أثبت العلامة الجليل الورع السيد حسن الصدر بأن أول من ألف في علم الرجال أبو محمد عبد الله بن جبلة الكناني المتوفى سنة 219هـ(3) لا ما قاله السيوطي من أن أول من تكلم فيه شعبة المتوفى سنة 260هـ.

الشيخ الرئيس ابن سينا:

وفي هذا الدور توفي الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا الحسين سنة 428هـ يوم الجمعة من شهر رمضان ويظهر من آخر كتابه الشفاء تشيعه وإن كان نسبه بعضهم إلى أنه تفقه على مذهب أبي حنيفة.

الزمخشري:

وتوفي الزمخشري سنة 538هـ صاحب كتاب الكشاف في تفسير القرآن المجيد.

جامع الأزهر:

وفي هذا الدور انشأ جوهر الصقلي قائد الخليفة الفاطمي سنة 359هـ جامع الأزهر واقتصر فيه على التدريس على المذهب الفاطمي ويذكر أن أول كتاب درس فيه هو كتاب (الاقتصاد في فقه آل الرسول) ثم كتاب (دعائم الإسلام في الحلال والحرام).

طلب جلال الدين تلقيبه بملك الملوك:

وفي هذا الدور الخامس سنة 429هـ طلب جلال الدولة بن القائم بأمر الله أن يخاطبه الناس بملك الملوك فقالوا له نستفتي الفقهاء بذلك فأفتى بالجواز أبو الطيب الطبري(1) والصيمري(2) وابن البيضاوي والكرخي ولقب بملك الملوك وامتنع صديقه الفقيه أبو حسن الماوردي وأفتى بالحرمة ولزم بيته خوفاً من القتل وفي ذات يوم أرسل عليه ومدحه على تصلبه في ذات الله وعدم فتواه.

 

إظهار الشعائر الحسينية في هذا الدور

وفي هذا الدور سنة 352هـ أمر معز الدولة البويهي أن تغلق الدكاكين وأن تظهر الناس الحزن في عاشر محرم على الحسين عليه السلام كما أمر بإظهار الزينة في البلد يوم 18 ذي الحجة فرحاً بعيد الغدير.

اتخاذ أهل السنة 26 ذي الحجة عيداً:

وفي مقابل ذلك اتخذ أهل السنة يوم 26 ذي الحجة عيداً لأنه يوم دخول النبيصلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر إلى الغار وجعلوا يوم 18 محرم يوم حزن لأنه قتل فيه مصعب بن الزبير.

 

 

 

 

 

الدور السادس

وهو يبدأ من أواخر القرن السابع الهجري وينتهي بأواخر القرن الحادي عشر حيث بدأ فيه النهوض من أهل السنة بالخروج عن التقليد والتحرر من الجمود على آراء المتقدمين تدريجاً بشكل دوائر ضيقة ثم أخذت تتسع شيئاً فشيئاً حيث أن تبدل الظروف والأحوال وتطور الأوضاع والحوادث وتجدد المصالح والمفاسد والمسايرة لركب الحضارة كان الناس من فقهائهم في حرج وضيق من الجمود على التقليد للمجتهدين المتقدمين وأصبح من المحتم عليهم الرجوع للمصادر الفقهية الأصلية ومنابعه الأولية والخروج من التقيد بفتاوى السابقين فكان ممن استبق الباب في هذا المضمار وخرج عن التقليد ورجع لأدلة الأحكام من الكتاب والسنة ونحوها من المصادر تقي الدين السبكي الشافعي(1) المتوفى سنة 756هـ ونجم الدين أبو ربيع الطوفي([437]) المتوفى سنة 767هـ وابن تيمية ([438]) المتوفى سنة 728هـ والذي اعتقلوه في القاهرة حتى كتب السلطان إلى دمشق ان من اعتقد اعتقاد ابن تيمية حل ماله ودمه, وتلميذه ابن القيم([439]) المتوفى سنة 751هـ الذي نكبوا به بألسنتهم وخليل بن اسحق الكردي المصري([440])المتوفى سنة 776هـ.

وقد كان لعلماء الشيعة اليد الطولى في إخراج فقهاء السنة من التقليد لكثرة احتجاجاتهم عليهم ومباحثتهم معهم فيه فكان في بغداد عاصمة الدولة الإسلامية تجد فقهاء الشيعة قد ناقشوا أرباب المذاهب السنية بصورة حادة في النوادي والمجالس العامة والتأليف على ضوء الكتاب والسنة وتلمس ذلك فيمن كتب من تقدم على هذا الدور منهم كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي فأدى ذلك إلى اليقظة في نفوس متبحري علمائهم نحو الاجتهاد والخروج عن التقليد.

وفي هذا الدور السادس ظهرت الدولة الصفوية في إيران برئاسة الشاه إسماعيل بن حيدر([441]) المنتهي نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام سنة 905هـ وقد بالغوا بإكرام العلماء حتى جعلوا أمر المملكة بيد فقيه العصر المحقق الثاني الشيخ علي الكركي وشيدوا المدارس والمساجد وألف الشيخ البهائي الكثير من الكتب باسم الشاه عباس كالجامع العباسي ونحوه واستمر ملكهم إلى سنة 1148هـ وهي السنة التي جلس فيها نادر شاه على سرير الملك.

الفتاوى الهندية:

وفي أواخر هذا الدور ألف السلطان محمد عالمكير([442])أحد ملوك الهند لجنة من مشاهير علماء الهند برئاسة الشيخ نظام لتصنع كتاباً جامعاً لظاهر الروايات التي اتفق عليها المذهب الحنفي فألفوا في ذلك كتاباً قد عرف بالفتاوى الهندية يذكر فيه آراء الفقهاء ثم يتبع بفتوى اللجنة ليكون مرجعاً للحكام والقضاة والمفتين إلا أن هذا الجمع لم يكن رسمياً ولا شبه الرسمي ليكون ملزماً لهم. وقد نبغ في هذا الدور أبو القاسم جعفر الحلي المتوفى سنة 676هـ صاحب كتاب الشرائع والمختصر النافع, والعلامة الحلي حسن بن يوسف المتوفى سنة 726هـ صاحب التآليف الكثيرة في الفقه والشهيد الأول أبو عبد الله محمد بن الشيخ جمال الدين المستشهد سنة 786هـ صاحب الذكرى والقواعد واللمعة وغيرها.

 

استشهاد الشهيد الأول والثاني:

وكان استشهاده بفتوى برهان الدين المالكي(1) وابن جماعة الشافعي(2) بقتله فحبس سنة ثم قتل بالسيف ثم احرق بالنار, والشهيد الثاني زين الدين بن علي بن احمد العاملي المستشهد سنة 966هـ(3) فألف الكتب القيمة في علم الفقه وفي طليعتها المسالك في شرح الشرائع وشرح اللمعة للشهيد الأول, والمحقق الأردبيلي المتوفى سنة 993هـ([443])([444]) شارح الإرشاد.

 

 

 

 

 

الدور السابع

يبدأ هذا الدور من أواخر القرن الحادي عشر الهجري إلى ما نحن فيه فقد أدرك المسلمون والعرب ما وصل إليه حاضرهم واستيقظ الوعي الديني والقومي فيهم وقاموا بنهضة واسعة بحركات باسم الدين والرجوع للكتاب والسنة والخروج عن التقليد بشكل دوائر واسعة.

الحركة الوهابية

ففي نجد والحجاز كانت الحركة الوهابية التي قام بها محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي المتوفى سنة 1206هـ في القرن الثاني عشر الهجري المصادف للقرن الثامن عشر الميلادي متخذاً الدين شعاراً لها والرجوع للكتاب والسنة وعمل السلف هدفاً لها وكانت بداية ظهوره سنة 1143هـ وانتشر أمره واشتهر سنة 1150هـ بسبب غاراته على الأماكن المقدسة وتهديم الأضرحة المعمرة وكان بينه وبين جدنا الشيخ جعفر كاشف الغطاء مكاتبات ومطارحات قد طبعت في إيران وقد حضر بحث جدنا المذكور في النجف الأشرف. وحضر بالبصرة عند الشيخ مهدي البصري. وكان ممن قام بنصره ونشر دعوته أمير المشرق سعود أمير الدرعية([445]) ثم بعده ولده محمد ثم من بعد محمد أولاد محمد وأحفاده.

حركة السنوسي وغيرها:

وفي ليبيا ظهر محمد بن السنوسي([446]) داعياً لنبذ التقليد ومناشداً للرجوع لمصادر الدين الحنيف.

وفي السودان ظهرت حركة المهدي([447]) تهدف لذلك.

وفي مصر قام السيد جمال الدين الأفغاني([448]) مع تلميذه الشيخ محمد عبدة([449]) والسيد رشيد رضا([450]) بمحاربة التقليد حتى صرح الأخير في مجلته المنار بقوله (لن يستطيع شعب إسلامي أن يتحمل أثقال تقليد المقلدين لمذهب واحد).

حركة كاشف الغطاء:

وفي العراق وإيران قام جدنا كاشف الغطاء([451]) المتوفي سنة 1228هـ صاحب كشف الغطاء بمحاربة الجمود الفكري الفقهي علماً وعملاً وقضى بجهود جبارة على الدعوة للبقاء على تقليد الأموات وعلى الدعوة للتقيد بالرجوع لأصل واحد هو الأخبار وعلى الدعوة لنبذ العمل بأصول الفقه من الكتاب والإجماع والعقل, ودعا  رحمه الله  للعمل بأصول الفقه التي قام القطع والقطعي على حجيتها وصحة التمسك بها ثم أنه  رحمه الله  بذل قصارى جهده وتبعه على ذلك أشباله رحمهم الله على تمصير النجف الأشرف وبناء السور لها ونقل الدراسة الدينية إليها واستدعى العلماء في العلوم الإسلامية حتى الطب والفلك والحساب ودعا العرب والعجم للدراسة الدينية فيها فولد الحركة العلمية الفقهية حتى أصبحت النجف الأشرف هي المركز العام للدراسة الدينية ولا تزال بحمد الله باقية حتى الآن وانك لا تجد فقيهاً شيعياً أو مرجعاً للتقليد إمامياً إلا وتنتهي سلسلة أساتذته إليه  رحمه الله .

النجف الأشرف:

واليوم النجف الأشرف غنية بالعلوم الدينية والمعارف الإلهية خرجت رجالاً وأقطاباً من الفقهاء من مختلف الأقطار الإسلامية وقد توفرت فيها الدراسة الحرة للعلوم الإسلامية ما لم تتوفر لغيرها من المعاهد والمدارس وأوفدت الكثير من خريجيها لكثير من الأقطار لتعليم الفقه وإرشاد الضال والدعوة للإسلام. وقد أنشأنا فيها المدارس الدينية استهدفنا فيها جمع الكلمة ووحدة الصف ومحاربة التبشير ولاقينا في سيرنا هذا العقبات الكؤود وقد اجتزناها بحول الله وقوته ونسأله تعالى التوفيق لإنجاز رسالتنا على الوجه الأكمل. أخذت كلية الشريعة في الجامعة الأزهرية وخاصة في قسم الدراسات العليا في تدريس الأحكام الفقهية وأدلتها عند مختلف المذاهب والآراء ويعرضونها على ما في كتاب الله وسنة نبيه غير متقيدة بمذهب خاص وبمثل ذلك قام المعهد العربي للدراسات الإسلامية. ويقوم الآن مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة بدور فعال في معالجة المسائل الفقهية المستحدثة التي هي محل الابتلاء وبيان الحكم الشرعي لها مستمدين معرفتها من الكتاب والسنة من غير تقيد بمذهب من المذاهب الإسلامية حضرنا فيه بأنفسنا أو بالنيابة عنا غير مرة وأهم ما عالجنا فيه موضوع التأمين على الحياة والمعاملات المصرفية والأهلة واليانصيب.

محاربة الإلحاد والتبشير:

ولابد لنا من التنبيه على أمر ذي بال هو محاربة الإلحاد والتبشير للإسلام في عقائده وفروعه فقد كان المبشرون والملحدون يدعون الدول الإسلامية لنبذ القواعد والأحكام الإلهية ويعمدون لهدم مقومات الشريعة الإسلامية وإذابة شخصيتها الدينية بحجة اختلاف الآراء فيها وإن الإسلام نظري لا واقعي وانه لا يتماشى مع ركب الحضارة ولا يمكن لدولة أن تتخذه مبدءاً لسلوكها وسيرها في خضم هذه الحياة العملية ولابد لنا من العمل بالقوانين الغربية والتشريعات الدولية.

مجلة الأحكام:

وهـذا مـا دعـا الحكـومة العثمانية يـوم كانت تتسم بالخلافة الإسلامية ان تكلف جماعة من العلماء أسموها بجمعية المجلة بوضع قانون في المعاملات المدنية من الفقه الحنفي مع الأخذ بالقول الموافق لمصالح الناس في المذهب الحنفي وكان ذلك في آخر القرن الثالث عشر الهجري.

أعضاء اللجنة التي وضعت المجلة:

وتتألف اللجنة من سبعة أعضاء برئاسة احمد جودت باشا([452]) ناظر ديوان الأحكام العدلية, وعضوية احمد خلوصي واحمد حلمي من أعضاء ديوان الأحكام العدلية, ومحمد أمين الجندي, وسيف الدين من أعضاء شورى الدولة, والسيد خليل مفتش الأوقاف, والشيخ محمد علاء الدين بن عابدين([453])، فرفعت تقريراً للصدر الأعظم عالي باشا سنة 1286هـ جاء فيه: (ان علم الفقه بحر لا ساحل له واستنباط درر المسائل اللازمة منه لحل المشكلات يتوقف على مهارة علمية وملكة كلية وعلى الخصوص مذهب الحنفية لأنه قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة ووقع فيه اختلافات كثيرة ومع ذلك لم يحصل فيه تنقيح كما حصل في فقه الشافعية) ([454]) ثم ان اللجنة باشرت عملها من سنة 1285هـ واستمر حتى سنة 1293هـ مع تغيير في الأعضاء فاجتمعوا برئاسة وزير العدل ورسموا قوانين سميت بمجلة الأحكام العدلية كانت في الأصل باللغة التركية ثم ترجمت إلى اللغة العربية وفي سنة 1293هـ صدر الأمر بالعمل بها في كل الأقطار الإسلامية الخاضعة للدولة العثمانية المتكونة من الأتراك والتي كانت عاصمتها استانبول.

رفض مصر للعمل بمجلة الأحكام:

إلا أن مصر رفضت الأخذ بقوانين المجلة المذكورة بأمر خديويها إسماعيل متظاهراً بحبه للاستقلال والتخلص من التبعية للدولة العثمانية.

وقد بدأ من ذلك الوقت حتى الآن تتجه مصر في تشريع القوانين غير متقيدة بمذهب خاص مراعية في ذلك روح العصر ومستمدة من الفقه الإسلامي. وكانت مجلة الأحـكـام الـمذكـورة تتكـون مـن (1851) مـادة وتـتـنـاول هـذه الـمواد أحكام البيوع والاجارات والكفالة والحوالة والرهن والأمانات والهبة والغصب والإتلاف والحجر والإكراه والشفعة والشركات والوكالة والصلح والإبراء والإقرار والدعوى والبينات والتحليف والقضاء ولعل آخر من شرحها هو جدنا المرحوم الهادي ولكن الظاهر انه لم يتم شرحه لها وابن عمنا الأكبر وجد ولدينا حسين وأيمن المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في أربعة مجلدات مطبوعة في النجف الأشرف.

خروج الدولة العثمانية عن التقليد:

وبعد ذلك رأت الدولة العثمانية ضرورة الخروج عن التقليد والتقيد بمذهب خاص فسنت في سنة 1326هـ قوانين العائلات التي تختص بالزواج والفرقة مستمدة في الكثير من مسائلها من غير المذهب الحنفي كالأخذ بنظرية إفساد الإكراه لعقد الزواج والطلاق. ولما رفضت مصر الأخذ بقانون المجلة المذكورة اتجهت إلى قانون فرنسا بحجة أن كتب الفقه الإسلامي بوضعها لا يمكن التقنين منها وقد احدث ذلك ضجة الرأي العام وسخطه عليها وعلى اثر ذلك قام علماء الفقه عندهم بتأليف قوانين مستمدة من المذهب الحنفي لا ثبات إمكان التقنين من الفقه الإسلامي إلا أنها لم يكن لها نصيب أن تصبغ بصبغة رسمية وبدأ الناس في مصر يظهرون الشكوى لولاة الأمر والقضاء من التقيد بالمذهب الحنفي .

خروج مصر من التقليد:

فأوجب ذلك أن تخرج مصر في هذا الدور عن التقليد والتقيد بمذهب معين فسنت قانوناً برقم 56 سنة 1923م لم تتقيد بالمذاهب الأربعة وأخذت فيه بفتوى عبد الله بن شبرمة(1) وعثمان البتي(2) وأبي بكر الأصم(3). وجاء في مذكرة قانون 25 سنة 1929م التفسيرية بأنه موافق لآراء بعض المسلمين ولو من غير أهل المذاهب الأربعة وانه ليس هناك مانع شرعي من الأخذ بقول غيرهم خصوصاً إذا ترتب عليه نفع عام وقد خطا القانون الشرعي بهذا التعديل خطوة واسعة إلى الأمام وكان قائد هذه الحركة الشيخ المراغي(1) شيخ الأزهر وقد وضع لهذا التعديل مذكرة إيضاحية جاء في آخرها (واني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد المطلق أخالفهم في رأيهم وأقول: ان في علماء المعاهد الدينية في مصر من توفرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد)(2) وبذلك فتح باب الاجتهاد فعادت إلى الفقه روح الحياة وكان هو أول من اقترح الدراسة المقارنة بين المذاهب في كليات الأزهر وصارت بذلك مادة من مواد الدراسة المقررة في السنة الرابعة لكلية الشريعة الإسلامية.

خروج سوريا من التقليد:

ثم خطت سوريا فوضعت قانوناً شاملاً لجميع أحكام الأسر من الزواج وما يتفرع عنه من نفقة ونسب وحضانة وطلاق وتفريق وعدة لجميع أحكام الأهلية وما يتفرع عنها من نيابة شرعية عن القاصرين كالولاية والوصية والقيمومة ولجميع أحكام الميراث وكانت أحكام هذا القانون مستمدة من مختلف المذاهب الإسلامية.

اليمن:

وأيضاً اليمن لم تعمل بقانون المجلة وكان المذهب الرسمي الذي يطبق وحده هو المذهب الزيدي.

المملكة العربية السعودية:

وهكذا المملكة العربية السعودية لم تعمل بقانون المجلة وكان المذهب الحنبلي هو المذهب الرسمي الذي تعمل به وبعد اكتشاف البترول ألحقت به بعض القوانين الحديثة لبعض الأمور المستحدثة كنظام السيارات ونظام النقد ونحو ذلك.

إيران:

وأما إيران فهي لم تعمل بالمجلة وكانت تطبق القانون الشيعي الاثنى عشري.

باكستان والهند:

وهكذا باكستان والهند فإنهما في زمن الاحتلال البريطاني سنت السلطة سنة 1772م قانوناً ينص على أن الشريعة القرآنية يعمل بها في جميع قضايا الإرث والزواج وغيرها من العادات فاقتضى ذلك أن يرجع القضاة ورجال القانون إلى الفقه الإسلامي في دعاوى المسلمين.

وقد اشتهر عند الحنفية منهم كتاب الهداية(1) ثم الفتاوى الهندية العالمكيرية(2) والسراجية(3) وغيرها.

واشتهر عند الجعفرية منهم كتاب شرايع الإسلام للمحقق الحلي  رحمه الله . وقد ترجم (بايلي) القسم الكبير من كتاب الشرايع وبعض أبواب الفتاوى الهندية إلى اللغة الانكليزية وترجم (هاملتون) الهداية سنة 1791م وترجم السير وليم جونز كتاب السراجية سنة 1792م، وبعد منتصف القرن التاسع عشر بدأت الحكومات حركتها التشريعية فأصدرت عدة قوانين منها قانون إلغاء الرق سنة 1823م وقانون الأوقاف سنة 1913م وغيرها.

المذهب السلفي

وفي هذا الدور السابع ظهر المذهب الذي يدعو للرجوع للكتاب والسنة ويحارب التقليد للمذاهب ويسمى بالمذهب السلفي نسبة للسلف المتقدم فإنه كان مذهبهم وطريقتهم في معرفة الأحكام الشرعية هو أخذها من الكتاب والسنة الصحيحة، وقد قام بهذه الدعوة السيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه من بعده الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية وقد أخذت مجلة المنار المصرية لصاحبها محمد رشيد رضا نشر مبادئ هذه الدعوة على صفحاتها.

والمذهب السلفي يقرب من المذهب الوهابي في الرجوع لأصل الشريعة من الكتاب والسنة الصحيحة والاجتهاد على هذا الأساس ونبذ الخرافات والبدع المخالفة للدين كما يدعمون والثورة على جميع التقاليد, ويرى المذهب السلفي أن الشرع الإسلامي يتماشى مع الحضارة الحديثة ويفتون بحلية أكثر المعاملات التي اقتضتها الحاجات التجارية في هذا اليوم وإن الصحيح المنقول في الشرع الإسلامي موافق دائماً لصريح المعقول, هذه هي دعوتهم ولكن المهم هو تطبيقها على الوجه الصحيح.

فتنة الشيخية:

وفي هذا الدور ظهرت فتنة الشيخية الفرقة المسماة بالكشفية وإليك ملخص ما جاء في كتاب العبقات: إن جماعة من فضلاء النجف عثروا على بعض رسائل للسيد كاظم الرشتي(1) القاطن في كربلاء فرأوا فيها ما يستنكرونه ويرونه من الكفر والضلال فاجتمعوا وكان رئيسهم الشيخ موسى بن الشيخ عيسى ابن الشيخ خضر  رحمه الله  وكلموا الشيخ علي(1)  رحمه الله  بن الشيخ الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء في الحكم بكفر السيد كاظم فأبى وامتنع فلما أيسوا منه ذهبوا لصاحب الجواهر الشيخ محمد حسن  رحمه الله  فأطلعوه على رسائل السيد كاظم المذكور وطلبوا منه الحكم بكفره فقال صاحب الجواهر  رحمه الله : إن حكمي لا يفيد وحدي مع وجود الشيخ علي كاشف الغطاء فذهبوا إلى الشيخ علي وقالوا له: إذا حكم الشيخ محمد حسن فما أنت صانع فقال: لا أبطل حكمه فحكم الشيخ محمد حسن  قدس سره  بكفر السيد كاظم ومن اتبعه وأحرق جميع رسائله بعد انتزاع الآيات والأحاديث والأسماء الشريفة منه وأمر بأن تمحى من زيارة الأمير عليه السلام الزيارة المسماة (بشيشم) بعض الفقرات الموهمة بالربوبية للأميرعليه السلام كفقرة (السلام عليك يا منزل المن والسلوى) وغيرها مما ظاهره الغلو.

وكان امتناع الشيخ علي عن الحكم بكفره أوجب عدم قتله، قال المرحوم الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء: حدثني السيد جعفر جلال وكان من الملازمين للشيخ علي كاشف الغطاء إني كنت في أثناء هيجان الفتنة المذكورة عند الشيخ علي المذكور فبينما نحن جالسون إذ دخل علينا حسن آغا بن صادق آغا وكان من أعاظم رؤساء الشيعة وذا ثروة مشهورة وبعد أن استقر به المجلس خاطب الشيخ علي  رحمه الله  فقال له: يا مولاي جئتك في أمر مهم فقال  رحمه الله : لا أهمك الله وما هو فقال: أنا حيران في أمر السيد كاظم الرشتي وما تكليفنا معه فبعضكم يكفره وبعضكم يؤيده وبعضكم يسكت عنه فقال الشيخ علي  رحمه الله : أنا مع القسم الثالث. فخرج على حيرة يجر رجليه بعد أن لثم يـد الشيـخ وقـدميه. واتـفـق أن سـافر المرحوم الشيـخ علي كاشف الغـطـاء لكربلاء في موسم أحدى الزيارات وكان المرحوم صاحب الجواهر قد جاء إلى كربلاء فجمع السيد سعيد ثابت كليدار كربلاء وحاكمها بين الشيخ علي  رحمه الله  والشيخ صاحب الجواهر  رحمه الله  مع السيد كاظم الرشتي المذكور في الصحن الحسيني ووقف السيد سعيد وبيده سيف مسلول وقال لهم: بيني وبين السيد كاظم هذا المجلس فإن حكمتم بكفره ضربت عنقه فـعلا وأخمدت ثائرة هذه الفتنة وإلا ضربت عنق من يتكـلـم عليه فقال الشيـخ عـلي للسيد سعيد ومن الحاكم فقال له: أنت الحاكم والحكم فقال الشيخ علي رحمه الله  للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر  رحمه الله  سله عما في نفسك منه فقال الشيخ حسن للسيد كاظم: أسألك عن فقرتين في رسائلك صريحة في الكفر وهي هذه وأخرج رسالة كانت تحت ردائه وفتحها فناقش السيد كاظم في دلالتهما على الكفر فلما سمع الشيخ علي ذلك نفض ثيابه وقام والتفت إلى السيد سعيد وقال له: يا سيد سعيد الحدود تدرأ بالشبهات وحفظ النفوس في شرعنا من أهم الواجبات([455]).

الحركة العلمية في كربلاء:

وفي هذا الدور, اعني الدور السابع ازدهرت كربلاء بالفقهاء النوابغ ذوي المكانة السامية والمقام الكريم منهم الشيخ يوسف صاحب الحدائق(2) والآغا محمد باقر البهبهاني المتوفى سنة 1208هـ(3) والسيد علي صاحب الرياض المتوفى

سنة 1232هـ([456])والسيد إبراهيم القزويني صاحب الضوابط([457]) والسيد محمد المجاهد بن صاحب الرياض المتوفى سنة 1242هـ([458]) وشريف العلماء([459]) المتوفى بالطاعون سنة 1246هـ والشيخ محمد حسين الأصفهاني([460]) المتوفى سنة 1255هـ.

الحركة العلمية في النجف الأشرف:

وبعد هذا ازدهرت النجف الأشرف بفطاحل الفحول مثل السيد مهدي الطبطبائي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ صاحب المصابيح وغيرها وما زلنا نتوسل به إلى الله تعالى في قضاء حوائجنا وتيسير أمورنا ولا يسع هذا المختصر عد فضائله وشرح مواقفه.

وجدنا الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1228هـ صاحب كشف الغطاء والشيخ حسين نجف وغيرهم من فطاحل العلماء كالشيخ محمد يونس([461]) والشيخ محمد محي الدين وغيرهم، وكان المرحوم السيد مهدي يصلي في مسجد الطوسي والشيخ جعفر في مسجد الهندي والشيخ حسين في داره وقد يصلي في الحرم ولم تكن الصلاة في الصحن الشريف معروفة قبل هذا.

ثم سافر الشيخ جعفر للحج وجعل الشيخ حسين يصلي في مكانه.

موقف آل كاشف الغطاء من الحركة العلمية في النجف الأشرف:

إنه لما رجع الشيخ جعفر جدّ أسرة آل كاشف الغطاء من الحج اجمع العلماء على أن يجعلوا أمر التدريس للسيد مهدي  رحمه الله  وأمر الفتوى والتقليد للشيخ جعفر حتى أن المرحوم السيد مهدي أمر أهله بتقليد الشيخ جعفر.

وأمر صلاة الجماعة للشيخ حسين نجف فلم يكن سواه إمام في النجف الأشرف وكانت العلماء تقتدي به حتى السيد مهدي والشيخ جعفر يصليان خلفه اغلب الأوقات، ولم يبق السيد مهدي  رحمه الله  إلا أياماً قليلة حتى انتقل إلى جوار ربه واصبح التدريس منحصراً بالشيخ جعفر حتى ذكر المؤرخون إنه كان تحت منبره من المجتهدين ما لا يحصى عده فضلا عن المراهقين للاجتهاد، وقد قام الشيخ جعفر  رحمه الله  على تمصير النجف فبنى لها سوراً وأسكن بها جملة صالحة من بيوت العرب والعجم لدرس العلوم الدينية فيها وتولى الزعامة الدينية وأصبحت له المرجعية العامة في التقليد وبلغ من حرصه على تقدم الثقافة ونموها أن استدعى جملة من المهرة في سائر العلوم للنجف وتصدى لصد هجمات الأعراب عليها والتزم بإعاشة الطلاب فيها حتى اشترى لهم الدور والمساكن وبذل لهم حتى مصارف الأعراس فضلا عن اللوازم والضرورات.

الشيخ موسى كاشف الغطاء:

ثم تولاها من بعده ولده الأكبر الشيخ موسى المتوفى 1241هـ فكانت له المرجعية العامة للشيعة وكان الأمر مردداً بينه وبين الميرزا القمي  رحمه الله  وقد سأله الفضلاء عن الشيخ موسى عندما قصد الحج عن طريق النجف في سنة وفاة الشيخ جعفر  رحمه الله  فقال لا علم لي به ولكن اكتب لكم ثلاث مسائل فإن أجابني نظرت في جوابه وميزت مقدار علمه، فكتب المسائل وبعثها إلى الشيخ موسى وكان قبل الغروب وقال للفضلاء أمهلوه عشرة أيام فجاءوا بها للشيخ موسى وهو مشغول بالوضوء لصلاة الغروب فقال الشيخ موسى: إني مشغول بأمور مهمة وقد أقلقت فكري والوقت ضيق فقالوا له:

انه يمهلك عشرة أيام فقال  رحمه الله : قفوا فخذوا ما تيسر على العجلة ونادى أخاه الشيخ علي وأخذ هو يملي عليه والشيخ علي يكتب فما أتم وضوءه إلا وأتم الجواب عنها فجاءوا بها للقمي  رحمه الله  وهو بعد لم يقم من مقامه فتعجب غاية العجب وقال هذا لا يكون إلا للقادر القدير فأمهلوني أراجع جوابه وأعطيكم غداً رأيي فيه فلما بكروا عليه قال لهم: اسألوا الشيخ موسى عن اجتهادي فقد شككني علمه حفظه الله في أمري ولا أرى أن أقلد مع وجود مثله فعند ذلك قلده الجميع.

ونقل لي الثقة العلامة الشيخ جعفر آل شيخ راضي عن الشيخ العلامة الشيخ مجتبى اللنكراني(1) أن صاحب القوانين(2) حضر عند الشيخ موسى في الدرس ولما عرضت القوانين عليه قال: هذه بضاعتنا ردت إلينا. وقد أصلح بين الدولتين الإيرانية والعثمانية حقناً لدماء المسلمين، وقد تلمذ على يده من العلماء ما لا يحصى عده كشريف العلماء والشيخ الأنصاري.

الشيخ علي كاشف الغطاء:

ثم جاء من بعده أخوه الشيخ علي المتوفى سنة 1254هـ الولد الثالث للشيخ كاشف الغطاء فصارت له المرجعية باجتماع العلماء في مسجد الهندي كالشيخ خضر شلال(3) والشيخ محسن خنفر(4) وأمثالهما على تعيينه للمرجعية العامة وتقليده وجعلت العلماء تحضر درسه وينثر عليهم من العلوم ما لم يعهد مثله حتى سمي بالمحقق الثالث ومن تلاميذه المعروفين: الشيخ مرتضى الأنصاري، وشريف العلماء، والسيد إبراهيم صاحب الضوابط، والسيد مهدي القزويني(1)، ومير فتاح صاحب العناوين وغيرهم من العلماء الأساطين. وعن البراقي أن درس الشيخ علي كان مشتملاً على ثمانمائة تلميذ كلهم ما بين مجتهد ومراهق.

الشيخ حسن كاشف الغطاء:

ثم جاء من بعده أخوهما الشيخ حسن المتوفى سنة 1262هـ الولد الرابع للشيخ كاشف الغطاء صاحب أنوار الفقاهة.

سؤال المفتي الآلوسي للشيخ حسن:

ومن عظمة فضله أن المفتي الآلوسي(2) صاحب التفسير سأله في محضر جماعة من العلماء عن وجود نص في الكتاب على النهي عن تخلف الناس عن خلافة الأمير عليه السلام فأجابه المرحوم الشيخ حسن: (نعم) فتعجب الحاضرون فقال المفتي: فأت به فقرأ الشيخ حسن آية المباهلة فقال المفتي: وما الدلالة فيها؟ قال الشيخ حسن: أسألك ما المراد بأنفسنا قال المفتي: المراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام قال الشيخ حسن: قال الله تعالى [مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ](3) وأراد الله بلفظ (نَفْسِهِ) هو الإمام علي عليه السلام لا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لقال (عنه) فإنه أوجز وأبلغ وأصرح. وعليه فيكون أهل المدينة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد فعلوا ما نهوا عنه وهو التخلف عن نفس الرسول والرغبة عنها.

وجود اسم علي عليه السلام في القرآن الكريم:

ولي موقف كذلك أقمت الدليل عليه بقوله تعالى [هذا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ]([462]) في سورة الحجر فإن الأصح قراءته باسم (علي) بياء المتكلم وإلا لزم أن يكون الصراط على الله. ولا بنحو التوصيف فإن الصراط لا يوصف بالعلو وإنما يوصف بالسعة والقرب والاستقامة. وينقل عن الشيخ محسن خنفر أنه كان يقول: ليس أحد في المتقدمين والمتأخرين أفضل من الشيخ حسن بن الشيخ جعفر. وقد قام أحسن القيام بشؤون الحوزة العلمية وشؤون الشيعة الاثنى عشرية سنة 1253هـ فإنه قد رفع القتل عن أهل النجف الذي أراده الوزير نجيب باشا(2) عندما كان والياً على العراق بعد عزل الوالي علي باشا(3) فإنه بعد أن ذبح أهالي كربلاء شر مذبحة في ذي الحجة سنة 1258هـ وقصد النجف فهرع الناس للشيخ حسن عندما سمعوا ذلك فاجتمع عنده العلماء وأشراف البلد فأرسل الشيخ حسن رسالة بيد السيد جواد شبر لنجيب باشا يدعوه للضيافة عنده فحملها له وأعطاه إياها في مسجد الكوفة فلبى الدعوة ونزل ضيفاً على الشيخ حسن وكان بمعيته الشيخ وادي شيخ زبيد(4) والملا علي الحضي(5) إلى غير ذلك من مواقفه الكريمة التي لا تحصيها الصفحات الكثيرة. وقد كان من تلاميذ الشيخ حسن  رحمه الله  الذين صارت لهم المرجعية العامة السيد حسن الشيرازي.

ثم قام من بعده الشيخ محمد بن أخيه الشيخ علي كاشف الغطاء المتوفى سنة 1268هـ بأعباء الزعامة الدينية والمرجعية في التقليد, قال صاحب نقد الرجال الشيخ عبد الرحيم(1): إن الشيخ محمد من المجتهدين المعروفين والعلماء المبرزين وحوزة درسه مملوءة من الفضلاء والعلماء والطلبة. قال المرحوم صاحب العبقات: إن الشيخ محمد ألقيت إليه مقاليد الرياسة وهو يتولى مفاتيح الحرم الحيدري(2).

السيد رضا الرفيعي:

ثم أناب السيد رضا الرفيعي(3) منابه ثم جعله مكانه وهو الذي انحلت به فتنة الزقرت والشمرت وأنزلهم من رباياهم المسماة بالصناكر في النجف الأشرف وأخذ العهد من رؤسائهم على عدم العود إلى تقاتلهم وتناكرهم وأحلفهم على ذلك بالقرآن الشريف عند رأس أمير المؤمنين عليه السلام.

ثم من بعد وفاة الشيخ الأنصاري(4)  رحمه الله  سنة 1281هـ قام بأعباء الزعامة الدينية والمرجعية في التقليد الشيخ مهدي كاشف الغطاء(5) المتوفي سنة 1288هـ أخو الشيخ محمد المذكور وقد قلده حتى أهالي أذربيجان وقرباغ وطبعت رسالته العملية في تبريز بأمر السلطان مظفر الدين شاه يوم كان فيها ولياً للعهد وكان المرحوم الشيخ الأنصاري يعتمد على الشيخ مهدي وينشر ذكره ويعلن اجتهاده فاخذ يعلو ويسمو حتى أصبحت له المرجعية العامة بعد الأنصاري وقد شيد مدرسة لطلاب العلوم الدينية في النجف الأشرف كانت محبساً لملا يوسف وبنى مدرسة جده الشيخ جعفر كاشف الغطاء في النجف الأشرف المسماة بمدرسة المعتمد والتي اشتهر مؤخراً بمدرسة كاشف الغطاء أيضاً وبنى مدرسة لأهل العلم في كربلاء ثم قام من بعده أخوه الشيخ عباس وله مواقف جليلة ذكرها المؤرخون ثم قام من بعده الشيخ عباس نجل الشيخ حسن صاحب المؤلفات الكثيرة والمواقف العظيمة ثم من بعده الشيخ علي وولداه الشيخ احمد والشيخ محمد الحسين وجدنا الشيخ هادي وأبونا الشيخ محمد رضا لهم آثار قيمة وأعمال عظيمة سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور.

ومن علماء هذا الدور صاحب الجواهر المتوفى سنة 1266هـ وكان للشريعة حارساً وعلماً ومرجعاً منفرداً.

ومن علماء هذا الدور الشيخ الجليل الشيخ راضي المتوفى سنة(1) 1288هـ ابن بنت المرحوم الشيخ الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء وابن عمه. ومن تلاميذه الشيخ جعفر الواعظ المشتهر بالتستري(2) وله المقام العظيم في نفوس رجال الدين وحضر مجلس درسه العلماء المبرزون.

ومن علماء هذا الدور السيد الكوه كمري المتوفى سنة 1299هـ(1) وكان له المرجعية في النجف الأشرف بعد المرحوم الشيخ مهدي كاشف الغطاء.

ومن علماء هذا الدور السيد حسن الشيرازي المتوفى سنة 1312هـ(2) وبعد وفاة السيد حسين الكوه كمري سنة 1299هـ انفرد بالزعامة السيد حسن المذكور ولكنه انتقل من سكنى النجف إلى سكنى سامراء لسوء التفاهم الذي حصل بينه وبين أهالي النجف فانهم على ما رواه لي الثقة العالم الشيخ جعفر من آل الشيخ راضي عن العلامة السيد جعفر بحر العلوم بأن أهالي النجف طلبوا من السيد الشيرازي أن يرفع الجندية الإجبارية عنهم كما كان قد رفعها عنهم المرحوم الشيخ راضي المتقدم ذكره فقال  رحمه الله : أي أمر استفدناه من أهالي النجف حتى نرفع ذلك عنهم فأوجب ذلك أن تقع وحشة بينه وبين أهالي النجف أوجبت أن يرتحل منها ثم استقر رأيه على الانتقال لسامراء.

ومن علماء هذا الدور المحقق الشيخ كاظم الخراساني المتوفى سنة 1329هـ(3).

والسيد كاظم اليزدي المتوفى سنة 1337هـ اللذان انتقلت الزعامة الدينية والدراسة العلمية من سامراء إلى النجف الأشرف بانتقالهما ثم تفرد السيد كاظم بالمرجعية بعد وفاة الشيخ كاظم.

ثم بعد وفاة السيد كاظم رجعت المرجعية العامة لميرزا محمد تقي الشيرازي المتوفى سنة 1338هـ في كربلاء لأنه كان قد سكن فيها بعد وفاة أستاذه السيد محمد حسن الشيرازي المتقدم الذكر.

ثم انتقلت للنجف الأشرف واشترك فيها أستاذنا السيد أبو الحسن الأصفهاني(1) والميرزا حسن النائيني(2) والشيخ احمد كاشف الغطاء(3) أسأله (تعالى) أن يرحم الجميع.

ومن علماء هذا الدور الشيخ قاسم بن محمد محيي الدين(4) من الفقهاء المبرزين المتوفى سنة 1237هـ.ومن علماء هذا الدور احمد بن محمد مهدي النراقي([463]) المتوفى سنة 1245هـ أكمل علومه بالحضور عند المرحوم بحر العلوم وجدنا كاشف الغطاء في النجف ورجع لبلده كاشان وتوفي فيها ونقل جثمانه منها ودفن في النجف الأشرف جنب والده ولما جدد بناء أسس الصحن الشريف في زماننا وجدت جثتاهما على حالهما لم يطرأ عليهما تغيير كأنما دفنا في هذه الساعة، وهو صاحب المؤلفات العظيمة الجليلة كمستند الشيعة ولوالده جامع السعادات.

ومن علماء هذا الدور الشيخ محمد تقي المتوفى سنة 1248هـ شارح المعالم صهر الشيخ الكبير جعفر كاشف الغطاء.

ومن علماء هذا الدور السيد صدر الدين جد (آل الصدر)([464]) المتوفى سنة 1263هـ صهر الشيخ الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء. ومن علماء هذا الدور الشيخ أسد الله التستري([465])المتوفى سنة 1234هـ صاحب مقابس الأنوار صهر الشيخ جعفر كاشف الغطاء وله رسالة في المواسعة والمضايقة نشرت باسم الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله  على ما ببالي.

ومن علماء هذا الدور الشيخ محسن خنفر([466])المتوفى سنة 1271هـ وقد عرف بدقة النظر وعمق التفكير.

ومن علماء هذا الدور الميرزا حبيب الله الرشتي([467]) المتوفى سنة 1312هـ قبل وفاة الميرزا الشيرازي بشهرين وقد كان هو من رؤساء الحوزة العلمية في النجف يوم كان مركز الدراسة العلمية والزعامة الدينية في سامراء في عهد الشيرازي.

ومن علماء هذا الدور الشيخ جواد محي الدين المتوفى سنة 1322هـ([468]).

ومن علماء هذا الدور الشيخ محمد حسن المامقاني([469]) لمتوفى سنة 1323هـ حضر عند الشيخ راضي والشيخ حسن كاشف الغطاء والشيخ الأنصاري.

ومن محققي هذا العصر الشيخ ملا هادي الطهراني([470])المتوفى سنة 1321هـ.

ومن علماء هذا الدور الشيخ محمد طه نجف([471]) المتوفى سنة 1323هـ وكان من رؤساء الحوزة العلمية في النجف يوم كانت المركزية للدراسة في سامراء.

ومن علماء هذا الدور الميرزا حسين الخليلي([472]) في النجف المتوفى سنة 1326هـ من رؤساء الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

ومن علماء هذا الدور في النجف الفاضل الشربياني([473]) المتوفى سنة 1322هـ وكانت له المرجعية في الفتوى والتدريس.

وهناك علماء أكابر أعاظم لم يكن إهمالنا لهم إلا من جهة عدم التذكر ومن أراد الاطلاع فليراجع ما كتبه المرحوم الحجة الشيخ محمد حرز الدين(1) والمرحوم العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني(2) وغيرهما.

و الله حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

        

 

 

 

 

 

 

 

        

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين:

 

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين مصابيح الدجى وأعلام الهدى.

وبعد فيقول المفتقر إلى ربه علي نجل الشيخ محمد رضا نجل المبرور الشيخ هادي من آل كاشف الغطاء. هذا كتاب (باب مدينة الفقه) أو ما يفيد البصيرة فيه، استفرغت فيه الوُسْع والطاقة وركبت فيه الصعب والذلول وخضت فيه الغمر والضحول وانفقت فيه جهداً عظيماً هو هين عليّ إذا قست بما أربحه للقراء من الثمرات الطيبة والفوائد الجليلة لأبحث فيما ينير الطريق للتفقه في الدين شروعاً ويفيد البصيرة فيه حصولاً وتحصيلاً فيهديهم إلى مناهج هذا العلم صراطاً مستقيماً لأمور توصلهم  لأسراره بطريق مهيع ونهج لمعرفة مبادئه متّبع، وافٍ بالحاجة موصل للفائدة أنفذت فيه ما كنت أفكر به من جمع المطالب التي تنفع في شؤون هذا العلم وطرائفه والمبادئ التي تزيد بصيرة في أسسه ومصادره, استخرجتها بعد وهنٍ من مكونات كتب الماضين ومن أعماق فكري يوم كنت بين العشرين والثلاثين فجاء بحمد الله بهذه الحلة القشيبة الأول في نوعه والوحيد في بردته ونسجه ولا ينبئك مثل خبير وقد رتبته على مطالب وفصول.

 

 

 

 

المطلب الأول

في مقدمة علم الفقه

تعريفه، موضوعه، غايته

قد تعارف عند القوم قبل الدخول في كل علم ذكر أمور ثلاثة باسم المقدمة وهي تعريف العلم وموضوعه والغاية منه ليكون الطالب على زيادة من البصيرة عند الشروع فيه.

وجه إهمال بعض الفقهاء تعريف الفقه. وموضوعه. وغايته:

وقد أهمل اغلب علماء الفقه في موسوعاتهم الفقهية الكبرى التعرض لهذه الأمور الثلاثة في صدر كتبهم اعتماداً على ان الذي يرجع إليها إنما يكون من أهل الفن والفقه فإنها لم تصنع إلا للمجتهد في هذا العلم ولا ريب ان المجتهد فيه عنده منها ما يكفيه في الرجوع إلى مؤلفاتهم والشروع في دراسة الفقه في مصنفاتهم وإليك شرحها في فصول ثلاثة:

الفصل الأول تعريف علم الفقه

بحسب الاشتقاق والبحث عن صيغته:

لا بد لنا قبل الخوض في تعريفه وبيان معناه الاصطلاحي من التكلم في الفقه بحسب الاشتقاق لإيضاح معناه بحسب اللغة لظهور كلمات بعضهم بل صريحها في تطابق معناه لغة، واصطلاحاً.

وجه تعرض العلماء للمعنى اللغوي:

وعلى تقدير عدم المطابقة بينهما فيكون ذلك لبيان المناسبة بين المعنى اللغوي المنقول عنه والمعنى الاصطلاحي المنقول إليه ولهذا ترى القوم يذكرون المعنى اللغوي مع انه يجب عليهم ان يبينوا المعنى الذي اصطلحوا عليه.

وجه تقديم بيان المعنى اللغوي على الاصطلاحي:

وإنما قدمنا بيان المعنى اللغوي على الاصطلاحي لكون المعنى اللغوي سابقاً عليه سبق الأب على الابن ويلزم عند علماء الأدب مطابقة الوضع للطبع.

وجه تقديم التعريف وبيان المطالب الثلاثة ما، وهل، ولِمَ:

وإنما قدمنا تعريفه على سائر المطالب لأنه هنا بمنزلة بيان مطلب (ما) الشارحة وهو مقدّم في مقام التعليم على تمام العلوم المتعلقة ببيان أي شيء كان, كما إن بيان موضوع العلم بمنزلة بيان مطلب (هل) لأنه ببيان موضوعه يعرف وجوده ووجود العلم بوجود موضوعه.

كما إن بيان غاية العلم بمنزلة بيان مطلب (لِمَِ) لأنه شرح لعلة تدوينه ووجوده. فتعريف العلم وبيان موضوعه وغايته إنما هو بمنزلة البيان لمطالب الشيء الثلاثة.

البحث عن صيغة لفظ الفقه:

وكيف كان فنقول (الفقه) بكسر الأول وسكون الثاني مصدر وفعله الماضي (فَقِه) بفتح الأول وكسر الثاني متعد لمفعول واحد يقال فَقِه زيد الشيء، بفتح أوله وكسر ثانيه ومضارعه (يَفقَه) بفتح القاف فيكون من باب فَعِل يَفعَل مثل عَلِمَ يَعلَم وليس في لغة العرب (يفقِه) بكسر القاف في المضارع فلذا جعلنا المضارع مفتوح القاف.

مضافاً إلى ان مكسور العين في الماضي لا يجيء مضارعه مكسور العين غالباً إلا إذا كان مثالاً أي أوله حرف علة.

كما انه لا يجوز ضم عينه فلا يصح ان يقال (يَفقُه) بضم القاف لأن مكسور العين في الماضي لا يجيء مضارعه مضموم العين.

وإنما جعلناه من المتعدي لأن فَقِه يَفقَه اللازم مصدرها فَقَهاً بفتح الأول والثاني نظير فَرِح وتَعِب فان ما كان على وزن فَعِل يَفعَل من اللازم يكون مصدره الغالب مفتوح الأول والثاني إلا أن الشأن في ثبوت هذا الاستعمال لفقه بالوزن المذكور في المعنى اللازم, ومجيىء المصدر له بالوزن المذكور يظهر من صاحب المفردات([474]) والمصباح([475]).

ولا يتوهم إن (الفِقْه) يكون فعل ماضيه (فَقُه) بفتح الأول وضم الثاني فانه من باب (فَعُل) يَفعُل ومصدره (فقاهة) وليس الفقه بمصدر له لأن الغالب على هذا الوزن أن يأتي مصدره على فَعالة أو فَعُولة كفصاحة وسهولة. وحيث ان فعولة في (فقه) لم يُسمع من العرب وإنما المسموع فقاهة كان المصدر له هو فقاهة فقط.

وليعلم ان مضموم الوسط في الماضي يكون مضارعه مضموم الوسط أيضاً كماضيه لا غير ويكون لازما غير متعدٍ وخاصاً بالصفات الغريزية اللازمة ككَرُم وحَسُن.

ولذا عدَّ من الشاذ (رَحُبتك الدار) أو أن اصلها رحبت بك الدار فحذفت الباء لكثرة الاستعمال ولذا فسر اللغويون (فَقُه) بصار الفقه سجية له.

وهكذا لا يتخيل أن الفِقه فعل ماضيه (فَقَه) بفتح الأول وفتح الثاني ومضارعه (يفَقُه) مضموم الوسط من باب نَصَر ينصرُ لأن (الفِقْه) بكسر الفاء لا يصلح أن يكون له مصدراً لأن الغالب في مصدر باب نَصَر يَنصُر هو فتح الأول وسكون الثاني فيكون مصدره فَقْهاً.

وتوضيح ذلك وتنقيحه إنما جعلنا فَقَه من باب نصر مع ان فعَل قد يجيء مضارعها مفتوح الوسط أو مكسور الوسط لأن (فَقَه) بفتحتين إنما جاءت في لغة العرب في المغالبة أي غلبته في الفقه ومضارعها إنما يكون مضموم الوسط.

اسلوب التعبير عن المطالبة:

وذلك ان العرب إذا أرادوا بيان الغَلبَة في العمل اتوا بفعله على وزن مفاعلة دالاً على وقوع العمل من الطرفين ثم بعده يأتون بالفعل على وزن (فَعَل) بفتحتين يكون فاعله الغالب منهما ومفعوله المغلوب منهما فيقولون كارمته فَكَرمَته أو يقال كارمني فكرمته من دون فرق في وزن مفاعلة بين جعل الغالب فاعلاً أو مفعولاً.

نعم لو كان الغير هو الغالب تقول (كارمته أو كارمني فكَرَمني) لما عرفت من أن المغلوب يكون مفعولاً في هذا الوزن الذي يجيء بعد المفاعلة, اعني وزن (فَعَل) بفتحتين هذا إذا أرادوا بيان الغلبة في الماضي.

صيغة الغلبة في المستقبل:

وإذا أرادوا بيان الغلبة في المستقبل أتوا بمضارع الفعل الدال على المشاركة اعني, مضارع فاعل الذي مصدره المفاعلة. وبعده بالفعل المضارع من (فَعَل) على وزن (يَفعُل) بفتح أوله وبضم ثانيه فيقولون اكارمه فأكرُمُه أو يكارم زيدُ عمراً فيكَرمُ زيدُ عمراً ويجوز أن يقال ذلك فيما لو اشتركا في المغالبة في الفعل بالغير لا بينهما وغلب أحدهما الآخر ففي المثال المذكور يجوز أن يقال ذلك فيما لو اشتركا في المغالبة في اكرام شخص آخر فيقال كارمته في زيد فكَرمُته فيه, أي اشتركت معه في المغالبة في اكرام زيد فغلبته في اكرامه.

والحاصل انه في هذا الباب, اعني باب المغالبة يجعلون الفعل بعد اشتقاق المفاعلة منه على وزن (فَعَل يَفعُل), (نَصَر يَنصُر) وان لم يكن هو على هذا الوزن ويجعلونه متعدياً وان كان لازما كما في المثال المتقدم فان كرم مضموم العين ولازم.

وهذه قاعدة مطردة في كل باب يؤتى فيه بعد المفاعلة التي وقعت فيها المغالبة بالفعل المجرد الذي هو اصلها إلا إذا كان الفعل من المثال بأن كان أوله واواً كوعد أو ياءاً كيسر أو من الأجوف بأن كان معتل الوسط كباع أو من الناقص اليائي, اعني الذي آخره الياء كرمي فانه لا ينقل إلى وزن (فَعَل يَفعُل) وإنما يكون عند بيان الغلبة على وزن (فَعَل يَفعِل) بكسر العين في المضارع دون ضمها فيقال عند بيان المغالبة في الأمثلة المذكورة واعدته فَوعَدِته في الماضي أو أواعده فأعِده في المضارع وياسرته فَيسَرته في الماضي أو أياسره فأيسِره في المضارع وبايعته فبعته في الماضي أو ابايعه فأبيعه في المضارع وراميته فرميته في الماضي أو أراميه فأرميه في المضارع.

هذا وقد يقتصر على الفعل المجرد بالوزن المذكور عند بيان المغالبة من دون سبق المفاعلة عليه لفظاً إلا انها تكون مقدّرة في المعنى كما يقال لأحد المتخاصمين (خَصَمك فلان) أي غلبك في الخصومة كأنه قيل خاصمك فخصمك.

اعراب قول جرير:

وقد جعل منه في الصحاح([476]) في مادة بكى قول جرير في مرثيته لعمر بن عبد العزيز:

الشمس طالعة ليست بكاسفة

 

 

تبكي عليك نجوم الليل والقمرا([477])

 

 

 كأنه قال تباكي الشمس النجوم والقمر عليك فتبكي الشمس النجوم والقمر عليك أي فتغلبها بالبكاء لما فيها من الكدر لا للكسوف فتكون نجوم الليل والقمر منصوبين بتبكي والفاعل هو الشمس.

ويجوز نصبه بكاسفةٍ أي إن الشمس ليست بكاسفة للنجوم والقمر لأن بكاءها قد أوجب كدرها وعدم ضيائها فتظهر النجوم ويظهر القمر. وعليه فيكون تبكي منصوب المحل على الحال وليس من باب المغالبة والمعنى ان الشمس طالعة وليس بكاسفة للنجوم والقمر حال كونها باكية عليك, وقيل إن (نجوم) منصوب بواو المعية المقدرة وان المعنى: تبكي عليك مع النجوم. وهو فاسد لعدم صحة حذف واو المعية.

صاحب القاموس:               

وقد وَهّم صاحب الصحاح([478]) في مادة كسف فقال إن البيت:

(فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا)، أي كاسفة لموتك تبكي ابداً.

أقول: ان الرواية للبيت المعروفة هو ما ذكره صاحب الصحاح على ان صاحب القاموس يرد عليه الإشكال في نصب النجوم والقمر إلا أن يلتزم بالمغالبة في يبكي وهو خلاف ظاهر كلامه أو يلتزم بنَصبها على الظرفية, أي ما دامت النجوم والقمر وهو توجيه لا يقبله الذوق العربي.

فتلخص ان إتيان الفعل على وزن (فَعَل يَفعُل) بعد إتيانه على وزن المفاعلة عند المغالبة قياس مطرد في كل فعل ثلاثي متصرف غير جامد كنعم وبئس تام غير ناقص ككان واخواتها خال من ملزم الكسر كالمثال الواوي واليائي والأجوف والناقص اليائي.

 

قول سيبويه والمناقشة فيه:

إلا أن المحكي عن سيبويه([479]) انه سماعي يكثر في لغة العرب وليس بقياسي فلا يجوز نقل كل فعل أردت المغالبة إلى ذلك وقد تبعه على ذلك الشيخ الرضي([480]) ولكن في التسهيل انه قياس مطرد([481]) وليس لسيبويه دليل على ما ذهب إليه إلا انه لا يقال: نازعني فنزعتَه وإنما يقال: غلبته في النزاع وقد ردّ عليه في شرح المفصل([482]) بأن ما ذكره سيبويه لا يخرج باب المغالبة عن كونه قياسياً كما انه لم يخرج باب التعجب عن القياس عدم قولهم: ما أقيله, غاية الأمر إنما يقتضي قيام دليل خاص على عدم مجيء هذا الوزن في هذا المورد الخاص وهو كثرة استعمالهم هذا المعنى في فعل (نازع) بلفظ غلبته فانه يدل على ان وزن باب المغالبة لا يستعمل في خصوص هذا المورد.

إذا عرفت هذا ظهر لك ان لفظ (الفِقِهْ) مصدر لفَقِه يفقَه وليس بمصدر لفَقُه يَفقُه فان مصدرها الفقاهة ولا بمصدر لفقَه يفقُه فانه من باب المغالبة وليس له مصدر نظير المبني للمفعول وبهذا يظهر لك فساد ما في دائرة المعارف للبستاني([483]) والمنجد([484]) من جعل مصدره فقهاً.

الفقيه بحسب الاشتقاق:

ثم لا يخفى ان لفظ (الفقيه) صفة مشبهة أو من امثلة المبالغة أو اسم فاعل بمعنى فاعل كجليس ولذا كان لا يستوي فيه المذكر والمؤنث.

والفَقِه (بفتح أوله وكسر ثانيه) والفَقُه (بفتح أوله وضم ثانيه) أيضاً من أمثلة المبالغة ولذا فسَّر القوم هذه الألفاظ الثلاثة بمن كان شديد الفهم وقد تستعمل بمعنى اسم الفاعل مجردة عن المبالغة.

الفقه بحسب اللغة:

الفِقه في اللغة الفهم كما في الصحاح([485]) والمغرب([486]) والنهاية([487]) حيث قال فيها (الفقه في الأصل الفهم).

وفي حديث سلمان الفارسي([488]) أنه نزل على نبطية في العراق فقال: هل هنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت: طهّر قلبك وصلِّ حيث شئت, فقال سلمان: (فقهتُ)([489]) أي فهمت.

وروي (لعن الله النائحة والمستفقهة)([490]), وهي صاحبة النائحة في نوحها. وأطلق عليها ذلك لأنها تتلقف نوح النائحة وتفهمه فتجيبها عنه.

ولعل اللغويين متفقون على معناه ذلك.

وإنما ذكر بعضهم له معانٍ أخرى مع الفهم كالعلم والفطنة كما في القاموس([491]) أو فهم غرض المتكلم من كلامه كما عن الرازي([492]) أو التوصل إلى علم الغائب بعلم الشاهد كما في مفردات الراغب([493]).

التحقيق في معنى الفقه:

والتحقيق ان الجميع يرجع إلى الفهم فانه هو المتبادر منه عند اطلاقه في كلام العرب, والمعاني المذكورة ترجع إليه والأصل عدم الاشتراك, والخصوصيات التي تفهم من إطلاق الفقه في بعض الموارد كسرعة الانتقال في الفهم المعبر عنه بالفطنة أو فهم غرض المتكلم من كلامه أو جودة الفهم أو فهم الأشياء الدقيقة لا تقتضي أن يكون معناه أخص من الفهم لتبادر نفس الفهم من اطلاقه, والخصوصيات إنما فهمت من القرائن المكتنفة بالمقام, ألا ترى انه إذا أشار شخص إلى رجل وقال (انه رجل) فانه من قرينة المقام وصوناً للكلام عن اللغو يحمل على الرجل الكامل في رجولته وليس ذلك يقتضي دخول الكمال في مفهومه ومعناه, ويرشدك إلى ذلك انه فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة ليس فيه تفسير الفقه بجودة الفهم كما فسره بذلك شارح الوافية([494]).

نعم يمكن استفادته بتكلف من عبارة القاموسي مع ضمها لغيرها ولعله يستفاد من تفسير صاحب الذكرى([495]) وشارح الزبدة([496]) (الفهم) بجودة الذهن مع ضمه لتفسيرهم (الفقه) بالفهم أو من تفسير بعض علماء اللغة بل أكثرهم (الذهن) بالذكاء والذكاء بالفطنة والفطنة بالحذق والحذق بمعرفة الغوامض.

الخلاف في معنى الفهم:

هذا وقد وقع الخلاف فيما بينهم في معنى

 الفهم الذي فسروا الفقه لاتكون عنوانا به وما أورد عليه:

(الفهم الذي فُسر به الفقه) فبعضهم فسره بالادراك وأرجع إليه تفسير الجوهري([497]) (الفهم) بالعلم وزعم انه مراد من فسره بأنه هيّأة للنفس بها يتحقق معانٍ ما تحس.

وفسره بعضهم كصاحب الذكرى([498]) وشرح الزبدة([499]) بجودة الذهن والاستعداد لاكتساب المطالب والآراء وان كان المتصف به جاهلاً كالعامي الفطن, قيل وكأنه مراد من فسره بسرعة الانتقال من المبادئ إلى المقاصد وعلى هذا فمعناه يرجع إلى الذكاء والفطنة.

وقد أورد على التفسير الأول بايرادين أحدهما:

انه يصدق (المدرِك) على البليد دون ان يصدق عليه الفهيم أو الفاهم. وأجيب عنه بأن الفهيم امثلة مبالغة كعليم. والفاهم قد نقل معناه إلى من هو شديد الفهم.

وثانيهما: بأن المتبادر من الفهم في موارد اطلاقه هو الإدراك الخاص, اعني ادراك دقائق الأشياء لا مطلق الإدراك.وان الفقه أيضاً معناه هو ذلك لا مطلق الإدراك ولعله إليه يرجع من فسره بفهم الأشياء الدقيقة.

ولا يخفى ما فيه, فان ذلك إنما يتبادر منه بقرائن الأحوال فان استعمال الفهم في مطلق الإدراك ليس فيه أدنى تكلف ولذا المفسر المذكور قيد الفهم بالأشياء الدقيقة فان ذلك يشعر بعموم معنى الفهم للأشياء الدقيقة وغيرها.

هذا والمحكي عن شريف العلماء(1) ان جمعاً من العلماء ذهبوا إلى ان الفهم مرادف للعلم, ورد عليهم بأن بينهما عموماً من وجه لصدق العلم بدون الفهم في البليد إذا علم شيئاً وصدق الفهم بدون العلم من العامي الفطن ويجتمعان في العالم الفطن.

وفيه:

ان البليد إذا عرف المسألة يقال له انه فهمها اطلاقاً لا تكلف فيه, وهكذا في العامي الفطن إذا عرف المسألة ولعل الذي أوقع القوم في تخيل الاختلاف هو اشتباههم في معانيها بواسطة ملازمة بعض القرائن لها أو كثرة استعماله في بعض أفرادها وإلا لو جردت من القرائن لما كان المتبادر منها, أي من (الفهم والإدراك والعلم) إلا معنى واحداً وهو التصور كما انه من المحتمل ان منشأ ما ذهب إليه شريف العلماء هو ملاحظته للمشتق منهما وهو فهيم وعليم.

الفقه بحسب عرف الشارع ونقل بعض الآيات والأحاديث:       

الظاهر ان الفقه لم ينقله الشارع الأقدس من معناه اللغوي إلى معنى آخر حتى يكون له حقيقة شرعية وليس له معنى اصطلاحي جديد عنده فهو بحسب عرف الشارع مستعمل في معناه اللغوي فهذا القرآن الكريم قد استعمل الفقه في معناه اللغوي كقوله تعالى في سورة الإسراء [وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم](2).

وكقوله تعالى في سورة النساء [لا يكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا]([500]).

وكقوله تعالى في سورة هود [مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ]([501]).

وكقوله تعالى في الاعراف [لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا]([502]).

وكقوله تعالى في الأنفال والتوبة والحشر [بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ]([503]).

وكقوله تعالى في سورة المنافقين [وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ]([504]).

وكقوله تعالى في سورة الأنعام والإسراء [وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ]([505]) بل حتى قوله تعالى في سورة التوبة [فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ]([506]) بل وحتى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما عبد الله بشيء افضل من فقه في دين)([507]).

فان تقييد التفقه والفقه بالدين يدل على أن المتبادر هو معناه اللغوي لا معرفة الأحكام الشرعية وإلا لما قيده بالدين ولكنه قد شاع استعمال لفظ الفقه في خصوص معرفة الأحكام الشرعية والبصيرة في الدين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة القرائن اللفظية والحالية من باب إطلاق الكلي وإرادة الفرد منه ولو باعتبار تعدد الدال والمدلول كقوله صلى الله عليه وآله وسلم صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: الامراء والفقهاء([508]).

وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم (الفقه ثم المتجر)([509]) فان المراد به معرفة الأحكام الشرعية للتجارة ثم التجارة.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم افضل العبادة التفقه([510]) وقد روي عن طريق الفريقين إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد فإذا هو بمجلسين أحدهما يذكرون الله تعالى والآخر يتفقهون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلا المجلسين على خير وأحدهما احبُّ إليَّ من صاحبه أما هؤلاء فيسألون الله تعالى ويذكرونه فان شاء أعطاهم وان شاء منعهم وأما المجلس الآخر فيتعلمون الفقه ويعلمون الجاهل وإنما بعثت معلما وجلس صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل الفقه([511]).

وروي عنه انه قال خيار أمتي علماؤها وخيار علمائها الفقهاء([512]).

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ما عُبدَ الله بشيء افضل من الفقه في الدين, ولفقيه واحد اشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شيء عماد وعماد الدين الفقه([513]).

وما رواه في الكافي بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام ([514])، والصدوق بإسناده إلى الكاظم عليه السلام ([515])، انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حفظ على أمتي اربعين حديثاً بعثه الله تعالى يوم القيامة عالما فقيهاً.

وهذا الحديث مشهور ومستفيض بين الخاصة والعامة بل حكى في الوافي([516]) والبحار([517]) عن بعضهم انه متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

تفسير حديث من حفظ على أمتي اربعيـن حديثاً:

والظاهر ان المراد من الحفظ هو حفظها بنحو الاستفادة منها واستنباط المعارف والأحكام الشرعية منها بقرينة جعله عالماً فقيها ويؤدي ذلك لفظ (على) فإنها ظاهرة في اللام أي حفظ لأجل أمتي كما في قوله تعالى: [وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ]([518]) أي لأجل هدايتكم, وان احتمل بعضهم أن (على) بمعنى (من) وفي عوالي اللئالي روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (رحم الله إمرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه)([519]) وفي رواية أخرى (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)([520]).

والحاصل انه لم يعلم نقل لفظ الفقه إلى معرفة الأحكام الشرعية بالخصوص في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، وان حصل الشياع في استعماله في معرفة الأحكام الشرعية حيث لم نعلم ان هذا الشياع بلغ حداً يوجب النقل لاحتمال أن استعماله صلى الله عليه وآله وسلم فيه كان من باب إطلاق الكلي على الفرد نظير استعمال (العلم) في ذلك نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم (طلب العلم فريضة)([521]) فانه يراد به معرفة الأحكام الشرعية من باب إطلاق الكلي وإرادة الفرد.

 والأصل عدم النقل, ولو سلمنا ان الشياع قد أوجب النقل لكن لا نسلم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نقله إلى ذلك.

والحاصل انا لو سلمنا حصول النقل بالشياع فيكون منقولاً عرفياً عند أهل الشرع وليس بمنقول عند الشارع وهو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

وعليه فلا يحمل لفظ الفقه في لسان الشارع والكتاب المجيد على غير المعنى اللغوي ولا وجه لما ينقل عن بعض المحدثين من انه عند الشارع موضوع لمعنى غير المعنى اللغوي وهو معرفة الأحكام الشرعية.

الفقه بحسب عرف المتشرعة:

والمراد بالمتشرعة العارفون بالأحكام الشرعية والمطلعون عليها من المسلمين.

ولا ريب أنهم قد نقلوا لفظ الفقه من معناه اللغوي إلى معرفة الأحكام الشرعية أصولية أو فرعية عن بصيرة في الدين بواسطة كثرة الاستعمال حتى صار عندهم حقيقة في ذلك وهو المراد لمن قال([522]) ان الفقه في العرف العام موضوع لمعرفة أمور الدين وما جاءت به شريعة سيد المرسلين سواء كانت المعرفة عن اجتهاد أو تقليد بواسطة شيوع استعماله في هذا المعنى في لسانهم وكثرته فيما بينهم كثرة أوجبت انصرافه عند إطلاقه عن معناه اللغوي إلى هذا المعنى المتقدم حتى صار هو المتبادر منه عندهم.

نقل بعض الروايات المشتملة على لفظ الفقه:           

ولا بأس بنقل بعض الروايات عنهم   عليه السلام التي استعمل فيها لفظ الفقه بمعنى المنقول إليه المذكور مثل ما روي عن الصادق عليه السلام في كتاب معاني الأخبار (أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا)([523]) وما روي عنه عليه السلام أيضاً: وددت أن أضرب رؤوس أصحابي بالسياط حتى يتفقهوا([524]), وما روي عنه عليه السلام، أيضاً (تفقهوا في الدين فانه من لم يتفقه في الدين فهو اعرابي ان الله تعالى يقول في كتابه (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ([525]))([526])، وعن الشيخ في باب الزيارات من الصلاة في الصحيح عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله قال (ما أعاد الصلاة فقيه قط يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها)([527]) وفي الصحيح أيضاً عن عبيد قال (سألته عن رجل لم يدرِ ركعتين صلى أم ثلاثا, قال: يعيد, قلت: أليس يقال لا يعيد الصلاة فقيه, فقال: إنما ذلك في الثلاث والأربع)([528]).

واطلاق الفقيه على الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام معروف في كلام الرواة, إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي استعمل فيها لفظ (الفقه) في معرفة الأحكام الشرعية مطلقاً.

والحاصل ان المتتبع للأخبار والروايات ولكلمات المسلمين وأهل السيرة والمؤرخين والمتكلمين والمحدثين منهم يجد لفظ الفقه قد كثر استعماله في المعنى المذكور حتى بلغ ذلك إلى حد النقل من معناه اللغوي إلى هذا المعنى المتقدم ويمكن للمتتبع أن يحدد مبدأ عصر تحقق النقل من زمن وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

الفقه بحسب العرف الخاص أي بحسب عرف الفقهاء والأصوليين:

ذهب شارح المقاصد وتبعه جملة من الفطاحل إلى ان (الأحكام المنسوبة إلى الشرع, منها ما تتعلق بالعمل وتسمى فرعية وعملية, ومنها ماْ تتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية وكانت الأوائل من العلماء ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقرب العهد بزمانه وسماع الأخبار ومشاهدة الآثار مع قلة الوقايع والاختلافات وسهولة المراجعة إلى الثقات مستغنين عن تدوين الأحكام وترتيبها أبواباً وفصولاً وتكثير المسائل فروعاً وأصولا إلى أن ظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثرت الفتاوى والوقائع ومست الحاجة فيها إلى زيادة نظر والتفات فاخذ أرباب النظر والاستدلال في استنباط الأحكام وبذلوا جهدهم في تحقيق عقايد الإسلام وأقبلوا على تمهيد أصولها وقوانينها وتلخيص حججها وبراهينها وتدوين المسائل بأدلتها و]إيراد[ الشبه بأجوبتها وسموا العلم بها فقها.

وخصوا الاعتقاديات بأسم الفقه الأكبر والأكثرون خصوا العمليات باْسم الفقه, وسموا الاعتقاديات بعلم التوحيد والصفات تسمية بأشهر أجزائه وأشرفها, و]سموها أيضاً[ بعلم الكلام لأن مباحثه كانت مصدّرة بقولهم الكلام في كذا وكذا, ولأن أشهر الاختلافات فيه كانت في مسألة كلام الله تعالى انه قديم أو حادث, ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات, ولأنه كثر فيه الكلام مع المخالفين والرد عليهم ما لم يكثر في غيره, ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام, واعتبروا في أدلتها اليقين لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقاديات بل في العمليات (أي ان الظن يعتبر في العمليات).

تعريف علم الكلام:        

فظهر انه (علم الكلام) هو العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية.

وهذا معنى العقايد الدينية أي المنسوبة إلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء توقفت معرفتها على الشرع أم لا, وسواء كان من الدين في الواقع, ككلام أهل الحق أم لا, ككلام المخالف وصار قولنا: الكلام هو العلم بالعقايد الدينية عن أدلتها اليقينية مناسباً لقولهم في الفقه أنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية وموافقا لما نقل عن بعض عظماء الملة ان الفقه معرفة النفس مالها وما عليها, وان ما يتعلق منها بالاعتقاديات هو الفقه الأكبر وخرج العلم بغير الشرعيات وبالشرعيات الفرعية وعلم الله تعالى وعلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالاعتقاديات, وكذا اعتقاد المقلد عند من يسميه علما ودخل, علم علماء الصحابة بذلك فانه كلام وان لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الاسم كما أن علمهم بالفرعيات(1) فقه وإن لم يكن ثمة هذا التدوين والترتيب وذلك إذا كان متعلقا بجميع العقايد بقدر الطاقة البشرية مكتسبا من النظر في الأدلة اليقينية)(2).

وحكي عن الغزالي(3) انه قال: ان الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى والوقوف على دقائقها وعللها, واسم الفقه في العصر الأول كان يطلق على علم الآخرة ومعرفة دقائق النفوس والاطلاع على عظم الآخرة وحقارة الدنيا(4). انتهى ما أردنا نقله.

وكيف كان فلا ريب ان الفقهاء وتبعهم الأصوليون قد نقلوا لفظ الفقه من معناه اللغوي الذي هو مطلق الفهم أو من معناه العرفي الذي هو العلم بمطلق الأحكام الشرعية إلى فهم خاص وفرد مخصوص من أفراده.

تعريف علم الفقه:

عرّف الفقهاء علم الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية، وهذا التعريف للفقه قد ذكره اغلب علماء الأصول وتسالموا عليه وان زاد بعضهم بعض القيود فيه. ففي مختصر ابن الحاجب([529]) المتوفى سنة 646هـ, زاد عليه بعد ذكر (التفصيلية) قوله (بالاستدلال) محترزاً بذلك عن علم الملائكة ونحوهم, وفي المنهاج للبيضاوي([530]) المتوفى سنة 685هـ أبدل (الفرعية) بالعملية وأتى بلفظ (المكتسب) بعدها وصفاً للعلم, وابن السبكي([531]) المتوفى سنة 771هـ تبع البيضاوي في التعريف المذكور, وعن الآمدي([532]) المتوفى سنة 631هـ انه العلم بجملة غالبة من الأحكام وفي تهذيب العلامة الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي ابو منصور العلامة الحلي رحمه الله ([533]), ت 726هـ عالم اصولي فقيه, كثير التصنيف فاق اهل زمانه, ودفن الى جوار امير المؤمنين عليه السلام.

(العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة) وعن المعارج (هو جملة من العلم بأحكام شرعية عملية مستدل على أعيانها)([534]) وعن الذكرى هو العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية فتحصل السعادة الاخروية([535]), وعن التحفة هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية بالنظر إلى اماراتها...

اشهر التعاريف لعلم الفقه:

إلا ان اشهر هذه التعاريف ولعل المتأخرين متفقون عليه هو التعريف الأول, وحيث ان المعرَف تتوقف معرفته على معرفة أجزاء التعريف كان علينا التعرض لبيانها فنقول:

(العلم): له معانٍ سبعة:

(أحدها): ما هو موضوع له لغةً وعرفاً وهو المعرفة والاطلاع على وجه الجزم الثابت المطابق للواقع ويكون متعلقه هو القضايا, وهذا المعنى هو مصطلح أرباب الحكمة, وبالقيد الأول خرج الظن لأنه معرفة ولكن ليست على سبيل الجزم لأنه يحتمل معه وقوع الطرف الآخر, وبقيد (الثابت) خرج التقليد لأنه وان حصل به الجزم إلا انه ليس بثابت لزواله بتشكيك المشكك أو بتبديل المقلد, وبقيد (المطابق للواقع) خرج الجهل المركب لأنه وان كان جزما إلا انه لم يطابق الواقع.

والحاصل إن العلم الذي هو المصدر يكون حقيقة في المعنى المصدري الحدثي وهو المعرفة والاطلاع وليس بحقيقة في حاصل المصدر وهو الحصول أو الصورة الحاصلة في الذهن الذي يكون به اسم مصدر لاتفاق علماء العربية على ان المصادر حقيقة في المعاني المصدرية.

(ثانيها): نفس مسائل العلوم المعبر عنها بالقضايا أو بالمحمولات أو بالنسب التامة المبينة في العلوم كقولهم: فلان يعلم النحو والمنطق, وكقولهم: علم النحو وعلم المنطق.

والظاهر أن إرادة هذا المعنى منه على سبيل التجوز من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول كالخلق على المخلوق وليس بحقيقة لغوية أو عرفية عامة ولا خاصة لصحة السلب وعدم التبادر وأصالة عدم الاشتراك وعدم النقل.

(ثالثها): مطلق الإدراك الأعم من التصور والتصديق وهو مصطلح أهل المنطق وليس بحقيقة لغوية ولا عرفية عامة وإنما هو حقيقة عند أهل المنطق وجعل منه قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها)([536]).

(ورابعها): الملكة التي يقتدر بها على معرفة المسائل وهي الهيئة الراسخة في الذهن الحاصلة من ممارسة المسائل وتكرر الادراكات لها كقولهم: فلان نحوي وصرفي, ويحكى عن صاحب الفصول رحمه الله ([537]) إن هذا المعنى هو مصطلح لأرباب العلوم حتى صار حقيقة عندهم بالغلبة أو بالنقل, ولكن ظاهر الأكثر انه من المجاز المشهور المتداول الذي لا يضر استعماله في الحدود, وأصالة عدم النقل تقتضي انه مجاز في هذا المعنى.

(خامسها): التهيؤ والاستعداد لمعرفة المسائل وظاهر المحكي عن التلويح([538]) وجلال الدين شارح جمع الجوامع ان هذا المعنى عبارة عن المعنى الرابع فراراً عما يرد عليه من أن التهيؤ البعيد حاصل لغير الفقيه, والقريب غير مضبوط إذ لا يعرف أي مقدار من الاستعداد يقال له التهيؤ القريب.

(سادسها): مطلق التصديق الشامل للجزم والظن والجهل المركب والتقليد قال المرحوم الشيخ حسن([539]) عمنا الأعلى في شرح مقدمة كشف الغطاء انه بهذا المعنى من المجاز المشهور, وينبغي حمل العلم في هذا المقام عليه لظهوره فيه لفهم كثير من الأعلام له.

(سابعها): مطلق الجزم الشامل للجهل المركب والتقليد الموجب للجزم.

هذا وقد ذكر صاحب الفصول([540]) للعلم معنى آخر وهو التصور فقط وهو لا وجه له لعدم ذكر أحد له, ذلك والأصل عدمه.

إذا عرفت ذلك ظهر لك ان الأصح هو حملُه في تعريف الفقه على المعنى الأول لأنه المعنى اللغوي العرفي واستعماله في غيره لا يصح في التعريف لأنه مجاز وان سلمنا انه مشهور لكن لا يقدم على الحقيقة فلا يصح الاعتماد عليه في التعاريف, ولأن إرادة الثاني لا تناسب التعدية بالباء إلا على ضرب من التجوز ولأن الرابع لا يناسب التعدية (بعن) إلا على ضرب من التكلف الذي هو خلاف الظاهر الذي لا يصح ارتكابه في التعاريف.

إن قلت: ان حمله على المعنى الأول ينافي مذهب المخطئة.

قلنا: لا ينافيه فان المراد به اليقين بالحكم الظاهري أو بوجوب العمل أو بمدلول الدليل كما سيجيء إن شاء الله.

معنى الباء الداخلة على الأحكام:

وأما (الباء) الداخلة على الأحكام فهي داخلة على المفعول به للعلم لأن العلم مصدر لعلم المتعدي ولكن مصدر المتعدي يكون لازما إذا دخلت عليه (أل) فيعدّى إلى مفعوله بحرف الجر فتكون الباء هنا للالصاق.

معاني الحكم السبعة وما هو المأخوذ منها في تعريف الفقه:

وأما الأحكام فهو جمع حكم والحكم له معانٍ سبعة:

(أحدها) الإلزام كإلزام الآمر والناهي والزام الحاكم المتخاصمين لقطع الخصومة ومنه يسمى الحاكم حاكماً والقضاء حكماً.

(ثانيها) التصديق والإذعان بالنسبة الذي طالما المنطقيون يستعملونه في هذا المعنى, ومن الغريب جعل هذا المعنى عين المعنى الأول كما هو الظاهر من كلام صاحب بدائع الأفكار([541]).

(ثالثها) النسبة التامة الخبرية وقد تقيد بالجزئية بدل الخبرية ولعله من تحريف الناسخ أو في قبال الكلية التي هي ليست فقهاً كما في المعالم حيث فيها (ومسائله يعني (الفقه) هي المطالب الجزئية...الخ)([542]).

وإلى هذا المعنى يرجع تفسير الحكم بإسناد أمر إلى آخر أو سلبه عنه الذي هو عبارة عن ايقاعه عليه أو انتزاعه عنه.

لأن النسبة التامة إن أريد بها مجرد النسبة المرددة بين الايجاب والسلب والموجودة بينهما فعدم صدق الحكم عليها واضح.

وان أريد بها النسبة الثبوتية والسلبية فهي عبارة عن ايقاع المحمول على الموضوع أو سلبه عنه فترجع إليه, ولو سلم الاختلاف فهو باللحاظ والاعتبار, وإليه يرجع تفسير الحكم بالمسائل لأن المسائل لا يطلق عليها الحكم إلا باعتبار ما اشتملت عليه من النسب التامة الخبرية وإلا فمجموعها ليست بحكم.

وعلى هذا المعنى يحمل الخبر المعروف وهو قوله عليه السلام خمسة أشياء يجب الأخذ فيها بظاهر الحكم([543]) الحديث.

(رابعها) النسبة التامة التي هي مداليل الكلام أعم من الخبرية والانشائية ليشمل مثل (اقم الصلاة)([544]) وهذا هو المعنى العرفي العام اللغوي له, ولعله تلك المعاني ترجع إليه وهي مصاديقه.

(خامسها) خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين, وهو اصطلاح الأصوليين في الحكم حيث فسروا الحكم بذلك كما عن الغزالي([545]) المتوفى سنة 505هـ وان زاد بعضهم بعض القيود كما في تهذيب العلامة  رحمه الله  حيث زاد قيد (بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع)([546]) بعد لفظ (المكلفين) وحكي ذلك عن ابن الحاجب([547]) وصاحب المناهج([548]) والمنتخب، وعن الآمدي ان الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به([549]).

وكيف كان فكلمتهم من قديم الزمان متفقة على ان الحكم عندهم هو خطاب الشارع فلا وجه لما ذكره صاحب القوامع([550]) من عدم ثبوت اصطلاحهم على ذلك.

(سادسها) خصوص الأحكام التكليفية الخمسة, الإباحة والاستحباب والكراهة والوجوب والحرمة كما هو الشائع المتعارف في عرف المتشرعة.

(سابعها) مداليل الخطابات الشرعية بنحو الاقتضاء أو التخيير أو الوضع, اعني الأعم من الأحكام التكليفية الخمسة والأحكام الوضعية الشرعية كما هو الشائع في عرف الفقهاء وصرح به غير واحد منهم, والظاهر ان المراد في التعريف هو المعنى الرابع لأن ألفاظ التعريف كما قررناه يجب ان تستعمل في اظهر معانيها عند العرف العام واللغة ليتضح المعرَّف عند السامع.

إن قلت: قد ذكر غير واحد بأنه يجب حمل الكلام على عرف أهله فينبغي ان تفسر الأحكام بالمعنى السابع ولأن العلم بالأحكام التكليفية الوضعية علم بعوارض أفعال المكلفين الشرعية وحقيقة كل علم هو العلم بعوارض موضوعه.

قلنا: هذا فيما لو تقدم منهم بيان الاصطلاح فانه بعد ذلك يحمل اللفظ في كلامهم عليه لأنه يكون بمنزلة البيان لما يراد من اللفظ في الكلام أما إذا لم يتقدم ذلك منهم فلا يصح استعمال اللفظ عند ايضاح الحقيقة في المعنى المصطلح فيه لعدم اتضاح الحقيقة به وهو خلاف المطلوب مضافا إلى لزوم زيادة قيد الشرعية والفرعية.

(ودعوى) انه لو أريد المعنى الرابع للحكم لزم خروج معرفة الموضوعات المخترعة للشارع كالصلاة والصوم مع إن معرفتها وظيفة الفقيه (فاسدة) لأنه إن أريد من معرفتها تصورها فهي من المبادئ التصورية لأن تصور الموضوعات كما قررناه في محله من المبادئ التصورية للعلم وهي غير خارجة عن العلم وان أريد من معرفتها التصديق بصحة حدودها وتعاريفها وبيان أجزائها وشرائطها فالتصديق بذلك داخل في التصديق بالأحكام الوضعية الشرعية (ودعوى).

ان متعلق العلم الحاصل من الأدلة هو النسبة دون طرفيها من الموضوعات المحمولات والأحكام عبارة عن نفس المحمولات فالأولى حمل الأحكام على المعنى الثالث أو الرابع (فاسدة) فان الأحكام عند الفقهاء ليس نفس الوجوب المجرد بل هو الوجوب المنسوب لفعل المكلف المخصوص ولا شك ان الذي يفهم من الأدلة هو الحكم المنسوب لفعل خاص من أفعال المكلفين فان (أقم الصلاة)([551]) يفهم منه الوجوب المنسوب لفعل الصلاة وهو نفس الحكم عند الفقهاء (ودعوى).

إن هذا التعريف ذكره الأصوليون فينبغي حمله على مصطلحهم وهو المعنى الخامس للحكم. (فاسدة) فان كل فن وعلم إذا ذكر تعريفه أهل فن آخر يذكرونه بالنحو الذي ذكره أربابه فالأصوليون لا يريدون من هذا التعريف إلا ما أراده أهل الفقه. هذا مضافا إلى ان حمل (الحكم) على المعنى الأول فاسد لأنه يخرج عن الفقه العلم بالأحكام غير الإلزامية.

وهكذا حمله على المعنى الثاني كما هو المحكي عن المحقق الشريف وسلطان العلماء([552]) أيضاً فاسد لأن التصديق هو الإذعان ولازمه ان يكون لفظ (العلم) في التعريف مستدرك, إذ لا معنى لقولنا (العلم بالتصديقات).

إن قلت: نحمل (العلم) على الملكة ونجعل عن أدلتها متعلقة بالأحكام ونجعل الباء في الأحكام للسببية ونجعل الأحكام بمعنى تصديقات الفقيه لا الشارع لأن الشارع تصديقاته ليست عن الأدلة التفصيلية (قلنا) قد عرفت وجوب حمل العلم على معناه اللغوي وظهور الباء في الإلصاق والتعدية وظهور (عن) في إنها متعلقة بالعلم.

(إن قلت): نحمل (العلم) على ملكة التصديق والأحكام على تصديقات الشارع و(عن) نعلقها بالملكة. (قلنا):

أيضاً قد عرفت لزوم حمل العلم على معناه اللغوي, والتصديقات لا بد أن يراد بها على هذا اسم مفعول, اعني المصدَقات من الشارع وهو أيضاً خلاف الظاهر. وهكذا حمله على المعنى الثالث كما هو المحكي عن المحقق القمي([553]) والشيرواني([554]) والشيخ البهائي رحمه الله ([555]) وجملة من المتأخرين فاسد للزوم خروج العلم بالنسب الإنشائية كـ(أقم الصلاة)([556]) والتجأ بعضهم فراراً عن الإشكال فقال بأن النسب الإنشائية تستتبع نسباً خبرية لا محالة فان طلب الشارع للفعل يوجب اتصافه بالمطلوبية فيندرج العلم بالنسب الإنشائية تحت التعريف بالاعتبار الثاني.

ويمكن ان يقال عليه ان مثل احباط العمل وتجسمه نسب تامة خبرية وهي شرعية تؤخذ من الشارع وفرعية لأنها متعلقة بالعمل بلا واسطة فيلزم شمول التعريف لها بخلاف ما إذا فسرنا الأحكام بالمعنى السابع فان الاحباط والتجسيم ليس منها.

ويمكن أن يقال عليه أيضاً أن النسب الخبرية هي مدلولات الأدلة التفصيلية فهي بالنسبة إليها من قبيل الألفاظ بالنسبة لمعانيها فلا تكون أدلة اصطلاحية عليها لأن الدليل ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وإنما تكون كواشف عنها بخلافها بالنسبة إلى الأحكام الشرعية فإنها تكون أدلة عليها.

ومنه يظهر فساد حمله على المعنى الرابع. (اللهم إلا) أن يقال إن المراد بها هي نسب الأحكام لموضوعاتها فان الأدلة كما تكون أدلة على الأحكام تكون أدلة على نسبها والمعني بالتعريف هو نسب الأحكام لموضوعاتها لا النسب التي هي مدلولاتها. ويكون قوله (عن أدلتها) قرينة على ذلك, وهكذا حمله على المعنى السادس فاسد لاستلزامه خروج معظم المسائل الفقهية كالبحث عن شرائط العبادات وموانعها وأسباب وجوبها والبحث عن الصحة والفساد ونحوهما مما هو المقصد الأهم في قسم المعاملات, وجعل ذلك كله من باب الاستطراد لا وجه له لأن معظم مباحث الفقه مكوّن منها, وجعل ذلك بحثاً عن الأحكام التكليفية لرجوع الأحكام الوضعية إليها لا وجه له لعدم ذهاب معظم الفقهاء إلى ذلك مضافا إلى بطلانه في نفسه, ولو سلمنا به فالفقهاء الباحثون عن ذلك لم يلتفتوا إلى رجوعها للأحكام التكليفية حتى يقال ان بحثهم من جهة رجوعها إليها, وهكذا حمله على المعنى الخامس فاسد لأن العلم بالخطاب سواء فسر بالكلام الموجه أو بتوجيه الكلام ليس بفقه لأن الفقه هو العلم بما استنتج من الخطاب من الأحكام التكليفية أو الوضعية ولزوم زيادة قيد (الشرعية الفرعية) ولزوم اتحاد الدليل والمدلول بعد ان كان الكتاب والسنة من الأدلة التفصيلية وهما من الخطاب.

معنى الكلام النفسي:

وقد استراح الأصوليون القائلون بمقالة الأشاعرة من وجود الكلام النفسي وهو معنى قائم بنفس المتكلم يدل عليه كلامه اللفظي من قبيل دلالة الأثر على المؤثر وهو غير الصورة الذهنية للمعنى الذي اخبر بها أو طلبها أو نهى عنها المتكلم وغير إرادة الاخبار عنها وغير إرادة الفعل وكراهيته وفسره العضدي([557]) بالنسبة القائمة بالنفس بين المفردين وجعلوه هو الطلب والنهي في الأوامر والنواهي وإليه يرجع النزاع المعروف في كتب الأصول من ان الطلب عين الارادة أو غيرها وقد اطبق الامامية والمعتزلة على عدم معقوليته, ويمكن ان يكون المراد للأشاعرة به هو العقل الباطني وتحقيق ذلك يطلب مما كتبناه في مبحث اتحاد الطلب والإرادة وسيجيء إن شاء الله التعرض له عند البحث عن تعريف الحكم عند الأصوليين.

(وكيف كان) فبناء على مذهب الأشاعرة من وجود الكلام النفسي يمكن رفع الإيراد المذكور حيث يكون عندهم معنى الأحكام هو الخطابات التي هي الكلام النفسي ومعنى الأدلة هو الخطابات التي هي الكلام اللفظي فتغاير الدليل والمدلول وبما حققناه من أن المراد بالعلم هو المعرفة والاطلاع يكون العلم بالذوات وبالصفات خارجا عن التعريف بلفظ العلم لا بقيد الأحكام وإنما خرج بقيد الأحكام العلم بالمسائل النحوية والعرفية ونحوها.

القيد الثاني للتعريف – الشرعية:

أما قيد (الشرعية) فهي نسبة للشرع, والشرع في اللغة والعرف العام هو الدين والظاهر انهما مترادفان عند العرف, وأما عند اللغة أخذ في الدين التدين وهو عقد القلب والالتزام به. كما ان الشريعة معناها الطريقة, (ودعوى) ان الشرع في اللغة (هو الطريق الواضح نقل منه عرفا أو في اصطلاح أهل الاديان)([558]) إلى الإسلام بل إلى كل ما جاء به أحد من الأنبياء من الاديان كما صدرت من صاحب البدائع (فاسدة) إذ لا دليل عليها لأن لفظ الشرع كلفظ الدين يتبادر منهما معنى واحد عرفاً وهو ما جاءت به الرسل من الله تعالى لعباده ويستعملان فيه بلا تكلف.

 والأصل عدم النقل ولا داعي للالتزام بالنقل فانه لاملزم له, كيف ولو التزمناه في الألفاظ للزم التسلسل فالأولى جعله مرتجلا بالنسبة لمعناه وموضوعاً له على سبيل الاستقلال، كما انه لا وجه لدعوى اختصاصه بشرع الإسلام إذ كل دين يسمى شرعاً ويجمع على شرائع.

(نعم) لا ينكر ان لفظ (الشرع) عند المسلمين نقل لخصوص الدين الإسلامي فانه إذا أطلق عندهم لا يتبادر منه إلا ذلك.

وعليه فالمراد (بالشرعية) هي المنسوبة للشرع المحمدي والدين الإسلامي الحنيف, ولولا هذا النقل لقلنا ان التعريف المذكور يشمل علم علماء الأديان الأخرى الذين علموا بأحكام دينهم عن أدلتها التفصيلية ويصح ان يطلق عليهم فقهاء.

(والحاصل) ان المراد بالشرعية هي المنسوبة للشرع, والنسبة وان كانت تصح لأدنى مناسبة إلا ان الظاهر ان المراد منها هي المجعولة في الشرع ولو بواسطة جعل كلّيها سواء استكشف ثبوتها فيه من بيان الشارع أو امضائه أو سكوته أو من حكم العقل كما لو حكم العقل بأن هذا الحكم من الشارع.

تقسيم الشرعية إلى قسميـن أصولية وفرعية:

(ثم ان الشرعية) على قسمين فرعية وهي التي يبحث عنها في هذا العلم وأصولية, والأصولية على قسمين, أصولية فقهية وهي التي يبحث عنها في علم الأصول وتتعلق بأحوال الأدلة, وأصولية اعتقادية وهي التي تتعلق بأحوال المبدأ والمعاد ويبحث عنها في علم الكلام على وجه المطابقة مع النقل بطريق النظر والفكر, وفي علم التصوف بطريق الكشف والرياضة, وفي الحكمة المشائية على قانون العقل من دون ملاحظة المطابقة مع النقل, وفي حكمة الإشراق على قانون العقل بطريق الكشف والرياضة.

(وعليه) يظهر لك فساد تفسير الشرعية بما أخذ من الشارع ولو شأناً فان كثيراً من أحوال الأنبياء أخذت من الشارع مع انه لا يقال لها شرعية كما ان بعض الأحكام لا يصح أخذها من الشارع مع انها شرعية لجعل العقل لها من الشرع كوجوب الاعتقاد بوجود الباري عزّ اسمه ووجوب الاعتقاد بالرسول ووجوب النظر في المعجزة وعلى ما ذكرناه يكون قيد الشرعية لاخراج الأحكام العقلية كالعلم بأن العالم حادث والحسية كالنار محرقة، والوضعية التي هي بوضع الواضع كالفعل مرفوع والعرفية كاحترام القادم.

القيد الثالث – الفرعية:

(وأما قيد الفرعية) فهي نسبة إلى الفرع وهو ما ابتنى على غيره في مقابل الأصل وهو ما ابتنى عليه غيره وقد اختلف القوم في تفسيرها فبعضهم فسرها بما ليست أصولية, وبعضهم بما دونت الكتب الفقهية لأجله, وفسرها صاحب الفصول([559]) بالمسائل العرفية التي دونت مهماتها في الكتب المعهودة وفي هداية المسترشدين([560]) فسرت بما يتعلق بفروع الدين، ولا يخفى ما في ذلك من الخطأ إذ المقصود من التعريف التمييز عن غيرها وبالتعاريف المذكورة لا تتميز الأحكام الفرعية عن الأصولية لكون الأصولية غير معلومة لمن يجهل الفرعية ويريد تميزها عن الأصولية, ولا ما دونت الكتب الفقهية لأجله معروف عنده خصوصاً لمن يريد البصيرة في الشارع، وقد استظهر بعض المحققين من كلمات الشيخ الأنصاري رحمه الله ([561]) تفسير (الفرعية) بالأحكام الشرعية التي ينتفع بها المقلد والمجتهد معاً غير الاعتقادية بخلاف الأحكام الأصولية فأنها لا ينتفع بها إلا المجتهد المستنبط, لكونها من مقدمات الاستنباط كحجية خبر الواحد.

ثم اشكل هذا المستظهر على الشيخ رحمه الله  بأنه ان كان المراد بالانتفاع هو الانتفاع بعد معرفة طرفي القضية من الموضوع والمحمول واحراز ما يعتبر في النفع الفعلي انتقض التعريف بدخول المسائل الأصولية الشرعية كحجية الخبر الواحد فانها مما ينتفع بها الكل بعد معرفتها وإحراز شرائط العمل بها وهكذا غيرها من مسائل الأصول, وان كان المراد بالانتفاع انتفاع المقِلد (بالكسر) بها نفعاً فعلياً غير متوقف على شيء انتقض عكسه بخروج القواعد الفرعية العامة كقاعدة ما يضمن بصحيحه، وقاعدة الضرر والحرج ونحوها، وقد تفسر (الفرعية) بالأحكام المجعولة لعامة المكلفين غير, العقائد بخلاف الأحكام الأصولية فإنها مجعولة لخصوص المجتهدين.

ونوقش فيه بأن المجتهد والمقِلد ليسا بصنفين من المكلف حتى يكون لكل منهما حكم مخصوص به بل هما يشتركان في جميع الأحكام أصلا وفرعاً من غير فرق إلا من حيث القدرة والعجز كحجية الخبر فان المجتهد يقدر على العمل به باحراز شرائط العمل دون المقِلد, وقد تفسر (الفرعية) بما يتعلق بكيفية العمل بلا واسطة وهو المحكي عن سلطان العلماء في حاشيته على المعالم([562]), ولكن المحقق القمي رحمه الله  لم يأت بلفظ الكيفية وقال (ما يتعلق بالعمل بلا واسطة)([563]), والسر في ذلك ان سلطان العلماء لما فسر الأحكام بالتصديقات, والتصديقات إنما تتعلق بكيفية العمل وهي الأحكام الشرعية لأن الأحكام من الكيفيات والأحوال التي تعرض لأعمال المكلفين, وصاحب القوانين لما كان يرى ان الأحكام هي النسب التامة وهي تتعلق بنفس الأعمال لم يأت بلفظ الكيفية، وكيف كان فالمراد بهذا التفسير ان تعلق الحكم بالعمل وعروض الحكم عليه يكون على نحوين:

(أحدهما) ان يكون بلا واسطة شيء كالوجوب العارض على الصلاة, وهذا القسم يسمى بالحكم الفرعي.

(ثانيهما) ما ليس كذلك ويسمى بالحكم الأصلي سواء لم يكن له تعلق بالعمل أصلاً كالوجوب العارض للتصديق بالصراط أو كان له تعلق بالعمل بواسطة واحدة ككون الأمر للوجوب والنهي للحرمة فانه له تعلق بالعمل بواسطة الوجوب والحرمة العارضين للعمل أو كان له تعلق بالعمل بوسائط متعددة كوجوب التصديق بالله تعالى المستتبع لوجوب طاعته المستتبع لوجوب الفعل أو الحرمة بعد الأمر به أو النهي عنه. وأورد عليه:

(أولا) بدخول جملة من المسائل الأصولية كصحة عمل المجتهد برأيه ووجوب عمل المقلد برأي المجتهد ووجوب العمل بالكتاب وبالظنون الخاصة من باب التعبد ووجوب العمل بالراجح من المتعارضين أو التخيير بينهما.

(ثانيا) ان العمل ان أريد به أفعال الجوارح خرج عن التعريف مثل أحكام النية من وجوب قصد القربة ووجوب الوجه والتمييز في بعض الموارد والأحكام المتعلقة بالحسد والبخل وسوء الظن وحرمة العزم على المعصية أو كراهيته ونحوها من الأفعال القلبية. وان أريد بالعمل الأعم منها ومن أفعال القلب دخل مثل وجوب التسليم للعقائد الدينية, اعني الانقياد لها والالتزام بها الزائدين على الإذعان بها لعدم كفاية مجرد الإذعان في الإسلام كما في المنافقين.

(وثالثاً) بدخول اصل البراءة والإباحة فانه عبارة عن جواز العمل واباحته فهو يتعلق بالعمل بلا واسطة.

(ورابعاً) بخروج الأحكام الوضعية كمباحث النجاسات والمطهرات والمواريث ونحوها فإنها فرعية مع أنها لا تتعلق بالعمل إلا بالواسطة.

(وخامساً) يخرج منه الأحكام الفرعية المتعلقة بالتروك إلا أن يلتزم بتعميم العمل لها، وقد تفسر (الفرعية) بالأحكام الشرعية التي لم يقصد منها الاعتقاد ولا معرفة حكم آخر شرعي كما صدر من صاحب بدائع الأفكار([564])، فيخرج بالقيد الأول أصول العقائد، وبالثاني الأصول الفقهية التعبدية كوجوب العمل بالخبر ونحوه, وأما أصول الفقه غير التعبدية كحجية العقل وعموم العام ونحو ذلك، فهي خارجه بقولهم (الشرعية) ويدخل في هذا التعريف الأحكام الظاهرية الثابتة في الطريق للموضوعات كالبينة واليد والاستصحاب ونحوها، وكذا يدخل فيه الأحكام الوضعية على القول بجعلها.

واشكل عليه بالأصول العملية في الشبهات الحكمية فإنها من الأحكام الأصولية مع انها لا يستنبط منها الحكم الشرعي عند الشك حيث انها عبارة عن حكم ظاهري شرعي يرجع إليه عند الشك في الواقع, ويمكن الجواب عنه بما تذكره اخيراً, نعم يمكن أن يرد عليه بالأحكام الوضعية فإنها يعرف منها حكم آخر, والظاهر انهم أرادوا (بالفرعية) معناها اللغوي وهي المتفرعة على غيرها بحسب ذاتها وبمقتضى ماهيتها.

ولا شك ان الأحكام الشرعية بعضها متفرع على بعض في العمل بمقتضاه كما أن بعض الأحكام الشرعية اصل محض لا يتفرع على غيره كالتوحيد وبعضها اصل بالنسبة لكثير من الأحكام ومتفرع بالنسبة لأحكام أخرى كالنبوة فأنها اصل بالنسبة لنوع الأحكام كوجوب الصلاة وغيرها وفرع على التوحيد وبعضها فرع محض لا يبتني عليه نوع من الأحكام كوجوب الصلاة والزكاة والحج ونحوها فأرادوا بالفرعية هذا القسم الثالث لأنها هي الفرعية المحضة.

(إن قلت) يتفرع على مثل وجوب الصلاة وجوب المقدمة وحرمة الضد, (قلنا) لو سلمنا ذلك فكلي الحكم لا يتفرع عليها بل هو ثابت لعنوان المقدمة ولعنوان الضد, وأما كون هذه المقدمة واجبة لوجوب ذيلها فهو ليس بحكم شرعي لأن الحكم الشرعي لا يختلف باختلاف الآراء والأحوال والازمان وإنما هو جزئي يستخرجه العقل من كلي وجوب المقدمة للواجب.

(إن قلت) فما تصنع بالأصول العملية في الشبهات الحكمية مع ان القوم قد عدوها من الأصول؟ (قلت) إنهم ألحقوها بالأصول لأنها بحسب نظرهم ان الأحكام المستفادة منها في الشبهات الحكمية أحكام شرعية متفرعة عليها ولم يلتفتوا إلى انها ليس بأحكام شرعية وإنما هي تطبيق للأحكام الشرعية في مواردها.

(إن قلت) فما تصنع بالأحكام الوضعية فإنها يتفرع عليها أحكام شرعية فيلزم عدها من الأصول؟

(قلت) انه لا يتفرع عليه نوع الأحكام وإنما هو حكم واحد, والأمر ليس من الأهمية بمكان, ولعل الطالب بعد اطلاعه على ما ذكرناه يستطيع ان يخرج ضابطاً آخر للفرعية.

وكيف كان فتكون الفرعية لاخراج الأحكام الشرعية الأصولية الدينية والأصولية الفقهية.

متعلق (عن) في التعريف:

وأما متعلق (عن) فهو العلم لأنك قد عرفت ان معنى العلم هو الاطلاع والمعرفة وحرف الجر ظاهر في التعلق بما هو ظاهر في المعنى المصدري والعلم بواسطة تعلق الأحكام به صار ظاهراً في المصدرية بخلاف لفظ (الأحكام) فانه قد عرفت انه ظاهر في الأحكام التكليفية والوضعية فهو ظاهر في الذوات وبعيد عن المصدرية, وأكدَّ ذلك جمعه, فان المصادر لا تجمع إلا على ضرب من التأويل وهكذا (الشرعية الفرعية) فإنها ظاهرة في الذوات لياء النسبة ولوصفها للجمع, مضافاً إلى ان حرف الجر إذا رجع إلى الأحكام فإما ان يكون لغواً بأن يكون متعلقاً بنفس الأحكام ولا معنى له لأنه قد عرفت ان المراد بالأحكام التكليفية والوضعية وهي ليست حكميتها عن الأدلة وإنما حكميتها من الشارع وإما ان يكون حرف الجر مستقراً بأن يتعلق بمحذوف يكون صفة للأحكام كأن يقدر (المأخوذة أو المستنبطة والمفهومة أو نحو ذلك) فيلزم الحذف وهو لا يجوز لما قرر في محله من ان متعلق حرف الجر لا يصح حذفه إلا إذا كان المقدر الكون أو ما في معناه, ولذا قيل الأصل في الظروف اللغوية, وهكذا إذا رجع للشرعية لأنه ان كان لغوا فهو لا معنى له إذ شرعية الحكم ليست عن الأدلة. وان كان مستقراً كان متعلقه المحذوف صفة للشرعية فيلزم الحذف والفصل بين الصفة والموصوف باعتبار تخلل الفرعية بينهما, وهكذا إذا رجع للفرعية لأنه ان كان لغواً فلا معنى له إذ لا معنى لفرعية الأحكام عن الأدلة وان كان مستقراً لزم الحذف.

واستدل بعضهم على رجوع حرف الجر إلى العلم بأن المقصود إخراج علم الله تعالى وعلم الملائكة والأنبياء والأئمة   عليه السلام بالأحكام الشرعية الفرعية فإذا علق حرف الجر بالعلم خرجت العلوم المذكورة لكونها ليست علوما عن الأدلة وإنما هي عن الوحي والإلهام بخلاف ما إذا علق بالأحكام أو الشرعية أو الفرعية لم تخرج العلوم المذكورة لأنه يصدق عليها إنها علوم بالأحكام التي تؤخذ من الأدلة.

نعم لو قلنا بأن الوصف يشعر بالعلية كان دالاً على ان العلم بها حاصل من الأدلة, ولكن القول المذكور ضعيف.

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال, فان التعاريف إنما يكون الاخراج فيها للغير بالمعاني الظاهرة من ألفاظ قيودها فان الاخراج فرع المعنى الظاهر من التقييد فلا وجه ان يكون الاخراج سبباً لظهور اللفظ في المعنى ومرجعية القيد. ولو أبدل في التعريف (عن) (بمن) كان أولى واحسن. إلا أن الكتب التي عندي يوجد فيها لفظ (عن).

قيد الأدلة في التعريف (تفسيُر الدليل):

وأما (الأدلة) فهي جمع دليل وهو لغة المرشد والهادي, وفي اصطلاح المنطقيين: القول المؤلف من قضايا الذي يلزم منه لذاته قول آخر, وفي اصطلاح الأصوليين (ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري) كالتغير فانه يمكن ان يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ان العالم حادث والمراد (بالامكان) هو الامكان العادي وإنما أتي به ليدخل الدليل المسبوق بالعلم بمدلوله, والدليل المغفول عنه الذي لم يقع فيه النظر أو وقع فيه النظر ولكنه كان غير موصل, ويخرج به الدليل على الضروريات فانه لا يتوصل به للمطلوب بحسب العادة وإلا لزم تحصيل الحاصل. ولذا لا يسمى دليلا بحسب الاصطلاح. والمراد (بالتوصل) هو الانتقال العلمي أو الظني لأن الأمارة دليل عند الأصوليين.

في حصول النتيجة من الدليل:

وأتوا بلفظ (التوصل) دون ان يقولوا (يلزم) كما صنع المنطقيون لأجل انطباق التعريف على سائر المذاهب فان الأشعري([565]) يرى ان حصول العلم بالنتيجة من العلم بمقدماتها بحسب جريان العادة فلا يمتنع عقلا تخلّف العلم بالنتيجة عن العلم بمقدماتها ولا استلزام بينهما, وإنما الله تعالى أجرى العادة بأن يحصل العلم بالنتيجة بعد حصول العلم بمقدماتها بخلاف المعتزلي فانه يرى ان حصول العلم بالنتيجة من العلم بمقدماتها على سبيل التوليد. والحكماء ذهبوا إلى ان حصول العلم بالنتيجة من العلم بالمقدمات على سبيل الإفاضة من المبادئ الفياضة لأنهم يرون ان فيضان الممكنات موقوف على استعدادات, وبعد حصول الاستعدادات تجب الإفاضة فيكون العلم بالمقدمات من المعدات لحصول العلم بالنتيجة بواسطة افاضة المبدأ الفياض له بعد العلم بالمقدمات. وأما المناطقة فيرون ذلك لزوماً وهو الظاهر من الأصوليين وينسب لصاحب القوانين([566])  رحمه الله  انه أيدَّ مذهب الأشاعرة بما روي عنهم   عليه السلام ان العلم ليس بكثرة التعليم والتعلم بل هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء([567]).

ولا يخفى ما فيه, فانه لعله ناظر إلى العلم بالمقدمات والقذف.

كان بواسطتها, وعليه فالتوصل في كلامهم أعم من ان يكون عادياً أو توليدياً أو اعدادياً أو لزومياً لينطبق التعريف على سائر المذاهب, والمراد (بصحيح النظر فيه) الدليل المشتمل على الشرائط المعتبرة في دليليته مادة وصورة فيخرج ما ليس بدليل وان كان موصلاً اتفاقاً. وأما ما كان دليلاً لكن النظر كان فيه فاسداً فهو لا يخرج عن التعر يف لأنه في الواقع يتوصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب الخبري, غاية الأمر انه لم ينظر فيه النظر الصحيح فلا وجه لما تُخُيل من خروجه, كيف يخرج وقد قسموا الدليل إلى الصحيح والفاسد.

تعريف النظر:

(والمراد بالنظر) هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى المجهول وقد تكلمنا فيه مفصلا في كتابنا نقد الآراء المنطقية فراجعه(3).

(والمراد بالمطلوب الخبري) هو المطلوب التصديقي المسمى بالنتيجة فيخرج بذلك المعرِّف لأنه وان كان يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب ولكنه ليس بخبري بل تصوري وإنما لم يقيدوا المطلوب بالعلم فيقولون (إلى العلم بالمطلوب الخبري) ليشمل الظن والعلم فان الأدلة الشرعية نوعها أمارات مفيدة للظن.

الفرق بيـن تفسير الدليل بيـن الأصولييـن والمنطقييـن:

والفرق بين تفسير الدليل عند أهل الميزان وبين تفسيره عن الأصوليين ان تعريف الأصوليين لا ينطبق إلا على الحد الأوسط. وهو جزء الدليل عند المنطقيين لأنه جزء من الصغرى والكبرى اللتين هما بمجموعهما يكونان دليلاً عند المنطقيين لكون الدليل عندهم يكون مؤلفاً من قضايا, وأيضاً الدليل عند الأصوليين هو ما يمكن ان يوصل وان لم يكن بالفعل قد أوصل, بخلافه عند المنطقيين فانه ما أوصل فعلا فعند الأول يعتبر إمكان الإيصال وعند الثاني يعتبر فعلية الإيصال وانه عند الأول يكون محلى للنظر والفكر, وعند الثاني هو نفس النظر والفكر. ثم إن الظاهر.

المراد بالأدلة في تعريف الفقه:

ان المراد (بالأدلة) المذكورة في تعريف علم الفقه هي الأدلة المستعملة في علم الفقه لتقدم العهد الذهني بها, نظير قولك: جاء الملك, فانه ظاهر في العهد بملك البلد وان لم يسبق بينك وبين المخاطب عهد خاص في ملك مخصوص لأن الذي في ذهن أهل البلد هو ملكهم فوجود (أل) في الأدلة دليل على إرادة العهد بأدلة هذا العلم لأنه هو الموجود في الذهن ولو كان العهد غير مراد لجِرُدّت الأدلة من أل وقيل عن أدلة تفصيلية بل هو ابلغ, لأنه لو لم يكن المراد العهد مع وجود أل لكانت الأدلة ظاهرة في الاستغراق لأنه جمع مقترن بأل وهي تقتضي أخذ كل حكم من جميع الأدلة وهو خلاف الظاهر. وعنده لا بد من ارتكاب التأويل فيه من حمله على خصوص أدلة الفقه إذ لم تؤخذ الأحكام الشرعية من غيرها. وارتكاب خلاف الظاهر معيب في التعاريف التي يقصد منها إيضاح المعرَّف.

فتلخص ان المراد بالأدلة المعنى اللغوي وهو المرشد لأن الفقهاء ليس لهم اصطلاح في الدليل فإذا ورد في كلامهم حمل على معناه المتعارف وهو المعنى اللغوي وأل في (الأدلة) يراد بها العهد للأدلة الفقهية المستعملة في علم الفقه. (ودعوى) ان الأدلة لو كانت ظاهرة في الأدلة المعهودة لكانت ظاهرة في الأدلة الأربعة وهي الكتاب والعقل والإجماع والسنة بأقسامها الثلاثة من فعل المعصوم أو قوله أو تقريره فيلزم خروج العلم بالأحكام من الشهرة والقياس والإجماع المنقول (فاسدة) لأنا لم نقل الأدلة الأربعة المعهودة كما قاله بعضهم وإنما قلنا الأدلة التي تستعمل في علم الفقه فتشمل تلك الأدلة. وبعضهم حذف أل وأضاف الأدلة إلى ضمير الأحكام ولابد أن تكون الاضافة بمعنى اللام وتكون للاختصاص, أي عن الأدلة المختصة بها وتكون الاضافة بنحو التوزيع نظير, ركب القوم دوابهم, وأكل الحجازيون طعامهم, ولبس الجند سلاحهم, فان المراد هو التوزيع, بمعنى ان كل رجل منهم قد ركب دابته لا أن كل واحد منهم ركب جميع الدواب وهذا المعنى هو المتبادر من مثل هذه التراكيب.

 (وكيف كان) فقد قيل أو يمكن ان يقال انه يخرج بهذا القيد, اعني (عن أدلتها) أمور (منها) انه يخرج به علم الله تعالى فانه وان كان علماً بالأحكام لكنه ليس بحاصل عن الأدلة ومستفاداً منها و(بعبارة أخرى) ان ظاهر قولهم العلم عن الأدلة هو ان يكون العلم حاصلا بطريق النظر والاستدلال والانتقال من المبادئ إلى المطالب والاستنباط من الأدلة, والله تعالى عالم بالأحكام بنحو الانكشاف.

(وقد أورد على ذلك) بعض أهل التحقيق من ان العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلوم استلزاماً عقلياً من غير فرق بين الله تعالى وبين غيره لاستحالة انفكاك الملزوم عن اللازم. والله تعالى عالم بعلل الأحكام فيكون عالما بالأحكام باعتبار علمه بعللها.

والأولى ان يقال في تقريب الإشكال ان العلم بالأدلة علة للعلم بمدلولها والله عالم بأدلة الأحكام فيكون عالما بالأحكام باعتبار علمه بادلتها لاستحالة انفكاك العلة عن المعلول فيحتاج إلى إخراج علم الله تعالى إلى الالتزام بأن المراد بالعلم عن الأدلة من حيث دليليتها والنظر فيها لا بالخاصية المذكورة.

(وجوابه) ان (عن) ظاهرة في كون العلم ناشئاً عن الأدلة ولذا (عن) تسمى نشوية وعلم الله تعالى ليس بناشىء منها بل هو عالم بالأحكام وأدلتها في مرتبة واحدة دون ان يكون بين العلمين ترتب في الوجود وإلا لزم جهله في مرتبة وجود علمه بالدليل, (ودعوى) ان المعلول لا يقدر عليه في مرتبة وجود العلة فكذا لا يعلم به في مرتبة العلم بالعلة (فاسدة) لأن عدم تعلق القدرة بالمعلول في مرتبة القدرة على العلة ليس فيه نقصاً في قدرة الفاعل العامة بل لعدم قابلية المحل وهو المقدور لتعلق القدرة به في تلك المرتبة بخلاف العلم فان المعلوم يمكن العلم به قبل العلم بعلته كما في الدليل الإني.

خروج علم الملائكة عن التعريف:

(ومنها) خروج علم الملائكة بالأحكام الشرعية فانه لا يسمى فقهاً لأن علمهم لم يكن عن دليل ونظر وفكر وإنما هو بواسطة انكشاف الواقع لهم وهو لا يسمى في العرف دليلا, مضافا إلى ما عرفت من ان المراد عن الأدلة المعهودة وهي المستعملة في علم الفقه, والانكشاف للملائكة ليس منها.

(وأورد على ذلك) بأن هذا مبني على قيام البرهان على فقدانهم للقوة النظرية الاكتسابية وان كمالاتهم بأجمعها فعلية وأنت خبير بأنه لا سبيل لنا في ادراك ذلك ولا اخبرنا به صادق يحصل العلم بقوله فمن الجائز حصول العلم لهم ببعض الأحكام أو كلها بالنظر إلى بعض الأدلة بنحو المجتهد, والأولى أن يقال أن علمهم لا نحرز انه من الأدلة فلذا لا يمكن أن نجزم بأنه فقه.

خروج علم الأنبياء عن تعريف الفقه:

(ومنها) خروج علم الأنبياء والأئمة   عليه السلام بنحو ما ذكر في خروج علم الملائكة. ويرد عليهم:

أولا: ما أوردناه هناك, ويزداد الإيراد بأن المشهور عند الأصوليين ان علم الأنبياء والأوصياء موقوف على مشيئتهم وعليه فيجوز أن تكون مشيئتهم   عليه السلام هو العلم على سبيل النظر كما يظهر من بعض الأخبار الواردة في استفادة الإمام من القرآن والسنة النبوية بعض الأحكام الشرعية استفادة نظرية كسبية لا يقدر عليها إلا العارف بطرق الاستنباط.

فالحق أن يقال في الجواب ما قلناه في علم الملائكة.

(ويرد عليهم ثانياً) بأنه إن أريد من الأدلة معناها اللغوي وهو المرشد والهادي فالعلوم المذكورة داخلة في التعريف لأن الوحي والإلهام من الأدلة بالمعنى اللغوي وان أريد معناها الاصطلاحي فعلم المقلد يخرج بها ولا يحتاج لقيد التفصيلية.

(وفيه) ان المراد كما عرفت هو الأدلة المعهودة في علم الفقه, والوحي والإلهام ليس منها على انه يمكن ان يختار الشق الأول ويقال ان الوحي والإلهام ليس عند أهل اللغة من الأدلة فهما نظير الكشف والضرورة.

(ويرد عليهم ثالثاً) انه يصدق على العلوم المذكورة انها علم بأحكام شرعية فرعية حاصلة من أدلة تفصيلية وان كان حصولها عن الأدلة إنما هو للمجتهدين, وليس في التعريف المذكور ما يدل على تعلق حرف الجر بالعلم حتى يمنع من صدق التعريف على العلوم المذكورة بل احتمال رجوعه للفرعية كاف في الإيراد عليه لأن الاحتمال المذكور يوجب حصول الإيهام والابهام في التعريف. وفيه ما تقدم منا من ظهور تعلق حرف الجر بالعلم.

خروج علم المقلد من تعريف الفقه:

(ومنها) خروج علم المقلد لأنه ليس بعلم من الأدلة المعهودة في الفقه وإنما هو علم من قول مرجع التقليد. (ودعوى) انه على هذا يكون قيد التفصيلية زائداً لأنه إنما يخرج به (علم المقلد) (بالكسر) فإذا كان علم المقلد يخرج بالقيد المذكور فلا حاجة لقيد التفصيلية (فاسدة) لما سيجيء إن شاء الله (تعالى) من فائدة قيد التفصيلية. هذا وبعضهم اخرج علم المقلد باعتبار ان علمه بالأحكام الشرعية على وجه الضرورة لأن التقليد إنما كان عنده حجة بالضرورة.

وفيه ان الضرورة هي حجية الدليل وهو التقليد وضرورة حجية الدليل لا توجب ضرورة المدلول كما في الشكل الأول.

خروج الضروريات عن تعريف علم الفقه:

(ومنها) خروج العلم بالأحكام الشرعية الفرعية الضرورية لأن العلم بها غير مستفاد من الأدلة بل من الضرورة, وهي ليست من الأدلة, كيف والعلم بها بمرتبة الضرورة فالقيد المذكور في تعريف الفقه يخرج العلم بالأحكام الضرورية كوجوب الصلاة والزكاة عن علم الفقه وقد جزم الفقهاء بخروجها وتابعوا في ذلك طريقة الحكماء والمتكلمين لأنهم ذهبوا إلى ان تدوين المسائل البديهية في باب التعليم والتعلم غير مستحسن, مضافا لما عرفت من ان المراد بالأدلة، الأدلة المعهودة في علم الفقه والضرورة ليست منها.

وأَوِرَد عليه: (أولا): المرحومُ الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية على المعالم بما حاصله إنْ الأحكام الضرورية أيضاً مستفادة من الأدلة لأن العلم بالأحكام الشرعية الضرورية يتوقف على أمرين:

(أحدهما) ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم و(الثاني) صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحقّية ما جاء به والذي يعلم في الأحكام الضرورية بالضرورة هو الأول لا الثاني لتوقفه على ثبوت النبوة ولا ريب ان ثبوت النبوة يتوقف على النظر والكسب فتكون الأحكام الشرعية بأسرها من غير الضروريات وما ذكره الفقهاء من خروجها مبني على اشتباهها بسائر الضروريات انتهى([568]).

و(فيه) ان الجهة المبحوث عنها في الفقه هو إثبات نسبة الحكم للشريعة الإسلامية أما ان الشريعة الإسلامية, حقة أم لا؟ وان نبيها صلى الله عليه وآله وسلم صادق أم لا؟ وان الرواة عنه موثوقون أم لا؟ فهو خارج عن البحث الفقهي, ولا ريب ان بعض الأحكام الشرعية إذا كانت ضرورية من هذه الجهة فهي لا تحتاج من هذه الجهة إلى البحث عنها واقامة الأدلة عليها لوضوح ثبوتها, فكانت خارجة عن علم الفقه لعدم قابليتها وصلاحيتها للبحث الذي يكون العلم الحاصل منه فقهاً.

(وثانيا) ان الأحكام الشرعية ليس شيء منها بدهياً لا يحتاج إلى دليل لأنها بأسرها سماعية متوقفة على السماع من صاحب الشريعة ووضوح الدليل لا يوجب بداهة المدلول.

و(فيه) ان احتياجها إلى السماع منه صلى الله عليه وآله وسلم لا ينافي ان تكون ضرورية الثبوت في الشريعة بعد ذلك فيستغنى عن البحث عنها ويكون العلم بها ليس من الفقه عند صيرورتها ضرورية.

(وثالثا) انه على هذا يقتضي ان يخرج ضروري المذهب عن علم الفقه كجواز المتعة وحرمة قول (آمين) في الصلاة عند الشيعة ونحو ذلك مع انه لا إشكال في كونه من الفقه.

(وفيه) انه لما كان هناك من يخالف في نسبته إلى الشرع وجب البحث عنه لاثبات انه من الشرع لأن جهة البحث كانت موجودة فيه بخلاف ضروري الدين فانه لا خلاف في نسبته للشرع وإنما الخلاف يكون من باقي الملل في اصل وجود الشرع الإسلامي لا في نسبة هذا الحكم له, فجهة البحث غير موجودة فيه.

(ورابعاً) ان الراوي الذي سمع الحكم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشافهةً يكون ثبوته عن صاحب الشريعة ضرورياً عنده مع ان علمه من الفقه قطعاً.

(وفيه) ان محل كلامنا فيما يكون ثبوته في الشريعة ضرورياً لا فيما يكون الانتقال إليه ضرورياً فان الأمر الكسبي قد يكون الانتقال إليه ضرورياً وسهلاً من الدليل فيما لو استدل عليه بالشكل الأول ولذا, قالوا ان انتاج الشكل الأول بديهي وقد يكون نظرياً كسبياً صعباً فيما لو استدل عليه بالشكل الرابع فكذا ما نحن فيه فانه لو سمع من المعصوم كان الانتقال إليه والاطلاع على ثبوته سهلاً ولكن لو قام عليه خبر واحد يكون الانتقال إليه صعباً يحتاج إلى مزيد فحص عن الرواة وزيادة بحث عن المعارضات.

خروج العلم بالأحكام القطعية عن التعريف:

(ومنها) خروج العلم بالأحكام الشرعية الفرعية القطعية عن الفقه. والظاهر من كلماتهم ان مرادهم بالقطعيات هي الأحكام التي أدلتها تفيد القطع بها كالاجماع والخبر المحفوف بالقرائن والذي صرح بخروج العلم بها عن الفقه العلامة الحلي([569]) رحمه الله  والشيخ البهائي في زبدته([570]) والفخر الرازي في محصوله([571]). والظاهر من كلماتهم ان وجه اخراجها من الفقه هو ان الفقه ليس إلا أحكاما اجتهادية والقطعيات لا اجتهاد فيها لأن الاجتهاد استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي. والقطعيات لا يحصل بها الظن بل إنما يحصل بها القطع.

والتحقيق ان القطعيات بالمعنى المذكور ليست بخارجة عن تعريف علم الفقه المذكور, لأن العلم بها إنما كان من الأدلة, غاية الأمر إن الأدلة تفيد العلم القطعي بها كما ان الحق ان العلم بها من الفقه وذلك لأن من أدلة الفقه الإجماع والخبر المحفوف بالقرائن والمتواتر ونحوها مما يفيد القطع بالحكم ولا زال الفقهاء يستدلون على أحكام الفقه بالأدلة القطعية. مع ان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة   عليه السلام يسمون بالفقهاء وهم يحصل لهم القطع بالحكم الشرعي الفرعي لسماعهم له من المعصومين   عليه السلام مشافهة مع انا لا نسلم أن الفقه ليس إلا أحكاما اجتهادية بل إنما مسائله منها اجتهادية وهي الظنيات وغير اجتهادية وهي القطعيات, ولو سلمنا ذلك فنقول ان الاجتهاد لا يعتبر فيه الظن وإنما قيد بالظن باعتبار الغالب أو لبيان المقدار الكافي في تحققه وإلا فلا ريب في ان الأحكام  الشرعية التي يمكن أن يحصل العلم فيها لا يجوز الاكتفاء بالظن فيها وقد حررنا ذلك مفصلاً في الجزء الأول من النور الساطع([572]).

خروج العلم بالأحكام عن طريق الكشف والإلهام:

(ومنها) خروج العلم بالأحكام الشرعية الفرعية بالإلهام والكشف والوحي والمنام والجفر والرمل فانه ليس من الفقه, ووجه خروج ذلك هو ان المذكورات ليست بأدلة عند العرف واللغة, فلم يكن العلم بالأحكام من طريقها علما بالأحكام عن أدلة, مضافا لما عرفت من ان المراد بالأدلة، الأدلة المعهودة في علم الفقه والمذكورات ليست منها ولعل كلمة الفقهاء متفقة على عدم عدّ ذلك من الفقه فالأحكام الثابتة للفقيه لا تثبت للعالم بالأحكام من تلك الطرق كما لا تثبت للمقلد العامي.

خروج العلم بالأحكام من طريق الظن الانسدادي:

(ومنها) خروج العلم بالأحكام من الظن الانسدادي لكونه ليس من الأدلة المعهودة في علم الفقه.

ولا يخفى ما فيه فان الظن من الأدلة الفقهية. ولذا عد الفقهاء الاستحسان والقياس والاستقراء والأولوية الظنية من الأدلة وإنما فقهاء الشيعة لم يعتبروها.

قيد التفصيلية في التعريف:

(وأما التفصيلية) فهي منسوبة إلى التفصيل مصدر (فصٌل) بمعنى بيّن ضد أجمل, والتاء ألحقت به لكونه وصفا للجمع وهو (الأدلة) فيكون المراد بها الأدلة المبينة للأحكام والموضحة لها ويقابلها الأدلة المجملة وهي التي تدل على الأحكام إجمالا من دون إيضاح لها كالآيات والأخبار الدالة على ثبوت الأحكام على المكلفين من دون تعيين لها, فانه وان علم بالأحكام منها لكنها ليست بتفصيلية بل على نحو الإجمال مثل قوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ]([573]) فأنها تدل على ثبوت الأحكام الشرعية على سبيل الإجمال لأن الرسالة تقتضي تشريع أحكام من الله تعالى للمرسل إليهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك فان العلم بالأحكام من هذه الأدلة لا يسمى فقهاً.

(إن قلت) ان القوم قد جعلوا (التفصيلية) بمعنى الأدلة المختصة بكل حكم حكم بأن يكون الدليل الدال على حكم غير الدال على الحكم الآخر, ويكون لكل حكم دليل مختص به غير جارٍ في غيره ويقابلها الأدلة الإجمالية بمعنى الأدلة غير المختصة بكل حكم حكم بل تجري في سائر الأحكام بعنوان عام كالدليل الذي يستعمله العامي في سائر الأحكام وهو (هذا ما أفتى به المفتي وكل ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقي) نظير معرفة من في الدار فانه تارة يعرّفهم بأسمائهم وتكون حينئذ معرفة كل واحد منهم بوجه مختص به وتارة يعرّفهم بأنهم أولاد زيد فتكون معرفتهم على سبيل الإجمال بوجه عام.

(قلنا) هذا خلاف الظاهر من لفظ التفصيلية فان التفصيل هو التبيين لا التخصيص ولو كان المراد (بالتفصيلية) هو ذلك لكان الواجب تقييد الأدلة بالمخصوصة ويكون المقابل لها الأدلة العامة فان المقابلة على ما ذكره القوم تكون بين العموم والخصوص لا بين البيان والإجمال مضافا إلى انهم إن أرادوا بكون الدليل مختصاً بالحكم غير جارٍ في حكم آخر هو نوع الدليل كالسنة مثلا فهو باطل لأن السنة تجري في أحكام متعددة وان أرادوا أفرادها كخبر زرارة([574]) الذي قام على الحكم الفلاني فهو صحيح لكنه فتوى المجتهد بالنسبة للعامي أيضاً أفرادها كل واحدة منها مختصة بالحكم الذي دلت عليه ولا تجري في غير الحكم الذي دلت عليه فكما أن أقوال الإمام جعفر الصادق عليه السلام أدلة تفصيلية بالمعنى المذكور كذلك أقوال نائبه المجتهد أدلة تفصيلية للعامي بذلك المعنى.

والحاصل ان الشخص الذي يعلم بالأحكام الشرعية من أقوال الإمام الصادقعليه السلام  فقط تكون أدلته تفصيلية لكون قول الإمام الصادق عليه السلام دليلاً على الحكم الشرعي فكذا العامي إذا علم الأحكام من فتاوي المجتهد الواحد تكون فتاوى ذلك المجتهد أدلة تفصيلية له لكون فتواه دليلاً على حكم العامي.

ما يشكل على تعريف الفقه:

وحيث قد عرفت المراد بقيود التعريف وما احتُرِز بها عنه فاليك ما أورد أو يمكن إيراده على التعريف المذكور.

إشكال أخذ العلم:

(أحدها) ان العلم ظاهر في اليقين وحقيقة في الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع, والأحكام ظاهرة في الأحكام الواقعية فمقتضى التعريف ان يكون علم الفقه هو اليقين بالأحكام الواقعية عن أدلتها مع ان الحاصل منها غالبا هو الظن بالأحكام الواقعية, غاية الأمر انه ظن معتبر بل بعضها لا يحصل منه حتى الظن بالحكم الواقعي كالأحكام التي يقام عليها الأصل العملي كالاباحة أو الاستصحاب أو البراءة أو نحوها من القواعد المعمول بها لاثبات الحكم أو نفيه عند الشك بالواقع.

توضيح ذلك ان الأدلة على الأحكام في علم الفقه (منها) ما هي ظنية الدلالة والسند كأخبار الآحاد الظاهرة في معناها أو ظنية السند دون الدلالة كأخبار الآحاد الصريحة الدلالة أو ظنية الدلالة دون السند كظواهر الكتاب الشريف والمتواترات اللفظية غير الصريحة دلالة والخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع بصدوره غير الصريح دلالة والإجماع المتحد المعقد لفظا غير صريح معقده وهذه لا يعقل ان يحصل منها القطع بالحكم الواقعي لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات.

و(من الأدلة) ما هي قواعد مقررة للشاك في الحكم الواقعي فالشك مأخوذ في موضوعها فكيف يعقل أن تفيد القطع بما كان الشك به مقوماً لوجودها وإلا لزم عند وجودها ارتفاعها, وعليه فإذا أريد في التعريف المعنى الحقيقي (للعلم) والمعنى الظاهري للأحكام لزم خروج اكثر مسائل علم الفقه, وان أريد المعنى المجازي للعلم كأن أريد به الاعتقاد الراجح كما في المعالم([575]) أو الظن كما في الزبدة([576]) أو أريد بالأحكام الأعم من الظاهرية والواقعية لزم المجاز أو ارتكاب خلاف الظاهر بلا قرينة تدل عليه وهو معيب في التعاريف التي يقصد بها بيان ماهيّة المعرّف وإيضاح حقيقته وتميزها عما عداها.

ويزداد هذا الإشكال قوة على من يقول بخروج القطعيات, عن علم الفقه.

 وقد أجيب عن هذا الإشكال بعدة وجوه.

أحدها: ما عن غاية المرام ان حمل العلم على الظن احسن الأجوبة عن هذا الإشكال وان كان مجازاً لكنه مع شيوعه ومحفوفيته بالقرينة وهو قوله (عن أدلتها) لأن المراد به الأدلة الظنية.

 أو إن القرينة على ذلك حالية كما هو المحكي عن الزبدة 0بدعوى ان الاتفاق قائم على اعتبار الظن في الاجتهاد وهو مقدمة للفقه.

ولا يخفى ما في هذا الجواب فان شيوع هذا المجاز غير ثابت لا سيما في الشرعيات بل المحكي عن الشيرواني([577]) رحمه الله  انه لم نجد له استعمالا فيه لم يتطرق إليه احتمال آخر.

(وأما قيد عن أدلتها) فلا يصلح للقرينة على ذلك للزوم الدور فان التعريف يتوقف على معرفته الشروع في العلم ومعرفة كون الأدلة ظنية موقوف على الشروع في العلم.

على انه قسم من الأدلة تفيد القطع كالاجماع والخبر الصريح المتواتر أو المحفوف بالقرائن الموجبة لليقين بالصدور أو الكتاب الصريح فالناظر في التعريف يحمل الأدلة على المفيدة للقطع ويخرج الظن بالأحكام من الأدلة الظنية عن علم الفقه.

وإن شئت قلت: ان ظهور العلم في اليقين أقوى من ظهور الأدلة في الظنيات لوجود القطعيات فيها ولا اقل من التساوي فيحصل الشك, ولا يصلح للقرينة ما ذكر.

وأما كون الاجتهاد معتبرا فيه الظن بالحكم وهو مقدمة للفقه فأيضاً لا يصلح للقرينة لما ذكرناه مفصلاً في الجزء الأول من النور الساطع([578]) من ان اعتبار الظن في تعريف الاجتهاد كما صرح به غير واحد باعتبار انه الغالب وكفايته عند عدم التمكن من العلم وليس لأجل أن الاجتهاد لا يصح ان يكون مؤديا للعلم.

ثاني الوجوه التي أجيب بها عن الإشكال المذكور: ما عن المنية([579])  والزبدة([580]) ان المراد بالعلم بالأحكام العلم بوجوب العمل بها لا بنفسها فلا تخرج الظنيات لأنه أيضاً يجب العمل بها.

ولا يخفى ما فيه فان إرادة ذلك إما بأن يكون مستعملا في العلم بوجوب العمل أو اضمار الوجوب قبل الأحكام أو استعمال الأحكام في وجوب العمل أو ان يقال ان المراد هو العلم بالأحكام من حيث وجوب العمل بها وعدمه لا من حيث ثبوتها في الواقع. وذلك كله خلاف ظاهر اللفظ مع ان العلم بوجوب العمل بها إنما يستفاد من الأدلة الدالة على حجية الأدلة التفصيلية لا من نفس الأدلة التفصيلية, فمثلاً الأدلة التي تدل على وجوب العمل بالأحكام المستفادة من الكتاب هي الأدلة التي دلت على حجية الكتاب وهي من المسائل الأصولية وهكذا الكلام في باقي الأدلة التفصيلية كالسنة والإجماع والعقل, فالعلم المذكور يكون من المسائل الأصولية.

ثالث الوجوه التي أجيب بها عن الإشكال المذكور هو لا الفقهية ان المراد العلم بمدلول الأدلة بأن يقال ان المراد بالعلم معناه الحقيقي وهو القطع, وبالأحكام معناها الحقيقي ولكن مع ملاحظة استفادتها من الأدلة التفصيلية, نظير ما قلناه اخيراً في إرادة وجوب العمل فيرجع حاصل التعريف إلى ان الفقه هو معرفة الأحكام الواقعية من حيث كونها مداليل للأدلة التفصيلية لا من حيث ثبوتها في الواقع.

قال صاحب بدائع الأفكار مرزا حبيب الله (اعلى الله مقامه) (وهذا أجود وجوه التقصّي عن الإشكال المزبور, ولا أرى فيه عيبا سوى اعتبار الحيثية المزبورة وأنت خبير بأن ذكر الأدلة التفصيلية مع علمنا باشتمالها على الأدلة الظنية أقوى قرينة على ذلك)([581]) ولا يخفى ما في هذا الجواب فان العلم بالأحكام من حيث المدلولية للأدلة قد يحصل للمقلد لا سيما المراهق للاجتهاد بل للمجتهد قبل فحصه فانهما قد يعرفان مدلول الكتاب مع ان علمهما لا يسمى بفقه وليس بمعتبر لاحتمال وجود الناسخ والمخصص أو المعارض من الكتاب نفسه.

وبعبارة أخرى ان مجرد العلم بكون الحكم مدلول الدليل ليس بفقه بل لا بد من إحراز صدوره وعدم المانع منه ونحو ذلك.

مضافا إلى ان الكثير من مداليل الأدلة التفصيلية ظنية إنما استفيدت منها بواسطة أصالة العموم أو الظهور أو نحو ذلك، مضافا إلى ان العلم بكون الحكم مدلول الدليل ليس يستند إلى الأدلة التفصيلية بل إلى أصالة الحقيقة, وأصالة العموم, وأصالة عدم النقل, وكون الأمر حقيقة في الوجوب, وان النهي حقيقة في الحرمة, وان معنى اللفظ هو كذا لغةً, وان معنى هذا المركب هو كذا ونحو ذلك, وهذه الأمور بعضها من علم الأصول وبعضها من علم متن اللغة وبعضها من علوم الفصاحة وبعضها من علم النحو.

رابع الوجوه التي أجيب بها عن الإشكال المذكور هو ان المراد بالأحكام الأعم من الظاهرية والواقعية باعتبار ان لله تعالى في كل واقعة حكمين واقعي معين لا يختلف باختلاف الآراء ويتنجز التكليف به عند التمكن من تحصيله وحكم ظاهري يختلف باختلاف آراء المجتهدين وانظارهم يجعله الشارع مع الجهل بالواقع والعجز عن تحصيله على طبق ما قام الدليل الشرعي عليه.

قالوا ان الواجب على المجتهد ان يصرف سعيه في طلب الحكم الواقعي ويبذل جهده للعلم به وبعد السعي الذي يعذره الشارع فيه, فالذي أدى إليه دليله هو حكم الله في حقه يجب العمل به أصاب الحكم الواقعي أم لا, علم بالأصابة أم لا ؟.

والحاصل ان المراد بالأحكام بالتعريف أعم من الأحكام الواقعية والظاهرية بأن يريد بها الأحكام الفعلية الثابتة للعبد.وعليه فالفقيه دائما يعلم بالأحكام الشرعية حتى لو كان دليله ظنياً لأن الدليل الظني إذا قام ثبت في حقه حكم ظاهري شرعي على طبق مدلوله.

وبعبارة أخرى ان الأحكام الظاهرية بأجمعها تكون معلومة لأنها عبارة عن مداليل الأدلة ومقتضيات الأصول يجعلها الشارع للمجتهد بعد قيامها عنده, وهو المحكي عن المحقق الشريف([582]) واحتمله بعضهم في بعض أجوبة صاحب الزبدة([583]) وعليه نزّل ما قاله العلامة الحلي في تهذيبه في المقام من ان (ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم)([584]) فلا يلزم التصويب كما زعمه صاحب المعالم([585]) إذ التصويب إنما يلزم لو حمل (الأحكام) على الواقعية دون الفعلية التي هي أعم من الواقعية والظاهرية.

(إن قلت) ان الفقهاء لا يزالون يخطئون بعضهم بعضا ويقيم كل منهم الأدلة على تخطئة صاحبه واثبات مطلوبه. ومعلوم ان ذلك إنما يكون بالنسبة للحكم الواقعي دون الظاهري لاتفاقهم على تعدده بحسب آراء المجتهدين فلا تكون التخطئة بالنسبة إليه. ولا ريب ان ذلك يقتضي ان يكون محل بحث الفقهاء في الفقه هو الحكم الواقعي دون الظاهري فلا وجه لحمل الأحكام في تعريفه على الأعم من الظاهري والواقعي.

(قلنا) ان البحث في علم الفقه عن الحكم يسمى بالاجتهاد وهذا إنما يكون بالنظر للحكم الواقعي لأنه هو الواجب تحصيله والبحث عنه, ثم الحاصل بعد البحث ونتيجة البحث يسمى بالفقه فلذا الاجتهاد أخذ في تعريفه الظن دون الفقه لأن نتيجة البحث اما العلم بالحكم الواقعي أو حصول العلم بالحكم المجعول عند الظن به أو الشك به فلذا أخذ في تعريفه العلم.

(إن قلت) ان استعمال الحكم في الأعم من الواقعي والظاهري مجاز وانه حقيقة في الواقعي.

(قلنا) ليس بمجاز لكون الحكم موضوعا للأعم من الظاهري والواقعي بدليل صحة تقسيمه إليهما وعدم صحة سلبه عن الظاهري بل الحكم الظاهري نظير الحكم الواقعي الثانوي

ولا يخفى ما في هذا الجواب فان وجود حكمين واقعي وظاهري غير مسلم وانه أمر أحدثه بعض الأصوليين من المتأخرين فلا يعقل ان يريده المتقدمون من هذا التعريف لعدم التفاتهم له. مضافا إلى ان الأحكام الظاهرية على القول بها إنما تستفاد من أدلة حجية الأمارة والأصول لا من أدلة الأحكام الشرعية فان الحكم الظاهري وهو الحرمة في مورد الخبر الذي يدل على حرمة الخمر يستفاد من الدليل على حجية الخبر لا من الخبر المذكور كما اتفقت عليه كلمة القائلين بالحكم الظاهري, وعليه فلا تكون الأحكام الظاهرية مستفادة من الأدلة التفصيلية لعلم الفقه كما هو ظاهر التعريف, هذا غاية ما يمكن من تقريب هذا الإشكال الأول على تعريف علم الفقه.

ويمكن الجواب عنه بأنه قد تقدم ان المراد بالعلم معناه اللغوي وهو المعرفة والاطلاع وهو يصدق على ما يحصل من الأدلة الظنية المعتبرة ألا ترى انه يقال لغة قد عرفت ان هذا المال لزيد عند قيام البينة عليه فالذي يحصل من الأدلة الظنية المعتبرة عند قيامها على الحكم الشرعي يسمى علماً عند أهل اللغة حقيقة, ولعل سائر العلوم النقلية التي أخذ في تعريفها لفظ العلم شاهدة على ما قلناه.

ثاني الإشكالات على تعريف علم الفقه:

ان (الأحكام) جمع محلى باللام حقيقة في العموم وظاهر فيه فإن بقي على ظاهره لزم خروج اكثر الفقهاء ان لم نقل كلهم لعدم علمهم بجميع الأحكام الشرعية الفرعية لأن الفروع لا تقف عند حد بل طالما توقف بعض الفقهاء العظام عن معرفة بعض الأحكام لبعض الفروع وان أخرجنا لفظ (الأحكام) عن ظاهره وهو العموم وحملنا (أل) على إرادة الجنس فيشمل التعريف العلم بالكل والعلم بالبعض فيلزم دخول علم المقلد إذا عرف بعض الأحكام الشرعية عن الأدلة التفصيلية مع انه في الاصطلاح لا يسمى فقيهاً ولا علمه فقهاً ولعله لهذا الإشكال عرف الآمدي([586]) الفقه بالعلم بجملة غالبة من الأحكام على ما حكي عنه وعرفه العلامة  قدس سره  في المنتهى الأصول بالعلم بأكثر الأحكام الشرعية بالاستدلال على ما حكي عنه  رحمه الله .

وأجيب عن هذا الإشكال بعدة أجوبة:

أحدها: اختيار الشق الأول وحمل العلم على التهيؤ والاقتدار والملكة التي يقتدر بها على استنباط جميع الأحكام عن أدلتها بأن يكون عند المجتهد من المأخذ والشرائط ما يكفيه في تحصيل الأحكام بحيث إذا لاحظه ورجع إليه استنبط الحكم الشرعي, ولا يضر التردد والتوقف منه في بعض المسائل لأنه إنما يحصل منه في مقام الاجتهاد لا في مقام الفقاهة.

ولا يخفى ما في هذا الجواب لما عرفته من ظهور العلم في المعرفة والاطلاع, وحمله على ذلك مجاز لا يصح ارتكابه في التعاريف المقصود منها التوضيح, (ودعوى) وجود القرينة على الحمل المذكور وهو عدم وجود فقيه عالم بجميع الأحكام (مدفوعة) بأن ذلك إنما يقتضي التصرف في العلم أو التصرف في الأحكام بحملها على البعض المعتد به فيكون التعريف مجملاً ومردداً بين إرادة التهيؤ للعلم بجميع الأحكام وبين إرادة العلم بالقدر المعتد به من الأحكام, والترديد في التعريف يسقطه عن الاعتبار لعدم وضوح حقيقة المعرَّف به, مضافا إلى لزوم صدق الفقه على الملكة وان لم يستنبط بها حكما مع انه لا ريب في عدم صدقه على ذلك.

ثاني الأجوبة على الإشكال المذكور اختيار الشق الثاني وجعل اللام للجنس والتزام ان المقلد (بالكسر) المذكور مجتهد باعتبار العلم بالمسائل عن الأدلة ومقلد باعتبار تقليده في غيرها, ولا يخفى ما في هذا الجواب فان ذلك يقتضي صدق الفقه على من علم بمسالة واحدة عن دليلها لتحقق الجنس بفرد واحد مع ان الكثرة معتبرة في أسامي العلوم وليست من قبيل أسماء الأجناس الصادقة على القليل والكثير بل الكثرة المعتبرة في مفهومها كما هو المشهور عندهم, مضافا إلى انه خلاف الظاهر لأن اللام كما عرفت إذا دخلت على الجنس تفيد الاستغراق.

(والحق في الجواب عن هذا الإشكال) بأن اللام للعهد الذهني باعتبار ما في أذهان الناس من وجود مقدار معتد به من الأحكام عند كل فقيه كقولهم: صلى الرجل جماعة خلف فلان, وجمع الأمير الصاغة, واطعم الجند, وهجمت العساكر على العدو, فان اللام في الجميع للعهد الذهني, وهو المقدار الذي يتعارف من الرجال صلاتهم خلف الإمام والمقدار الذي يتعارف من الصاغة جمعهم ومن الجند اطعامهم ولعله يريد ما ذكرناه من ذهب إلى ان اللام في الأحكام أو في المسائل أو في القوانين ونحوها مما هو مذكور في تعاريف العلوم هي للاستغراق العرفي وإلا فاللام ليست موضوعة لذلك.

والحاصل ان اللام في (الأحكام والقوانين والمسائل) ونحو ذلك مما هو مذكور في تعاريف العلوم هي للعهد الذهني بجملة معتد بها منها كافية في ترتب الثمرة المطلوبة من وضع العلم بحيث يصدق عرفا على العالم بها انه عالم بمسائل ذلك العلم وهو بحسب العادة لا ينفك عن وجود الملكة.

ثالث الاشكالات على التعريف المذكور:

ان تفسير الفقه بالعلم بالأحكام لا يجامع ما اشتهر من ان أجزاء العلوم ثلاثة: الموضوعات والمبادئ والمسائل. وهذا الإشكال لا يختص بتعريف الفقه بل يرد على سائر تعاريف العلوم.

وقد أجاب عنه بعضهم ان أسامي العلوم لها اطلاقان.

أحدهما: على العلم المدّون في الكتب.

وثانيهما: على نفس المسائل أو العلم بها.

والقضية المشهورة ناظرة للاطلاق الأول وقد اجبنا عن ذلك مفصلا في كتابنا نقد الآراء المنطقية([587]) عند الكلام في قولهم حقيقة كل علم مسائله من ان مرادهم بالأجزاء أعم من المقوِّمة وغيرها والمسائل هي الأجزاء المقوِّمة وهي حقيقة العلم وما عداها أجزاء غير مقوِّمة.

رابع الاشكالات على التعريف المذكور:

ان العلم هو القطع المطابق للواقع, وعليه فيخرج عن التعريف القطع بالأحكام المخالفة للواقع مع انه من الفقه.

(وجوابه) انه مع البناء على التصويب فقطعه من الفقه لأنه علم بالحكم الشرعي وأما مع البناء على عدمه فلا نسلم ان ذلك يسمى فقهاً وإنما يتخيل انه من الفقه ولذا لو اطّلع عليه الغير يرميه بالجهالة بالفقه والضلالة فيه.

خامس الاشكالات على التعريف المذكور:

ان الفقه هو نفس الأحكام العارضة لفعل المكلف لا العلم به ولذا اشتهر ان حقيقة كل علم مسائله وجعلوا أجزاء العلوم ثلاثة ولم يعدوا منها العلم بالمسائل. وإنما عدوا نفس المسائل من الأجزاء, والفقيه هو العالم بهذه الأحكام فالتعريف لا يكون صحيحاً للفقه.

(وجوابه) ان أسماء العلوم تارة تطلق على نفس القوانين والأحكام وأخرى تطلق على نفس العلم بتلك القوانين باعتبار ان القوانين أمور عقلية لا موطن لها إلا العقل أو نقل ان المعرَّف هو علم الفقه لا نفس الفقه فانه لو عرّف علم الفقه فلا بد من أخذ العلم في تعريفه لأنه جنسه وإذا عرف نفس الفقه فلا بد أن يعرف بالأحكام والقوانين الشرعية لأنه اسم لها شأن سائر أسماء العلوم.

علم الفقه صناعة أم علم:

الصناعة في العرف العام هي المعرفة لكيفية إيجاد الشيء فيقال فلان يصنع القلادة يريدون به انه له المعرفة بتكوينها فالصناعة إذا نسبت لشخص عند العامة أرادوا منها ذلك, وفي العرف الخاص هي العلم بالقوانين المتعلقة بكيفية إيجاد الشيء وعمله.

وبعبارة أخرى هي العلوم المقصود منها العمل لا مجرد العلم فعلم النحو من العلوم الصناعية لأن المقصود منه كيفية عمل المنطق الصحيح, وعلم المنطق من الصناعة لأن المقصود منه كيفية عمل الفكر الصحيح, وعلم العقائد من العلوم غير الصناعية لأنه لم يقصد منه إلا مجرد المعرفة, وهكذا علم الفلك. وعلى هذا فعلم الفقه من العلوم الصناعية إذ كان المقصود منه معرفة كيفية العمل المطلوب للشارع (راجع ما كتبناه في نقد الآراء المنطقية)([588]).

البحث في الأصُول العَملية من مسَائل الفقه أو من غيرها:

ان الأصول العملية وهي التي يرجع إليها عند الشبهة والشك في الحكم الشرعي مثل أصل البراءة والاستصحاب والاشتغال والتخيير يكون البحث فيها تارة في صحة جريانها في الأحكام الكلية كوجوب صلاة العيد أو حرمة شرب التتن, وتارة في صحة جريانها في الأحكام الجزئية كطهارة هذا الثوب المشكوك نجاسته, أما البحث فيها من الحيثية الأولى, اعني في صحة جريانها في الأحكام الكلية المشكوكة فقد وقع النزاع بينهم في انه يكون بحثاً عن مسألة أصولية أو بحثا عن مسألة كلامية أو بحثاً عن مسألة فقيهة أو لا ربط له بشيء منها فذهب إلى كلّ فريق.

وتظهر الثمرة في عدم جواز الاعتماد في اعتبارها على الظن أو خبر الواحد على القول بكونها من المسائل الكلامية أو الأصولية بناء على لزوم قيام الدليل القطعي ولا يكفي الدليل الظني على اعتبارها.

وجوازه على القول بكونها من القواعد الفقهية, كذا ذكر بعضهم وان كان غير مستقيم عندنا لان أدلة الاعتبار للظن أو خبر الواحد تشمل مسائل علم الكلام والأصول إلا إذا كان المسألة يطلب فيها العلم والاعتقاد كوجوب الواجب والتوحيد والنبوة.

وكيف كان فالتحقيق ان يقال انه لا ريب على القول بكون الأصول العملية من الأحكام العقلية التي يرجع إليها عند فقد الدليل على الواقع سواء جعلت من المستقلات كما ذهب جماعة إلى القول بذلك في البراءة والاحتياط والتخيير وكما حكي القول بذلك في الاستصحاب عن الشهيد([589]) رحمه الله  أو من غير المستقلات لا ربط للبحث عنها بعلم الفقه لأن البحث حينئذ عنها اما من قبيل فروع البحث عن التحسين والتقبيح العقليين أو من قبيل فروع البحث عن المفاهيم والاستلزامات العقلية ومعلوم عدم ارتباط شيء منهما بالقواعد الفقهية.

وكذا الحال بناء على اعتبارها من باب الأخبار على أنها إرشادية تفيد امضاء الحكم العقلي حسبما يستفاد من غير موضع من القوانين. وإنما الإشكال بناء على كونها من الأحكام العقلية هل يكون البحث عنها من المسائل الأصولية أو من توابع علم الكلام فتكون من المبادئ التصديقية لعلم الأصول؟ ومنشأ الإشكال هو أن موضوع علم الأصول هل هو ذوات الأدلة من حيث هي فيكون البحث عن دليليتها حينئذ بحثا عن عوارضها الذاتية فيدخل في علم الأصول أو هو الأدلة بوصف إنها أدلة فيكون البحث عن دليليتها وحجيتها بحثا عن إثبات اصل الموضوع ووجوده فيخرج عن علم الأصول ويدخل في علم الكلام؟ حيث ان علم الكلام يبحث فيه عن إثبات الواجب وتوحيده وصفاته وأفعاله وعن النبوة والإمامة ودليلية أقوالهم وأفعالهم وحجتها وما هي الوظيفة عند فقدها.

ومعلوم ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات, وربما يتخيل من انه لو سلمنا ان البحث عن الدليلية من المسائل الأصولية لا يندرج البحث عن الأصول العملية أيضاً في علم الأصول لأن البحث عنها يكون عن نفس وجودها نظير البحث عن المفاهيم فان يكون عن نفس وجودها وتحققها فان البحث عن مفهوم الشرط أو الوصف أو الغاية أو نحوها في الانتفاع عند الانتفاع يكون بحث عن وجود المفهوم لها لا انه بحث عن حجيته بعد إحراز تحققه فيكون البحث فيها بحثا عن مفاد كان التامة وليس البحث فيها بحثاً عما يعرض لوجودها من الدليلية والحجية الذي هو مفاد كان الناقصة فليس البحث عن دليليتها بحثا عن عوارضها بل بحث عن وجودها وتحققها وهو ليس من العوارض التي يبحث فيها في العلم.

ويدفعه أولا:

انه منقوض بسائر المسائل التي تذكر في علم الأصول في الأدلة العقلية حتى مسألة التحسين والتنقبيح فان البحث عنها إنما هو بحث عن تحققها وإلا فيبعد التحقق لا إشكال في الحجية. وكذا الكلام في الإجماع حيث ان البحث فيه بحث عن تحقق الكشف عن قول الإمام عليه السلام ورأيه وإلا فحجيته مسلمة إذا حصل به الكشف. وكذا الكلام في خبر الواحد فانه بحث عن ثبوت السنة بإخبار مخبر واحد بل وكذا البحث عن ظواهر الألفاظ فيما كان البحث عن تحقق الظهور ووجوده كظهور صيغة افعل في الوجوب ولا تفعل في الحرمة وظهور الشرطية أو الوصف أو الغاية في الانتفاء لا في الحجية بعد إحراز الظهور.

وثانيا:

بالحل بأنه لا نسلم ذلك وإنما البحث فيها بحث عن عروض الدليلية لها فحكم العقل بالبراءة وغيرها من الأصول العملية يبحث عن دليليته على الحكم الشرعي.

موضوع علم الأصول:

إلا أن ظاهر الأصوليين ان موضوع علم الأصول هي الأدلة بوصف الدليلية لتعبيرهم عن الأربعة بالأدلة لا بأسامي كل منها فلو كان الموضوع ذواتها لكان اللائق ان يقال ان موضوع علم الأصول هو الكتاب والسنة والإجماع والعقل لا الأدلة الأربعة مع ان غرض الأصولي من البحث عنها هو البحث عنها بوصف دليليتها لإثبات الأحكام لها لا عن ذاتها وإلا لدخل علم البلاغة في علم الأصول لأنه يبحث عن ذاتها من حيث البلاغة كما لا يخفى, فيصير البحث عن حجيتها حينئذ من توابع علم الكلام فان علم الكلام ما يبحث فيه عن المبدأ والمعاد والبحث عن المبدأ يقع فيه البحث عن ذات الواجب وصفاته وأفعاله من العدل وانزال الكتب وإرسال الرسل ونصب الحجج ونحو ذلك ويتبعه البحث حينئذ عن حجية قوله تعالى وأقوال رسله وحججه ونحوها.

الحكم بكفر من أنكر مسألة من علم الكلام:

والمناقشة فيه بأن البحث عن دليليتها لو كان من علم الكلام لزم الحكم بكفر منكر دليليتها كما هو الشأن في منكر سائر المسائل الكلامية كما حكي عن الفاضل النراقي([590]).

فاسدة جداً لا ينبغي صدورها عن مثله لأن علم الكلام فيه الكثير من المسائل ما لا يلزم من انكارها الكفر.

وتوضيح ذلك: ان الحكم بالكفر على منكر مسألة من مسائل علم الكلام إنما يستفاد من الأدلة الخارجية وحينئذ فكل مسألة من مسائله إذا دل الدليل على كفر منكرها نحكم به كما في مسألة إثبات الواجب وتوحيده وبعض صفاته وأفعاله ومسالة النبوة ونحوها وكلما لم يقم الدليل فيه على ذلك لم نحكم بذلك فيه ومن المعلوم انه لم يقم دليل على كفر من أنكر حجية تلك الأصول ودليلية تلك الأدلة.

والحاصل انه بناء على ان موضوع علم الأصول هو الأدلة بما هي أدلة يكون البحث عن دليلية الأصول العملية بل عن دليلية الأدلة الأربعة جميعا بل عن دليلية غيرها من الأدلة المعتبرة عند العامة يكون من المبادئ التصديقية للمسائل الأصولية لا من علم الأصول حيث ان البحث المذكور يكون عن نفس الموضوع للعلم لا عن عوارضه وحيث ان الدليلية للمذكورات لم تبين في علم آخر احتيج إلى بيانها في نفس علم الأصول كأكثر المبادئ التصوّرية والتصديقية لعلم الأصول ولا غائلة فيه.

وربما يتكلف لادراج البحث عن دليلية الأدلة في علم الأصول ولو بناء على ان الموضوع هو الدليل المتصف بوصف الدليلية بأن المراد من الأدلة هي الأدلة الواقعية الثابتة دليليتها في نفس الأمر فالبحث عن حجية شيء في الظاهر بحث عن أحوال الدليل الواقعي من حيث صدقه على المبحوث عنه وعدمه.

ولا يخفى ما فيه من التكلف والبعد بل المنع لأنه مخالف لظواهر كلماتهم واستدلالاتهم بل وعناوينهم ولا ينطبق على البحث عن ظاهر الكتاب وحجية العقل ونحوهما ضرورة ان البحث عنها بحث عن انها هل انها أدلة في الواقع أم لا؟ وأين هو من البحث عن ان الدليل الواقعي يصدق على كل منها؟ فتدبر.

وبالجملة فبناء على كون الموضوع هو الموصوف المتصف بالوصف المذكور لا مناص عن جعل البحث عن دليلية جميع الأدلة من المبادئ التصديقية ولا يقدح الاطناب فيها وكونها حينئذ اكثر من مسائل العلم فان القادح إنما هو كثرة الكلام في الاستطراديات لا في المبادئ فإنها من جهة توقف التصديق بمسائل العلم على التصديق بها صار البحث فيها كالجزء من العلم. هذا إذا قلنا ان العلم عبارة عن المسائل وأما إذا قلنا ان أجزاء العلوم ثلاثة: الموضوعات والمسائل والمبادئ صار البحث عنها بحثا عن جزء العلم, وكيف كان فلا يضر حينئذ اطناب الكلام فيها.

وقد ذكر بعضهم لإثبات كون البحث عن الأصول العملية من علم الأصول بأن موضوع علم الأصول ذوات الأدلة من حيث دليليتها أو عما يعرض لها بعد الدليلية لا ذات الأدلة في نفسها ولا الأدلة بوصف الدليلية وإنما الموضوع هو ذات الأدلة من الحيثية المزبورة وعليه فيكون البحث عن الأصول العملية من المسائل الأصولية لكون البحث عن دليليتها كالبحث عن دليلية سائر الأدلة في علم الأصول داخل في علم الأصول لصدق موضوعه على موضوع مسائلها وانطباق تعريفه على مطالبها بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها حيث ان الأصول العملية مما يستنبط بمعونتها الأحكام فيصدق عليه التعريف المذكور.

ويرد عليه أولا انه إن أراد به ان الموضوع لعلم الأصول عند الأصوليين هو ذلك فهو ظاهر البطلان لما عرفت من أن ظاهرهم كون الموضوع هو الذوات بوصف الدليلية وان أراد به تجديد اصطلاح من نفسه مخافة خروج البحث عن دليلية الأدلة عن الفن فهو وان كان في نفسه صحيحاً إذ لا مشاحة في الاصطلاح إلا أنا لا نتكلم على اصطلاح جديد بل نتكلم على اصطلاح القوم مع انك قد عرفت انه لا غائلة في جعل تلك المسائل من المبادئ وانه لا يلزم منه محذور بل جعلها من المبادئ اسهل وأولى من تجديد الاصطلاح بمراتب.

ويرد عليه ثانياً عدم إمكان جعل الموضوع هو ذوات الأدلة من الحيثية المزبورة فان حيثية البحث عن الدليلية يستدعي كون الموضوع هو الذوات, والبحث عما يعرضها بعد الدليلية يستدعي كون الموضوع هو ذوات الأدلة بوصف كونها أدلة فان معنى اعتبار الحيثية في الموضوع ان يكون البحث عما يعرض على ذلك الموضوع من هذه الحيثية كالتعارض العارض على ذات الأدلة من حيث الدليلية لا من حيث الذات ومعنى كون الموضوع هو الذات ان يكون البحث عما يعرض على نفس الموضوع المجرد عن تلك الحيثية كدليلية الدليل العارضة على الذات فان البحث عنها بحث عن عوارض ذات الدليل فإنها تعرض الذات لذاته لا باعتبار حيثية من الحيثيات والجمع بين الذات والحيثية المذكورة جمع بين المتناقضين حيث لا جامع بينهما.

إن قلت: يمكن الالتزام بكون موضوع الأصول أمرين مستقلين ذات الأدلة والذات بوصف الدليلية كما ان الموضوع لعلم النحو أمران الكلمة والكلام مثلا.

قلنا: انه وان كان يرفع التناقض إلا انه يرد عليه أولاً ان اللازم حينئذ ان يكون البحث في جميع مسائل علم الأصول عن أحوالها كالبحث في جميع مسائل النحو عن أحوال الكلمة والكلام لا ان يوزع مسائل العلم عليهما بأن يبحث في شطر منها عن أحوال الذات وفي آخر عن أحوال الذات المتصفة بالدليلية فانه يلزم حينئذ ان يكون كل منهما علما مغايراً للآخر لتغاير الموضوع فيهما قطعاً.

وقد اشتهر بينهم ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات ومن هنا جعلوا كلا من النحو والصرف والاشتقاق ونحوها علما غير الآخر مع ان الموضوع لجميع العلوم المذكورة هو الكلمة والكلام لكن مع تغاير الحيثيات وفيما نحن فيه يلزم على ما ذكره الخصم ان يكون الموضوع ذوات الأدلة من حيث ذاتها وذوات الأدلة من حيث دلالتها.

ويرد عليه ثالثاً انه خلاف الظاهر حيث ان ظاهرهم ان لعلم الأصول موضوعا واحداً كما ان الظاهر منهم كما مر انه الذات بوصف كونها دليلا ولو اسقط قيد الحيثية وجعل الموضوع هو الذات المجردة كما صنعه في الفصول([591]) حيث قال: ان المراد بالأدلة ذات الأدلة لا هي مع وصف كونها أدلة فكونها أدلة من الأحوال اللآحقة لها, فينبغي ان يبحث عنها أيضاً, وان كان لا يرد عليه المحذوران إلا انه يرده ما مر من انه خلاف ظاهره إذا أراد انها كذلك عند الأصوليين, وان أراد الاصطلاح لنفسه دفعاً لمحذور خروج البحث عن دليلية الأدلة عن الفن فيرده انه لا غبار عليه بعد إمكان جعلها من المبادئ التصديقية.

ودعوى انه يزيد الكلام والبحث عنها في الفن عن البحث عن مسائلة بكثير.

مدفوعة بأن الزيادة تضر في الاستطراديات لا في المبادئ كما يرد عليه أيضاً اشتراك علم الفصاحة والبلاغة بل وغيرهما من العلوم الادبية معه في الموضوع بالنسبة إلى البحث عن ظاهر الكتاب والسنة فانه يصدق على البحث عنهما من حيث البلاغة والفصاحة واللغة ونحو ذلك انه بحث عن عوارض ذات الأدلة فلم يتميز علم الأصول حينئذ عن سائر العلوم بموضوعه بل لم يتميز عن علم الكلام أيضاً لما عرفت من ان البحث عن الدليلية أيضاً من توابع علم الكلام فلا يمكن التميز حينئذ إلا باعتبار الحيثيات حسب ما اشتهر بينهم من ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات فيجعل الموضوع لعلم الأصول بحيثية الاستنباط وان كان أيضاً لا يخلو عن تأمل.

ومن هنا ظهر ان من اعتبر الحيثية المذكورة من جعل الموضوع ذات الأدلة متحيثاً بحيثية استنباط الأحكام منها إنما اعتبر تلك الحيثية تميزاً للموضوع وادراجا لمبحث الاجتهاد والترجيح بناء على انه فعل المجتهد في البحث عن الأدلة لئلا يخل حصر موضوع الأصول في الأدلة أو يخرج عن الفن ويدخل في الاستطراديات كالبحث عن التقليد كما زعمه الفاضل التوني([592]) فتفصّى عن خروج البحث عنهما عن الفن (بجعل الموضوع عبارة عن الأدلة والاجتهاد والترجيح) فانه بناء على اعتبار الحيثية المذكورة يدخل البحث عن الاجتهاد والترجيح في علم الأصول مع عدم لزوم الاخلال في الحصر في الأدلة الأربعة ضرورة انه مع أخذ حيثية الاستنباط واعتبارها يكون البحث عن المستنبط وما يتعلق به بحثا عن العوارض الذاتية فان الاستنباط والمستنبط وان كان من الأعراض الغريبة لذات الأدلة لأنها أعراض للمجتهد لا للأدلة إلا انه بعد اعتبار حيثية الاستنباط في الموضوع يصيران من الأعراض الذاتية كما هو واضح فتدبره.

وأما ما تقدم من انطباق التعريف حينئذ عليه وموافقته له ففيه:

(أولا) انه لا يجدي بعد عدم تحقق التمايز بالموضوع فان كلامهم كان في هذا المقام بناء على ان الميزان التمايز بالموضوع لا الميزان صدق التعريف وغيره كما ينبئ عنه ما اشتهر من ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات, على ان القواعد الممهدة للاستنباط إنما تكون قواعد أصولية فيما كان البحث فيها عن العوارض الذاتية للدليل وإلا فمجرد كون الغرض من التمهيد الاستنباط مما لا يصلح ان يكون مميزاً.

وأما (ثانياً) فلأن مفاد التعريف ان يكون علم الأصول عبارة عما يستنبط بمعونته الأحكام الفرعية وقواعدها كما صرح به بعضهم, ويقتضيه تعريف علم الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الفرعية الشرعية عن أدلتها التفصيلية فيكون البحث عن دليلية ما يستنبط بمعونته الأحكام خارجاً عن علم الأصول قطعاً ضرورة توقف صحة ذلك الاستنباط على ثبوت اعتبار دليليته والمفروض ان علم الأصول هو العلم بذات تلك القاعدة الممهدة من حيث إنها قاعدة ممهدة لا العلم باعتبار تلك القاعدة ودليليتها فيكون البحث عن دليليتها خارجا عن فن الأصول.

وعليه فجعل الموضوع هو الذوات المتحيثة بالحيثية المذكورة لا يوافق التعريف.

وأما ثالثا فلأنه ينتقض بجميع القواعد الفقهية الفرعية لأنها ممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية فيقال في قاعدة نفي الحرج المستفادة من قوله تعالى [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]([593]) انها كبرى للحكم بنفي الحرج في الموارد الحرجية الخاصة, فيقال: الحكم بنجاسة الحديد مثلا موجب للحرج, وكلما هو موجب للحرج منفي في الدين, فالحكم بنجاسة الحديد منفي في الدين وفي قاعدة الطهارة مثلا: ان ابن آوى مما شك في طهارته وكلما يشك في طهارته, فهو طاهر, فابن آوى طاهر, وهكذا الكلام في سائر القواعد الفقهية, فيلزم ان يكون قاعدتي نفي الحرج والطهارة وغيرها من المسائل الأصولية بناء على ما ذكر فتأمل هذا كله بناء على اعتبار الأصول العملية من باب العقل والعقلاء.

الكلام في الأصول العملية بناء على اعتبارها تعبداً:

وأما بناء على اعتبارها من باب التعبد من الشارع وقيام الدليل النقلي عليها فذكر بعض مشايخنا تبعا لبعض مشايخه ان فيه وجهين:

(أحدهما) كونها من المسائل الفرعية باعتبار أن التكلم فيها على هذا التقدير إنما هو في صحة الأخبار الدالة عليها سنداً وظهورها في ذلك دلالة, كالأخبار الناهية عن نقض النقيض بالشك مثلا.

وعليه فتكون متعلقة بنفس عمل المكلف بلا واسطة والمسألة الأصولية لا تتعلق بنفس العمل بل يكون بواسطتها معرفة حكم العمل فيكون التكلم في الاستصحاب مثلا عبارة عن التكلم في حرمة نقض اليقين بالشك كالتكلم في كل حكم فرعي كليا كان أم جزئيا كحرمة شرب النبيذ فيكون حال الأصول العملية حال ساير القواعد الفقهية العامة المستفادة من الأخبار كقاعدة نفي الحرج والضرر في كونها من القواعد الفرعية المتعلقة بالعمل, وان كان ربما يندرج تحت هذه القاعدة مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب كاستصحاب حجية أمارة علم بحجيتها في زمان الحضور مثلا وشك في حجيتها ذلك الزمان فانه لا يمنع ذلك عن كونها من القواعد الفرعية إذ لا دليل على حرمة جريان القاعدة الفرعية في بعض المسائل الأصولية كما ينفى وجوب الفحص عن المخصص أو المعارض بقاعدة الحرج التي لا إشكال في كونها من القواعد الفرعية, والحال ان اجراء القاعدة الفرعية هناك باعتبار كونه بنفسه محلاً للعمل لا يرتاب في كون الحكم الثابت له من تلك الحيثية حكم فرعي وان يتحقق بجريانه الحكم الأصولي.

وبتوضيح احسن: إن مسائل الأصول العملية كالاستصحاب ونحوه من مسائل الفقه لأن موضوع الفقه هو فعل المكلف وموضوع علم الأصول أدلة الفقه فما يبحث فيه عن عوارض أدلة الفقه فهو من المسائل الأصولية, وما يبحث فيه عن عوارض فعل المكلف فهو من مسائل الفقه, والبحث في الأصول العملية وحجيتها يرجع إلى وجوب العمل, ففي الاستصحاب يرجع لوجوب العمل بالحالة السابقة وفي البراءة إلى عدم الوجوب أو الحرمة وهكذا الباقي منها.

إن قلت: ان النزاع في حجية الاستصحاب كالنزاع في حجية الخبر أو الكتاب أو الإجماع.

قلنا: فرق بين المقامين, فان حجية الخبر تعرض الحجية لنفس الخبر بالذات والعمل المكلف الدال عليه الخبر بالواسطة, وهكذا الباقي, بخلاف حجية الاستصحاب فإنها لما كانت عبارة عن وجوب العمل بالحالة السابقة كانت عارضة لنفس عمل المكلف بالذات, بلا واسطة شيء.

إن قلت: ان حجية الاستصحاب أيضاً عارضة لفعل المكلف بواسطة اليقين السابق والشك اللاحق.

قلنا: بعد حجية الاستصحاب لا نحتاج إلا إلى تعيين موضوعه وما ذكر إنما هو موضوع الاستصحاب ومحله ومجراه, كما انه يلزم تعيين الموضوع في سائر المسائل الفقهية كما في تعيين موضوع الحج فانا نحتاج إلى تعيين الاستطاعة في محل وجوبه.

(وثانيهما) كونها من المسائل الأصولية باعتبار وجود خاصة علم الأصول فيها وهو اختصاص اجرائها في الأحكام الكلية بالمجتهد وعدم حظّ للمقلد فيه ولو من جهة قدرته على إحراز موضوعه الذي هو الشك المستقر المتوقف على الفحص عن وجود الدليل في المورد وعدم الظفر به فان اختصاص جميع المسائل الأصولية بالمجتهد إنما هو من هذه الجهة وإلا فجميع التكاليف المستفادة من الأدلة مما يشترك فيها المجتهد والمقلد كما هو الحال في زمان الحضور لكن لما كانت التكاليف مشروطة بالقدرة بحكم العقل القاطع والعمل, بالحكم الشرعي الأصولي مشروط بشروط لا يقدر العامي على احرازها في هذه الأزمنة وما شابهها اختص بالقادر على ذلك وهو المجتهد لا غير, فمثلا الاستصحاب سواء قلنا بأنه عبارة عن حكم الشارع بالنهي وحرمة نقض اليقين السابق بالشك اللاحق أو قلنا بأنه عبارة عن ان يكون حكماً شرعياً بوجوب البناء على الحالة السابقة فهو لا يختص بالمجتهد ابتداء ولم يكن مأخوذاً في موضوعه الاجتهاد إلا انه اختص به من جهة العوارض كمعرفة عدم الدليل المعتبر على خلاف الحالة السابقة وعدم المعارض له ونحو ذلك كما أن وجوب العمل بخبر الواحد المستفاد من آية النبأ([594]) وغيرها لم يؤخذ في موضوعه المجتهد, وإنما اختص به من جهة العوارض كمعرفة صحة السند وعدم المعارض وحجية ظهوره وعدم صدوره تقية ونحو ذلك ولو لم يجعل مدار التمييز بين علمي الأصول والفقه على ذلك, الاختصاص العرضي لصار جميع المسائل الأصولية مسائل فقهية فلا مناص عن جعل المدار على ذلك.

المراد من عدم قدرة العامي على العمل بالمسألة الأصولية:

وليس المراد مما ذكر من عدم قدرة العامي على العمل بالمسألة الأصولية انه لا يتمكن من ذلك قبل استنباطها من أدلتها خاصة فقط بل كما لا يتمكن من ذلك قبل استنباطها لها عن الأدلة كذلك لا يتمكن منه بعد استنباط المجتهد لها من الأدلة أيضاً, بمعنى انه لو عرضها المجتهد على العامي بعد استنباطها لم يمكن له العمل بها فلو استنبط المجتهد من آية النبأ وغيرها حجية خبر الواحد ووجوب العمل به مثلا وعرضه على العامي لم يتمكن من العمل به بعدُ لعدم تمكنه من فهم المراد منه وان له معارضا أم لا, وعلاج المعارض على فرض وجوده, فهذا كما ترى عجز عن نفس العمل به ضرورة ان تعيين المراد والمعنى ودفع المعارض غير مأخوذ في اصل الحجية بل هو مأخوذ في العمل به فعلا والعامي غير متمكن منه كما عرفت.

وكذا الحال في الأصول العملية فانه لو فرض قطعية دلالة الأخبار عليها فلا يتمكن العامي من العمل بها أيضاً لعجزه عن إحراز الموضوع, وهو الشك المستقر الذي لم يتحقق إلا بعد الفحص عن وجود الدليل وعدم العثور عليه.

 ولا ريب إن هذا ليس عجزاً عن إثبات دلالة الأخبار على اعتبار الأصول العملية, ولا دخل له به بل هو عجز عن نفس العمل بعد الاستنباط وهذا بخلاف المسائل الفرعية فانه لو استنبط المجتهد وجوب الفاتحة مثلا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)([595]) وعرضه على العامي يتمكن من العمل به بلا إشكال.

والحاصل ان كل حكم يتمكن العامي من العمل به بعد الاستنباط فهو من المسائل الفرعية, وكل حكم لا يتمكن من العمل به ولو بعد الاستنباط فهو من المسائل الأصولية وقد عرفت ان الأصول العملية من قبل الثاني لا الأول.

وأما ما ربما يقال من إن الميزان المذكور وان كان يتم بالنسبة إلى مسألة حجية خبر الواحد ونحوها إلا انه لا يتم في الأصول العملية فإنها ليست إلا في مرتبة المدلول والمعنى وليست بشيء مع قطع النظر عن الأخبار بخلاف خبر الواحد ونحوه فان له مع الغض عن آية النبأ([596]) ونحوها تحققا وموضوعا في الخارج فتكون هناك أمور ثلاثة نفس الخبر, والدليل الدال على اعتباره, والحكم الفرعي المستنبط منه, بخلاف الأصول العملية فلا يتحقق فيها إلا قسمان الأخبار أو غيرها من الأدلة, والحكم الشرعي المستفاد منها، فلا يكون هناك أمر ثالث قائم بنفسه يكون أصلاً عملياً يدل على حكم شرعي فرعي فيلزم اتحاد الدليل والمدلول.

فمدفوع([597]) بأن أدلة الأصول العملية لها اعتباران, فبملاحظة دلالتها على قاعدة كلية سارية في جميع الموارد يسمى دليلاً وهذه الكلية المستفاد منها تسمى أصلاً عملياً يستنبط بمعونتها الأحكام الفرعية في الموارد المخصوصة فتكون هناك أيضاً أمور ثلاثة, نفس الأصل العملي وهو الكلية المستفادة وهو نظير الخبر الواحد, والدليل الدال عليه وهو الأخبار وهي نظير آية النبأ بالنسبة إلى الخبر الواحد, والحكم المستنبط بها نظير الحكم المستنبط من الخبر الواحد, وإلى ذلك أشار بعض السادة الأعاظم بقوله (وليس عموم (لا تنقض اليقين بالشك) بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئياته إلا كعموم آية النبأ([598]) بالقياس إلى الأخبار الآحاد)([599]) انتهى.

والحاصل انها بملاحظة إنها بمرتبة المدلول والمعنى وانطباقها على عمل المكلف في الموارد الخاصة يكون مدلولا ويصح أن يعد من القواعد الفقهية وهذا المقدار الذي ذكرناه من اعتبار الحيثية يكفي في التغاير بينهما دليلا ومدلولا.

إشكال صاحب الفصول وجوابه:

ونظير ذلك إشكالا وجواباً ما في الفصول من الإشكال في عدّ الدليل العقلي دليلاً فان الدليل العقلي عبارة عن المفردات العقلية كالاستصحاب واصل البراءة والمسائل عبارة عن إثبات حجيتها ووجوب العمل بها فلا محذور([600]).

وما ربما يستشكل أيضاً بمنع كون ما ذكر, أي اختصاصها بالمجتهد ميزانا لجعلها من المسائل الأصولية, كيف, وإلا يلزم الحكم بدخول جملة من المسائل الفقهية في علم الأصول فانها مما لا ينتفع بها غير المجتهد كمسائل القضاء والحدود ونحوهما وقاعدة الطهارة والحلية في الشبهات الحكمية ونحوها, أما الأولان فلكونهما من وظيفة المجتهد وأما الباقي فلعدم تمكن العامي من العمل بها لعجزه عن إحراز الموضوع وهو الشك المستقر فيها مع ان شيئاً منها ليس من المسائل الأصولية.

ويمكن دفعه بأن التكليف في الأوليين قد اختص في اصل الشرع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والوصي عليه السلام ونوّابهما فلا يكون وظيفة لغيرهما في اصل الجعل الشرعي حتى في زمان الحضور فيكون كالتكاليف المختصة بطائفة دون طائفة وكالتكاليف المختصة بالرجال أو بالنساء ومثل ذلك مما لا معنى للنقض به كما هو واضح, وأما أصالة الطهارة والحلية فمرجعهما إلى البراءة والإباحة وقد عرفت ان البحث فيهما من علم الأصول للخاصية المذكورة.

وربما يلتزم بدخولهما في الفقه لوجهين, أحدهما: ان نفس الطهارة والحلية من الأحكام الفرعية, وثانيهما: اختصاصهما بأشياء خاصة من غير ان يكون لهما جهة عموم في جميع الأشياء.

ويمكن ان يقال: ان الالتزام بكل من هذين الوجهين مؤكد للنقض فانه مع كونهما من الفقه لا حظّ للعامي فيها ولو بعد الاستنباط من الأدلة لعجزه عن إحراز الموضوع فيهما وهو الشك المستقر كما عرفت فتدبر, أو لأن هذا الميزان إنما يجعل ميزاناً بعد عدم إمكان التمييز بالموضوع ومقتضى ميزان الموضوع كون القاعدتين من الفروع فلا عبرة حينئذ بميزان الخواص فتدبر.

في أن للمسالة الأصولية وصفاً هيولانياً:

وقال بعضهم ان لمسالة الأصول العملية وصفاً هيولانيا قابلاً للاندراج تحت مسائل علم الأصول وعلم الفقه وعلم الكلام ويختلف ذلك باختلاف غرض المعنون, وقال في توضيحه([601]) إن الأمر بالعمل بشيء يتصور على وجوه ثلاثة...

(أحدها) ان يراد به تطبيق العمل على ذلك الشيء من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق, وبعبارة أخرى يراد به عمل الجوارح وذلك كالأمر بعمل الصلاة والزكاة والصوم والنكاح والبيع وأمثال ذلك من العبادات البدنية والمعاملات حيث ان المراد من العمل بجميع ذلك هو ايجادها في الخارج بعمل الجوارح حركة وسكونا اجتماعا وافتراقا فيكون ذلك من المسائل الفقهية المتعلقة بالعمل بلا واسطة.

(وثانيها) ان يراد به الأخذ به وجعله دليلا وحجة ويستعان بها لاستنباط الأحكام الشرعية وهذا في الحقيقة تعليم وإرشاد إلى مدرك الحكم وطريق استنباطه كالأمر بالعمل بخبر الواحد وامثاله من الأدلة فان الأمر بالعمل به إنما يراد به الإرشاد إلى استنباط الفروع منه الفقهية ومعلوم ان العمل بذلك اي العمل بالصلاة ونحوها, فهذا يكون من المسائل الأصولية بلا إشكال لعدم تعلقه بالعمل بلا واسطة بل بواسطة تعلق مدلوله بالعمل بعد الاستنباط.

(وثالثها) ان يراد به معنى هيولاني قابل لأن يراد به أخذ المعنيين الأولين وان يراد به معنى ثالث وهو الاعتقاد بذلك الشيء وذلك كالأمر بقاعدة نفي الحرج مثلا فانه قابل للاندراج في مسائل أحد العلوم الثلاثة ويتشخص كل عن الآخر بقصد المعنون والكاشف عنه عنوانه في أحد العلوم فان عنون في علم الأصول فيصير ذلك قرينة على إن المقصود تعليم مدرك الحكم وإرشاد طريق الاستنباط فان البحث فيها حينئذ إنما هو ليتوصل بها إلى إثبات حجية خبر الواحد أو الظن المطلق أو عدم وجوب الفحص إذا أدى إلى الحرج.

فيقال: انه لو وجب تحصيل القطع بالأحكام أو بعدم المعارض أو الاحتياط لزم الحرج وهو منفي في الدين فيجوز العمل بخبر الواحد الظني أو الظن المطلق فيتولد من البحث عن مسألة أصولية وهو حجية الخبر أو الظن المطلق فتصير تلك القاعدة إما من مسائل الأصول أو من المبادئ التصديقية له من حيث ان التصديق بالخبر أو بالظن المطلق يتوقف على التصديق بها وحيث لم تتبين في علم آخر فتبين في علم الأصول وان عنون في الفقه فيصير ذلك قرينة على ان المقصود تطبيق العمل عليها فالبحث عنها حينئذ إنما هو لبيان طريق عمل المكلف وانه إذا عسر عليه الوضوء ينفيه عملا بتلك القاعدة فيتيمّم أو يحكم بوجوب التيمم الذي يتعلق بالعمل بلا واسطة فيكون من مسائل الفقه وإذا عنون في الكلام يصير ذلك قرينة على إرادة بيان وجوب الاعتقاد فالبحث عنها إنما هو لإثبات كفاية الاعتقاد الظني لو أدى تحصيل الاعتقاد القطعي إلى الحرج فيكون من مبادئ علم الكلام وكذلك الكلام في قاعدة نفي الضرر بل ويطرد الحكم إلى البراءة والاشتغال والتخيير والاستصحاب بتقريب انه إن عنونت في الأصول فيكون من علم الأصول لأن الغرض من عنوانها بيان طريق الاستنباط وتعليم انه من جملة مدارك الحكم ومما يمكن ان تستنبط به أحكام كثيرة.

وان عنونت في الفقه فالمقصود منه بيان تطبيق العمل من الحركات والسكنات عليها إذ المراد منها حينئذ بيان الأحكام الفرعية وان عنونت في الكلام فالمراد بها بيان لزوم الاعتقاد بنبوة النبي السابق حتى يثبت خلافه فتكون من مبادئ علم الكلام فالأصول العملية سواء قلنا باعتبارها من باب العقل أو من باب التعبد لها حيثيات واعتبارات يصح ان تجعل بلحاظ كل منها موضوعا لعلم غير ما تجعل بلحاظه موضوعا لعلم آخر وهذا مما لا غرو فيه, ألا ترى ان الكلمة والكلام يبحث عنهما في علم النحو من حيث الإعراب والبناء, وفي علم الاشتقاق من حيث التكلم عن المشتق والمشتق منه وفي علم الصرف من حيث التكلم في الأبنية والاعلال وفي علم المعاني والبيان والبديع من حيث التكلم في الفصاحة والبلاغة ومحسنات الكلام إلى غير ذلك.

وبذلك البيان يظهر ضعف ما ذكره بعضهم بعد بيان الوجه في كون الاستصحاب قاعدة فقهية من انه ربما يندرج تحت هذه القاعدة الفقهية مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب قاصداً به ان الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية الفرعية التي محل الكلام وان كان مقتضى هذا الوجه كونه من القواعد الفقهية إلا انه ربما يندرج فيها الاستصحاب الجاري في باب الألفاظ الذي لا خلاف في كونه من المسائل الأصولية كاستصحاب العموم والاطلاق وبقاء المعنى اللغوي واستصحاب عدم المعارض للدليل الشرعي ونحو ذلك ويحتمل ان يريد بالاستصحاب المندرج استصحاب حجية ما علم حجيته في زمان الحضور لو شك في حجيته في زمان الغيبة.

ووجه الضعف انه بناء على ما تقدم من ان له معنى هيولانياً لا معنى للاندراج المذكور بل هو في حال كونه من المسائل الفقهية بالاعتبار المذكور يكون من المسائل الأصولية بالاعتبار الآخر وكل منهما مباين للآخر لتغاير الاعتبار ولا يتفاوت الحال في ذلك بين كون المورد والمجرى من المسائل الفرعية وبين كونه من المسائل الأصولية.

ومن هنا يظهر ضعف ما ذكره النراقي([602]) من انه إن جرى في المسائل الفقهية فهو منها وان جرى في الأصولية فهو منها وذلك لما عرفته من انه ان لوحظ باعتبار الاستنباط فهو من الأصول جرى في المسائل الفقهية أو في المسائل الأصولية, وان لوحظ باعتبار تطبيق العمل عليه فهو من الفقه جرى في المسائل الأصولية أو في المسائل الفقهية فالنسبة بين النراقي وبين ما حققه ذلك البعض عموم من وجه, فما ربما يتخيل رجوعهما إلى قول واحد واضح الفساد وان كانا متشاركين في الضعف وعدم قيام بينة ولا شاهد على اعتبار هذه الاعتبارات والحيثيات في المقام ولا يساعد عليه كلام أحد من الأعلام فالأقوى إذن عده من المسائل الأصولية بناء على ان الموضوع هو ذات الأدلة أو من المبادئ التصديقية له مطلقا بناء على ان الموضوع لعلم الأصول هو الموصوف مع الوصف أي الدليل بما هو دليل ولعله الأظهر.

 

البحث عن حجية الاستصحاب في الألفاظ:

بقي هنا شيء وهو انه هل يكون البحث عن حجية الاستصحاب في الألفاظ لإثبات وضعها سواء كان في الموضوعات المستنبطة كأصالة عدم النقل والاشتراك أو في الموضوعات الصرفة من علم الأصول لأنه بحث عن الحجية فانه يبحث فيه عن ان الاستصحاب بناء على اعتباره من باب الظن الخاص والأخبار يكون حجة في الموضوعات المستنبطة فلو شك في كون لفظ منقولا أو مشتركا فينفى بأصالة العدم ومثله الكلام في الاستصحاب الجاري لإثبات المرادات كأصالة عدم التخصيص والتقييد وعدم القرينة ونحو ذلك فان البحث فيها بحث عن الحجية وقد يبطل حجية تلك الاستصحابات لأنها من الأصول المثبتة التي لا تعتبر بناء على اعتبارها من باب التعبد والأخبار أو ان حجيتها ثابتة معتبرة بناء على اعتبارها من باب الظن.

والحق ان اعتبارها من باب بناء العقلاء عليها لا من باب الاستصحاب حتى يفصل ذلك التفصيل فيها وانها من مباحث الألفاظ في علم الأصول.

الأصول العملية الجارية في الأحكام الجزئية:

وأما الأصول العملية الجارية في الأحكام الجزئية والموضوعات الخارجية.

فالظاهر كما اعترف به جماعة من الأجلة ان البحث فيها من المسائل الفقهية سواء جعل مدركها العقل أو الأخبار لأنه على الثاني, أي إذا كان مدركها الأخبار يكون البحث عنها كالبحث عن سائر القواعد الكلية الجارية في الشبهات الموضوعية كأصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ أو بعد تجاوز المحل.

وأما على الأول, اعني إذا كان مدركها العقل يكون البحث عنها كالبحث عن سائر الأمارات كيد المسلمين وسوقهم والغلبة والبينة وغير ذلك, والسّر في جعله من المسائل الفقهية في تلك الصورة على كل من الوجهين هو وجود خاصة الفقه فيه وصدقها عليه وهو اشتراك المفتي والمستفتي في التمسك به بعد تنقيحه وثبوت حجيته.

ومن المعلوم انه يجوز للمستفتي بعد ثبوت حجيتها التمسك بها مثلا يصح للمستفتي ان يتمسك باستصحاب حيوية زيد وبقاء رطوبة الثوب وبراءة ذمته من وجوب الصلاة عليه عند الشك في الكسوف ونحو ذلك, وهذا بخلاف المسألة الأصولية فأنها مما لا حظ للمقلد في التمسك بها لكنه مع ذلك لا يخلو عن تأمل نظراً إلى انه من المستبعد جداً اختلاف مسائل الأصول العملية مع وحدة معناها ووحدة دليلها عقلا أو نقلا في الاندراج تحت أحد العلمين لسبب اختلاف موردها وذلك لوضوح ان اختلاف المورد مما لا ربط له بذلك سواء جرت في الأحكام الكلية أو في الموضوعات الجزئية كما أن الدليل عليها على أي تقدير هو العقل أو النقل لم يختلف بين الموردين.

وعلى هذا فكيف يدعى اختلافها لسبب اختلاف المورد في الاندراج في أحد العلمين فيحتاج إلى عنوانه والبحث عنه في كل من العلمين مع انه ليس له إلا معنى واحد وليس له إلا دليل واحد ألا ترى أن البحث عن حجية خبر الواحد من المسائل الأصولية سواء كان في الأحكام أو في الموضوعات مع استدلالهم بآية النبأ على حجيته مطلقاً فتأمل.

والحاصل ان عندهم للأصول العملية جهتين من الكلام (إحداهما) في الحجية من حيث هي, وهذه الجهة قد عرفت ان لها عنواناً واحداً كما إن لها معنى واحداً ودليلا واحدا لا نظر له إلى المورد والمجرى وهذه الجهة هي التي يتكلم فيها من حيث الاندراج في علم الفقه أو في علم الأصول, وأخرى في مجرى من انه أما أحكام كلية أو موضوعات جزئية ومن المعلوم ان اختلاف المورد والمجرى لا يوجب اختلافه اندراجا في أحد العلمين فالحق انه من علم واحد ولا يضر اختلاف المورد.

الأصول العملية الجارية في المسألة الأصولية:

وأما الأصول العملية الجارية في المسألة الأصولية كاستصحاب العموم فيما لو شك في التخصيص أو حجيته بعد العلم الإجمالي بالمخصص كما عن بعضهم التمسك به فلا إشكال في كونه تابعا له في الحكم وكونه من المسائل الأصولية ولو على القول باعتباره من باب الأخبار إذ لا ربط لها بالفروع الفقهية ولا حجية ولا مجرى.

مراتب الفقه (الاجتهاد – الإفتاء – القضاء – النيابة) عن الإمام في تدبير شؤون الرعيّة:

ان الفقيه له مراتب أربعة:

الأولى الاجتهاد: وهو ملكة استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية وبهذه المرتبة يترقى من حضيض التقليد إلى درجة الاجتهاد ويسمى بهذه المرتبة مجتهدا.

والثانية مرتبة الفتيا: وهي إخباره عن أحكام الله الشرعية بما يجده في أدلتها التفصيلية مثل قوله: الصلاة واجبة, وسجدة السهو واجبة, والخلو بالأجنبية مكروه, والغيبة حرام ونحو ذلك مما هو مشحون به كتب الفتاوى كالرسائل العملية ونحوها ويسمى بهذه المرتبة مفتياً.

والثالثة مرتبة القضاء: وهو إنشاء وإلزام بما تقتضيه الأسباب الشرعية مثل الإلزام بأداء الدين وفسخ النكاح أو ثبوت الملك ونحو ذلك ويسمى بهذه المرتبة قاضياً. وتوضيح ذلك يطلب مما ذكرناه في القضاء.

والرابعة مرتبة النيابة عن الإمام في الزعامة والسلطنة على الأمور: وهي مرتبة تدبيره شؤون الرعية الدنيوية والاخروية وتفويض السياسة العامة ورعايته للمصالح ودفعه للمفاسد وقمع الجناة وقتل الطغاة وحفظ الثغور, ويسمى بهذه المرتبة حاكم الشرع والمرجع الديني.

ومن هنا يظهر لك ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة   عليه السلام ما صدر منهم بمقتضى امامتهم لا يجوز لأحد الاقدام عليه إلا إذا ثبتت له الإمامة أو النيابة العامة, وما صدر منهم بعنوان انه حكم الله تعالى فيعمل به كل أحد عند تحقق موضوعه فقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من احيا ارضا فهي له)([603]) أو قولهم   عليه السلام (ما كان لنا فهو لشيعتنا)([604]) ان كان بمقتضى امامتهم فلا يجوز لأحد ان يحيي ارضاً إلا بإذن إمام عصره أو نائبه ولا ان يأخذ من مال الإمام إلا بإذن إمام عصره أو نائبه وان كان بمقتضى انه حكم الله تعالى قد بينه لعباده جاز ذلك لكل أحد ولا حاجة ان يستأذن من إمام عصره أو نائبه.

الفرق بيـن المجتهد والمفتي والمرجع الديني:

ثم انه قد تداول بين الفقهاء استعمال لفظ المجتهد, والفقيه, والمفتي والمرجع الديني, والزعيم الديني والفرق بينها واضح فان من تعلم علم الفقه باعتبار انه يعمل بالأدلة الظنية المعتبرة الدالة على الحكم الواقعي يسمى مجتهداً لأن الاجتهاد استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي الفرعي, وباعتبار انه يعلم بالأحكام الشرعية الفرعية الظاهرية عن أدلتها التفصيلية يطلق عليه الفقيه, لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية, فظهر من هذا انه لا يصح إطلاق المجتهد بالقياس إلى الأحكام الظاهرية لأنه عالم بها على سبيل اليقين, ولا يصح إطلاق الفقيه عليه بالنسبة إلى الأحكام الواقعية لأنه منسد باب العلم بها إلا إذا علم بها, وباعتبار انه يفتي ويخبر عن حكم الواقعة يسمى مفتياً, وباعتبار انه يرفع الخصومة بحكمه يسمى قاضياً وحاكماً, وباعتبار انه يتولى شؤون المسلمين في أمور الدنيا والدين يسمى إماماً ومرجعاً دينياً وزعيماً روحياً.

الفقه المقارن:

قد شاع في هذا الوقت التعبير بعلم الفقه المقارن ويراد به هو العلم بالاراء المختلفة في حكم المسألة الشرعية ودليل كل رأي فيه وبيان ما هو الحق منها بالبرهان وعند المتقدمين يعبرون عنه بعلم الخلاف أو الخلافيات ولا ريب في ان الاطلاع على الآراء المختلفة في المسألة الواحدة مع معرفة المصدر لكل منها يكسب الإنسان بصيرة فيها, وقد قلت في عدة مناسبات ان الحقيقة لا زالت تبرق وتظهر من تصادم الأفكار, وعن كتاب القضاء عن المبسوط للشيخ الطوسي  رحمه الله  عند ذكره للعلوم التي يتوقف عليها الاجتهاد ما لفظه (واما الخلاف فهو متداول بين الفقهاء يعرفونه حتى أصاغرهم)([605]) انتهى ثم إن البحث في ذلك على أنواع ثلاثة:

أحدها: أن يكون خاصاً في آراء الفقهاء لمذهب واحد كأن يقتصر فيه على بيان الآراء في الحكم الشرعي للمسألة الفقهية للمذهب الجعفري فقط أو المالكي فقط.

ثانيها: ان يكون عاما للمذاهب الإسلامية الأخرى بأن يتعرض فيه لمذاهب أخرى غير مذهب, إمامه والكتب التي الفت عندنا من قديم الدهر في هذا الموضوع وان كانت كثيرة جدا بل لعل كل كتاب فقهي استدلالي لا يخلو البحث في بعض مسائله عن ذلك إلا أن أهمها كتاب الخلاف للشيخ الطوسي رحمه الله  المتوفى سنة 460هـ المطبوع عدة طبعات في إيران والظاهر انه أول كتاب ألف في هذا الموضوع للامامية.

وكتاب المختلف للعلامة الحلي المتوفى سنة 726هـ المطبوع في إيران إلا إن احسنها واوسعها مؤلفه التذكرة المطبوع في إيران وفي النجف الأشرف بعض أجزائها. ونجد ذلك في كتاب الإمام الشافعي([606]) (الام) وكتاب الإمام الطبري([607]) (اختلاف الفقهاء) والبيهقي([608]) في كتابه (الخلافيات).

ثالثها: ان يكون البحث في المسألة الفقهية عن الحكم الشرعي ومقارنته بالقانون المدني فيها ومقدار مخالفته وموافقته له وبيان ما تقتضيه المصلحة العامة ومتطلبات الحياة وقد تكفلت بهذا البحث كليات الحقوق, ويقال ان أول من اقترح دراسة الفقه المقارن بين المذاهب الإسلامية في كلية الشريعة الإسلامية في الأزهر في الدراسة للسنة الرابعة هو الشيخ المراغي([609]) رحمه الله  ولنا معه بعض المطارحات في التفسير وجوابه عليها وجوابنا عليه نشرتها الصحف وطبعت في ضمن نظرات وتأملات, وما بين النجف والأزهر.

أقسام الفقهاء:

ينقسم الفقهاء إلى عدة اصناف:

الأول: الفقهاء الصحابيون, وهم من لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآمنوا به ولازموه حتى عُرِفوا بالفقهاء, واما من عاصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلقه فلا يسمى صحابياً حتى لو كان فقيهاً وانما يعتبر من التابعين إلا أن الكثير منهم انصرف إلى أمر معاشه عن الاشتغال بالفقه ومنهم من لم تتوفر فيه القريحة الفقهية, وذكر أرباب السير أن منهم المكثر في الفتوى كالامام علي([610])عليه السلام وزيد بن ثابت([611]) وعبد الله بن عباس([612]) وعبد الله بن عمر([613]), ومنهم المقل في الفتوى كالامام الحسن([614])عليه السلام وأبي عبيدة الجراح([615]) ومنهم المتوسط في الفتوى كأبي بكر وانس بن مالك وأبي سعيد الخدري وكانوا كلهم في المدينة المنورة ثم تفرقوا بعد التوسع في الفتح واسناد الولاية والقضاء إليهم.

الثاني: ما يسمى بالفقهاء التابعين, وهم من لقي الصحابة واخذ منهم, وعصرهم متداخل في عصر الصحابيين والعصر الذي انفردوا به عن الصحابيين قصير جدا, قيل وكان نهايته قبل نهاية دولة بني أمية.

الثالث: ما يسمى بالفقهاء الأرأيتيين مفردة (أرأيتيّ) نسبة إلى (أرأيت), وهم الفقهاء الذين يبحثون في مسائل فرضية يستبعد حدوثها ويحكمون فيها بحسب رأيهم فيقولون (أرأيت لو كان الأمر كذا فما كان الحكم؟) وقد كثر إطلاق هذا اللفظ على فقهاء العراق من أهل الرأي.

الرابع: ما يسمى بالفقهاء الواقعيين, وهم الذين يقصرون الفتوى على المسائل الواقعية وهي التي اشتملت على ذكرها الآيات القرآنية أو السنة.

الخامس: ما يسمى بالفقهاء المتقدمين, وهم الفقهاء الذين كانوا قبل سقوط بغداد بيد المغول سنة 656هـ, اعني ما كانوا قبل منتصف القرن السابع.

السادس: ما يسمى بالفقهاء المتأخرين, وهم الذين كانوا بعد سقوط بغداد سنة 656هـ حتى اليوم.

السابع: ما يسمى بالفقهاء المعاصرين, وهم من أدرك المتكلم أو المؤلف زمانه فان ذلك المتكلم أو المؤلف يحق له ان يعبر عن الفقيه الذي في زمانه بالمعاصر.

الثامن: ما يسمى بالفقهاء المطلقين, والفقيه المطلق هو الذي له ملكة الاجتهاد في جميع مسائل الفقه وقد يطلق على من رجع في استنباط الأحكام الشرعية للأدلة التفصيلية كالكتاب والسنة والإجماع والعقل في مقابل الفقهاء المقلدين وهم الذين قلدوا من سبقهم من المجتهدين وانحصر اجتهادهم في فتاواهم ويسمون أيضاً بالفقهاء في المذهب ويسمون من كان منهم يفصل ما أجمل من قول مرجع تقليده أو يبين ما أبهم منه بأصحاب التخريج.

التاسع: ما يسمى بالفقهاء المتجزئين, والفقيه المتجزىء هو الذي له ملكة الاجتهاد في بعض مسائل الفقه دون بعض ويقابله الفقيه غير المتجزئ وقد يعبر عنه بالمطلق كما تقدم.

العاشر: ما يسمى بالفقهاء المحدَّثين والاخبارين, وهم الذين يعتمدون على الأدلة النقلية دون الأدلة العقلية ولا يعتبرون علم الأصول, ويقابلهم الفقهاء الأصوليون وهم الذين يعتمدون عليها ويأخذون بعلم الأصول, هذا اصل الاصطلاح ولكن عند الشيعة الاختلاف بين الأصوليين والمحدَّثين قد تجاوز ذلك, وقد ألف في ذلك جدنا كاشف الغطاء(1) رحمه الله  كتاباً فيما اختلف فيه الأصوليون والاخباريون.

الحادي عشر: ما يسمى بالفقهاء السلفيين, وهم الفقهاء الذين دعوا للمذهب السلفي والرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى مصادرها الأصلية من الكتاب والسنة ونحوها وحاربوا التقليد وشددوا النكير على الجمود على الرجوع لفتاوى الفقهاء.

الثاني عشر: ما يسمى بأصحاب الرأي, وهم أصحاب الرأي والقياس والاستحسان وهم الذين يبحثون عن علل الأحكام الشرعية ومناطاتها ويحكمون على طبقها ولم يحجموا عن الفتوى برأيهم عند فقد النص الواضح وكان اكثر فقهاء العراق منهم ويسمون بأهل مدرسة الرأي ويقابلهم أهل الظاهر وهم الفقهاء الذين لا يفتون بالرأي مع وجود الظواهر من كتاب أو سنة ونحوها وكان اكثر أهل الحجاز منهم ويسمون بأهل مدرسة الحديث ويروى في هذا الباب ان سعيد بن المسيب(2) قال لربيعة بن عبد الرحمن المتوفى سنة 136هـ لما سأله عن علة الحكم: أعراقي أنت(3)؟

الفقهاء للائمة   عليه السلام:

قد ذكر الكشي([616]) ان العصابة قالوا بأن (أفقه الأولين ستة كانوا من أصحاب الباقر([617])عليه السلام والصادق عليه السلام وهم زرارة, ومعروف بن خرّبود([618]),وبريد([619]), وابو بصير الاسدي([620]), والفضيل بن يسار([621]), ومحمد بن مسلم([622]) الطائفي, قالوا: وافقه الستة زرارة, وقال بعضهم مكان (أبي بصير الاسدي) أبو بصير المرادي([623]) وهو ليث بن البختري)([624]).

ثم ذكر الفقهاء من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام خاصة وعددهم ستة: جميل بن دراج([625]), وعبد الله بن مسكان([626]), وعبد الله بن بكير([627]), وحماد بن عيسى([628]), وحماد بن عثمان([629]), وأبان بن عثمان([630]), قالوا وزعم أبو إسحاق الفقيه وهو ثعلبة بن ميمون([631]): ان افقه هؤلاء جميل بن درّاج)([632]).

ثم ذكر الفقهاء من أصحاب الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وولده الرضاعليه السلام وعددهم ستة (منهم يونس بن عبد الرحمن([633]), وصفوان بن يحيى بياع السابري([634]). ومحمد بن أبي عمير([635]), وعبد الله بن المغيرة([636]), والحسن بن محبوب([637]), واحمد بن محمد بن أبي نصر([638]).

وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب الحسن بن علي بن فضال, وفضالة بن أيوب, وقال بعضهم: مكان ابن فضال عثمان بن عيسى, وافقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى)([639]) انتهى ما ذكره الكشي.

عَدَم إطلاق الفقيه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم:             

لا يصح إطلاق الفقيه بالمعنى الاصطلاحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن علمه صلى الله عليه وآله وسلم بالأحكام الشرعية الفرعية لم يستند إلى النظر والاستدلال بل هو بالوحي المبين, وأما الأئمة   عليه السلام فقد يطلق عليهم الفقهاء أو يسمى أحدهم بالفقيه بمعناه العرفي العام وهو مطلق معرفة الأحكام الشرعية سواء كانت عن دليل تفصيلي أم عن غيره.

وتسمية الإمام موسى بن جعفر عليه السلام بالفقيه بهذا المعنى عند الشيعة وأما عند أهل السنة فاطلاقهم الفقهاء على الأئمة بالمعنى الاصطلاحي.

الفصل الثاني

في موضوع علم الفقه وشرح موضوع العلم ووجه التميز به والدليل على وجوده

الموضوع لكل علم:

الأمر الثاني من الأمور التي تذكر في مقدمات العلوم هو بيان موضوع العلم وإنما ذكره باعتبار انه يرون إن تمايز العلوم في نفسها وذاتها بحسب تمايز موضوعاتها لأنه هو المبحث عن احواله في العلم بخلاف التمييز بالتعريف فانه إنما يكون بحسب الآثار المرتبة عليه.

 ولأنه كما تقدم بمنزلة مطلب (هل) حيث انه بمعرفة الموضوع يعرف وجود العلم, ومطلب (هل) لا بد منه قبل الشروع في الشيء, إذ الشيء لا يشرع فيه ما لم يعلم بوجوده.

وأيضاً ان جهة وحدة مسائل العلم أولا وبالذات هو الموضوع إذ فيه اشتراكها وبه اتحادها وإذا عرف جهة اتحادها أحاط بها إجمالا بحيث إذا قصد تحصيل تفاصيلها لم ينصرف الطلب عما هو منها إلى ما ليس منها.

(وتحقيق ذلك) كما استفدناه من كلمات القوم ان كمال النفس الانسانية بقوتها الادراكية، والقوة الادراكية إنما تحصل بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقدر الطاقة البشرية ولما كانت حقائق الأشياء وأحوالها متكثرة متنوعة, وكانت معرفتها مختلطة غير مستحسنة ومتعسرة أقتضى حسن التعليم وتسهيله ان تجعل مضبوطة متمايزة فتصدى لذلك العلماء الأوائل ووضعوا الحقائق وبحثوا عن أحوالها المختصة التي هي الأغراض الذاتية لها واثبتوها لها بالأدلة فحصلت قضايا كسبية محمولاتها اغراض ذاتية لتلك الحقائق سموها بالمسائل، وأدلتها وتعاريف ما يتعلق بها سموها بالمبادئ، وتلك الحقيقة المبحوث عن أحوالها سموها بالموضوع.

فصارت عندهم كل طائفة من الأحوال متشاركة في موضوع علما منفردا ممتازاً في نفسه يفرد بالتدوين والتسمية والتعليم نظراً إلى ما لتلك الطائفة من المسائل المتكثرة المختلفة في المحمولات من الاتحاد في جهة الموضوع والاشتراك فيه على الوجه المذكور وأصبحت علومهم بالحقائق وأحوالها متمايزة في انفسها وموضوعاتها وسلكت الأواخر أيضاً هذه الطريقة في علومهم ثم قد تتحد المسائل من جهات أخرى كالمنفعة والغاية ونحوها ويؤخذ لمجموع تلك المسائل من بعض تلك الجهات ما يفيد تصورها إجمالا من حيث اختصاصها بها, قال بعضهم فيكون ذلك حداً للعلم ان دل على حقيقة سماه الذي هو المركب الاعتباري كما يقال هو علم يبحث عن كذا أو علم بقواعد كذا وإلا فرسماً كما يقال هو علم يقتدر به على كذا أو يحترز به عن كذا أو يكون آلة لكذا فظهر ان الموضوع هو جهة وحدة مسائل العلم الواحد نظراً إلى ذاتها وان عرضت عليها جهات أخرى كالتعريف والغاية.

لا يقال: على هذا يكون العلم متعدداً بتعدد الموضوعات التي هي مقومات المسائل فلم لم يجعل العلم متعددا بتعدد المحمولات مع إنها مقومات للمسائل أيضاً بأن يكون البحث عن بعض الأعراض الذاتية علما وعن البعض الآخر علماً آخر مع اتحاد الموضوع ويجعل المميز هو القدر الجامع بين المحمولات بل ان هذا اقرب بناء على كون الموضوع بمنزلة المادة لتوارد الأعراض عليه كما تتوارد الصور على المادة والمادة مأخذ للجنس, والأعراض الذاتية بمنزلة الصورة وهي مأخذ للفصل الذي به كمال التمييز (لأنه قد قيل) انه لا ضبط للاعراض ولا حصر لها بل لكل أحد أن يثبت ما استطاع فلا ينضبط أمر الاتحاد بين المسائل في العلم والاختلاف بينها فيه.

ولا يخفى ما فيه, فانه لهم ان يفرضوا فائدة خاصة لعنوان جامع بين عدة أعراض كإلاعراب والبناء ويطلبوا المسائل المحصلة لها, إلا أن يقال ان هذا لا يتيسر لنا في سائر العلوم لعدم وجود القدر الجامع بين أعراضها فان أعراض العدد لعلم الحساب لا قدر جامع بها, كيف والأعراض بينها تباين واختلاف وتكثّر بحيث يعسر جمعها في كلي واحد, وإلا لو أمكن ذلك صح أن يجعل ذلك العنوان أيضاً مميزاً للعلم فلو فرضنا لعلم الفلسفة قدر جامع بين محمولات مسائله صح ان يجعل مميزا أيضاً كموضوعه.

وأما حديث المادة والصورة فهو غير صحيح لأن كلا من الموضوع والمحمول جزء مادي من المسألة وإنما الجزء الصوري لها هو الحكم على ان الكلام ليس في المسألة وإنما في المركب الاعتباري الذي هو العلم, ولا خفاء في ان المسائل مادة للعلم ومرجع الصورة إلى جهة الاتحاد إذ بها تصير المسائل علماً واحداً.

 

الدليل على لزوم وجود الموضوع لكل علم:

ان الكلام في موضوع علم الفقه يستدعي الكلام في مقامات ثلاثة:

الأول: في الدليل على لزوم وجود الموضوع لكل علم.

الثاني: في تعريف الموضوع لكل علم.

الثالث: في بيان ما هو موضوع علم الفقه.

أما الكلام في المقام الأول فنقول: ان الدليل على وجود الموضوع للعلم هو ما ذكره علماء الفلسفة والحكمة وأشرنا إليه سابقاً ان العلماء لما حاولوا معرفة الأشياء بقدر الطاقة البشرية وضعوا الحقائق أنواعا وأجناساً وغيرها كالعدد والفلك والوجود وبحثوا عن أعراضها وأحوالها المختصة بها وأثبتوها لها بالأدلة فحصلت لكل من تلك الحقائق قضايا كسبية محمولاتها أعراض ذاتية لتلك الحقائق وسمّوا تلك القضايا بالمسائل.

ثم ان كل طائفة من تلك المسائل ترجع إلى حقيقة واحدة من تلك الحقائق افردوها بالتدوين والتسمية باسم خاص في باب التعليم والتعلم نظراً إلى ما لتلك الطائفة على كثرتها واختلاف محمولاتها من الاتحاد في جهة الموضوع لكونها مشتركة في البحث عن حقيقة واحدة من تلك الحقائق, وقد جعلوا تناسب العلوم وتباينها وتداخلها بحسب تلك الجهة بمعنى ان موضوع أحد العلمين ان كان مباينا لموضوع الآخر من كل وجه كالعدد للحساب والكلمة للنحو فالعلمان متباينان على الإطلاق وان كان أعم منه فالعلمان متداخلان وان كان موضوعهما شيئا واحداً بالذات متغايراً بالاعتبار أو شيئين متشاركين في جنس واحد فالعلمان متناسبان كما قرر ذلك في محله.

وبعبارة أخرى ان سعادة الإنسان لما كانت منوطة بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقدر الطاقة البشرية, وكانت تلك الحقائق والأحوال متكثرة وكانت معرفتها مختلطة متعسرة تصدى الأوائل لضبطها لتسهيل تعلمها وتعليمها فأفردوا الأحوال الذاتية المتعلقة بشيء واحد ودوّنوها علما وسموا ذلك الشيء موضوعا لذلك العلم فاخذوا الوجود المطلق من حيث هو هو وسموا العلم الباحث عن احواله بالعلم الإلهي والفلسفة الأولى وبالعلم الكلي وبما بعد الطبيعة وأخذوا الكم وقسموه إلى متصل ومنفصل, والمتصل إما متحرك أو ساكن فالعلم الباحث عن أحوال الكم المتصل المتحرك سموه بعلم الهيئة والساكن بعلم الهندسة والمنفصل إما ان يكون له نسبة تأليفية أو لا يكون والأول هو الموسيقى والثاني هو الحساب وهذه العلوم الأربعة تسمى بالعلوم الرياضية, ولكل منها فروع وأخذوا الجسم الطبيعي وسموا العلم الباحث عن احواله بالعلم الطبيعي وجعلوا له فروعاً وأخذوا النفس الانسانية من حيث اتصافها بالأخلاق والملكات وسموا العلم الباحث عن احوالها بالحكمة العملية إلى غير ذلك من أخذهم الحقائق وبحثهم عن احوالها ولهذا جعلوا لكل علم موضوعاً.

الرد على صاحب الكفاية:

وعلى هذا فلا يصح تعريف المسائل بأنها قضايا جمعها اتحاد الغرض والغاية كما صدر من صاحب الكفاية([640])  رحمه الله  بل تكون المسائل قضايا جمعها اتحادها في الموضوع الذي يبحث عن أحواله في العلم.

(والحاصل) ان الذين اعتبروا الموضوع للعلوم هم علماء الحكمة لتقسيمهم الحقائق إلى تلك الأمور وبحثهم عن عوارض كل قسم, وعليه فيكون المييز الذاتي للعلوم هو الموضوع, ولكن علماء الفنون التي اخترعوها لغايات خاصة كالنحو لصون اللسان يكون المدار عندهم في مسائل العلم ما كان له دخل في حصول الغرض منه وليس للموضوع الجامع لموضوعات المسائل عندهم أي اثر في تكوين العلم ولا في تسميته ولا يلزم وجود الموضوع على هذا التقدير وانما يلزم وجود الغرض كما انه لا يضر البحث عن الأعراض الغريبة لموضوع العلم لو فرض له موضوع إذا كان البحث ينفع في ترتب الغاية عليه.

فظهر من هذا كله ان العلم ان كان الميزان في عده علما هو بحث مسائله عن موضوع خاص لزم أن يكون موضوعا له ولزم ان يكون محمولات المسائل فيه أعراضا ذاتية له وان كان الميزان في عده علماً هو ترتب الغاية على معرفة مسائله لم يلزم ان يوجد موضوع له ولا يلزم ان يكون محمولات المسائل عرضا ذاتيا لموضوعه حتى لو فرض له موضوع, والمتأخرون لما لم يلتفتوا إلى ذلك وقعوا في هذا المأزق الحرج فأرادوا الجمع بين موضوع العلم والغاية منه وما دروا ان كل واحد منهما جهة وحدة للمسائل بها تعد علماً واحدا.

البرهان الفعلي على وجود الموضوع:

وقد حاول بعض المتأخرين اقامة البرهان العقلي على وجود الموضوع لكل علم. وحاصله بتوضيح منا هو ان مسائل العلم ان كانت يترتب عليها اكثر من فائدة واحدة بأن كان بعضها يترتب عليه فائدة وبعض يترتب عليه فائدة أخرى فلا تكون المسائل مسائل علم واحد وان ترتب عليها فائدة واحدة بأن أثرت جميعها أثراً واحداً فلا يكون تأثيرها إلا من قبيل العلم وقد تقرر في علم الحكمة ان الواحد لا يصدر إلا من واحد.

وعليه فالأثر الواحد لا يصدر من مسائل متعددة فلا بد من اتحادها في جهة واحدة حتى يمكن صدور ذلك الأثر الواحد منها, والجهة الواحدة في المسائل اما ان تكون بين موضوعات المسائل أو محمولاتها فان كانت بين موضوعات المسائل فهو المطلوب, إذ قد ثبت ان بين موضوعات المسائل قدر جامع, وليس موضوع العلم إلا القدر الجامع بين موضوعات المسائل وان كانت بين محمولات المسائل فهي عرض لموضوعاتها فلا بد له من موضوع واحد لأن الواحد لا يحل إلا في واحد وذلك الموضوع هو الجامع لموضوعات المسائل وهو موضوع العلم (ولكن يرد عليه):

(أولا) إن العلوم بالنسبة إلى أغراضها ليست من قبيل العلل بل من قبيل الآلة الموصلة لأثر الفاعل لمنفعله, نعم خصوص العلوم الاعتقادية بالنسبة للغرض منها يمكن ان يقال انها علة فلو تم هذا الدليل فإنما يتم بالنسبة لها فقط.

(وثانياً) لو سلمنا انها من قبيل العلل لكن هذه القاعدة إنما أثبتها الحكماء في العلل الموجبة البسيطة وأثرها البسيط لا في مثل العلم المركب من المسائل ومبادئها ويكون اثره مركبا من آثار متعددة بتعدد المسائل فان مثل الفاعل مرفوع يؤثر في صون اللسان عن الخطأ في الفاعل, والمفعول منصوب يؤثر في صون اللسان عن الخطأ في المفعول وهكذا باقي المسائل.

(إن قلت) انه لا شك يحصل في النفس من العلم معنى بسيط إجمالي ولا اقل من الملكة.

(قلنا) هذا المعنى إنما يحصل من حصول أغراض المسائل في النفس فهو صادر من أغراض المسائل لا من نفس المسائل ولا مانع من التزام وجود جامع من الأغراض.

والحاصل أن الفائدة من قبيل الكل لأن لكل مسألة فائدة ومن المجموع يحصل ذلك الأثر فالفائدة مجموع آثار تلك المسائل.

(وثالثاً) ان العلم وان كان علة موجبة لكمال نفساني إلا ان العلية إنما هي لمسائله فلا بد من رجوع مسائله لمسألة واحدة بسيطة لا رجوعها لموضوع واحد, إذ ذلك الموضوع ليس بنفسه مؤثر ولذا عند العلم به لا يؤثر ذلك الأثر أصلاً, ولا يخفى ما فيه فانه على هذا يكون له موضوع واحد وهو موضوع تلك المسألة التي رجعت لها مسائل ذلك العلم.

ويمكن الاستدلال على وجود الموضوع أيضاً بأن آلية مسائل العلم للغرض الحاصل منه أو عليتها له دون باقي مسائل العلوم الأخرى بالنسبة لذلك الغرض تقتضي وجود خصوصية فيها دون باقي مسائل العلوم الأخر وإلا لزم تأثير باقي المسائل للعلوم الأخر في ذلك الغرض.

وهذه الخصوصية ليست بقائمة بخصوص الانضمام في المسائل لأن الانضمام موجود في سائر العلوم مع انه تابع للمسائل ولا في النسب بين الموضوعات والمحمولات لأنها موجودة في سائر مسائل العلوم مع ان النسب تابعة للموضوعات والمحمولات.

ولو وجدت الخصوصية المذكورة في المحمولات فلا بد أن تكون لها محل واحد تعرض عليه وليس هو إلا الجامع بين موضوعات المسائل ولم أرَ أحداً تعرض للاستدلال على وجود الموضوع بهذا النحو فيما بين يدي من الكتب.

ويمكن المناقشة فيه بأن الخصوصية هي في نفس المسائل حين اجتماعها نظير اجتماع عدة أدوية لأثر خاص وليس يلزم وجود قدر جامع بينها.

إن قلت إن الخصوصية لا بد وان تكون في الجميع بنحو واحد فتكون قدراً جامعاً بينها.

قلنا لو كان بنحو المعلول البسيط لتم على رأي الفلاسفة من جهة لزوم السنخية بين العلة والمعلول لا في مثل ما نحن فيه الذي هو من قبيل الآلة ونحوها.

تعريف موضوع العلم(تفسير العوارض – تقسيمها إلى ذاتية وغريبة – تفسير الواسطة) وتقسيمها إلـى ثلاثة أقسام:

عرف القوم الموضوع للعلم بأنه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية, وهذا التعريف قد تسالم عليه الفلاسفة وأرباب الحكمة المتعالية وعلماء المنطق والعلوم النقلية. والمراد بالبحث عن العوارض هو التفتيش عنها باثباتها للموضوع وحملها عليه.

(والعوارض) جمع عارض وهو المحمول الخارج عن حقيقة ما حمل عليه إذ لو كان داخلا لكان جزءه, والجزء ليس بعارض على الكل. ولو كان خارجا ولكن لا يحمل عليه لكان أجنبيا عنه وليس بعارض عليه, وقد جعل المتقدمون تقييد العوارض بالذاتية لإخراج العوارض الغريبة لأن الأعراض عندهم على قسمين ذاتية وغريبة. وحصر الكثير منهم الأعراض الذاتية بثلاثة أنواع:

(الأول) ما يعرض الشيء لذاته كعروض الزوجية للأربعة والامكان والوجوب للماهية ومنه عروض الجنس للفصل أو بالعكس.

(الثاني) ما يعرض الشيء بواسطة جزئه وهو إنما يكون في الحقائق المركبة دون البسيطة حيث لا جزء لها بخلاف الأول وهو على صنفين:

(أحدهما) بواسطة جزئه المساوي كإدراك الكليات العارض للإنسان بواسطة كونه ناطقاً المعبر عنه بالتعقل.

و(ثانيهما) بواسطة جزئه الأعم كالمشي العارض للإنسان بواسطة كونه حيواناً.

(الثالث) ما يعرض للشيء بواسطة الأمر الخارج المساوي سواء كان مساوياً للمعروض كما لو كان المعروض بسيطا ومساوياً لجزئه كما لو كان مركباً أو عارضاً لأمر خارج أيضاً يكون مساويا للمعروض كالبشْر العارض للإنسان بواسطة الفرح العارض لابتهاج النفس العارض للإنسان كما قيل. وقد جعلوا هذه الأعراض الستة أعراضاً ذاتية لأن العروض فيها مستند إلى الذات أما في الأول فظاهر وأما في الثاني بقسميه فلاستناده إلى الجزء وهو من مقومات الذات وأما الثالث بأقسامه فلأن العارض المساوي مستند إلى المستند إلى الذات والمستند إلى المستند إليها مستند إليها وأما الأعراض الغريبة فقد حصروها في نوعين:

الأول: ما يعرض الشيء بواسطة أمر خارج أعم كالتحريك بالارادة العارضة للناطق بواسطة الحيوان.

الثاني: ما يعرض الشيء بواسطة أمر خارج أخص كإدراك الكليات العارض للحيوان بواسطة الناطق وقد الحق بهما بعض المتأخرين (كصاحب القسطاس)(1).

وهو ما يعرض الشيء بواسطة الأمر المباين كعروض الحرارة للماء بواسطة النار.

وجعلوا هذه الأنواع الثلاثة أعراضا غريبة لعدم استنادها إلى ذات المعروض.

والحاصل ان العلماء المتقدمين كصاحب الشمسية(2) وشارح التهذيب(3) ادعوا إن ما كان عوارض الموضوع من قبيل القسم الأول فهو من العوارض الذاتية يبحث عنه في العلم وما كان من قبيل القسم الثاني فهو من العوارض الغريبة لا يبحث عنه في العلم.

ولكن المتأخرين عدلوا عن هذا التفسير للأعراض الذاتية وفسروها بتفسير آخر قد سبقهم إليه جملة من الحكماء وجعلوها عبارة عما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض وجعلوا التقييد بالذاتية لإخراج العوارض التي تعرض لموضوع العلم بواسطة في العروض.

 

الواسطة في الثبوت والاثبات والعروض:

وتوضيح مرادهم ان المراد لهم بالواسطة هي العلة وهي عندهم على ثلاثة أقسام:

(أحدها) المسماة بالواسطة في الثبوت وهي الواسطة لوجود العارض لمعروضه في عالم الواقع والثبوت بحيث بواسطتها ينسب العارض لمعروضه على سبيل الحقيقة كالنار فإنها واسطة في عروض الاحراق للخشب، وتعفن الاخلاط فانه واسطة في عروض الحمى للبدن والعلل للوجود وسائر العوارض لمعروضاتها من قبيل هذه الواسطة.

(ثانيهما) المسماة بالواسطة في الاثبات والتصديق وهي الواسطة لوجود العارض لمعروضه في عالم الذهن والاثبات كالدخان الذي هو علة للعلم بثبوت الوجود للنار في الذهن. والأدلة لسائر المطالب كلها من هذا القبيل وهي التي تكون الحد الأوسط في الأشكال الأربعة.

(وثالثها) المسماة بالواسطة في العروض وهي الواسطة الموجبة لثبوت العارض للمعروض ثانياً وبالتبع بعدما كان العارض ثابتاً لتلك الواسطة أولا وبالذات.

(وبعبارة أخرى) هي العلة الموجبة لثبوت العارض للمعروض على سبيل المجاز بحيث يصح سلبه عنه على سبيل الحقيقة فليس هنا إلا عرض واحد ينسب للواسطة على سبيل الحقيقة وللمعروض على سبيل المجاز كجيش الملك إذا فتح المدينة فان الفتح ينسب إلى الجيش حقيقة وإلى الملك مجازاً, وكان الجيش هو الواسطة في عروض الفتح للملك. وسائر الأمور الموجبة للاسناد المجازي تكون من هذا القبيل, ومن هذا الباب ما يقال في لسان الأدباء ان هذا الأمر ثابت لذلك الشيء بالعرض والمجاز, فان مرادهم انه ثابت له بالواسطة في العروض فيكون عندهم الأعراض الذاتية هي ما تعرض للشيء بدون واسطة أصلا أو بواسطة ولكنها غير الواسطة في العروض.

وجه عدول القوم عن التفسير المشهور:

وإنما عدلوا عن التفسير المشهور إلى هذا التفسير لوجوه.

(أحدها) إنه بالتفسير الأول للعوارض الذاتية يلزم ان تكون اغلب محمولات مسائل العلوم أعراضا غريبة لموضوع العلم لأنها تعرض له بواسطة موضوع المسألة الذي هو أخص من موضوع العلم, والعارض بواسطة الأخص على التفسير الأول يكون من العوارض الغريبة بخلافه على التفسير الثاني فانه يكون من العوارض الذاتية لأن توسط الأخص لا يمنع من نسبته إلى ذات المعروض على سبيل الحقيقة إذ التقسيم المذكور إنما هو تقسيم لما يعرض للشيء على سبيل الحقيقة, ومنه ما يعرض بواسطة الأخص.

(ثانيها) ان بعض محمولات المسائل تعرض لموضوع العلم بواسطة الأعم لأن موضوعها أعم من موضوع العلم كعروض الدلالة على الوجوب لصيغة (إفعل) وما في معناها في مسألة دلالة صيغة (إفعل) وما في معناها على الوجوب في علم الأصول فان موضوع هذه المسألة وهو صيغة إفعل وما في معناها أعم من الأدلة التي هي موضوع علم الأصول لأن صيغة إفعل تعرض للأدلة ولغيرها من كلام الناس فعلى التفسير الأول يكون العارض المذكور عارضاً غريباً لموضوع علم الأصول حيث كان عارضاً له بواسطة الأعم بخلافه على التفسير الثاني فانه يكون من العوارض الذاتية لنسبته إلى موضوع العلم على سبيل الحقيقة.

(ثالثها) ان العلم ينبغي ان يبحث عن حالات موضوعه وصفاته الحقيقية سواء كانت عارضة له بدون واسطة أو بواسطة الأخص أو الأعم أو المباين دون العوارض المجازية له لأنها ليست من حالاته وإنما هي من حالات غيره مما كانت تعرض له حقيقة.

(رابعها) إنه على التفسير الأول يلزمهم ان لا يبحثوا في علم النحو والصرف عن الإعراب والبناء للكلمة لأن عروضهما بتوسط أمر مباين, وهو تصرف الواضع أو المتكلم, وهكذا لا يبحثون في علم الصرف عن اختصاص كل صيغة بمادة لأن الواسطة هو تصرف الواضع وهو أمر مباين, وهكذا لا يبحثون في علم اللغة عن اختصاص كل لفظٍ بمعنى, لأن الواسطة هو تصرف الواضع وهو أمر مباين, وهكذا يلزمهم أن لا يبحثوا في علم الأصول عن حجية الكتاب والسنة وفي علم الفقه عن الأحكام الشرعية الطارئة على أفعال المكلفين لأن الواسطة هو جعل الشارع وهو أمر مباين وهذا بخلاف ما إذا فسرنا العوارض الذاتية بالتفسير الثاني لم يرد ذلك كله لأنه يصح نسبة تلك العوارض إلى موضوع علومها على سبيل الحقيقة.

وهذه الأوجه وان كنا قد ناقشنا فيها وأجبنا عنها في نقد الآراء المنطقية([641]) إلا انها هي التي دعت صاحب الكفاية([642]) رحمه الله  والكثير ممن سبقه ولحقه من المتأخرين إلى التفسير الثاني والعمدة عندهم هو الوجه الأول والثالث والذي يرد عليهم أو يمكن ان يورد عليهم أمور:

الأول: ان تفسير المتأخرين للعوارض يكون أخص من تفسير المتقدمين لها لأن مرادهم من الواسطة هي الواسطة في العروض كما حققنا ذلك في كتابنا نقد الآراء المنطقية فيكون على تفسيرهم العوارض الذاتية هي خصوص ما يعرض للشيء لذاته فقط لأنه هو الذي يكون بلا واسطة في العروض وأما العارض للشيء بواسطة جزئه أو المساوي على ان يكون الجزء أو المساوي واسطة في العروض فهو من الأعراض الغريبة بخلافه على تفسير المتقدمين فانه يكون من الأعراض الذاتية.

والحق مع المتقدمين فان الواسطة في العروض إذا كانت مساوية للمعروض صادقة عليه أو كانت جزءاً للمعروض كان العرض من أحوال المعروض واطواره وشؤونه فيصح البحث عنه في العلم الذي يبحث عن أحوال ذلك الموضوع فلا وجه لتخصيص المتأخرين البحث في العلم بخصوص العوارض التي تعرض الموضوع بلا واسطة في العروض وان يخرجوا عن البحث العوارض التي كانت الواسطة في العروض خارجاً مساوياً أو جزءاً مساوياً أو جزءاً أعم من الأوجه الأربعة التي ذكرناها لعدول المتأخرين عن تفسير المتقدمين لا تتم على تفسيرهم. (وجوابه) ان الواسطة في العروض لها معنيان:

(أحدهما) ما هو المعروف عند الفلاسفة وهو ما كان اتصاف الواسطة بالعرض منشأ لاتصاف المعروض به حقيقة لا مجازاً كاتصاف المفتاح بواسطة حركة اليد له، وعليه ينّزل(1) قولهم ان اتصاف الشيء الفلاني بالمحمول الفلاني أولا وبالذات واتصاف الشيء الآخر به ثانيا وبالعرض.

ويدل على ذلك تقسيمهم للعارض على سبيل الحقيقة إلى الأقسام الستة المتقدمة, والواسطة في الثبوت عندهم هي العلة الفاعلية المستقلة بالوجود فقط كاتصاف الماء بالحرارة بواسطة النار وكاتصاف الحيوان بالحركة وعليه فالحيوان واسطة في العروض لاتصاف الإنسان بالحركة حقيقة فيقال الإنسان متحرك على سبيل الحقيقة.

(وثانيهما) ما هو المعروف عند علماء الأدب وهو ما كان اتصاف الواسطة منشأ لاتصاف المعروض بالعرض مجازاً, كاتصاف جيش الأمير بالفتح فانه موجب لاتصاف الأمير بالفتح مجازاً, والواسطة في الثبوت عندهم مطلق ما يوجب الاتصاف حقيقة سواء كان شرطاً أو جزءاً أو معدّاً أو فاعلا وبهذا المعنى للواسطة في الثبوت جعل صاحب الحاشية الشيخ محمد تقي([643]) صهر جدنا كاشف الغطاء رحمه الله  موضوعات مسائل العلوم التي هي أخص أو أعم من موضوع العلم وسائط في الثبوت بين محمولات المسائل وموضوع علومها لا وسائط في العروض حتى يلزم ان تكون عوارض غريبة بالنسبة لموضوع علومها.

وبهذا المعنى للواسطة في العروض قال علماء المعاني والبيان (ان الفتح ينسب للأمير بالعرض والمجاز) والمتأخرون أرادوا بالواسطة في العروض هذا المعنى الثاني بدليل أنهم جوزوا كون موضوع المسألة أخص من موضوع العلم وانه من قبيل الفرد له فلو لم يكن العارض بواسطة الأخص عرض ذاتي عندهم لما جوزوا ذلك لكونه حينئذ يكون محمول المسألة المفروضة عرض غريب لموضوع العلم.

وعليه فيكون تفسيرهم أعم من تفسير المتقدمين لأنه يشمل العرض بأقسامه الستة لكون العرض يعرض فيها حقيقة للمعروض فيكون بلا واسطة في العروض بالمعنى الثاني.

وعليه فتصح الأوجه السابقة الأربعة لعدولهم عن تفسير المتقدمين للعوارض الذاتية. نعم صاحب الفصول([644])  رحمه الله  تخيل ان مراد المتقدمين بالواسطة في تقسيمهم العرض إلى أقسامه الستة هو الواسطة في العروض بالمعنى الثاني المعروف عند أهل الأدب فأشكل عليهم بأن ما يعرض بواسطة الأمر الخارج حتى المساوي يكون من عوارض ذلك الأمر الخارج لا من حالات المعروض وما علم ان القوم إنما قسموا خصوص العارض حقيقة للمعروض إلى الأقسام الستة دون العارض مجازا لمعروضه وان مرادهم بالواسطة فيها هو الواسطة في العروض بالمعنى الأول.

ويرد على المتأخرين ثانياً انه على تفسيرهم العوارض الذاتية بذلك يلزم أن يخرج اغلب مسائل علم الفقه عنه لأن الأحكام الشرعية لا تعرض على فعل المكلف الذي هو موضوع علم الفقه من حيث هو فعل بل إنما تعرض عليه بما هو صلاة وشرب خمر ودخول مسجد فتكون موضوعات الأحكام الشرعية واسطة في عروضها على فعل المكلف فإنها هي المتصفة حقيقة بالحكم الشرعي وبواسطة عروضها على فعل المكلف اتصف فعل المكلف بالحكم الشرعي وليست هي بواسطة في الثبوت لأن الواسطة في ثبوت الحكم الشرعي هو جعل الله أو دلالة الدليل.

وهكذا الحال في علم النحو فان عروض الأحوال الاعرابية من الرفع والنصب ونحوها على الكلمة بواسطة عروض عنوان الفاعلية لها والمفعولية فهذه العناوين هي التي تتصف أولاً وبالذات بالرفع والنصب ثم الكلمة ثانياً وبالعرض وليست هي بواسطة في الثبوت لأن الواسطة في ثبوتها هو المتكلم أو جعل الواضع ولو كان الأمر كما زعمه المتأخرون من ان موضوع العلم ما يبحث عن عوارضه التي تعرض له بلا واسطة في العروض للزم خروج هذه الابحاث عن هذه العلوم بل خروج اغلب مسائل العلوم عنها أو عدم كون تلك الموضوعات موضوعات للعلوم لكون البحث فيها كان عن عوارض تعرض لها بواسطة في العروض وهي موضوعات مسائلها.

وجوابه ما عرفته من ان المراد نفي الواسطة في العروض بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول, وموضوعات المسائل وسائط في عروض محمولاتها لموضوع العلم بالمعنى الأول بدليل صحة نسبة تلك المحمولات لموضوع علومها على سبيل الحقيقة فتكون من العوارض الذاتية لموضوع العلم عندهم, نعم عند المتقدمين تكون عوارض غريبة لأن موضوعات المسائل كانت أخص من موضوع العلم فيها فتكون محمولاتها عارضة لموضوع العلم بواسطة الأخص كما تقدم.

ويرد على المتأخرين ثالثاً بأنه على تفسيرهم للعوارض الذاتية بذلك يلزم دخول العلم الأعلى الذي موضوعه الأعم الأدنى الذي موضوعه أخص لأن عوارض الأعم عوارض للأخص حقيقة لاتحاده به خارجا فتكون عوارض ذاتية للأخص أيضاً فينبغي ان يبحث عنها في العلم الأدنى.

وجوابه: مضافا إلى ان هذا الإيراد يرد أيضاً على المشهور الذي جعلوا العارض بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الذاتية فانه لو كان موضوع العلم الأعلى جزءاً أعم لموضوع العلم الأدنى فتكون محمولات مسائل العلم الأعلى أعراض ذاتية لموضوع العلم الأدنى.

إن التعريف لموضوع العلم إنما يقتضي ان يكون البحث عن عوارض الموضوع التي تعرض له حقيقة ولا يقتضي ان يبحث العلم عن جميع العوارض الذاتية لموضوع العلم, ولو سلمنا ذلك بناء على ان إضافة الجمع وهو (العوارض) للضمير تفيد الاستغراق فإنما يحسن التدوين للبحث عن عوارض الموضوع التي لم يبحث عنها في علم آخر, وأما التي يبحث عنها في علم آخر وهي عوارض موضوع العلم الأعلى فيستهجن مرة أخرى ان تدوّن في ضمن علم آخر وقد صرح الحكماء بأن تدوين العلوم بهذا النحو بأن يبحث في كل علم عن العوارض الذاتية لموضوع خاص إنما هو أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من عدّ كل مسألة علماً برأسه وتفرد بالتعليم ولا من عدّ مسائل متعددة كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد علماً واحداً وتفرد بالتدوين كما صرح بذلك شارح المواقف.

وعليه فلو استهجن التدوين لا يصح وقوعه.

وبعبارة أخرى ان التعريف إنما يستفاد منه ان العارض إذا كان ذاتياً للموضوع يقتضي تدوينه في العلم, وهذا لا ينافي وجود المانع من تدوينه كما إذا كان بدهياً ثبوته, وما نحن فيه وجد المانع من التدوين في العلم الأدنى وهو الاستهجان بالتكرار للتدوين بلا فائدة ولا جدوى.

 ولعلك تستفيد جواباً آخر عن هذا الإيراد مما يأتي من جواب الإيراد الرابع على المتأخرين.

ويرد على المتأخرين رابعاً إنه لو كان المراد بالعوارض الذاتية ما ذكروه لزم ان يكون موضوع العلم جميع الكليات التي هي أعم منه لأنه يصدق عليها هذا التعريف لموضوع العلم حيث ان عوارض الأخص تنسب للأعم على سبيل الحقيقة فيصدق ان هذا العلم يبحث عن العوارض الذاتية لهذا الأعم من موضوعه فمثلاً إذا كانت الكلمة موضوعا لعلم النحو كان اللفظ العربي أيضاً موضوعا له لأنه يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية بل ومطلق اللفظ أيضاً موضوعا له بل مطلق الصوت بل مطلق الكيف لأن عوارض الكلمة على تفسيرهم عوارض ذاتية لتلك المفاهيم لأنها تنسب إليها على سبيل الحقيقة بخلافه على تفسير المتقدمين فإنها عليها تصير أعراضا غريبة لأنها تعرض لها بواسطة الأخص.

ويمكن الجواب عنه بأنه لم يكن البحث عنها وإنما كان البحث عن الأخص منها فان البحث عن الشيء كما عرفت إثبات المحمولات له والعلم الباحث عن الأخص إنما كان المقصود إثبات المحمولات له لا للأعم منه وان استلزم ثبوتها للأعم منه ففي علم النحو إنما يقال البحث عن الكلمة لا عن اللفظ العربي لأنها هي المقصود باثبات العوارض لها فالميزان ما قصد البحث عن عوارضه الذاتية.

ويرد على المتأخرين خامساً بأنه لا وجه لاخراج الأعراض الغريبة, اعني التي تعرض بواسطة العروض عن العلم إذ قد لا تكون لتلك الأعراض أهمية تصلح بها لتدوينها في فن مستقل فحينئذ تذكر في هذا الفن وربما يستفاد هذا الإيراد من إيراد بعض المعلقين على الفصول.

وجوابه ان عدم صلاحية الأعراض الغريبة لتدوينها في علم مستقل وعدم اهميتها لا يكون موجبا لتدوينها في علم تكون أعراضا غريبة لموضوعه حسب الغرض.

والحاصل ان عليه ان يثبت المقتضي لتدوينها في ذلك العلم, ومجرد عدم صلاحيتها للتدوين في علم مستقل ليس بمقتضٍ لذلك إذ كثير من العوارض الأجنبية لا تصلح التدوين فلو كان مجرد عدم الصلاحية مقتضي لذلك لكان المقتضي لتدوينها موجوداً.

ويرد على المتأخرين سادساً ان كلامهم إنما يتم لو فرض انحصار الأعراض المبحوث عنها في العلوم بالأعراض الذاتية التي تعرض بلا واسطة في العروض إلا ان دعوى الانحصار لا بيّنة ولا عليها بيّنة بل ظاهر كلام غير واحد المفروغية عن انه قد يكون موضوع بعض المسائل الفنون من عوارض نفس موضوع العلم فيكون محمولها من قبيل عرض الموضوع بواسطة في العروض بل قد يكون موضوع بعض المسائل من قبيل الجزء لموضوع العلم كمسائل علم الجغرافية والهيئة ونحوهما مما يكون فيه موضوع المسألة جزءاً لموضوع العلم فان محمولات مسائلها لا تكون من عوارض موضوع العلم إلا بنحو المجاز.

وجوابه ان العلوم التي يكون لها الموضوع هي العلوم التي يتطلب فيها معرفة حالات الموضوع, والعرض الغريب العارض بواسطة في العروض ليس من حالات الموضوع وإنما ينسب إليه مجازاً, وأما المحمولات العارضة لعوارض موضوع العلم فهي عارضة لموضوع العلم بواسطة في العروض بالمعنى الفلسفي لا بالمعنى البياني والعرض الغريب هو العارض بواسطة في العروض بالمعنى البياني لا بالمعنى الفلسفي كما تقدم.

على انه يمكن ان يقال انه واسطة في الثبوت لا في العروض كما قيل في علم الحساب والهندسة ان موضوعات المسائل علة لعروض محمولاتها لموضوعهما.

وأما كون موضوع المسألة قد يكون جزءاً لموضوع العلم فالحق ان الموضوع في تلك المسائل يرجع إلى موضوع يصدق عليه موضوع العلم وإلا لم تكن المسألة من مسائل ذلك العلم إذ لا بد ان يكون المحمول فيها من عوارض موضوع العلم وباحثا عنه فما لم يتحد موضوعها مع موضوع العلم لم تكن المسألة باحثة عن موضوع العلم ولا محمولها من عوارضه إلا ان تكون من مسائل العلم التي ذكرت فيه استطراداً أو من المبادئ لمسائله.

ويرد على المتأخرين سابعاً ان لا وجه لجعل موضوع العلم ما يبحث في العلم عن أعراضه الذاتية بأي معنى فسرت الأعراض الذاتية إذ الميزان عندهم في البحث عن المسألة في العلم هو دخلها في الغرض الذي دوّن لأجل هذا العلم. ومن الممكن ان تكون بعض المحمولات أعراضا غريبة لموضوع العلم ولكنها لها دخل في الغرض الذي لأجله دون هذا العلم فكان عليهم ان يجعلوا موضوع العلم هو القدر الجامع بين موضوعات مسائله التي لها دخل في غرضه وقد أورد هذا الإيراد على صاحب الكفاية  رحمه الله  الشيخ محمد حسين الأصفهاني  رحمه الله  في تعليقته على هذا الكتاب([645]) والشيخ الايرواني رحمه الله  في تعليقته على هذا الكتاب([646]) وبعض مقرري بحث النائيني رحمه الله  وقد سبقهم ميرزا أبو الفتح في حاشيته على شرح ملا جلال([647]) على متن التهذيب في المنطق وقد تعرضنا له في نقد الآراء المنطقية(4).

وجوابه ان الموضوع إنما نقول به في العلم الذي دون لمعرفة حالات شيء خاصة كما تقدم في مبحث الدليل على وجود الموضوع وعليه فلا بد ان يذكر في مسائله ما هو من حالته, والعارض له مجازاً ليست من حالته, نعم لو قلنا بأن لكل علم موضوعاً توجه الإيرد.

وأما إذا قلنا ان العمل الذي دون لغاية خاصة لا حاجة لالتزام الموضوع له ولا لالتزام عروض المحمولات لموضوعه بلا واسطة في العروض بل ولا لالتزام كونها عوارض ذاتية لموضوعات المسائل فلا يتوجه الإيراد فلو فرض ان الغرض يترتب على مسألة يكون محمولها بالنسبة لموضوع العلم عرض غريب صح جعلها من ذلك العلم وبهذا ظهر لك ما في تعليقه المرحوم الأصفهاني وغيره.

ويرد ثامناً: ان العلم ان كان عبارة عن الملكة فموضوعه هو النفس الانسانية وان كان عبارة عن المسائل فموضوعه نفس موضوع المسائل إذ لو كان يغايرها حتى بالاطلاق والتقييد لزم ان يكون العلم غير المسائل لاختلاف موضوعه مع موضوعها فان الموضوع هو المقوم وقد اختلفا فيه.

وجوابه انه لا يراد به الملكة لأن الكلام في تميز العلم المدون عن باقي العلوم لأن الكلام في تعلمه والشروع, فيه وعليه فالمراد بالعلم هو المسائل, مضافاً إلى ان إضافة الموضوع إلى العلم لو كانت من إضافة الجزء للكل لزم ذلك ولكنها إضافة بمعنى اللام وهي تصح لأدنى ملابسة فباعتبار ان هذا الكلي يبحث في العلم عن عوارضه نسب للعلم وينسب للملكة الحاصلة منها.

المميز لموضوع العلم الذي ذكره صاحب الكفاية:

هذا وقد جعل صاحب الكفاية لموضوع([648]) العلم مميزاً ويصلح ان يكون تعريفاً آخر وهو ان موضوع العلم نفس موضوعات مسائل العلم عينا ويتحد معها خارجا وان كان يغايرها تغاير الكلي ومصاديقه والطبيعي وأفراده وذلك كالكلمة فإنها في الواقع عين الفاعل والمفعول والمجرور ونحو ذلك وأراد  رحمه الله  (بالعين) هو الواقع ويقابلها الذهن, وقد تعارف عند الحكماء إطلاق العين على ذلك خصوصا في لسان متأخريهم فيكون محصل هذه الخاصة ان موضوع العلم يكون عين موضوعات مسائله في عالم الواقع والتحقق سواء تخالف معها في عالم الذهن والتصور كما لو كان موضوع المسألة أخص منه أو اتحد معها في عالم الذهن والتصور كما لو كان موضوع المسألة عين موضوع العلم كمسالة الكلمة تحذف في الدرج همزة الوصل منها ومسألة الكلمة إذا كانت حرفاً تبنى فان موضوع هاتين المسألتين هو الكلمة وهو عين موضوع علمهما وهو النحو وكعلم العرفان فان موضوعه الذات المقدسة وموضوع مسائله أيضاً الذات المقدسة والدليل على ثبوت هذه الخاصية لموضوع العلم انه لو لم يكن عينها في الواقع وكانت مغايرة له لكانت العوارض الثابتة لها أجنبية عن موضوع العلم إذ لا تكون حينئذ عارضة عليه بل عارضة على غيره.

ما يورد على صاحب الكفاية:

ويرد عليه أولا: ان بعض العلوم موضوعها متعدد كالمنطق فان موضوعه المعلوم التصوري والمعلوم التصديقي وهما متعددان فكيف يكونان عين موضوعات مسائل علم المنطق لأن كلاً منهما ليس بعين لجميع موضوعات المسائل بل لبعضها.

وجوابه كما قررناه في نقد الآراء المنطقية ان كل علم تخيل فيه ذلك فهو يرجع لموضوع واحد كما فيما نحن فيه فانه يرجع لموضوع واحد وهو المعلوم وإلا كان علمين.

ويرد عليه ثانياً ان محط الكلام في موضوع العلم, العلم الذي هو بمعنى المسائل لأنه هو الصناعة التي تتعلم وتشتمل عليها المؤلفات.

وعليه فيكون موضوع العلم نفس موضوع المسائل من دون ان يغايرها حتى مفهوما وإلا لكان العلم غير المسائل إذ باختلاف الموضوع ولو بجهة يلزمه التغاير بينهما وإلا لما اختلف الموضوع لأن الشيء الواحد موضوعه شيء واحد فكيف يدعي صاحب الكفاية  رحمه الله  انه يغايرها تغاير الكلي وأفراده.

وجوابه ان العلم عبارة عن مجموع المسائل والموضوع لمجموعها هو الكلي لأن المسائل إنما ذكرت للبحث في العلم عن عوارضه الذاتية فكان الموضوع لدى الحقيقة لمجموع محمولاتها هو الكلي الذي يقصد معرفة أحواله في العلم, وموضوعات المسائل إنما ذكرت باعتبار انها محققات لذلك الكلي ومشخصاته إلا انها هي المقصود إثبات المحمول لها بالذات.

ويرد عليه ثالثاً ان من مسائل العلم ما يكون موضوعها عين موضوع العلم مفهوما فان من مسائل العلم الطبيعي (كل جسم فله حيز) وموضوع علم الطبيعي هو الجسم ومن مسائل علم النحو الذي موضوعه الكلمة (الكلمة إذا كانت حرفا تبنى) وموضوع علم العرفان هو الذات المقدسة مع ان موضوع مسائله كذلك فكيف يدعي انه يصدق عليها صدق الكلي على أفراده.

وجوابه ان قول صاحب الكفاية  رحمه الله  (وان كان يصدق)([649]) ان فيه وصلية للتعميم فيكون المراد انه سواء صدق أم لم يصدق بأن كان عينه مفهوما كما ذكرناه.

ويرد عليه رابعاً انه قد يكون موضوع المسألة جزءاً من موضوع العلم وقد يكون عرضاً لموضوع العلم كمسالة (كل حركة تنطبق على الزمان أو كل حركة بطيئة يتخلل السكون بينهما) في العلم الطبيعي.

والحركة تعرض على الجسم الذي هو موضوع هذا العلم وكمسالة (الأمر العبادي لا يسقط إلا بقصد القربة) في علم الفقه فان الأمر من عوارض فعل المكلّف وكمسالة (حق الزوج النصف) فان الحقية من عوارض فعل المكلف وهو العطاء ومن المعلوم صدق الموضوع في العلوم المذكورة على هذه الموضوعات لمسائلها فان الجسم لا يصدق على الحركة ولا فعل المكلف يصدق على الحق والأمر, لأن الأمر صادر من الله تعالى وقد أورد هذا الإيراد أستاذنا الشيرازي رحمه الله  والمرحوم القوجاني([650]) وبعض المعلقين على الكفاية.

وجوابه ان الموضوع في مثل تلك المسائل يرجع إلى موضوع يصدق عليه موضوع العلم وإلا لما كانت المسألة من مسائل ذلك العلم إذ لا بد ان يكون المحمول فيها من عوارض موضوع العلم وباحثا عنه فما لم يتحد موضوعها مع موضوع العلم لم تكن المسألة باحثة عن موضع العلم ولا محمولها من عوارضه فالحركة باعتبار الجسم المتحرك أخذت موضوعا في مسائل علم الطبيعية وإلا فلا معنى للبحث عنها فيه لأن المطلوب هو البحث عن حالات الجسم الطبيعي لا عن حالة الحركة فالموضوع في المسألة الأولى هو المتحرك بالحركة والمتحرك بالحركة البطيئة والموضوع في المسألة الثانية هو امتثال الأمر العبادي وفي الثالثة العطاء الذي يستحقه الزوج.

ويرد عليه خامساً انه لا دليل على لزوم عينية موضوع العلم لموضوعات مسائله إذ من الجائز ان يكون الغرض مرتبا على مسألة لم يكن موضوع العلم متحدا مع موضوعها.

وجوابه ما عرفته سابقا ان هذا إنما يتم في العلوم المخترعة لغاية خاصة أما العلوم التي دوّنت لمعرفة حالات شيء معين لا بد فيها من ذلك والا لما كانت باحثة عن أحوال ذلك الشيء.

ويرد عليه سادساً ان موضوع العلم إذا كان من قبيل الكلي بالنسبة إلى موضوعات المسائل لزم ان يكون محمولات المسائل من قبيل العارض بواسطة الأخص وهو عرض غريب فيلزم ان يكون البحث في العلوم عن العوارض الغريبة.

وجوابه ان الميزان عنده  رحمه الله  كما عرفت في كون العارض غريبا كون نسبته لمعروضه بالعرض والمجاز ومع فرض اتحاد الموضوع مع موضوعات المسائل خارجاً تكون محمولاتها منسوبات لموضوع العلم على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز فتكون اعراضا ذاتية. نعم هذا الإشكال يتحكم على المشهور في عدهم العارض بواسطة الأخص عرض غريب وقد كان لهم عدة أجوبة للتخلص منه ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع كتابنا نقد الآراء المنطقية([651]).

ويرد عليه سابعاً ما ذكره المرحوم السيد البروجردي آغا حسين القمي([652]) من ان موضوع العلم هو الجامع بين محمولات المسائل وان معنى البحث عن عوارضه في العلم هو البحث عن تعيناته وتشخصاته فموضوع علم النحو هو المعرب ويطلب في النحو تعيناته من الفاعل والمفعول والمضاف إليه وموضوع علم الأصول الحجة التي هي القدر الجامع بين محمولات مسائله ويطلب في علم الأصول تعيناته من السنة والكتاب والعقل وان مراد القوم ذلك, وقد بنى هذا الرأي منه على مقدمات خمسة تتلخص.

الأولى منها: ان مجموع مسائل العلم تشترك في جهة لا توجد في مجموع مسائل العلم الآخر تمتاز بها عنها كما ان كل مسألة تمتاز بجهة عن المسألة الأخرى, وان هاتين الجهتين ليستا بخارجتين عن ذوات المسائل فلا بد ان يكونا في الموضوع أو المحمول إذ النسبة معنى حرفي يوجد في جميع القضايا.

والمقدمة الثانية: ان الجهة الأولى لا بد ان توجد في محمولات المسائل في العلوم المدونة ولا بد ان يكون مفهوما واحدا كالعلم الإلهي بالمعنى الأعم حيث ان المحمول في مسائله (موجود) فيقال: الله موجود والعقل موجود والجسم موجود, أو مختلفا يكون بينها جامعة كمحمولات مسائل علم النحو فان بينها جهة جامعة لأنها تعيينات للاعراب فيكون عنوان المعرب هو القادر الجامع بينها بخلاف موضوعات المسائل فهي دائما مختلفة فلا جهة جامعة بينها وبهذا ظهر ان الجهة الجامعة المميزة بين مسائل العلم عن مسائل العلم الآخر هي الجهة الجامعة بين المحمولات إذ لا جهة جامعة في ذات المسائل غيرها.

وحاصل باقي المقدمات الثلاثة ان مراد القوم بموضوع العلم هو ذلك اعني, الجهة الجامعة بين محمولات المسائل لأن النظام الطبيعي للمسالة يقتضي جعل المعلوم من الأمرين موضوعا والمحمول هو المجهول الذي أريد في القضية إثباته وجامع المحمولات في كل علم هو الذي ينسبق أولا إلى الذهن ويطلب في العلم تعيناته وتعييناته بموضوعات المسائل وهي العوارض الذاتية له لأن العرض الذاتي عند المنطق هو عبارة عن الخارج عن ذات الشيء ويصلح للحمل عليه وموضوعات المسائل خارجة عن جامع محمولاتها وهي صالحة لأن تحمل عليه فيقال في علم النحو: المعرب الفاعل والمفعول, فظهر من هذا كله ان موضوع العلم هو جامع المحمولات ويبحث في العلم عن عوارضه الذاتية وهي موضوعات المسائل لأن المطلوب في العلم إثبات تعيناته وخصوصياته بموضوعات مسائله.

وجوابه انا لا نسلم صحة المقدمة الأولى فانه يجوز ان تكون الجهة المميزة لمجموع المسائل أمراً لازماً لخصوص هذا المجموع نظير المركَّبات الكيمياوية ويكون مجموع تلك المسائل المختلفة بالذات نظير مجموع الأجزاء الكيمياوية المجتمعة في امتياز المجموع عن المجموع باللوازم والآثار وهكذا لا نسلم المقدمة الثانية فان للخصم ان يلتزم بأن بين موضوعات المسائل قدرا جامعا نظير ما زعمه في المحمولات المختلفة للمسائل من ان بينها قدراً جامعاً.

والحاصل ان الاختلاف الذي جعله دائماً في الموضوعات دون المحمولات إن أراد به الاختلاف في التعينات والتشخصات دون الذات فهو موجود في المحمولات كما في بعض محمولات علم النحو وغيره فان الرفع غير النصب والجر فإنها مختلفة بالتعينات والتشخصات دون الذات إذ الجميع من الاعراب وان أراد به الاختلاف بالذات بحيث لا يوجد قدر جامع بينها يختص بها فهو مضافا إلى وجود هذا الاختلاف في بعض المحمولات فان علم النحو لا جامع بين بعض محمولات مسائله إذ لا جامع بين الإعراب والبناء.

ان الخصم القائل بتمايز الموضوعات يلتزم بأن موضوعات المسائل بينها قدر جامع ولا يوجد فيها الاختلاف المذكور وأما باقي المقدمات فلا نسلم صحتها فانه لو فرضنا انه يكون جامعا للمحمولات فلا نسلم انه هو الذي ينسبق للذهن أولا, فان العلوم التي دونت للبحث عن موضوعات خاصة يكون الموضوع هو المعلوم فيها وقد تقدم ان مدوني العلوم قد دونوها لموضوعات خاصة للبحث عن عوارضها فهو اشبه ما يكون بالترجمة للشخص في كتب التراجم فان الشخص هو الموضوع لها ويبحث عن أحواله التي تنسب إليه حقيقة. ثم ان ما ذكره ينافي جعل الموضوعات للمسائل لأنه يقتضي كون موضوعها اسبق للذهن من محمولها لما تقرر في محله من ان القضايا يكون موضوعها اعرف لئلا يلزم الحكم على المجهول وأفراد العام إذا سبقت للذهن وطلب لها المحمول لا شك ان جامعها يكون اعرف من جامع المحمول.

على ان موضوعات المسائل كيف يعبر عنها القوم بالعوارض لجامع المحمولات والعارض عندهم هو الخارج المحمول لا الذي يصلح للحمل ولذا لم يسم أحدهم محمول المسألة موضوعا ويجعل موضوعها عارضا على محمولها وقد قسموا في باب الكليات العرض إلى عام وخاص واخذوا في مفهوم كل منهما الحمل.

ثم ان موضوعات المسائل على مسلكه  رحمه الله  إذا كانت عارضة لجامع المحمولات كانت أخص منه فتكون من الأعراض الغريبة إلا على ما تقدم من التوجيه مضافاً إلى ان ما ذكره مخالف لما بنى عليه أرباب العلوم من التفسير.

ويرد على صاحب الكفاية ثامناً ان موضوع العلم قد يكون أمرا ذهنيا وموضوع مسائله كذلك كموضوع علم المنطق مع موضوعات مسائله فإنها لا توجد إلا في الذهن فكيف يخص الاتحاد بين موضوع العلم وبين موضوعات المسائل بالخارج.

وجوابه انه أراد بالخارج الواقع ونفس الأمر لا الخارج المقابل للذهن وكثيرا ما يطلق الخارج لهذا المعنى في ألسنة الحكماء, وإن شئت قلت: خارج كل شيء بحسبه ويقابله الذهن وهو وجوده التصوري.

ويرد عليه تاسعاً ان موضوع العلم لا يلزم فيه ان يكون نوعا لموضوعات المسائل بل من الجائز ان يكون عرضا عليها كالدليلية العارضة على الكتاب والسنة فجعل صاحب الكفاية([653]) رحمه الله  التغاير بينهما من قبيل الطبيعي وأفراده يقتضي ان موضوع العلم دائما يكون من قبيل النوع لموضوعات المسائل وهذا لا يلتزم به أحد.

وجوابه ان مراده بافراده الطبيعي هو مصاديقه لا خصوص أشخاصه والطبيعي يصدق على غير اشخاص كالاسود يصدق على الابيض المتصف بالسواد على انك قد عرفت ان (إن) وصلية تعميمية.

خواص موضوع العلم وما به تداخل العلوم وتباينها:

(ثم انه ذكر القوم) ان موضوع أحد العلمين ان كان مباينا للآخر من كل وجه وان كان بينهما قدر جامع فالعلمان متباينان على الإطلاق وان كان أعم منه فالعلمان متداخلان وان كان موضوعهما شيئا واحدا بالذات متغايرا بالاعتبار فهما متداخلان أيضاً.

وقد أطبقوا على امتناع ان يكون شيء واحد موضوعاً لعلمين من غير اعتبار تغاير بينهما بالجهة والحيثية, كما أطبقوا على امتناع ان يكون موضوع علم واحد شيئين من غير اعتبار اتحادهما في جنس يكون هو جهة البحث كالمعلوم التصوري والمعلوم التصديقي فانهما إنما صارا موضوع علم المنطق باعتبار اتحادهما في المعلوم وكان البحث في العلم من جهة كونهما من المعلوم أو من جهة اتحادهما في أمر عرضي كبدن الإنسان وأجزائه وأحواله والأدوية والأغذية ونحوها لعلم الطب فإنها تشارك في كونها منسوبة للصحة التي هي الغاية لذلك العلم وكان البحث في ذلك من جهة الصحة العارضة للبدن.

والضابط في ذلك ان يكون البحث عن الأشياء المتعددة من جهة اشتراكها في أمر واحد ذاتي أو عرضي فان العلم يكون واحداً, وأما ان كان البحث لا من جهة اشتراكها بل يكون البحث عن كل جهة تخصه فالعلم المتكثر وان كان بينهما جهة مشتركة كالعدد والمقدار المشتركين في الكم مع ان أحدهما موضوع لعلم الحساب والآخر للهندسة, وأما إن كان البحث عن شيء واحد بالذات فان كان عن جهتين فالعلم متكثر كاللفظ العربي بالنسبة للعلوم العربية وإلا فعلم واحد.

موضوع علم الفقه

المعروف ان موضوع علم الفقه هو فعل المكلف من حيث الاقتضاء والتخيير ومن عبر عنه بأفعال المكلفين فهو يريد ذلك لأن موضوع العلم عندهم لا يتعدد وإذا تعدد تعددت العلوم وهذا نظير من عبرّ عن موضوع علم الأصول بالأدلة فانه يريد الدليل. والمراد بحيثية الاقتضاء هو اقتضاء الدليل لإتيانه أو لتركه أو تخيير الدليل بين إتيانه وتركه كما لو دل الدليل على وجوب الفعل أو حرمته أو استحبابه أو كراهته أو جزئيته للواجب أو شرطيته له أو مانعيته من صحة العمل والمراد بحيثية التخيير هو التخيير فيما إذا دل الدليل على الإباحة أو عدم بطلان العلم به وبعضهم ان لم نقل أكثرهم قد فسر الحيثية المذكورة باقتضاء الخطاب بل لم اطلع على غيره من التفسير. ولا يخفى ما فيه فانه لو أريد الخطاب اللفظي فيخرج البحث عن الأحكام الشرعية الفرعية التي دل عليها العقل أو السيرة. وان أريد الخطاب الواقعي المسمى الحكم الشرعي فهو غير صحيح لأنه لو كان هو المراد لقالوا (من حيث ثبوت الأحكام الشرعية لها) كان أخصر وأوضح. وكيف كان فيرد على جعل موضوع علم الفقه ذلك, أولاً: خروج البحث عن أحكام أفعال الأطفال والمجانين كفساد معاملاتهم من عقود أو ايقاعات وفساد عبادات المجنون واستحباب عبادات المميز بناء على انها شرعية لا تمرينية.

وأجيب عنه بأن ذلك استطراد. ولا يخفى ما فيه فإنها لا إشكال في كونها أحكام شرعية فرعية فيكون العلم بها من علم الفقه فيصدق عليها تعريف الفقه ويمكن ان يقال ان المخاطب باحكامهما هو الولي لا الصبي والمجنون كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما اتلفته حيث فرط في حفظها لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله, وأما البحث عن صحة عبادة الصبي من صلاة وصوم وثوابه عليهما فهي بحث عن أمر عقلي من باب ربط الأحكام باسبابها ولم يكن مخاطبا بها, وهو من مباحث الكلام فان استحقاق الثواب ليس من الأحكام الشرعية فهو ليس من علم الفقه حتى يورد على الفقهاء به.

وقد يجاب أيضاً بأن المراد نوع المكلفين فان الغالب في الجمع ولو كان مقترناً بأل إذا اضيف إليه العمل هو إرادة النوع منه.

ويرد عليه ثانياً بأن كثيراً من مباحث الفقه لا يتعلق بالفعل فضلاً عن صدوره من المكلف كمباحث الميراث لا سيما إذا كان الوارث أو المورث أو كليهما غير مكلف. وأجيب عنه بالاستطراد وقد تقدم في الجواب عن الإيراد الأول ما فيه.

ويمكن ان يجاب ان المراد بالفعل ما يعم غير الاختياري كالموت أو يقال ان مثل هذه الابحاث باعتبار ما يترتب عليها من بيان فعل المكلف صح البحث عنها فان الحث عن ميراث الزوجة الثمن يترتب عليه جواز تصرفها بالثمن وحرمة تصرفها بالمثمن وغير ذلك.

ويرد عليه ثالثاً بأن علم الفقه يبحث في الأحكام الوضعية كالسببية والمانعية والضمان والملكية والزوجية ونحو ذلك وهو ليس بحثاً عن العوارض من حيث الاقتضاء والتخيير لأنه قد عرفت ان المراد من الحيثية المذكورة هي الأحكام التكليفية الخمسة.

والجواب عنه نظير ما ذكرناه في الجواب عن الإيراد الثاني من ان البحث عنها إنما صار من علم الفقه باعتبار انه يرجع إلى البحث عن الأحكام الشرعية للأفعال المرتبطة بها فان البحث عن سببية الزوال للصلاة يرجع إلى ترتب جواز فعل الصلاة عنده. ولذا كان البحث في علم الفقه عن السببية الشرعية لا السببية التكوينية وقد استراح من هذا الإيراد من أنكر وجود الأحكام الوضعية وارجعها للأحكام التكليفية فان البحث حينئذ يكون فيها عن الأحكام التكليفية نفسها فقط.

والعلامة الطباطبائي  قدس سره  جعل في مصابيحه موضوع علم الفقه هو متعلقات الأحكام الشرعية الفرعية من حيث هي كذلك, أي من حيث انها متعلقات الأحكام. ثم قال (وهي, أي متعلقات الأحكام, اكثر أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء والتخيير وقد تكون غير فعل أو فعلا لغير مكلف أو المكلف لا من حيث التكليف بل من جهة الوضع كما في الأحكام الوضعية)(1).

ولعله  قدس سره  فعل ذلك فرارا عن الايرادات المذكورة ولا بد انه  رحمه الله  أراد الكلي المنطبق على موضوعات مسائل علم الفقه وإلا لزم تعدد الموضوع لعلم واحد وقد سلك هذا المسلك صاحب الكفاية(2) في جعله موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائل علم الأصول من دون تعيينه وتشخيصه وقد اشكلنا عليه في كتابنا نقد الآراء الأصولية(3) من الغرض من ذكر موضوع العلم هو البصيرة في الشروع في العلم ليميزه عما عداه كما ذكره القوم واتفقت عليه كلمتهم ومع الاشارة المبهمة إليه والتعبير عنه بعنوان مجمل لا يحصل به ذلك.

مضافاً إلى ان مقتضى تحديد الموضوع ان يكون الموضوع معلوماً معيناً باسمه أو عنوانه وإلا فكيف يبحث في العلم عن عوارض شيء وهو مجهول لدى البحث ولا يعلم إلا بعنوان يؤخذ من نفس متعلقات العوارض.

ويرد عليه رابعاً أن الحيثية المأخوذة في موضوع العلم أما ان تكون تعليلية مأخوذة من علة وجود الموضوع فهي لا تنفع لأن علة نفس وجود الموضوع مشتركة بين جميع العلوم الذي جعل موضوعا لها وأما ان تكون مأخوذة من علة موضوعيته للعلم فهي أيضاً لا تنفع لأنها عبارة عن البحث عن عوارضه وهو مشترك بين الجميع وأما ان تكون مأخوذة من علة عروض محمولات العلم على موضوعه فهو فاسد, ضرورة ان المسائل لم يؤخذ في ثبوت المحمولات لموضوعاتها علة ثبوت هذه المحمولات لموضوع العلم وقد عرفت انه لا بد من اعتبار ما يؤخذ في موضوع العلم في موضوع المسألة وإلا لكان موضوع المسألة أجنبياً عنه على ان العلل متعددة فيلزم ان يكون موضوع العلم متعدداً بتعددها.

وأما ان تكون الحيثية تقيدية فلا يخلو إما ان تؤخذ من محمولات المسائل فيلزم ان تؤخذ المحمولات في موضوعات المسائل لأنها كما عرفت عين موضوع العلم فيلزم تكرر النسبة وانقلاب القضية إلى ضرورية لأنها تكون قضية بشرط المحمول, وإن أخذت من استعداد الموضوع للحوق المحمولات باعتبار ان الشيء قد تكون له استعدادات مختلفة وبحسب كل استعداد يكون موضوعاً لعلم كاللفظ العربي تارة يلحظ من حيث خصوص استعداده لقبول الاعراب والبناء فيكون موضوعا لعلم النحو وأخرى يلحظ من حيث خصوص استعداده لقبول الاعلال والصحة فيكون موضوعا لعلم الصرف وأخرى يلحظ من حيث استعداده لقبول المحسنات البديعية فيكون موضوعا لعلم البديع كما هو المحكي عن السبزواري الحكيم([654])  رحمه الله  فهو أيضاً فاسد لأنه لا يستدعي ذلك اختلافا في الموضوع لأن استعداده لقبول نوع خاص من المحمولات لا يباين استعداده لقبول النوع الآخر من المحمولات لعدم التنافي بين الاستعدادين.

ألا ترى ان اللفظ العربي باستعداده لقبول الإعراب يبحث عن عوارضه الذاتية من حيث الاعلال والصحة والفصاحة والبلاغة فلم يكن بين موضوع هذه العلوم تغاير مع ان الماهية الواحدة لها استعداد واحد لعروض سائر العوارض عليها لا استعدادات متباينة لأن الذات واحدة فمقتضاها يكون واحداً لأن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد مع ان موضوع العلم متحد مع موضوع المسألة فالحيثية لو كانت معتبرة في الموضوع للعلم لكانت معتبرة في موضوع مسائله مع انها غير معتبرة فيه وان أخذت الحيثية التقيدية من غرض العلم فحينئذٍ رجع التمييز بين العلوم إلى الأغراض وان أخذت الحيثية من جهة البحث فمثلاً إن علم الفقه لا يبحث عن جميع عوارض فعل المكلف بل يبحث فيه من حيث الاقتضاء والتخيير, وعلم النحو لا يبحث عن جميع عوارض اللفظ العربي بل يبحث فيه من حيث الإعراب والبناء كما ذهب إليه صاحب الفصول([655]) بدليل ان الفاعل بما هو فاعل موضوع للرفع لا بما هو كلمة معربة أو مبنية موضوع له فهو فاسد لأن قيود البحث لا توجب تقييد الموضوعات كما لا توجب تقييد المحمولات وتخصيصها بحد خاص وذلك لأن البحث من توابع الموضوع والمحمولات فهو متأخر عنها رتبة وفي مرحلة التعقل وإذا ثبت ان الموضوعات والمحمولات لا تصلح ان تتقيد بقيد البحث فلا يعقل ان يكون قيد البحث يحد تلك المحمولات أو الموضوع وإلا لزم أخذ ما هو متأخر رتبة في المتقدم رتبة وهو محال.

مضافاً إلى ان الحيثيات المذكورة ثابتة في الموضوعات والمحمولات قبل البحث والبحث إنما يتعلق بها بأجمعها فكيف يعقل ان يقيد بها فان ما أخذ في المتعلق لا يكون قيداً للعارض عليه إذ المتقدم لو أخذ نفسه في المتأخر لزم تقدمه على نفسه, ولذا قيود المعلوم لا تكون قيداً للعلم.

وبهذا ظهر لك فساد ما ذهب إليه بعض مقرري بحث النائني رحمه الله  أخذاً من صاحب الفصول من رجوع الحيثيات إلى البحث, وأما ان جعلت الحيثية اشارة لعنوان منتزع منطبق على الموضوع بأن يكون الموضوع في الحقيقة هو ذلك العنوان كما يقال: اكرم زيداً من حيث علمه, فان الموضوع في الحقيقة ليس هو زيد من حيث هو بل العالم المنتزع من الحيثية, فقولهم: موضوع النحو اللفظ العربي من حيث الإعراب والبناء, معناه ان موضوعه المعرب والمبني, وهكذا مرادهم موضوع علم الصرف اللفظ العربي من حيث الصحة والاعتلال يعنون ان الموضوع له هو الصحيح والمعتل إنما عبروا بالحيثيات لبيان أن مورد الموضوعين واحد, وهو أيضاً فاسد فان الحيثيات المذكورة لا تصلح لأن تكون العناوين المنتزعة منها مواضيع للعلم فان علم النحو لا يصلح عنوان المعرب هو بما معرب ان يكون موضوعا له لأنه بما هو معرب لا تعرض له المحمولات في مسائله كالرفع والنصب بل تكون أجزاء مقومة له.

هذا مضافا إلى أنا لو التزمنا بذلك لم تكن المسألة الواحدة مشتركة بين العلمين لاختلاف موضوعها فيها فمسالة الجمع في النحو تكون هو المعرب من الجمع وفي الصرف هو الصحيح من الجمع مثلا لما عرفت ان موضوع العلم معتبر ومتحد مع مسائله وإلا لما كانت باحثة عنه.

ويمكن الجواب عنه ان الحيثية تكون اشارة إلى الاستعداد الموجود في الموضوع لقبول نوع خاص من المحمولات, وما ذكره الخصم من عدم التنافي بين الاستعدادين فلا يكون تغايراً بين الموضوعين لعدم التباين بين الحيثيتين فاسد, لأنه بما هو مقيد بهذا الاستعداد يغاير نفسه بما هو مقيد باستعداد آخر فانه بكل استعداد له عنوان غير العنوان المنتزع له من الاستعداد الآخر, ولذا العوارض التي تعرض له بأحد الاستعدادين لا تعرض له بما هو مقيد بالاستعداد الآخر, وحيثية أحد الاستعدادين تمنع من حمل محمولات الاستعداد الآخر عليه, فان زيداً من حيث انه عالم لا يحمل عليه إلا شؤون العالمية دون الهاشمية, ولذا قيل: الماهية من حيث هي ليست إلا هي مع انها لها عوارض أخرى.

وعليه فاللفظ العربي بما هو معرب ومبني غيره بما هو صحيح ومعتل وغيره بما هو فصيح وبليغ فان الشيء الواحد يختلف بالوجوه والعناوين المنتزعة منه

ولذا يختلف أحكامه باختلافها وعدم التنافي بين الحيثيات إن أريد به مجرد اجتماعهما فهو صحيح إذ لا ينكر ان الاستعدادين ثابتان له في الواقع لماهيته ولكن لا ينفعه وان أريد انهما معتبران في الموضوع معاً فهو غير صحيح لأن الموضوع لعلم النحو هو اللفظ العربي بما هو معرب ومبني لا بما هو فصيح وبليغ فأشتبه عليه حال التقييد بشرط التقييد.

(وما ذكره) الخصم ان الماهية لها استعداد واحد لااستعدادات متعددة (فاسد) لأن الجنس مستعد لقبول الفصول وهي متباينة فلو لم يكن له استعدادات متعددة لما كان له قبول لأمور متباينة.

وما ذكره الخصم من ان موضوع المسألة متحد مع موضوع العلم, فالحيثية لا بد ان تعتبر فيه لو كانت معتبرة في موضوع العلم مع انها غير معتبرة في موضوع المسألة فاسد, لأن موضوع المسألة بمناسبة ذكر المحمول يستغني عن ذكر الحيثية معه وتكون ملحوظة إجمالاً في المسألة.

الفصل الثالث

في الغاية من علم الفقه

وشرح غاية كل علم ووجه التمييز بها

الغاية لكل علم:

الأمر الثالث من الأمور التي تذكر في مقدمة العلوم هو بيان الغاية من تدوين هذا العلم بعد ذكر تعريفه وبيان موضوعه لأمور:

أحدها: أن لا يكون طلبه عبثاً فان الإنسان الذي يشرع في العمل إذا لم يكن مدركاً للفائدة منه كان طلبه له وشروعه فيه عبثا لا يرضى به العقل.

وثانيها: ان يحترز من الاعتقاد بوجود فائدة أخرى هي ليست له فيكون سعيه بلا جدوى وعمله بلا فائدة.

وثالثها: ان بيان الغاية يوجب معرفة ما للعلم من الأهمية فيسعى بمقدارها في تحصيله له.

ورابعها: انه يعرف بذلك انه يوافق غرضه ومقصوده في هذه الحياة أم لا, ثم انك قد عرفت ان بيان الغاية للعلم بمنزلة مطلب (لْمِ) لأنه بيان لعلة وجود هذا العلم والسبب في تدوينه وقبل الخوض في بيان غاية علم الفقه نقدم مقدمتين:

الفرق بيـن الغاية والفائدة والغرض والعلة والمنفعة:

(إحداهما) ان الغاية والفائدة والغرض والعلة الغائية والمنفعة ألفاظ متقاربة في المعنى. أما الأولان فمتحدان ذاتا متغايران اعتباراً فان الشيء باعتبار انه طرف الفعل وآخره يسمى غاية وباعتبار الترتب عليه يسمى فائدة ولا يلاحظ في شيء منهما كونه باعثاً للفاعل على الفعل، وأما الآخران فيلاحظ فيهما الباعثية للفاعل على الفعل وهما في الاتحاد بالذات والتغاير بالاعتبار مثل الأولين, إذ الأول وهو الغرض إنما يطلق بالقياس للفعل, والثاني هو العلة الغائية إنما يطلق بالقياس إلى الفعل فان التأديب مثلا علة غائية للضرب وهوة غرض للضارب. وأما الخامس وهي المنفعة فهي عبارة عن الفائدة التي يتشوقها الكل بمقتضى طبعهم.

(ثانيهما) ان الشيء قد يكون مقصوداً بذاته ويراد لذاته فتكون غايته عين ذاته ولا غاية له وراء ذلك كعلوم العقائد وقد يراد لغيره. وحيث ان ما بالغير لا بد ان ينتهي إلى ما بالذات فلا بد ان ينتهي الأمر إلى شيء يراد لذاته ويكون ذلك الشيء هو الغاية الذاتية والمتوسطات بينه وبين ذي الغاية غايات بالعرض، فمثلا علم النحو يراد لغيره وهو صون اللسان, وصون اللسان قد يريده الإنسان لذاته وقد يريده لكمال نفسه فيكون المقصود بالذات هو كمال النفس.

الغرض من علم الفقه:

إذا عرفت ذلك فنقول ان الفقهاء قد ذكروا ان الغرض من علم الفقه وتدوينه وتعليمه وتعلمه هو تحصيل السعادتين والفوز بالدارين الدنيوية والاخروية والخلاص من الشقاوة الأبدية. وتحصيل السعادة والخلاص من الشقاوة هما مقصودان بالذات ولا بد ان يكون مرادهم هو حصول ذلك بمراعاة قوانينه والعمل بها وان لم يصرحوا بذلك لوضوح انه لو لا العمل بها لم يحصل ذلك.

ويمكن ان يرد عليهم أولا أن هذه الغاية تحصل بمعرفة علم الكلام أيضاً لاشتماله على بيان الواجبات الاعتقادية الأصولية التي هي أهم من الواجبات الفرعية وغاية العلم يجب أن تختص به لأن العلم عبارة عن مسائل جمعت لترتب غرض مهم عليها فيكون كل ما له دخل في الغرض داخلا في ذلك العلم ولازمه ان الغرض لا يترتب على علم آخر, ولذا قيل: ان تمايز العلوم بتمايز الأغراض.

اللهم إلا ان يقال: إنا لا نسلم اختصاص غاية العلم به, وما ذهب إليه بعضهم من ان تمايز العلوم بتمايز الأغراض إنما يتم لو كان العلم إنما ألف لتحصيل غاية خاصة لا لبيان أحوال موضوع خاص فانه لو كان للثاني فلا مانع من ترتب غاية وغرض عليه تترتب على علم آخر.

ويمكن ان يجاب عن ذلك بأخذ الحيثية بأن يقال ان الغاية هي تحصيل السعادتين من حيث العمل, وعلم الكلام تكون الغاية منه ذلك من حيث الاعتقاد.

وثانياً: ان هذه غاية لتشريع الأحكام الشرعية لا لعلم الفقه إذ العمل بنفس الأحكام الشرعية موجب لذلك, ولذا المقلّد العامل بالأحكام الشرعية تحصل له تلك الغاية. ومن الواضح ان تشريع الأحكام الشرعية غير علم الفقه فان علم الفقه عبارة عن البحث عن الأحكام واثباتها بالأدلة.

ويمكن الجواب عنه بأن غاية كل علم هي التي تترتب على العمل به فالمنطق غايته صون الذهن عن الخطأ وهي لا تكون إلا بالعمل بقوانينه التي شرعت من قبل جاعلها. وهكذا النحو والصرف غايتهما صون اللسان عن الخطأ في المقال وهي لا تحصل إلا بالعمل بقوانينها وأما كون ذلك غاية للتشريع فهو لا ينافي ما ذكرناه فان كل مشرع للقوانين يتوخى الفائدة المرتبة على ملاحظة تلك القوانين ورعايتها والعمل بها. والعلم الذي يوضع لها إنما هو لمعرفتها حتى يترتب الغرض من تشريعها على العمل بها,ئ المتوقف على معرفتها. فالغاية من كل علم هي ما قصده الواضع من تشريع قوانينه عند العمل بها اعني, ما يترتب على العمل بها من الفائدة وتلك الفائدة تكون هي الغاية من العلم بتلك القوانين باعتبار انه بملاحظتها والعلم بها والعمل بها تترتب تلك الفائدة وفيما نحن فيه كان الأمر كذلك.

ويرد ثالثاً: بحصول الغاية المذكورة للمقلد إذا علم بالأحكام الشرعية عن طريق التقليد فتكون الغاية المذكورة مرتبة على العلم من الفقه وعلى العلم من التقليد وليست مختصة بالعلم من الفقه.

وجوابه انها تختلف بالحيثية فالغاية الحاصلة من العلم بالفقه هو الفوز بالسعادتين من طريق الاجتهاد والغاية الحاصلة من علم المقلد هي الفوز بالسعادتين من طريق التقليد ولا إشكال ان الأولى اعظم شأناً واكثر ثواباً من الثانية كما دل على ذلك العقل والنقل.

ما ذكره حكماء الإسلام وعلماؤهم من الغايات:

وإلى الغاية المذكورة لعلم الفقه يرجع ما ذكره حكماء الإسلام من أن غاية علم الفقه هي حفظ الفرد بنهيه عما يضره وأمره بما ينفعه وحفظ النوع من الفساد بالهرج والمرج لاحتياج بعضهم إلى بعض في حياتهم الدنيوية فان الإنسان مدني بالطبع فلا بد لهم من قانون يحفظهم من ذلك.

قالوا: والغاية من تشريع العبادات مع انها لا علاقة لها بالغاية المذكورة هي ان النظام المذكور يحتاج في طاعته الخوف من العقاب على مخالفته والثواب على فعله وهما إنما يحصلان بالتذكر عدة مرات للمشرع لذلك النظام ووعده ووعيده والعبادات يحصل بها التذكر المذكور.

وبعضهم جعل غايته حفظ الشريعة الإسلامية عن الضياع ويرد عليه أولا ما أوردناه على جعل الغاية تحصيل السعادتين من ترتب هذه الغاية على العلم بالفقه من طريق التقليد حيث انه بالتقليد تحفظ الأحكام الشرعية الفرعية.

والجواب عنه مضافا إلى ما سبق من جواب الإيراد الثالث انه يمكن ان يقال: ان بكثرة الاختلافات فيها صار التقليد غير حافظ لها على سبيل اليقين بخلاف ما لو أخذت من الدليل فانه يحصل له الاطمئنان بالظفر بالواقع.

وبعضهم جعل غايته حفظ المقاصد الخمسة وهي الدين والنفس والعقل والنسب والمال.

وبعضهم جعل الغاية من علم الفقه هو إثبات الأحكام الصادرة من الشارع من حيث صدورها عنه لا من حيث صحتها وثبوتها الواقعي ولا من حيث اشتمال متعلقاتها على المصالح أو المفاسد ولا يضر ذلك توقف ثبوتها من هذه الحيثية على ثبوت الشريعة الذي هو من المطالب الكلامية, ولذا عدوا علم الكلام من مبادئ الفقه التصديقية فان الكثير من غايات العلوم تتوقف على غيرها ولذا كان لها تقدّمٌ عليها.

ويرد عليه ما لا يخفى فان الاثبات المذكور عبارة عن نفس العلم المذكور فيكون المغيى والغاية واحد. وهذا وان صححناه في العلوم التي تقصد بذاتها لذاتها وتطلب بنفسها لنفسها كعلم العقائد لكنه إنما يتم في العلوم الواجبة والمطلوبة بالذات لا العلوم المطلوبة للغير وعلم الفقه إنما هو مطلوب للعمل به.

والأولى ان تجعل غاية علم الفقه هو اطاعة الله والفرار من مخالفته في العمل عن اجتهاد لا عن تقليد بمراعاة مسائله. فانه هو المقصود بالذات من تعلم علم الفقه والاطلاع عليه. نعم الغاية من ذلك هو نيل السعادة في الدارين والفوز بالنشأتين الدنيوية والآخروية ويمكن أن يجعل له فوائد أخرى.

إحداها: ان العلم المذكور مع الورع والتقوى موجب للتحلي بثوب الزعامة الإلهية والرئاسة الدينية التي خص الله تعالى بها اولياءه واصفياءه وهي مما يبذل في تحصيلها النفس والنفيس.

ثانيها: الخروج من حضيض التقليد إلى ذروة الاجتهاد والمعرفة للأحكام عن دليل. قال الله تعالى [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ]([656]) فخص الله العلماء بالذكر مع إندراجهم في المؤمنين رفعاً لمنزلتهم.

ثالثها: تعليم المسترشدين بايضاح الحجة لهم وإلزام المعاندين باقامة الدليل عليهم.

رابعها: حفظ الأحكام الشرعية الفرعية عن ان يزيلها مرور الأيام ويسدل عليها ثوب النسيان أو تلوثها شبهة الجاهلين وتشكيكات المعاندين.

خامسها: وقوع الأعمال العبادية والمعاملية عن عقيدة لا عن تقليد.

سادسها: الإرشاد للمصالح الدينية والدنيوية بالاطلاع على أسرار الشريعة الإسلامية. ولا بأس من نقل بعض الشذرات من خطبنا وكلماتنا في فوائد الدين والثمرات القيمة التي تحصل من التمسك به.

كلمتنا في المولد النبوي:

(فمن ذلك) من كلمة لنا في المولد النبوي صلى الله عليه وآله وسلم نشرتها مجلة الثقافة 26،ج2، ثم ما فتئ الأمر حتى تعاكست أنوار الإسلام النفوس واستعبرت به المدارك والعقول يختال بأنظمته القيمة وأصوله الكاملة المبرمة الحقب والازمان حتى اصبح ومن ورائه شعب صار مؤمنا بعقائده مندفعاً بمبادئه لا تأخذه فيها لومة لائم. ولا يهاب في الدفاع عنها سطوة جائر غاشم فأزال مماليك الشك وهدم تقاليد الإلحاد واستأصل العادات القبيحة ونشر الآداب الحسنة وقلب الوضع العالمي رأساً على عقب وركزّ الاخاء في الروح والتعاون على الخير والصدق في القول والعمل التي تحيى بها الإنسانية وتزدهر بأشعتها البشرية. ناهيك به من انقلاب زعزع أركان دولتي الشرق والغرب الروم والفرس وأراح الشعوب من الاستبداد والاستعباد الذي أرهقها صعوداً وجشمها كؤوداً وخلصها من تقاليد ثقيلة لا يطاق حملها وجردها من عقائد تشبه الألغاز والأحاجي في ابهامها وغموضها وهيأها للدخول في أدوار جديدة من حياة سعيدة موفورة بالحرية بعد ان غلب عليها الشقاء وألبسها الحضارة بعد ان كانت بعيدة عن مفاهيم الناس بعد الأرض عن السماء. وتلا ذلك كله ما نراه اليوم من النهضة المستمرة في عالمي العلم والعمل حتى انك لا تجد نظرية تأسست بعقول راجحة وادمغة ناضجة يكون لها الأثر القيم في تطور الحياة البشرية وترقيها في مدارج الكمال إلا وهي صدى آية من آيات الكتاب المجيد أو حديث من الأحاديث الشريفة للنبي الكريم.

مقالنا الذي نشرته صحيفة الأمة:

(ومن ذلك) مقالنا الذي نشرته صحيفة الأمة اللبنانية في عددها 31 لسنتها الثانية تحت عنوان (الإنسانية في طريقها إلى الفناء أو خدمة الدين للإنسانية).

ان الإنسان بوضعه الفردي أو وضعه الاجتماعي مفطور على حب الذات والإيثار لها على الغير مهما بلغ من درجات الرقي والكمال وهذا الحب وان جرَّ للإنسان الخير وجعله طالباً للسعادة والهناء إلا انه لا يزال يدفعه للتغلب على الغير والسيطرة على مقدرات الحياة فتجد الفرد يسابق الآخر ليكسب المغنم لنفسه دون غيره وتجد الأمة تطاول الأخرى لتفوز بالفائدة لذاتها دون من عداها. وما الصراع القائم بين الأمم في هذا الزمن الذي كاد أن يضرم البشرية بنار يفنى فيها الصغير والكبير ويلتهب اليابس والأخضر إلا نتيجة لحب الأمم لذاتها ولا تستطيع اشد القوانين المدنية الصارمة مهما صقلتها العقول ان تقف دون هذه الغدة النفسية التي لا زالت تفرز اشد الويلات على البشرية ما لم يكن الرادع فطريا مثلها يغزوها في وكرها ويقضي عليها في مستقرها وليس هو إلا العقيدة الدينية المرتكزة في النفوس فإنها هي التي تصرعها في مغرسها وتغتالها في وكرها ومعرّسها وتسيّرها نحو السعادة البشرية بأحسن طرقها. وان كثيراً من الملحدين قد ادركوا هذه الحاجة للوازع الديني والرادع الإلهي ولكن روحهم الالحادية لا تتركهم يتدانون للحق فيعترفون إن غير الدين لا يمكن ان يكون رادعا لتلك الغريزة الحيوانية وليست الأحكام المدنية والقواعد الاخلاقية كافية لدوام نظام المجتمع والحالة ان الإنسان مفطور على حب نفسه واستئثارها على غيره بفواتن الحياة ولذائذها وسواحرها ولا يتحاشى عن أضرار الناس ما رأى نفسه بعيدة عن مراقبة القانون ما لم يكن يشعر بمراقبة غيبية قدسية تطلع مستسر سره ومكنونات نفسه أينما وجد وأينما حل وهذا لا يتوفر لنا ما لم نحيِ بالانسان الغريزة الاعتقادية والإيمان بالمراقبة الإلهية والخوف الشديد من تجاوزه على شريعته الدينية.

ولعل احسن شاهد نقيمه على ذلك هو انك لو فتحت دفاتر الجرائم في محاكم العدل في سائر الدول الكبيرة والصغيرة لا تجد في المجرمين من المؤمنين واحداً من ألف وهذا الاستقراء أدل دليل على محاربة العاطفة الدينية للاجرام وموجباته واسبابه. ألا وان عدم ادراك الشعوب للقيم الروحية وعدم التفات حكوماتها لمحاسن الثقافة الدينية جعلها بعيدة عن هذه الناحية فسنت قوانين صارمة وفتحت مدارس جامعة لو انفقت بعضاً من ذلك على إضافة الثقافة الدينية إلى الثقافة العلمية لكان خيراً لها واحسن سبيلا حيث بها تنتشل الإنسانية من غمرات الحروب ولهواتها وتبعدها عن مأساة الشرور وآلامها وتنصرف للصالح العام والنفع التام وتجعلهم اخواناً على سرر متقابلين قد تناسوا الفوارق بأنواعها.

ولا اعني بالثقافة الدينية هو مجرد اللقلقة اللسانية والتقاليد المتبعة وإنما اعني بها تركيز العقيدة الدينية في النفوس بحيث تلتهب بها العاطفة وتلتاط بالضمائر والدخائل ويبذل فيها النفس والنفيس بعد الشعور بأنها التحفة الملكوتية التي ضمنت للعالم الانساني سعادة الدارين وخير النشأتين. وربما يتخيل المتخيلون ان الدين يصطدم بالعلم الحاضر ولكن الأمر بالعكس فان العلم قد أزال كثيراً من الحجب الكثيفة عن حقائق الدين ولا زال يخدم الدين حتى عند الملحدين فيُدخِل إلى ما استسر في نفوسهم من دخائل الإلحاد فيطبع فيها صوراً عالية من المبادئ الدينية لا تزال تطفح على أقلامهم من دون ان يكونوا هم شاعرين بها فهذا (شبلي شميل)([657]) الملحد المعروف يقول في جملة من كلامه (ان الشرائع اجتماعية أو دينية غرضها واحد وهو صلاح حال الإنسان وواضعوها من أنبل المصلحين غاية والشريعة الإسلامية خاتمتها وفذلكتها وانها الشريعة الوحيدة الاجتماعية العليا المستوفاة التي ترمي إلى أغراض نبيلة دنيوية حقيقية وان الدين الإسلامي نظام عملي مادي قانوني يتكفل بصلاح حال المجتمع).

وان لنا على كلامه هذا اصح شاهد فهذه الأمة العربية كانت بلادها قاحلة وهي على شظف من العيش وانحطاط في درجات سلم العلوم والعرفان تتحكم في عراقها الفرس وفي تخوم شامها الروم فارتقت بعد أن منَّ الله تعالى عليه بالإسلام أقصى ذرى المجد وتحكمت في ممالك فارس والروم وحيث إني أريد ان اعالج الموضوع والجواب عن الشبهة المذكورة عن طريق يؤمن به الملحدون ويدين به الجاهلون لذا كان لزاماً عليَّ ان استشهد بقول من تركن نفوسهم إليه من ان الدين لا يتنافى مع العلم فقد سبق منا كلام شبلي وإليك ما صرح به العلامة هرشل([658])حيث يقول: (كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صروح العلم وهو صرح عظمة الله وحده). وهذا الفيلسوف الغربي([659])صاحب كتاب ثمرات الحياة يقول: (انه توجد فوق الإنسان قوة أزلية أبدية ينشأ عنها كل شيء) وما احسن الكلمة المأثورة عن (باكو) التي يقول فيها ان العلوم الطبيعية إذا رشفت بأطراف الشفاه أبعدت عن الله تعالى وان شربت عبا اوصلت إليه تعالى). وهذا الدكتور الذري أخي محمد([660]) قال لي: إني كنت مقلداً في عقيدتي الدينية أما اليوم بعد درسي للعلوم الطبيعية وتعمقي فيها وخوضي في الذرة ومجّرها آمنت بالدين الإلهي ايمانا لا يشوبه شك ولا تزلزله أي شبهة لله الحمد.

خطبتنا في عيد الأضحى في الصحن الحسيني:

(ومن ذلك) من خطبة لنا بعد صلاة عيد الأضحى في صحن الحسين عليه السلام سنة 1382هـ وهي بعد البسملة.

أيتها الأمة المسلمة

حييتم بأبهى تحية تمتزج باللطف الإلهي والعناية الربانية وإذا حييتكم فإنما أحيي قلوبا يقظة وعواطف نبيلة ونفوساً طاهرة تجشمت العناء والتعب في سبيل اعلاء كلمة الله والدعوة لدينه. ان تركيز الدين ضروري للمجموعة الإنسانية على حد ضرورة نشر المعارف فيها بل يزيد عليها بمراتب كثيرة بل اكثر لما في انتشار المادية وتفشي الالحادية من خسارة الفرد والعائلة والمجتمع.

أما خسارة الفرد فلشعوره بأن حياته وما يحيطها أمر محدود يفنى بفناء الدهر وينقضي بانقضاء الزمن وهذا ما يجعله في حزنٍ وكمد عند التفاته لذلك وفي أسفٍ وتألم عند ادراكه محدودية حياته بل تصبح نفسه ضعيفة أمام محن الأيام وطوارق الزمان فلا يحتمل ابسط الحوادث المؤلمة واقل الوقائع المزعجة بخلاف المؤمن بربه المتمسك بدينه فانه تضعف في نظره الحوادث بمقدار قوة إيمانه وشدة عقيدته واني وجدت الكثير ممن آمن بالله لو فقد عزيزه كان كمن سافر عزيزه عنه ويلتقي به بعد حين وإذا حل به البلاء آنس نفسه بما يناله في الآخرة من الجزاء وهوّن عليها الخطب يوم الحساب يوم الاجر والثواب.

وأما خسارة العائلة فهو لا يأمن على عرضه ولا على نفسه ولا على ماله من أهل بيته عند فقدهم العقيدة الدينية فان سلطان الشهوة لا يقهره شيء لا شرف النفس ولا حسن التربية إذا جد الجد وخلا له الوقت إلا تمركز العقيدة بالله, والحوادث التاريخية أدل دليل على ذلك فقد شهد الكثير منها ان البيت الذي يفقد الوعي الديني تتحكم اللذات الحيوانية بمقدّراته وتكون المادة العمياء هي المقياس الوحيد في حياته وإذ ذاك تنعدم الثقة حتى في أهم أركانه فلا أمان لصاحبه بزوجته ولا لزوجته الأمان به ولا ثقة له بذويه ولا لذويه ثقة به كما لا يطمئن على حياته فيما لو اقتضت الميول البيتية القضاء عليها ولا يأخذه القرار على ماله ولا على ما في يده فيما لو أراد البيت غصبها من عنده أو سرقتها منه ولنا على ذلك شواهد سجلها التاريخ وقضايا دونتها المحاكم المدنية وعند ذلك ينهار البيت ويزول الحنان والتعاطف من بين يديه ويصبح صاحبه في شقاء مستمر وذووه في خشية وخوف دائم وسرعان ما ينحل الاخاء ويذهب الولاء.

وأما خسارة المجتمع فهي لا تحتاج إلى بيان حيث تزول بانعدام القيم الدينية كل صفة انسانية كمالية عن النفوس وتتحكم فيها الأهواء والرغبات فلا صدق في اللهجة ولا أمانة في المعاملة ولا إخلاص في العمل وتصبح الأمة بين أمرين إما بهائم خرساء في قبضة سائقها وآلة صماء في يد عاملها لا تملك من أمرها شيئاً وإما خبط عشواء وتعيش في خطة عمياء تعصف في أجوائها مختلفات الأهواء وتهب في ارجائها الفتن الخرساء.

ألا وان فقدان الوعي الديني في وسطنا الاجتماعي هذا اليوم أوجب ان نصبح في ظرف عصيب ووقت رهيب نقطع فيه اصعب المراحل الخطيرة في تاريخنا الحديث فالصراع قائم بين الأمم الكبيرة, والحق تطغى عليه القوة وعلى الأماني المنايا وشبح الموت والفناء يرفرف على العالم كله وأبطال الحرب ومدير ودفتها يوالون الاجتماعات اثر الاجتماعات ويعقدون المؤتمرات اثر المؤتمرات لإضرام البشرية بنار لا يسهل اخمادها واثارة فتنة صماء يصعب الخروج منها.

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني

في الشريعة والتشريع وفيه فصول

الفصل الأول

في معناها وتقسيمها وأي قسم منها يختص باسم الدين:

وحيث ان الفقه إنما يكون في الشريعة الإسلامية كان لزاماً علينا ان نتعرض لمعنى الشريعة فنقول: ان الشريعة لغة الطريقة المستقيمة, واصطلاحا عبارة عن الأحكام والقوانين التي سنت للمصلحة سواء كانت للفرد أو المجتمع وسواء كانت متعلقة بالأفعال أو بالعقائد أو تهذيب النفوس وهي قد تكون سماوية إذا كان المشرع لها هو الله تعالى كالشريعة الإسلامية وقد تكون مدنية إذا كان المشرع لها هو الإنسان كشريعة حمورابي فاطلاق الشريعة على الأحكام باعتبار انها الطريق المستقيم الذي يوصل من يسلكه لصالحه وسعادته كما ان الشريعة السماوية تسمى بالدين باعتبار لزوم التدين بها من رب العالمين والفرق بين التشريع والشريعة ان التشريع هو سن تلك الأحكام والقوانين والأنظمة, والشريعة هي نفس القوانين والأنظمة والأحكام.

وبهذا يظهر لك الفرق بين التشريع والاجتهاد والتفقه فان التشريع هو سن الأحكام والقوانين وايجادها, والاجتهاد هو استنباط الأحكام والقوانين من أدلتها ومصادرها, والتفقه هو معرفة القوانين والأحكام والأنظمة من أدلتها, وعليه فليس الفقيه والمجتهد بمشرع وليس هما من السلطة التشريعية. ثم ان الشريعة والمنهاج في لسان الشرع شيء واحد قال تعالى [ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا]([661]) ولكن يظهر من بعضهم ان الشريعة هي الأصول والقواعد الدينية و المنهاج هو الذي يفصّل هذه القواعد.

والحاصل ان الشريعة والمنهاج عبارة عن نفس الأنظمة والقوانين والفقه هو معرفتها من الأدلة القائمة عليها.

الفصل الثاني

في وجه الحاجة للتشريع الإلهي:

لقد كان من وضع الإنسان المحتم ان يقطع مفاوز الحياة مع ابناء نوعه سواء قلنا ان ذلك يقتضيه بطبيعته وفطرته أو كان ذلك من جهة الحاجة في شؤونه ومعيشته وهذا مما أوجب الحاجة إلى تشريع يحدد له الارتباط بالغير في المجتمع الذي يعيش فيه منعاً له من شذوذ التصرف وإطلاق العنان للشهوة والأثرة وحب الذات والاسفاف والاسراف في تنفيذ الرغبات,

وللقضاء على العلل ومشاكل الاجتماع, وللإرشاد للمصالح والمنافع ولتنظيم الحياة لكسب السعادة فيها, ولإقامة العدل وصيانة حقوق الناس الشخصية والكلية, ولحفظ الأمن العام, وللسلوك بهم نحو مدارج السمو والكمال, ولاستلهام المثل العليا والفوز بالنشأتين والسعادة في الدارين وهذا التشريع وان كانت العقول قد وضعته لأممها حسب معرفتها وعلمها إلا انه لا شك ان التشريع الإلهي حيث يستند لأعظم عقلية غيبية تدرك مصير الأعمال ومصالح الأفعال ومفاسدها ويستمد من أوسع علمية بمجاري الأمور وما تؤول إليها بخيرها وشرها ومحاسنها ومساوئها وابصر معرفة بحقائق الموجودات ودقائقها وأسرارها كان التشريع الصادر منها أسمى وانفع من التشريع الصادر من العقلية البشرية المحدودة في معلوماتها والتي طالما وقعت في الهفوات والأخطاء حتى فيما يخص نفسها.

هذا مع ان النفس لشهواتها طغيان يوقعها في مهامه الهلكات وينزلها لأخس الدنيئات ولا يمكن ان يقف دونه التشريع الانساني حيث ينعدم سلطانه عند الخلوة والأمن من المراقبة بخلاف التشريع الإلهي فانه لا ينعدم معه الرقيب فالله يعلم السر وأخفى.

اضف إلى ذلك ما في التشريع الإلهي من ربط العبد بمولاه والمخلوق بخالقه الموجب لشكره, وشكره يوجب شمول رعايته وجميل لطفه وزيادة النعمة وتوفير الإحسان والبركة فالغاية من التشريع الإلهي والمنفعة المرتبة عليه هو سير الناس نحو الحياة الموفرة بالسعادة في الدارين على الوجه الأكمل ونيل الخير في النشأتين على النحو الاحسن ليكونوا خير امة اخرجت للناس بتنظيم حياتهم ووفور السعادة لديهم وإلا لكان الأمر فوضى بينهم تتحكم فيه رغبات القوي وتُغصَب حقوق الضعيف وتسلب عنهم الحريات وتتبع في تصرفاتهم الشهوات ويُفرَّط بمهمات الحياة الخمس الدين والنفس العرض والمال والعقل وذلك هو الخسران المبين.

ما يحتاجه التشريع:

ولكن التشريع مهما كان نوعه إلهياً أو مدنياً يحتاج إلى الأحكام التي تكفل له القيام بأحكامه وتضمن له الإطاعة لقوانينه أما روادع وزواجر كبطلان العقود والايقاعات المخالفة للتشريع وأما عقوبات وتأديبات كالحدود والتعزيرات والسجون والقصاص والغرامات. ويختص التشريع الإلهي بالعقوبات الأخروية مضافا للعقوبات الدنيوية فيكون في النفوس اركز وبالاندفاع نحو العمل أزيد ولنا في هذا المقام مقالات قيمة نشرتها المجلات الإسلامية والصحف العربية فليراجعها من أراد زيادة البصيرة.

الفصل الثالث

في فصل الدين عن السياسة

ويلحق بهذا المطلب ما لاكته الألسن في هذا الوقت من فصل الدين عن السياسة والسبب فيه ان الغرب لما رأى هيمنة الكنيسة على شعوبهم حتى أصبحت الطاقة الروحية تصطدم بقوة الدولة وتزاحمها في نفوذها وسطوتها وسلطانها أخذ رجال الدولة في بذل السعي لفصل الدين عن سياسة الدولة وابعاد نفوذ رجال الدين عن شؤون الحاكمين مستندين في ذلك إلى ما في الأناجيل متى ولوقا ومرقص من قول اليسوع (اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)([662]) وتمكن بذلك ولاة الأمور منهم ان يفصلوا رجال الكنيسة ويبعدوا علماءها عن آفاق السياسة والحياة العملية لشعوبهم.

وأما الإسلام فقد ربط السياسة بالدين والحياة بالشريعة الإسلامية حيث قنن أحكام الحياة للفرد وللبيت وللمجتمع حتى مع الغير وطلب من العلماء ان لا يكفوا على كظنه ظالم ولا سغب مظلوم, وأما العبارة المنقولة عن الأناجيل فهي لا تدل على اكثر من ان المال الذي لقيصر لا يعطى لله والمال الذي لله لا يعطى لقيصر فانك لو راجعت الأناجيل المذكورة تجد هذه الكلمة صدرت من اليسوع في دينار قُدّم له عليه كتابة وصورة لقيصر وقد عالجنا هذا الموضوع بصورة أوسع في كتابنا نقد الآراء الفلسفية.

 

 

 

 

 

 

المطلب الثالث

الإسلام والشريعة الإسلامية وعمومها وفيه فصول

الفصل الأول

في تسميته وعموميته

الإسلام مصدر (أسلم) بمعنى انقاد وليس كما تُوهم انه مأخوذ من سالم بمعنى وافق لأن مصدره مسالمة لا إسلام.

وقد نقل من هذا المعنى عن المسلمين للدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ]([663]) ولقوله تعالى [وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا]([664]) وهذا هو مصدر تسميته بالإسلام فإنها تسمية قد جاءت من عند الله تعالى.

وكان الإسلام آخر الشرائع الدينية وخاتمتها جاء لعامة الناس في شرق الأرض وغربها لقوله تعالى من سورة سبأ [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ]([665]) ولقوله تعالى في سورة الأعراف [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا]([666]) ولهذا نهض نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الدعوة الإسلامية حتى أوصل الدعوة لهرقل امبراطور الروم ولكسرى ملك الفرس وللحارث الحميري ملك اليمن وللمقوقس حاكم مصر وللحارث الغساني ملك الحيرة وللنجاشي ملك الحبشة.

الفصل الثاني في أصول الإسلام:

وأصول الإسلام ثلاثة التوحيد وهو شهادة ان لا اله إلا الله والنبوة وهو شهادة ان محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمعاد وهو الاعتراف بعود الناس بعد مماتهم يوم القيامة ليأخذ كل منهم حقه ان خيراً فخير وان شراً فشر سواء عُلِم من المقر انه مصدّق بذلك أم لم يُعلَم فمجرد إقراره واعترافه بذلك كافٍ في ثبوت إسلامه وترتب آثار الإسلام عليه كالطهارة وجواز النكاح والدية التامة كما صرح بذلك العلماء والدليل عليه هو ما تواتر عن النبي([667]) صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة انهم كانوا يكتفون في ثبوت الإسلام بالاقرار بالشهادتين واستغنوا عن الإقرار بالمعاد لأنه لازم بيّن للاقرار بالنبوة ثم بعد ذلك ينبهون المُقِر على المعارف الدينية التي يتحقق بها الإيمان ففي رواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في وصف الإسلام انه قال (شهادة ان لا اله إلا الله والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس)([668]).

وأما عدّ منكر ضروري الدين ومنكر ما قطع به انه من الدين من الكافرين من دون شبهة ولا دليل فلأنه يرجع انكاره إلى إنكار النبوة ولما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذا حكم الأصحاب بكفر النواصب الذين نصبوا العداوة لأهل البيت   عليه السلام لأنهم انكروا الولاية التي هي من ضروريات الدين ومن هذا الباب حكم بعضهم يكفر المستخف بالدين كالملقي للقرآن في القاذورات والمستهزء بالمؤدين للواجبات الدينية استنكارا لها وتعصبا وعنادا, وأما ما ورد من إطلاق الكافر على تارك الصلاة([669]) والحج والزكاة ونحوها فالمراد به هو الفسق أو من تركها انكارا لها بدون شبهة ودليل فانه إذ ذاك يكون منكرا لضروري الدين الراجع لإنكار النبوة.

وأما ما ورد من الحديث المشهور من بناء الإسلام على خمس(2) فلا بد ان يراد به الإسلام الكامل الذي يوجب دخول الجنة لا الإسلام الظاهري بدليل عدَّ اقامة الصلاة وايتاء الزكاة من الخمسة.

الفصل الثالث في مميزات الشريعة الإسلامية:

لقد امتازت الشريعة بأمور يعرفها كل من قارن بين الشرائع الدينية إلا أن الأمر البارز في ذلك منها هو تكفلها لسائر الأحكام التي تخص حياة الإنسان الفردية والاجتماعية الدينية والدنيوية.

وظهرت هذه الشريعة بثوب الدولة السياسي ومثلت كل شيء مما يخص المجتمع أو الفرد بطابع ديني وتشريع إلهي تساير الزمن مهما تقلبت الأحوال وتعالج شؤون الحياة في العالم مهما اختلفت الأوساط فكانت النتيجة الحتمية ان صارت خاتمة الشرائع الإلهية والاديان السماوية.

بعد ان هبط الوحي المبين بأولها على قلب رسول رب العالمين في مكة المكرمة والأرض المشرفة كعبة رب العالمين. ثم جاءت أحكامها تباعاً وتدريجاً حتى كملت قواعدها وأصولها وتمت أحكامها واسسها في غدير خم عندما نزلت الآية الكريمة [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا](3).

مورد نزول آية (اليوم اكملت لكم دينكم:

ففي روح المعاني للآلوسي ج6 ص 55 طبع مصر (عن أبي سعيد الخدري: ان هذه الآية نزلت بعد ان قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي كرم الله وجهه في غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه, فلما نزلت قال صلى الله عليه وآله وسلم: الله اكبر على إكمال الدين واتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي بعدي)([670]).

ومثله ما ذكره ابن كثير في تفسيره([671]) ج2 ص 14 طبع مصر.

وفي تفسير النيسابوري ج2 ص4 (إنه لما نزلت الآية المذكورة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرح الصحابة إلا أكابرهم كأبي بكر الصديق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلا الزوال, وكان كما ظنوا فانه لم يعمر بعدها إلا أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوما ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص)([672]).

وغدير خم هو بين الحرمين مكة المكرمة والمدينة المنورة عند الجحفة وهو الذي خطب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد حجة الوداع ونصب علياً ولياً على المسلمين.

ومن بارز مميزاتها انها حثت على العمل لكسب المغنم في هذه الحياة وتحصيل المعرفة بأسرار هذه الكائنات ووعدت الصالحين الذين يصلحون للتدبير والتقويم بالميراث للسطوة والسلطة بقوله تعالى [أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ]([673]) ولم تغادر صغيرة أو كبيرة إلا وذكرت حكمها حتى انك لا تجد واقعة من الوقائع التي تخص الإنسان نفسه أو مع غيره أو المجتمع نفسه أو مع غيره إلا ويظهر حكمها من نص أو ظاهر أو قاعدة أو أصل وهذه الميزة تفقدها سائر الشرائع لسماوية والنظم الحزبية والقوانين الدولية.

ومن بارز ميزاتها انها حررت العقل البشري من الأساطير والخرافات ووجهته نحو المنطق الحر والدليل والبرهان في العقيدة والايمان.

ولم تأخذ بالجريمة والجريرة بمجرد التفكير فيها وانما تأخذ بها بعد ارتكابها فلم تأخذ بالتفكير في الزنا وانما تعاقب على ارتكابه كما ينسب ذلك لبعض الشرائع إلى غير ذلك من مميزاتها فإنها لا يمكننا احصاءها بهذه العجالة.

الفصل الرابع في وجه جعل الرسالة الإسلامية في جزيرة العرب:

ان من مميزات البلاد العربية وما حولها ان الشرائع السماوية الثلاثة التي يعتنقها اكثر العالم الانساني كانت هي مهبطها فاليهودية أوحي بها لموسى عليه السلام في صحراء سيناء والنصرانية في فلسطين والإسلام في مكة المكرمة, وقد جعل الله تعالى تشريعه للإسلام للعالم الانساني من مكة المكرمة لأن الثقافة كانت منعدمة فيها والفضيلة العلمية غير موجودة في ناشئتها والأمية قد ضربت سرادقها على جوانبها لئلا يتخيل متخيل ان هذا التشريع المتقن من صنع البشر فيها.

بخلاف ما لو كان من بلاد تقوى الثقافة فيها كاليونان والرومان وفارس فانه قد يذهب الوهم ويقوى القول والظن ان هذا التشريع من وضع المثقفين فيها ومن هذا الباب جعل الوحي ينزل على الأمي من أم القرى لا على الكاتب القارىء فيها وهذا الوجه الذي ذكرناه أحسن من الوجوه التي ذكرها القوم من كون جزيرة العرب فيها عقائد متباينة واديان مختلفة فجاء الإسلام ليردهم إلى دين الحق, أو من أنهم كانوا متفككي الروابط وكثيري المشاحنات فجاء الإسلام لجمع كلمتهم ولو كان الأمر كما ذكروه للزم القول بعدم حاجة باقي الملل والنحل للإسلام.

الفصل الخامس في علوم الشريعة الإسلامية:

ان الشريعة الإسلامية لما كانت أحكامها على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما يتعلق بالعقائد الإسلامية كالاعتقاد بوجود الله وصفاته ورسله وكتبه والمعاد والثواب والعقاب، ونحو ذلك مما يرتبط بالعقيدة الإسلامية وضع المسلمون لها علماً خاصاً يبحث عنها سموه بعلم الكلام وعلم اصول العقائد وعلم الفقه الأكبر, وعلم التوحيد, وعلم العقيدة, وعلم المبدأ والمعاد.ثم انهم بعد ذلك سلكوا في دراسة هذا العلم مسلكين:

أحدهما: مسلك النقل وهو الاعتماد على معرفة ذلك من القرآن الكريم والسنة وتأيدهما بالعقل.

والثاني: مسلك العقل وهو الاعتماد على معرفة ذلك من الأدلة العقلية وما وصل إلى المسلمين من معارف الفلاسفة والحكماء مع تأيد النقل فخصوا الأول بعلم الكلام والثاني بعلم الحكمة والفلسفة.

وثانيها: ما يتعلق بالأفعال والأعمال التي تخص المكلف بوضعه الفردي أو وضعه الاجتماعي من عبادات ومعاملات وعقوبات والتزامات ووضع له المسلمون علماً خاصاً به سموه بعلم الفقه الذي هو محل بحثنا ويسمى في عرف الحقوقيين بعلم القانون.

وثالثها: مايتعلق بكمال الإنسان وآدابه وسيره وسلوكه من تهذيبه واصلاحه وما يجب ان يتحلى به من الفضائل وما يتخلى عنه من الرذائل ووضع له المسلمون علماً خاصاً به سموه بعلم الأخلاق. وبيان هذا التقسيم أولى واحسن مما قيل في بيانه من ان العلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة الإسلامية التي تخص العقيدة يسمى بعلم الكلام والعلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة التي تخص تزكية النفس وتطهيرها يسمى بعلم الأخلاق. والعلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة الإسلامية التي تخص اصلاح المجتمع الانساني وينظم مدنيته يسمى بعلم الفقه, فان إثبات اصل وجود الله وصفاته ليس من الأحكام وانما الحكم هو وجوب الاعتقاد بوجوده وهكذا أحوال المعاد ثم ان علم الفقه يبحث عن أحكام تخص الفرد كعباداته, فكيف يجعله باحثاً عن خصوص ما يصلح المجتمع وينظم مدنيته؟

الفصل السادس في مجيء الإسلام على سبيل التدريج وحكمة ذلك:

ولقد جاء الإسلام باحكامه وأنظمته وقوانينه على سبيل التدريج حسب ما تقتضيه المصلحة ومن اجل هذا نزل القرآن نجوماً أي على دفعات متقطعة حسب مقتضيات الأحوال والاحداث والأوضاع.

وكانت الآيات النازلة يسأل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وضعها في أي سورة من سور القرآن الكريم ويحكى ان الصلاة أول تشريعها ركعتان صبحاً وركعتان مساءاً ثم لما اعتادت عليها النفوس جعلت خمس صلوات, وان الصيام أول ما شرع كان ثلاثة أيام في كل شهر ثم جعل عليهم صوم شهر رمضان بأجمعه.وكانت القبلة إلى بيت المقدس ثم بعد ستة عشر شهراً أو اكثر جعلت القبلة الكعبة المشرفة. وهذا أدل دليل على ان أحكامه تابعة للمصالح والمفاسد الكائنة في متعلقاتها يتوخى منها سعادة الفرد والمجتمع في الدارين والفوز بالنشأتين كما يرشد إلى ذلك مجيء التخصيص أو التقييد في بعضها بعد مضي زمان العموم والإطلاق ومجيء النسخ في بعض آخر منها بعد مضي زمان المنسوخ إلى غير ذلك مما تقتضيه المصلحة أو المفسدة.

الفصل السابع في ان لكل واقعة حكماً شرعياً:

لقد قام الإجماع منا بل من جميع المسلمين على ان الوقائع والحوادث على مختلف انواعها وأزمانها وظروفها وحاضرها ومستحدثها لا تخلو عن حكم إسلامي وتشريع إلهي اقتضائي أو تخييري بدليل قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...]([674]) وأما الرجوع إلى العقل فهو إما في معرفة مقاصد الأدلة الشرعية وأهدافها وما ترمي إليه من القواعد وتَتَطلع إليه من الدفائن والحقائق وإما في كشفه عن الحكم الشرعي نظير كشف القرآن والسنة وهو مضافاً إلى قلته لأنه لا يكون إلا في الأمور الواضحة الحكم كرد الوديعة ونحوها ففي مورده لابد وان يكون من الأدلة الشرعية ما يدل عليه.

والحاصل ان كل واقعة لا تخلو عن الحكم الشرعي, نعم بعض الوقائع لا يمكن التشريع فيها كالاعتقاد بوجود الله تعالى وكالاطاعة والامتثال للتكليف الشرعي للزوم الدور أو التسلسل ولكن هذا ليس قصورا في التشريع بل هو من جهة عدم قابلية المحل نظير اجتماع النقيضين فان عدم قدرة الله تعالى عليه ليس نقصا في القدرة بل هو من جهة عدم قابلية المحل. وعليه ففي مثل تلك الموارد يكون المرجع هو حكم العقل ولله ان يؤاخذ ويعاقب على مخالفته.

نعم الملازمات العقلية كوجوب المقدمة والنهي عن الضد يكون العقل مرجعاً فيها وهكذا الأصول العملية وهكذا الظن بناء على الانسداد كما ان القرآن والسنة تكون مرجعاً في الأحكام بمعنى انه يكشف حكم الشارع في الواقعة بها لا انها تقتضي عدم حكم للشارع في الواقعة.

الفصل الثامن في بيان الرسول لجميع أحكام الوقائع:

هذا ولكن وقع الكلام بين المسلمين في أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلغ وبيّن جميع أحكام الوقائع بالكتاب وبالسنة النبوية واظهرها بأجمعها فيهما ولم يكتم شيئاً منها أو ان الرسول بلغ خصوص الأحكام الشرعية التي تخص الوقائع التي حدثت في زمانه وكانت محل الابتلاء في وقته وأودع باقي الأحكام عند علي عليه السلام وعلي عليه السلام صنع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأظهر منها التي تخص الحوادث التي وقعت في زمانه وكانت محل الابتلاء فيه وأودع الباقي من الأحكام للإمام الذي يكون بعده وهكذا كل إمام يصنع كذا فيُظْهر ذلك الإمام مما تبقى عنده من الأحكام بحسب الحاجة ويودع ما بقي من الأحكام عند من بعده وهكذا إلى الإمام الثاني عشر وكل واحد منهم يُظْهِر منها ما يخص الحوادث النازلة في وقته ويودع ما تبقى من الأحكام عند من بعده من الأئمة ليظهرها وقت الحاجة والإمام الثاني عشر حي موجود يظهرها بالمناسبات التي تقتضي ذلك بل انه عليه السلام  ينتفع بوجوده كانتفاع عالمنا بالشمس حتى حين يغطيها الغمام.

 وذهب إلى القول الأول أهل السنة وذهب إلى الثاني الشيعة والكلام يقع أولا في تجويزه وأخرى في تحققه أما جوازه فهو لا إشكال فيه لأن العقل لا يمنع من تأخير البيان للحكم قبل مجيء وقت الحاجة إلى بيانه وإنما يمنع من تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه وفرض كلامنا ان الأحكام التي أخر بيانها لم نكن نحتاج بيانها وقت وجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنما نحتاجه بعده للوقائع المتجددة بعده صلى الله عليه وآله وسلم بل قد يلزم تأخير بيان بعض الأحكام لبعض الوقائع كما إذا كانت المصلحة تقتضي تأخير بيانها أو كانت مفسدة في بيانها, ويرشدك إلى ذلك تأخير بيان بعض الأحكام في نفس زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فانه لم يكن قد بيّن جميع الأحكام أول رسالته وإنما اظهرها على سبيل التدريج فأول ما بين التكليف بالشهادتين ثم أخذ يظهر التكاليف تدريجا فإذا جاز التأخير في إظهار بعض الأحكام في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فإذن يجوز تأخير بيان بعض الأحكام بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم لأن حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.

ويرشدك لذلك: قوله تعالى في سورة المائدة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ]([675]) فانها تدل على تأخير بيان حكم هذه الأشياء وان المصلحة تقتضي عدم إظهار حكمها فعلا بل يمكن ان نقول انه يجوز ان يكون صلى الله عليه وآله وسلم أودع إظهار نسخ بعض الأحكام الواقع ذلك النسخ في زمن وجوده صلى الله عليه وآله وسلم عند أوصيائه المأمونين على سره لكون أمد بقاء الحكم المنسوخ ينتهي في زمانهم   عليه السلام لا في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم.

والحاصل ان العقل يجوّز تأخير البيان للحكم بعد الرسول بأن يودع بيانه لأحد أوصيائه المؤتمنين على الدنيا والدين إلى الوقت المطلوب إظهاره من دون قبح في ذلك بل يُلْزِم بتأخيره إذا اقتضت المصلحة ذلك أو كانت المفسدة في إظهاره في زمان وجوده صلى الله عليه وآله وسلم بل وحتى نسخه إذا كان أمد الحكم المنسوخ ينتهي إلى ما بعد زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيكون إظهار نسخه مودعاً عند المأمون على سره صلى الله عليه وآله وسلم هذا ما يقتضيه حكم العقل...

وأما النقل فقد ورد منه من طريق العامة والخاصة ما يدل على ذلك بالمطابقة أو الالتزام ما يبلغ اكثر من حد التواتر. أما ما روي عن طريق العامة فهو حديث الثقلين الدال على التمسك بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب وبعترته أهل بيته وانهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فقد رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى([676]) والطبراني في المعجم الصغير([677]) والطبري في ذخائر العقبى([678]) والسيوطي في إحياء الميت([679]) والترمذي في حيحه([680]) ومسلم في صحيحه([681]) وغيرهم حتى كاد ان يكون متواتراً أو بلغ حد التواتر عندهم.

فلو لم يكن عند عترته بيان بعض الأحكام الشرعية للأزمنة اللاحقة بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم لما أوصى بالتمسك بها على حد التمسك بالكتاب.

وما روي عن كنز العمال([682]) وعن مفتاح النجا([683]) وعن اسعاف الراغبين([684]) من ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال علي باب علمي ومبين من بعدي لأمتي وما أرسلت به. وما روي عن المناقب لابن المغازلي([685]) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما علمت شيئاً إلا علّمته عليا فهو باب مدينة علمي وما تواتر نقله عن الفريقين من ان علياُ باب مدينة علم الرسول ومن أراد العلم فليأته من بابه([686]) فلو لم يكن هناك أحكام شريعة اختص بمعرفتها علي عليه السلام لما حصر معرفتها من طريقه.

وأما ما ذكروه من الرد على ذلك فوجوه:

أحدها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي)([687]) باعتبار انه يدل على ان الأحكام للوقائع قد بيّنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب والسنة ولم يودع عند أحد منها شيئا وإلا لكان التمسك بذلك غير رافع للضلال.

ففيه ان الحديث قد تواتر حتى عند أهل السنة بدل (سنتي) عترتي فلتراجع كتب أخبار السنة فلو فرض بينهما منافاة فلابد من الأخذ بالمتواتر وترك ما عداه ولو سلم فهو لا ينافي ما ذكرته الشيعة لأن من سنته هو الرجوع للعترة ومعرفة أحكام الوقائع منهم وانهم سفن النجاة وانهم أبواب مدينة علمه صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانيها: قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]([688]) الآية فان الرسول لما كان رسولا لكافة الناس لا لأهل بيته خاصة فالتبليغ يجب ان يكون إلى الناس كافة لا لبعض دون بعض.

وفيه ان الرسالة وان كانت لكافة الناس لكن لا يلزم ان تكون جميع أحكامها يظهرها دفعة واحدة بل يجب الأمانة في تأديتها والتحفظ بابلاغ من أراد الشارع تبليغه فمن الأحكام ما أرد الله تعالى من الرسول تبليغه لعامة الناس ومن الأحكام ما أراد الله تعالى تبليغه لبعض بخصوصه فلو بلّغه على نحو العموم لخالف أمانة الرسالة.

والحاصل ان المراد به التبليغ على الوجه المأمور به سعةً وضيقاً خصوصاً وعموماً فوراً أو في المستقبل, ألا ترى ان الملك يرسل رسولاً للمحاربين بين يديه ويأمره بتبليغهم بعض الأمور بنحو العموم ويأمره بتبليغ بعض الأمور بنحو السر لبعض الجيش فهل ترى انه لو قام بالرسالة مع المحافظة على التبليغ بالنحو المذكور يصح ان يقال ان تبليغه بنحو السر ينافي رسالته لهم عموما بل لو فرض انه بلغ على نحو العموم جميع ما كلف به ولم يراع قيود التبليغ وسعة دائرته وضيقها يقال في حقه انه قد خان الأمانة ولم يحسن التبليغ.

وعليه فاختصاص الأئمة بتبليغ بعض الأحكام الشرعية من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ينافي رسالته لكافة الناس بعد ان كان الله تعالى قد أمره بذلك وبينه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم انهم سفن النجاة([689]) وأمره صلى الله عليه وآله وسلم بالرجوع إليهم([690]) في الحوادث مع انا لو سلمنا ذلك فالآية إنما تقتضي تبليغ ما كان قد انزله الله إليه قبلها لا ما انزل إليه بعدها لأن لفظ (أنزل) للماضي لا يتناول الحال أو الاستقبال هذا مع ما نقله الكثير من المفسرين من علماء أهل السنة من ان الآية الشريفة وردت في حق علي عليه السلام.

ثالثها: قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]([691]) الآية فإنها واردة في مقام الامتنان على المسلمين بإكمال الدين عليهم وهو يستلزم بيانه لهم لا كتمان شيء عليهم.

وفيه ان المنة بإتمام القانون لا يستلزم بيانه فورا بل إنما يستلزم حفظه أو إظهاره وقت الحاجة إلى البيان, والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسب الفرض قد اظهر من مواده ما هو محتاج إلى إظهاره وأخر بيان ما بقي إلى وقت الحاجة لمصلحة هناك أو لمفسدة في البيان وأودع ما هو غير محتاج للبيان عند الأمنة الحفظة يبينونه عند الحاجة للبيان فان في ذلك كمال الامتنان على الأمة إذ لو قدم بيانه مع انه خلاف المصلحة أو فيه المفسدة لكان في ذلك تفويتٌ للمصلحة أو ايقاعٌ في المفسدة وهو خلاف الامتنان.

رابعها: ان المنقول عن أئمة الشيعة لا يفي بالحوادث والوقائع المستجدة لوجود الاجتهاد عندهم في مسائل كثيرة جدا.

ووجود الاختلاف الكثير في هذه المسائل يقتضي عدم كفاية بيانات أئمة الشيعة لبيان الأحكام أو عدم وفاء الشريعة وتماميتها للوقائع والأحداث.

وفيه: ان هذا الإيراد لو تم فهو وارد على الجميع فانه بمثل ذلك يقال في حق أهل السنة بأن الموجود في الكتاب والسنة لا يفي بالحوادث المستجدة لوجود الاجتهاد عندهم في اغلب مسائلهم ورجوعهم للاستحسان والقياس وغيرها من الظنون بالأحكام الشرعية التي لم تقم الحجة من الشرع على اعتبارها وهذا يقتضي عدم كفاية بيان الكتاب والسنة عندهم, كيف وقد صرح الكثير منهم بذلك واعترفوا بأن المأثور من تشريعات الرسول وأحكامه وأقضيته اصبح غير واف بالحوادث النازلة والوقائع المتجددة في كل وقت وزمان وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري([692]) يقول فيه (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([693]) وهذا الشهرستاني([694]) في الملل والنحل يقول (ان الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا تقبل الحصر والعد ونعلم قطعاً انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك.

والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى عُلِم قطعا ان الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد)([695]).

ولكن الذي تذهب إليه الشيعة أن القرآن والسنة النبوية والمأثور من العترة الطاهرة الزكية قد اظهرت الأحكام الشرعية لكل حادثة من الحوادث النازلة والوقائع المستجدة إلى يوم القيامة أما بالنص عليها بالخصوص أو بنحو العموم شأن الأنظمة والقوانين الدولية فإنها تشرع أحكام الحوادث النازلة والوقائع المتجددة بموادها الكلية وأصولها العامة ومبادئها الشاملة تاركة فهم الجزئيات واستنباط التفاصيل وما تهدف إليه من حقائق ومقاصد لأهل البصيرة وحسن السليقة ومعتمدة على استخراج أحكام الوقائع من نصوصها وظواهرها ومفاهيمها وسياق بيانها ولوازمها على أهل المعرفة والتفكير المستنير.

وهذا هو الاجتهاد الذي عند الشيعة الذي يحتاجه كل أحد في معرفة منطق القوانين والأنظمة حتى لو كانت موادها بأسمى بيان واحسن توضيح واختلاف فقهاء الشيعة في بعض أحكام الوقائع لم يكن من جهة نقصان البيان للأحكام الشرعية فانك لا تجد حادثة من الحوادث إلا وهي صدى آية قرآنية أو سنة نبوية أو اثر للعترة الزكية حتى في موارد حكم العقل المستقل الذي لا يحتاج للبيان الشرعي فانه لا بد وان يدل على حكمه نص من نصوص الشرع الخاصة أو اصل من أصوله المطلقة أو قاعدة من قواعده العامة بل العترة النبوية بينت حتى حكم الواقعة التي يلتبس على المجتهد حكمها بأنه الإباحة أو الاستصحاب لحكمها السابق أو الاحتياط بإتيان أطراف المحتملات أو التخيير بينها.

والحاصل ان اختلاف فقهاء الشيعة لم يكن من جهة تقصير الرسول أو العترة في البيان لأحكام الشريعة وإنما كان من جهة اختلاف الافهام والدس في الأحكام

وبسوء اختيار الأمة مما اوجده ابناؤها من الحجب عن وصول البيان إلينا وغير ذلك مما كان من تصرفاتها التي حالت بيننا وبين معرفة الأحكام الشرعية والمعارف الإلهية.

 

 

 

 

 

المطلب الرابع

في الدين والمذهب والغريزة الدينية والفطرة الإلهية

الفصل الأول: في شرح الدين

اشتهر تعريف الدين عند علماء الإسلام بأنه الإيمان بالذات الإلهية الجديرة بالطاعة والعبادة. والحق ان الدين له عدة اطلاقات فقد يطلق على ما ذكر وقد يطلق على نفس الأحكام الإلهية كما يقال ان الدين عند الله الإسلام وقد يطلق على إتباع الشيء كما يقال أدين بدين الحب والهوى, ودينكم دنانيركم, والغريزة الدينية هي ميل النفس للايمان بما وراء الطبيعة التي يعبر عنها بالفطرة الدينية.

كلمة الوالد القيمة في الدين:

وقد ظفرت في هذا الموضوع بكلمة قيمة لوالدي الشيخ محمد رضا استاذي وله الحق عليّ في تربيتي الدينية  قدس سره  أحببت نقلها هنا لما فيها من الفائدة قال  رحمه الله : من المتعذّر أن نعرف الدين تعريفاً منطقياً عاماً يشمل الدين بأوسع معانيه تعريفاً نشرح به مفهومه الذي ترمي إليه جميع الفرق والطوائف سواء كان حقاً أو باطلاً لأن الدين عند كل فرقة له شأن وممميزات غير ما هو عند الأخرى فإنا نجد قوما يرون الدين عبارة عن بعض الاساطير والخرافات والبعض الآخر يرون انه عبارة عن الإلهام والشعور وبعضهم انه الطقوس والعبادات وبعضهم انه التقاليد الموروثة والأنظمة المسيطرة والانعطاف على الزعماء وتقديس آرائهم.

ولكن من تعمق وتبصر في هذا الموضوع يرى ان الدين هو الإيمان الكامن في أعماق النفوس والسر الغامض القائم فيها والشعور الخفي الذي يجعل الإنسان يرهب شيئاً ويؤمن به ويقدسه. فذلك المعنى والروح والسر والصلة والخشية التي تتمثل لنا في النظام والطقس والعبادة والمنسك وحتى في الاسطورة التي هي واقعة تاريخية نحتها الخيال وحرّفها البشر واسدى عليها هالة من العظمة والقداسة هو الدين بأوسع معانيه يمكن ان نحلل ذلك الشعور تحليلاً كيمياوياً نفسياً بما حلله علماء النفس إلى عناصر ثلاثة:

أولها: اعتقاد الناس بوجود قوة أو قوى متعددة اعظم منهم شأناً غير مسخرة لهم.

ثانيها: تصوير الناس ان لهم تعلقاً بهذه القوة أو القوى.

ثالثها: اندفاع الناس إلى إيجاد علاقة لهم بها ويمكن ان نزيد على قولهم (غير مسخرة) وانهم مسخرون لها فاعتقاد البشر بتلك القوة العظيم شأنها التي تقودهم ولا تنقاد لهم وتسخرهم ولا يسخرونها هي قوام الدين من أول أدواره الهلامية إلى نهاية أدواره التكاملية فالاديان الأولية البائدة والحاضرة المتكاملة مشتركة في هذا المبدأ الديني الواسع وهذا المبدأ المشترك بين الأديان هو غريزة من غرائز النفس وقواها التي فُطِرتْ عليها ومن تلك الغريزة نشأت الأديان.

وقد أشار لذلك القرآن الكريم بقوله تعالى [فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ]([696]) إلا أن بعض الملحدين حاولوا دحض هذه الفكرة وإثبات ان فكرة الدين إنما نشأت بين البشر من عاطفتي الخوف والأمل بتقريب ان الإنسان في أدواره الأولى عندما شاهد مظاهر الطبيعة خاف من بعضها وأنس بالآخر رأى البرق يلمظ بين السحب والعواصف والأعاصير تزأر في الأجواء والزلازل والاهتزاز يميد بالارض والسيول الجارفة تصارع الاثقال والرعد المزمجر يفسر الصخر الأصم رأى هذه المظاهر الجبارة المدهشة فخاف منها وألفى نفسه ضعيفاً لديها وألجأه الخوف والخشية إلى ان يتضرع إليها ويتوسل يقّرب لها القرابين ويصنع المناسك والطقوس ويتقيها بالادعية والحجب والاحراز والصلوات ولم تكن مشاهداته للمظاهر الطبيعية كلها مخيفة فان منها ما ترتاح له النفس وتأنس بمرآها الجميل فوقف أمامها خاشعاً حيراناً.

رأى الشمس تطلع وتغرب بجمالها الساحر وجلالها الباهر ورأى البدر ينير الأفق وشاهد الربيع يفرغ على الأرض ألواناً من الحلل ويكسو أديم الأرض حللاً من الأزهار. والأشجار تحمل مختلف الألوان من الثمر اليانع.

رأى هذه المشاهدات الرائعة البديعة فسكن إليها لتقيه خطر العاصفة وزمجرة الرعد ودمدمة الزلزلة واستجار بها من تلك الأهوال ولاذ بها وتوسل إليها.

فعاطفتي الخوف من المشاهدة الأولى والأمل بالمشاهدة الثانية نشأت منها فكرته الدينية وبنوا على ذلك ان النفوس الضعيفة لما كان مفعول العاطفة اشد فيها من النفوس القوية كانت العقيدة الدينية في نفس المرأة أقوى واظهر لأن مفعول العاطفة عليها اشد ثم يتمشى القياس في الأقوام المتوحشة التي لم تتذوق الحقائق العلمية فان العقيدة الدينية شاملة لجميع فروع الحياة عندهم.

قال  قدس سره  ويكفينا قناعة بفساد هذه النظرية ان نجد الأمم الراقية التي افتضحت لديها أسرار الطبيعة ودرست نواميسها وأصبحت لديها هذه المشاهدات كأمر عادي ليس فيه شيء من الروعة والخشية والغرابة وأمكن لها بواسطة معرفتها بالنواميس الطبيعية الجوية ان تتنبأ بوقوع تلك المشاهدات قبل زمانها وما تزال متمسكة بعقيدتها الدينية ولو كان الدين حاصلا من الخوف والأمل وحدهما لنبذ البشر الدين عندما شعر بماهية المظاهر الطبيعية وانكشف له القناع عن غوامضها ولما بقي منقاداً لفكرة الدين جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن ولو دققنا النظر وجدنا أن عاطفتي الخوف والأمل إنما نشأتا من تلك الموهبة الإلهية والفطرة الربانية قبل ان يستنير الإنسان بانوار الهداية وتتجلى له مقاييس الحقيقة) انتهى ملخصا.

الفصل الثاني في فلسفة الدين:

فلسفة الدين هي البحث عن الحقائق الدينية بحثا مستقلا من ناحية تاريخها وتطور الفكرة فيها أو من ناحية وصف الحالات النفسية التي يبتني عليها الحياة الدينية في الإنسان أو من ناحية الأدلة عليها وردّ الشكوك والاعتراضات عنها وتمحيصها نقداً وتحليلا.

العناصر المقومة للدين:    

ثم ان لكل دين سماوي عناصر ثلاثة الإيمان بالخالق لهذا العالم, والإيمان باليوم الآخر وشريعة جاء بها رسول من خالق هذا العالم إلى مخلوقاته الحية العاقلة القابلة للتكليف.

ما هو المجتمع الديني والمجتمع المادي:

المجتمع الديني هو المجتمع الذي يتمشى مع الشريعة الإلهية ويتقيد بقيودها وأنظمتها ومن مزاياه أن تسوده المثل العليا والأمن والأمان والقيم الروحية والأخلاق الفاضلة والاخلاص في العمل بقلب سليم ونية طاهرة. والمجتمع المادي هو المجتمع الذي يتحكم في مقدراته النفع الذاتي المتبادل ويكون هو الهدف الأول في سلوك الفرد أو الجماعة فإذا انعدم النفع إنفصمت عراه وتفككت اوصاله ويتجه في مساره حيث ما توجهت ركاب المادة العمياء فهو كبناء منسق لا ارتباط بين أجزائه ارتباط ذاتياً ولا يتركز على قواعد محكمة وأسس قوية سرعان ما ينهار لعدم ديمومة النفع الذي يتركز عليه بخلاف المجتمع الديني فانه يكون متراص البناء يشد بعضه بعضاً ما دام الدين قائماً فيه والقيم الروحية متركزة فيه.

الفصل الثالث في المذهب الديني:

ومما يناسب هذا المقام الكلام في المذهب فنقول: ان المذهب هو الطريق الخاص الذي يسلك لمعرفة أحكام الشريعة وإذا كان له صاحب واحد سمي بالإمام وإذا كان له أصحاب متعددة سمي بالأئمة وقد انقسمت الشريعة الإسلامية إلى مذهبين فمن قال: بأن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل هو علي عليه السلام كان مذهبه التشيع ومن قال: ان الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل هو أبو بكر كان مذهبه التسنن ثم كل منهم انقسم إلى مذاهب متعددة فالتشيع إلى جعفرية وزيدية وغيرهم والتسنن إلى حنفية وشافعية وغيرهم.

وكان لكل منهم مبادئ وأصول وآراء تخصهم في معرفة الأحكام الشرعية ولكل منهم طريق خاص في استنباط القوانين الإلهية فالمذهب إنما يكون مذهباً إذا كانت له أدلة ومبادئ وأصول وأسس خاصة متميزة عمّا عداه من المذاهب وليس مجرد المخالفة في الحكم الشرعي مع الاتفاق في المبدأ والمرجع موجباً لتعدد المذهب وإلا فالمجتهدون في المذهب الجعفري يلزم ان يكون لكل منهم مذهب والمختلفون في المذهب الحنفي يقتضي ان يكون لكل منهم مذهب ولو أطلق المذهب على ذلك كان خلاف الاصطلاح كما أن إطلاق الدين على المذهب خلاف الاصطلاح ولهذا أعبنا على أبي تمام(1) حيث قال (وكوّفني ديني) فانه إنما كَوَّفَهُ  رحمه الله  مذهبه لا دينه. وقد تعارف عند الأصوليين والفقهاء إطلاق (ذهب) على الرأي والقول في مقام تعدد آراء العلماء في المسألة فيقولون: ذهب فلان إلى كذا, وذهب فلان إلى كذا بل, قد يستعملوها بالنسبة لشخص واحد إذا كان له في المسألة اكثر من رأي واحد في عدة من كتبه أو في مواضع مختلفة من كتابه فكان استعمال الفعل الماضي لهذا اللفظ في غير ما اصطلح عليه في لفظ (مذهب) ثم ان المذهب على قسمين مذهب جماعي وهو ما كان له أتباع. ومذهب فردي وهو ما ليس له أتباع فالمجتهد الذي له آراء في المسائل الفقهية إن كان له أتباع, سمي مذهبه مذهباً جماعياً وان لم يكن له أتباع سمي مذهبه مذهبا فردياً وانفرادياً.

 

 

 

 

 

 

المطلب الخامس

في القانون وأقسامه

وحيث ان الفقه يشتمل على القوانين الإلهية ناسب التعرض لشرح القانون فنقول: ان القانون هو مسطرة الكتابة وهو لفظ يوناني ثم نقل إلى اللغة السريانية ثم منها إلى اللغة العربية, وفي الاصطلاح هو القاعدة الكلية التي يعرف منها أحكام أفراد موضوعها, ويستعملها الفقهاء في أحكام الشريعة الإسلامية فيقولون القوانين الشرعية ويكثر إطلاقهم له على أحكام المعاملات وعلى الأحكام المتعلقة بالاموال والملكيات والتعامل بين الناس من بيع وإجارة ورهن وشركة ونحوها مما ينظم الشؤون المالية بين الأفراد والجماعات وما يتبع ذلك من الأهلية والولاية بالمعاملات.

قانون الأحوال الشخصية في الفقه:

وقانون الأحوال الشخصية في الفقه هو الأحكام التي تخص الإنسان, وما يعرف للفقهاء هذا الاصطلاح من قبل وإنما حدث في الأيام المتأخرة فان الحقوقيين قد أطلقوا على القوانين التي تخص شخص الإنسان من الزواج والطلاق والعدّة والنسب والنفقة والحضانة والولادة والوصية والإرث ونحوها اسم الأحوال الشخصية وتسمى أيضاً بقانون العائلة والأسرة.

القانون المدني في الفقه:

والقانون المدني في الفقه هو عبارة عن قوانين الأحوال الشخصية المذكورة مع القوانين التي تخص البيوع والاجارة والهبة والاعارة والوديعة والكفالة والشركة والصلح والغصب والإتلاف وما شابه ذلك.

قانون المرافعات في الفقه:

وقانون المرافعات وأصول المحاكمات في الفقه هي ما يخص القضاء والدعاوي والبيانات.

القانون الدولي في الفقه:

والقانون الدولي في الفقه هو ما يخص الجهاد والغنائم والأمان وعقد الذمة والحرب والسلم والمعاهدات والمواثيق وعلاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم ونحوها وهو المسمى بالسير والمغازي فان القانون الدولي العام إنما يخص علاقة الدولة فيما بينها في السلم والحرب. والقانون الدولي الخاص في الفقه هو ما يخص شخصية المسلم وجنسيته وتابعيته لأي مذهب من مذاهب الإسلام باعتبار ان القانون الدولي الخاص هو ما يخص الجنسية والتابعية.

قانون العقوبات في الفقه:

وقانون الجزاء أو قانون العقوبات في الفقه هو ما يعيّن عقاب المجرمين الذين يتعدون على الراحة الخاصة أو العامة أو على الأمن الخاص أو العام وهو ما يخص الحدود والقصاص والديات.

ثم انه في الأزمنة المتأخرة اختص اسم القانون بمجموع القواعد التي تضعها وتقررها الهيئة الحاكمة والسلطة الزمنية بواسطة المقننين لها لسير الرعية فيما يخص شؤونهم الدنيوية سواء كان عاما كقانون منع السرقة فانه لا يخص طائفة دون أخرى، أو خاصاً كقانون الشرطة, فإنها تخص خصوص الشرطة. ومن مقومات القانون وجود الجزاء والعقاب من السلطة على مخالفته.

التنفيذ المباشر وغير المباشر:

ويسمى إلزام الشخص بالعمل به بالتنفيذ الجبري المباشر كالزام الشاهد بتأدية شهادته أمام الحاكم ويقابله التنفيذ غير المباشر فيما إذا كان التنفيذ الجبري غير ممكن كأن يحجر على ماله أو يحبس من يخصه.

القانون الوضعي والطبيعي:

وقد قسموا القانون إلى الوضعي والطبيعي والأصح في تفسيرهما هو أن القانون ان أخذ واستمد من قوانين موضوعة سابقاً أو من تقاليد موجودة حالاً أو من أمور عرفية عامة ثابتة سمي وضعيّاً لوضعه سابقا وان استمد واخذ من أحكام العقل بحسب ما تقتضيه المصالح والمفاسد سمي طبيعياً لأن الطبيعة هي التي أوحت به لعقل المقننين.

القانون المدون أو المسطور:

ثم ان القانون إذا وضعت صيغة قوانينه في شكل المواد سمي بالقانون المدّون أو القانون المسطور وإذا لم يكن كذلك سمي بغير المدّون ومنه يمكن ان نسمي الأحكام الشرعية المسطورة في الكتاب والسنة بالفقه المدّون والتي تستخرج بالاجتهاد الفقهي بالفقه غير المدّون.

الزواجر والمؤيدات والضوامن:

والقوانين التي تحمل الرعية على العمل بالأوامر والنواهي المشرعة في حقهم وتكسب النظام المشرّع في حقهم قوة ومنعة وتجعله محترما مطاعاً تسمى عند الفقهاء بالزواجر لأنها تردع وتزجر عند المخالفة لنظام المشرّع لهم وتسمى عند الحقوقيين بالمؤيدات لأنها تؤيد النظام المشرّع لهم وتقويه وتسمى بالضوامن جمع (ضامن) لأنها تضمن الطاعة للنظام المشرّع في حقهم وتكفل تنفيذه وتصونه عن مخالفة الرعية له وفي الشريعة الإسلامية تكون أحكام القصاص والحدود والتعزيرات بل والكفارات ونحوها من الزواجر والضوامن والمؤيدات. ثم ان الزواجر تكون على قسمين:

الأول: الترغيبية وهو ما يرتب من النفع على العلم بالقانون كقانون اعطاء الغنائم للمجاهدين في سبيل الله وكحق الإمام الذي يعطي للإمام أو لنائبه وكالاجور التي تعطى للقيم على الصغار أو للمتولي على المال.

والثاني: الترهيبية والتأديبية وهو ما يرتب من الجزاء والعقاب على المخالفين للقانون كقانون قطع يد السارق على مخالفته بارتكابه السرقة المنهي عنها أو الحكم بفساد المعاملة عند فقدها لشرائطها وكقوانين الحدود والقصاص والتعزيرات.

 

 

 

 

 

المطلب السادس

في أجزاء العلوم وبيان أجزاء علم الفقه

الفصل الأول: في أجزاء العلوم

ومما يذكر قبل الشروع في العلم أجزاؤه فقد ذهب أرباب العلوم إلى ان أجزاء العلوم ثلاثة: الموضوعات, والمبادئ, والمسائل (والمراد من العلوم) العلوم المدونة في الكتب لا القائمة في صدور العلماء لأن العلوم القائمة في الصدور اما عبارة عن نفس مسائلها أو عبارة عن ملكاتها وعلى الأول فأجزاؤها نفس المسائل وعلى الثاني فلا أجزاء لها.

نعم العلوم التي دوّنت لها تلك الأجزاء وقد صرح بهذا القيد, اعني قيد (المدّونة) جماعة منهم ملا عبد الله  رحمه الله ([697]).

فلا يرد عليهم ما قيل من ان حقيقة كل علم مسائله فكيف يجعل الموضوع والمبادئ من أجزاء العلم, وذلك لأن مرادهم بالعلوم في هذا المقام هي العلوم المدّونة لإثبات مسائلها بالدليل, ولا ريب انه لا يقتصر فيها على ذكر مسائلها مجردة عن الدليل ومجردة عما يفيد تصور موضوعاتها ومحمولاتها إذ لا فائدة معتدا بها في تدوينها بدون تصورها وبدون الحجة عليها وبهذا الاعتبار صارت تلك المقدمات التي تفيد تصور المسائل والتي يستدل بها عليها أجزاء من تلك العلوم.

فالمراد بكون أجزاء العلم ثلاثة هو أجزاء العلم المدّون, والمراد بكون حقيقة العلم مسائله هو العلم في حد ذاته مع قطع النظر عن تدوينه.

(ويمكن الجواب أيضاً عن هذا الإشكال) بما أجبنا عنه في كتابنا نقد الآراء المنطقية([698]) وهو ان الأجزاء أعم من الأجزاء المقومة وغيرها, والمسائل هي الأجزاء المقوّمة وما عداها هي أجزاء غير مقوّمة نظير الصلاة فان لها أجزاء مقومة كالركوع واجزاء غير مقوّمة كالقنوت.

المراد بالموضوع هو الذي جزء العلم:

(والمراد من الموضوعات) هو نفس موضوعات العلوم وذاتها لأنها هي التي يبحث في العلم عن أحوالها فلا يعقل ان تكون خارجة عن العلم المدّون للبحث عن أحوالها فان الموضوع للشيء له تمام الدخول في قوامه بل لدى التحقيق تكون هي المقصودة بالذات في العلم للبحث عن احوالها فلا يعقل تحقق العلم المذكور بدون الموضوع. وبهذا يندفع الإشكال المعروف على عدّ الموضوعات من اجزاء العلوم.

 

الإشكال المعروف على عدّ الموضوع من أجزاء العلم:

(وتوضيح الإشكال) ان من عدّ الموضوع من أجزاء العلم إن أراد به نفس الموضوع فهو باطل لأنه مندرج في موضوعات المسائل لأن موضوعات المسائل كما قد تقرر في محله إما ان تكون عين موضوع العلم كقول النحوي: الكلمة اما مبنية أو معربة ولا ريب ان الكلمة موضوع علم النحو أو تكون نوعاً منه كقول النحوي: الحرف مبني فان الحرف نوع من الكلمة أو تكون عرضا ذاتياً له كقول النحوي: المثنى يرفع بالألف. فان التثنية تعرض الكلمة أو تكون مركَّبة منهما كقول النحوي: كل كلمة كان أولها ساكناً يبدأ فيها بهمزة الوصل, فكان موضوع العلم مندرجاً في موضوعات المسائل التي هي أجزاء المسائل فلا يصح عده جزءاً على حدة في مقابل المسائل وإلالعدّ المحمولات جزءاً أيضاً فتكون أجزاء العلوم أربعة.

وان أراد به تعريف وتصور ماهية كلي الموضوع التي هي عبارة عما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية, اعني وصف الموضوعية فهذا من صناعة البرهان لأنه إنما يذكر في صدر الكتب ويذكرونه للبرهان على أن الشيء الفلاني موضوع لهذا العلم فليس له اختصاص بشيء من العلوم فالمناسب ايراده في علم المنطق لأن المنطق آلة لجميع العلوم فلا وجه لعده من أجزاء العلم.

وان أراد به تصور ذات موضوع العلم ومصداقه كتعريف الكلمة التي هي موضوع علم النحو فهذا مندرج وداخل في المبادئ التصورية لأنه يتوقف عليه معرفة موضوع المسألة لما عرفت من ان موضوع العلم قد يكون عين موضوع المسألة ولأن البحث في المسائل إنما يكون عنه فمعرفة المسألة موقوف على معرفته فهو مندرج في المبادئ التصورية بل هو أيضاً مقدمة لمقدمة الشروع لأن من مقدمة الشروع التصديق بموضوعية الموضوع.

وهي متوقفة على تصور الموضوع وهكذا لو قلنا بأن التصديق بوجود الموضوع من اجزاء العلم أو من مقدمة الشروع فهو متوقف أيضاً على تصور الموضوع فلا وجه لعده جزءاً على حدة. وان أراد به التصديق بوجود الموضوع كالتصديق بوجود الكلمة فهو داخل في المبادئ التصديقية لأن البرهان على وجود الموضوع يتوقف عليه التصديق بالمسألة لما عرفت من أن البحث في المسائل إنما يكون عن احواله فلا يعقل ان يصدّق بالمسألة إذا لم يصدق بوجوده وإلا لكان البحث عن احواله أمراً موهوماً فيكون التصديق بوجوده مندرجاً في المبادئ التصديقية فلا وجه لعده جزءاً على حده ولذا قالوا ان التصديق بوجود الموضوع اما ان يكون بديهياً كالموجود بما هو موجود الذي هو موضوع الفلسفة الأولى واما مبيناً في علم آخر كالعدد للحساب والمقدار للهندسة المبيّن وجودها في الفلسفة الأولى.

قالوا والتكفل لبيان جميع الموضوعات هو الفلسفة الأولى وانه لها الرياسة المطلقة ولا يجوز بيانه في العلم الذي يكون هو موضوعاً له, ضرورة ان ما لا يعلم ثبوته كيف يطلب ثبوت شيء له؟

وان أراد التصديق بموضوعيته للعلم كأن يصدق بأن الكلمة موضوع لعلم النحو فهو من مقدمات الشروع في العلم ولذا يعرفون فيها مطلق الموضوع ويذكرون فيه ان العلم يبحث عن أحوال هذا الشيء, كل ذلك للتصديق بأن العلم المسمى بهذا الاسم هو الذي بحث عن أحوال هذا الشيء ولا ريب ان مقدمة الشروع في العلم خارجة عنه فكيف يعد ماهو جزء منها جزءاً من العلم لأن الشروع في العلم موقوف على الشروع فيها فلو كان جزؤها حزءاً للعلم للزم توقف الشيء على نفسه بل يمكن ان يقال ان التصديق بموضوعية الموضوع من ثمرات العلم لأنه لا يمكن التصديق بذلك إلا بعد الاحاطة بمسائل ذلك العلم حتى يعلم انه يبحث عن أحوال ذلك الشيء وان كان يمكن ان يقال ان التصديق بالموضوعية إجمالاً من سوابق العلم ومقدمات الشروع, والتصديق بذلك تحقيقاً وتفصيلاً من ثمرات العلم ولواحقه.

الجواب عن الإشكال المعروف:

والجواب عن الإشكال المذكور ان مرادهم بالموضوعات نفسها لاتصورها ولا التصديق بوجودها ولا التصديق بموضوعيتها للعلم كما هو الحال في المسائل فانهم لا يريدون بها تصورها ولا التصديق بوجودها ولا التصديق بكونها مسألة للعلم أو مبدءاً تصورياً أو تصديقياً له وانما يريدون ان نفسها وذاتها جزء للعلم.

ودعوى ان نفس الموضوع مندرج في موضوعات المسائل فهو جزء من المسائل مندفعة بأن الذي هو جزء للعلم هو نفس الموضوع في حد ذاته لا باعتبار انه موضوع للمسالة وأما موضوع المسألة فهو إنما يكون موضوعا باعتبار المسألة بل الكثير من المتأخرين ظاهر كلامهم ان موضوع العلم يغاير موضوعات مسائله تغاير الكلي الطبيعي مع مصاديقه, كما انه استراح من هذا الإشكال من قال بأن المسائل هي المحمولات المنتسبة للموضوعات كما ينسب ذلك للمحقق الدواني(1) وغيره من المتأخرين.

وقد أجاب عن الإشكال المذكور التفتازاني(2) ان الذي هو جزء من العلم هو التصديق بوجود الموضوع فان ما لم يعلم وجوده كيف يبحث عن عوارضه؟ ورد عليه السيد الشريف بأن التصديق بالوجود من المبادئ التصديقية للعلم على ما صرح به الشيخ في الشفاء(3), وأورد بأن المبادئ التصديقية هي التي يتألف منها قياسات العلم, والتصديق بوجود الموضوع ليس كذلك.

نعم لو فسرنا المبادئ بما فسرها التفتازاني(4) من انها ما يبتني عليها قياسات المسائل لا خصوص المقدمات التي يتألف منها قياسات المسائل كان التصديق بوجود الموضوع داخلاً في المبادي لتوقف التصديق بالمسألة على التصديق بوجود موضوعها وهو يرجع إلى التصديق بوجود موضوع العلم لما عرفت من أن موضوع المسألة اما عين موضوع العلم أو جزئي منه أو عرضي ذاتي له أو مركَّب منهما ولا ريب ان التصديق بوجود ذلك يستدعي التصديق بوجود موضوع العلم, وقد ظهر مما ذكرناه فساد ما ذكره صاحب البدائع([699]) في الجواب عن الإشكال بأن المعدود من مقدمات الشروع هو تصور موضوعات المسائل بالعنوان الإجمالي والذي هو جزء من العلم هو تصوراتها التفصيلية لأنه إنما يتم لو جعلنا المسائل عبارة عن المحمولات المنتسبة.

وقد استدل بعضهم على ان التصديق بوجود الموضوع ليس من أجزاء العلوم بما هو المنسوب لصاحب المحاكمات(2) من ان مسائل العلم هي إثبات الأعراض الذاتية للموضوع وأجزائه وهو يتوقف على ثبوت الموضوع فلو كان ثبوت الموضوع وأجزائه من مسائل العلم لزم توقف الشيء على نفسه.

ولا يخفى ما فيه فان هذا إنما يصلح دليلا لنفي كونه مسألة من مسائل العلم لا لنفي جزئيته للعلم فانه لو كان جزءاً للعلم في مقابل مسائله لم يلزم ذلك.

بيان المراد بالمبادي التي هي جزء العلم:

(والمراد بالمبادي) إذا اطلقت في هذا المقام هو ما يتوقف توقفاً قريباً لا بعيداً عليه معرفة المسائل تصورا كتعاريف موضوعاتها ومحمولاتها أو تصديقا كالأدلة عليها وهي على قسمين:

(أحدهما) مبادي تصورية وهي تعاريف موضوعات المسائل ومحمولاتها وتعاريف أجزائها فيما لو كان موضوع المسألة أو محمولها مركباً وتعاريف أقسامها وأعراضها فيما لو أحتيج إلى ذكرها, وعليه فتعريف مثل البلوغ أو العدالة في علم الفقه من المبادي لكونها مأخوذة في موضوع مسائله.

(وثانيهما) المبادئ التصديقية وهي المقدمات التي تتألف منها أدلة المسائل لا ما يتوقف عليه التصديق بالمسائل وإلا لكان اغلب العلوم مبادئ تصديقية لغيرها من العلوم. وهذه المقدمات التي تتألف منها أدلة المسائل ان كانت واضحة بيّنة سميت علوماً متعارفة أو أصولاً متعارفة وان كانت غير بيّنة فان كانت قد برهن عليها في علم وأخذت في هذا العلم على سبيل التسليم سميت بالمسلمات وان برهن عليها في نفس العلم سميت بالبرهانيات وان لم يبرهن عليها فيه ولم تكن قد برهن عليها في علم آخر فان كانت قريبة من الطبع يسكن إليها المتعلم سميت أصولا موضوعة أو سميت مصادرات. وهذا بخلاف المبادئ التصورية فإنها لا بد وان تبين في نفس العلم لتوقف تصور المسائل عليها, ولذا الفقهاء يعرٌفون في كتبهم موضوعات مسائل الفقه التي هي غير واضحة ولا يحوّلون الأمر لكتب اللغة وغيرها بخلاف أدلتهم فانهم يأخذون مقدماتها على سبيل التسليم, ألا ترى انهم يستدلون بالاستصحاب والخبر الواحد والدور والتسلسل دون ان يقيموا البرهان على دليليتها اعتمادا على العلوم المتكفلة لذلك كعلم الأصول وعلم الحكمة والكلام ونحوها.

ثم هذه المبادئ قد تكون عامة تستعمل في كل علم كقولهم: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان, وإذا وجدت العلة وجد المعلول, والدليل متى تطرقه الاحتمال بطل فيه الاستدلال. وقد تكون خاصة بالعلم كقاعدة الثقل في التلفظ في علم النحو وكقاعدة ما لا يدرك كله لا يترك كله في علم الفقه وكقاعدة الشك بعد الفراغ. وقد تكون المبادي للعلم مسائل له أيضاً كقاعدة الطهارة فإنها مسألة فقهية ومبدأ لمسألة طهارة ماء الغسالة مثلاً. (وقد تطلق المبادئ) على الأعم من ذلك وهو ما يبدأ به قبل الشروع في مسائل العلم سواء كان داخلاً في العلم فيكون من المبادي المصطلحة المتقدم ذكرها كتصور موضوع المسألة ومحمولها وكالتصديقات التي يتألف منها قياسات مسائل العلم, أو خارجاً عن العلم يتوقف عليه الشروع على وجه البصيرة ويسمى بالمقدمات للعلم كتعريف العلم وبيان غايته وموضوعه وطالما أطلقناها بهذا المعنى في صدر هذا الكتاب. وهي بهذا المعنى تطلق على الرؤوس الثمانية وقد تطلق المبادئ على الأعم من ذلك وهو ما يتوقف عليه معرفة المسائل ولو توقفاً بعيداً. وعليه فتكون كثيرٌ من العلوم من مبادئ العلم المتوقف مسائله عليها. وبهذا الاعتبار سميت العلوم التي يتوقف عليها علم الفقه بالمبادئ.

المسائل التي هي من اجزاء العلم:

(والمراد بالمسائل) هي المطالب المقصود بيانها في العلم وهي تكون مشتملة على بيان عوارض موضوع العلم الذاتية كقول النحوي: الفاعل مرفوع, فإنها تسمى مسألة نحوية لأنها مشتملة على بيان ثبوت الرفع للكلمة التي تكون فاعلا, وهكذا قول الفقيه: الصلاة واجبة, فإنها مسألة فقهية لأنها مشتملة على بيان ثبوت الوجوب لفعل المكلف الذي هو الصلاة, وذلك لأن موضوع العلم هو الذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية والذي يشتمل على هذا البحث هو مسائل العلم فلا بد ان تكون مسائل العلم هي التي تشتمل على البحث عن عوارض موضوع العلم. هذا فيما إذا كان العلم قد دوّن لبيان عوارض موضوع خاص وأما إذا دوّن لغاية خاصة فتكون مسائله هي القضايا التي تترتب عليها تلك الغاية.

البحث عن المسألة من جهات ثلاثة:

ثم لا يخفى ان الكلام في المسائل وقع في جهات ثلاثة بعد الاتفاق على أنها هي المطالب المقصود بيانها في العلم.

(الجهة الأولى) في انها عبارة عن نفس القضايا كما هو ظاهر عبارة التفتازاني حيث قال (المسائل هي قضايا تطلب في العلم)([700]) وظاهر عبارة العلامة الحلي أيضاً في شرحه لتجريد المنطق([701]) بل لعله ظاهر الأكثر, أو المسائل عبارة عن المحمولات المنسوبة إلى الموضوعات بحيث تكون موضوعات المسائل خارجة عن المسائل كما هو المحكي في شرح المطالع عن المحقق الدواني([702]).

والمسائل النسب التامة الخبرية التي يتعلق بها التصديق كما هو مذهب الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية على المعالم([703]).

واستُدِل على الأخير بأن المراد من وضع الفن هو التصديق بمسائله والذي يتعلق به التصديق هو النسبة التامة الخبرية لا أطرافها التي هي الموضوعات والمحمولات.

ولا يخفى ما فيه فان كون متعلق التصديق هو ذلك أو كونه هو الذي يقام عليه الدليل لا يستدعي أن تكون المسألة عبارة عنه فان المركَّبات طالما يتعلق القصد ببعض أجزائها فان ذلك لا يستدعي كون المركب هو ذلك الجزء, ألا ترى انا نقصد من المركَّبات كالحيوانات بعض أجزائها فانه لا يلزم ان يكون ذلك الحيوان عبارة عن نفس ذلك المقصود منه على انا لا نسلم ذلك فان المقصود هو معرفة حال الموضوع, غاية الأمر ان هذه المعرفة بعضها يحصل بالتصور وهو تصور الموضوع وتصور حاله وعوارضه وبعضها يحصل بالتصديق وهو التصديق بالنسبة التامة بينه وبين عوارضه فلابد ان نبقي المسألة على معناها ولا نخرجها عنه وهو القضية فانه المتبادر منها.

مضافاً إلى ان المسألة لو كانت هي النسبة التامة الخبرية وان الموضوعات خارجة عنها لزم ان تكون المحمولات أيضاً خارجة عنها فيلزم ان تكون أجزاء العلوم أربعة: الموضوعات والمحمولات والمبادئ والمسائل, بل خمسة بناء على ان موضوع العلم غير موضوعات المسائل.

ودعوى ان المسألة هي حيثية ثبوت المحمولات وانتسابها لا انها نفس المحمولات فحينئذ لا مجال لعدها جزءاً من العلم بعد مدخليتها في المسائل مدخلية تامة فاسدة فان الحيثية المذكورة ان كانت نفس النسبة القائمة بين الطرفين فهي بالنسبة للموضوع والمحمول على حد سواء فان كانت المحمولات داخلة فيها فالموضوعات كذلك وان كانت غيرها فنحن لا نتعقل في القضية وراء الموضوع والمحمول والنسبة التامة الخبرية ووقوعها شيئاً آخر.

اشتراط نظرية المسألة:

(الجهة الثانية) في ان المسألة التي هي جزء من العلم هل يشترط ان تكون نظرية أم يجوز ان تكون بديهية ظاهر الأكثر كالتفتازاني وغيره اشتراط ذلك بل ادعي عليه الإجماع ومن هذه الجهة اخرج الفقهاء المسائل الفقهية الضرورية عن علم الفقه وظاهر المحقق الطوسي في تجريده([704]) للمنطق والعلامة الحلي رحمه الله  في شرحه للتجريد عدم الاشتراط حيث قال رحمه الله  في شرحه لتجريد المنطق (المسائل في كل علم هي القضايا الخاصة بذلك العلم التي يشك في انتساب محمولاتها إلى موضوعاتها ويطلب في ذلك العلم البرهان عليها ان لم تكن بينة)([705]) انتهى.

وصريح شارح المواقف حيث جوز كون المسألة بديهية تورد في العلم أما لإزالة خفائها أو لبيان لّميتها([706]).

والحق انه لا بد في ان تكون المسألة من العلم فيها نوع من الخفاء والا لم يصدق عليها انها يبحث فيها عن عارض موضوع ذلك العلم فان كانت بديهية فيجلى عنها ذلك الخفاء في العلم ولو من جهة اشتباه موضوعها كمسالة حرمة الغناء فإنها ضرورية ولكن فيها خفاء من جهة تشخيص موضوعها وهو الغناء, وإلا لما كان يحصل بها البحث عن عوارض موضوع العلم.

مع ان العلم مفروض فيه ان يبحث عن عوارضه.

جواز ان يكون المحمول عرضاً غريباً:

(الجهة الثالثة) في ان محمول المسألة هل يجوز ان يكون عرضاً غريباً لموضوع المسألة أم لا بد وان يكون عرضا ذاتيا لموضوعها بعد اتفاقهم على ان محمولها لا بد وان يكون عرضا ذاتيا لموضوع العلم المدونة فيه وإلا لما كان العلم باحثاً عن الأعراض الذاتية لموضوعه.

ذهب إلى الثاني الشيخ ابن سينا([707]) والتفتازاني واكثر العلماء, وذهب إلى الأول المحقق الطوسي رحمه الله  وغيره على ما حكي عنه فجوّزوا كونه عرضاً غريباً لموضوع المسألة والحق مع الشيخ لو فسرنا الأعراض الذاتية بالذي يعرض للشيء بلا واسطة في العروض وقلنا ان موضوع العلم لا بد وان يكون عين موضوعات مسائله إذ لا بد من رجوع موضوعات المسائل إليه وإلا لكان البحث فيها عن غير عوارضه فانه على هذا لا بد وان يكون المحمول من عوارض موضوع المسألة الذاتية لرجوع موضوع المسألة لموضوع العلم والمحمول عرض ذاتي لموضوع العلم فيكون عرضاً ذاتياً لموضوع المسألة وعليه فالمسائل الفقهية التي كان محمولها عرضاً غريباً لموضوعها ليست من مسائل العلم فقول الفقهاء: الخمر حرام, لا تكون مسألة فقهية لأن عروض الحرمة للخمر بالعرض والمجاز وإنما المسألة الفقهية هي شرب الخمر حرام.

(ثم) ان الذين اشترطوا ان يكون محمول المسألة عرضاً ذاتياً اختلفوا فيما بينهم فذهب بعضهم بل أكثرهم إلى عدم جواز ان تكون محمولات المسائل من مقومات موضوعاتها لأن المقوّم للشيء لا يطلب بالبرهان ثبوته له إذ لا يطلب البرهان على المسألة إلا بعد تصور أجزائها فلا يطلب البرهان على المسألة إلا بعد تصور موضوعها ومعرفته ومن المستحيل ان يحصل معناه في الذهن خالياً عن حصول ما هو ذاتي له في الذهن لأنه محال معرفة الشيء مع الجهل بمقوماته فجميع مقومات الماهية داخلة مع الماهية في التصور فكيف تأخذ الماهية ويثبت لها أحد أجزائها المقوّمة لها بالبرهان.

ولكن التحقيق جواز ذلك فإنا كثيراً ما نتصور الماهية بعارض من عوارضها ونشك في ثبوت بعض الأجزاء لها لأن الأجزاء ليست أجزاء للعارض المتصور وإنما هي أجزاء للمعروض.

نعم لو كانت الماهية متصورة بكنهها وحقيقتها لا يطلب ثبوت ذاتيتها لها بالبرهان. وعليه فالمسائل المشتملة على بيان أجزاء بعض الموضوعات الفقهية كالمسائل الباحثة عن الأجزاء المقوّمة للوضوء والغسل والصلاة والحج كلها من المسائل الفقهية ولا وجه لاخراجها تبعاً لما هو المشهور بين الحكماء والفلاسفة.

عينية موضوعات المسائل لموضوع العلم:

ثم ان موضوعات المسائل لا بد وان تكون اما عين موضوع العلم كقول النحوي: الكلمة اسم أو فعل أو حرف, فان موضوع هذه المسألة هو الكلمة وهو عين موضوع علم النحو وكقول الفقيه: الفعل اما يمنع من تركه فهو الواجب واما يمنع من إتيانه فهو المحرم واما يرجح إتيانه فهو المستحب وأما يرجح تركه فهو المكروه وأما يتساوى طرفاه فهو المباح, فان موضوع هذه المسألة هو فعل المكلف وهو عين موضوع علم الفقه وكقول الفقيه: الفعل بلا اجتهاد ولا تقليد ولا احتياط باطل, وأما ان يكون موضوع المسألة نوع من موضوع العلم كقول النحوي: الحرف مبني, فان الحرف نوع من الكلمة التي هي موضوع علم النحو وكقول الفقيه: الغصب حرام, فان الغصب نوع من فعل المكلف الذي هو موضوع علم الفقه, وأما ان يكون موضوع المسألة عرضاً لموضوع العلم كقول الفقيه: عبادية العمل لا بد فيها من قصد القربة فان العبادية عرض لفعل المكلف الذي هو موضوع علم الفقه وكقولنا: الصلاة واجبة, فان الصلاة عرض للفعل نظير قول النحوي: الفاعل مرفوع, فان الفاعلية عرض للكلمة أو يكون موضوع المسألة مركباً منهما كقول الفقيه: الفعل الضار يحرم ارتكابه, وإنما اشترطوا في موضوع المسألة ان يكون كذلك لأجل ان يكون البحث فيها عن العوارض الذاتية لموضوع العلم فان موضوع المسألة لو لم يكن كذلك لما كان محمولها من الأعراض الذاتية لموضوع العلم فلا يكون البحث في المسألة عن العوارض الذاتية لموضوع العلم فتكون خارجة عن العلم.

ومن هنا يظهر لك ان قول الفقيه: الخمر حرام, والكلب نجس, والعذرة ثمنها سحت, ليست بمسالة فقهية إذ ليس موضوعها أحد الأقسام الأربعة المذكورة فلا بد من تأويلها بأن يقال شرب الخمر حرام وان مباشرته سبب لتنجس المباشر برطوبة وان أكل ثمن العذرة حرام.

 

 

 

 

 

 

المطلب السابع

في مايميز به مسائل كل علم عن مسائل علم آخر

لما كان تمييز مسائل العلم عن غيرها مما يحتاج إليه المؤلف والمتعلم لئلا يطلب ما لا يهمه ويترك ما يهمه. مضافا إلى ان الفقهاء والأصوليين طالما وقع منهم النزاع في بعض المسائل انها من علم الفقه أو من علم الأصول وجب علينا ان نذكر الميزان في عدّ المسألة من العلم ليميز به مسألة العلم عن غيرها فنقول ان ما ذكر ميزانا لعد المسألة من العلم أو يمكن ان يكون ميزانا لعدها منه أمور:

الميزان الأول:

(أحدها) ان تكون المسألة باحثة عن الأعراض الذاتية لموضوع العلم وهي إنما تكون كذلك إذا كان محمولها من الأعراض الذاتية لموضوع العلم وهو إنما يكون كذلك إذا كان موضع المسألة عين موضوع العلم أو نوعا منه أو عرضا ذاتيا له أو المركب منهما كما تقدم إذ لو لم يكن كذلك كان موضوعها أجنبيا عن موضوع العلم فلا يكون محمولها عرضاً ذاتياً له.

ولا يخفى ان هذا الميزان إنما يتم لو كان للعلم موضوع وإلا لو جمعت المسائل لغرض خاص وسميت باسم علم فالميزان هو ترتب ذلك الغرض عليها.

الميزان الثاني:

(ثانيها) انه بواسطة تعريف ذلك العلم تحصل مقدمتان كليتان موجبتان للزوم التساوي بين المعرَّف والمعرِّف للزوم صدق المعرِّف (بالكسر) على جميع ما صدق عليه المعرَّف (بالفتح) وصدق المعرَّف (بالفتح) على جميع ما صدق عليه المعرِّف (بالكسر) أو موجبة كلية وأخرى سالبة كلية معدولة الموضوع للزوم سلب المعرِّف (بالكسر) عن كل ما ليس بالمعرف (بالفتح) للزوم التساوي بينهما وبسبب العلم بهاتين المقدمتين يقتدر على تميز مسائل ذلك العلم عن غيرها بواسطة مقدمة وجدانية فمثلاً إذا علمنا بأن علم الفقه عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية يحصل لنا العلم بكليتين موجبتين:

إحداهما: كل علم يكون فقهاً فهو علم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليل تفصيلي.

وثانيهما: كل علم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليل تفصيلي فهو من علم الفقه أو نقول بدلا عن هذه المقدمة الثانية: لا شيء مما هو ليس بعلم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليل تفصيلي بفقه.

ثم إذا وجدنا مسألة يحصل بها العلم المذكور بالوجدان السليم والطبع المستقيم نضمها إلى المقدمة الثانية ونقول هكذا: هذا العلم من هذه
المسألة علم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليل تفصيلي, وكل علم كذلك فهو من علم الفقه فينتج هذا العلم من هذه المسألة من علم الفقه بالضرب الأول من الشكل الأول. وليست مسألة العلم إلا التي يحصل منها ذلك العلم وإذا وجدناها مسألة لا يحصل بها العلم المذكور نضمها إلى المقدمة الأولى فنقول هكذا: هذا العلم من هذه المسألة ليس بالعلم المذكور وكل علم يكون من الفقه هو العلم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليله التفصيلي ينتج هذا العلم من هذه المسألة ليس بعلم فقه بالضرب الثاني من الشكل الثاني أو نقول هذا العلم من هذه المسألة هو اللا علم بالحكم الشرعي الفرعي عن دليل تفصيلي بنحو الموجبة المعدولة المحمول, ولا شيء من اللا علم بذلك بفقه ينتج لا شيء من هذا العلم من هذه المسألة بفقه بالضرب الثاني من الشكل الأول.

الميزان الثالث:

(ثالثها) ما يظهر من صاحب المعالم([708]) من ان مسائل العلم هي المطالب الجزئية المستدل عليها في العلم (وفيه):

أولاً: ان من المبادئ التصديقية ما يستدل عليها في العلم إذا لم يستدل عليها في علم آخر كأمارية اليد فانه يستدل بها على ملكية ما في يد الإنسان في الفقه.

وثانياً: ان المسألة الفقهية المستحدثة والتي غفل عن ذكرها لا تعرف بهذا التعريف لعدم الاستدلال عليها في العلم كمسالة المعاملات المصرفية والتأمين على الحياة والسرقفلية.

وثالثاً: ان مسائل العلم هي مطالب كلية وقواعد عامة ولعل الأصح قراءة الجزئية بالخبرية.

الميزان الرابع:

(رابعها) ما ذكره بعض المحققين من الحكماء والمنطقيين وتبعهم عليه صاحب الكفاية([709]) رحمه الله  في ان الميزان والضابط في عدّ المسألة من العلم ترتب غرض المدّون عليها وإنما اعتبروا غرض المدّون هو الميزان دون غرض المتعلم أو المعلم لأن الذي جعل هذه المسائل المتشتتة علماً واحداً هو المدّون وهو إنما جعلها من العلم الذي دّونه لكون الغرض الذي تصوره كان مترتبا عليها ولذا لو فرض مسألة لم يدونها المدّون للعلم في مسائل العلم وبعد ذلك اطلعنا على دخولها في غرضه عددناها من مسائل العلم لأن المقياس عنده في وحدة المسائل وعدّها من علم واحد هو دخولها في ذلك الغرض.

كما لو اطلعنا على مسألة لا دخل لها في غرض المدّون لم نعدّها من مسائل العلم وان عدّها المدّون من العلم. ثم ان دخل المسائل في الغرض تارة يكون بنحو العلية كمسائل الحكمة فان غرض المدّون منها هو كمال النفس وتارة يكون بنحو الآلة من قبيل دخل الضوء في معرفة الرائي للأشياء ونظير دخل المرشد في دلالة الضال على الطريق ونظير دخل العقل في تركيب العمل من العامل وإتقان صنعة له وذلك مثل علم النحو وعلم المنطق فان علم النحو بواسطته يصون المتكلم لسانه عن الخطأ وعلم المنطق بواسطته يصون المفكر ذهنه عن الخطأ في الفكر.

ويرد عليهم أولا ان ما ذكروه إنما يتم لو كان تدوين العلم لغرض خاص أما إذا كان تدوين العلم لأجل البحث عن حالات موضوع خاص فالميزان في عدّ المسألة من العلم كون محمولها من حالات ذلك الموضوع الخاص وهكذا لو كان تدوين العلم لأجل غرض خاص وبيان حالات موضوع خاص فالميزان في عدّ المسألة من العلم ثبوتهما كليهما فيها.

ولا يخفى ما فيه, فانه أيضاً يكون عدّ المسألة من العلم لترتب غرض المدّون عليها غاية الأمر يكون غرض المدّون هو معرفة حالات ذلك الموضوع الخاص. ولكن يمكن أن يقال ان مرادهم ان ترتب غاية العلم يكون هو الميزان حتى لو كان له موضوع وليس كون المسألة تبحث عن حالات الموضوع من الغرض المذكور.

ويرد عليهم ثانياً بما أورده والدي([710])  قدس سره  بأن مسائل العلوم متفقة في الغرض وهو تكميل النفس أو كما قيل معرفة الله (تعالى) فيجب ان تكون مسائل العلوم مسائل لعلم واحد وتكون العلوم علماً واحداً.

وجوابه ما قدمناه ان الميزان هو ترتب غرض المدّون عليها وهو نوع من تكميل النفس.

ويرد عليهم ثالثاً: بأن بعض مسائل الهيئة والعلوم العربية والحساب لها دخل في الغرض الذي لأجله دوّن علم الفقه فان علم الهيئة له دخل في معرفة الجهة التي يجب ان يستقبل فيها الصلاة والذبح ونحو ذلك وهكذا الحساب بالنسبة إلى المواريث, وهكذا معرفة اوضاع اللغة لها دخل في معرفة الأحكام الشرعية من السنة والكتاب بل الكثير من مسائل العلوم العربية لها دخل في الغرض الذي لأجله دوّن علم الأصول فإنها توجب القدرة على الاستنباط.

وجوابه كما ذكره بعض المحققين بتوضيح منا ان المراد انها لها دخل في الغرض الذي لأجله دوّن العلم بلا واسطة فالمسائل المذكورة ان كان لها دخل في الغرض بلا واسطة كانت من العلم وان كان لها دخل في الغرض بالواسطة لم تكن من مسائل العلم.على أنهم التزموا بكون المسألة التي يرتب عليها غرضان أو أغراض لعلوم متعددة تكون من مسائل تلك العلوم.

ويرد عليهم رابعاً: ان الميزان في عدّ المسألة من العلم لو كان ما ذكروه لزم ان يصح في المسألة التي رتب عليها غرض المدوّن ان تعد من مسائل العلم ولو كان موضوعها لا ينطبق عليه موضوع العلم مع انهم اشترطوا ان يصدق موضوع العلم على موضوعها.

والتحقيق ما عرفته منا من أن العلم المدوّن للبحث عن موضوعات خاصة شرط عدّ المسألة منها وهو صدق موضوعه على موضوع المسألة أو يكون موضع المسألة عرضاً ذاتياً له وإلا لكانت غير باحثة عنه. وأما العلم المدوّن للبحث عن غاية وغرض خاص شرط عدّ المسألة منه دخلها في الغرض الذي دوّن له العلم سواء كان له موضوع أم لا وسواء صدق موضوعه على موضوع المسألة أم لا لأن المهم معرفة ترتب الغرض لا غير. نعم لو كان المقصود كليهما وجب في المسألة التي تعد منه ثبوتهما بأن يصدق على موضوعها موضوع العلم وترتب الغاية عليها, فمثلاً ان الميزان في عدّ المسألة من علم الأصول يكون إما بانطباق موضوع علم الأصول على موضوعها وهذا إنما يتم لو قلنا بأن علم الأصول قد دوّن للبحث عن حالات موضوع خاص كأن قلنا انه دوّن للبحث عن الأدلة وأما بدخل المسألة في غرض علم الأصول وهذا إنما يتم لو قلنا بأن علم الأصول قد دوّن لغرض خاص كالقدرة على استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.

الميزان في عدّ المسألة من علم الأصول لا من الفقه:

وبهذه المناسبة لا بأس بالتعرض لما ذكره بعض الأصوليين من الموازين في عدّ المسألة من علم الأصول لكثرة الاشتباه بينها وبين مسائل علم الفقه.

الميزان الأول:

الميزان الأول: هو ان مسألة علم الأصول تقع كبرى لقياس ينتج حكماً شرعياً كلياً.

وتقريب ذلك على ما ذكره والدي رحمه الله  في تقريراته لبحث استاذه النائيني رحمه الله  بتوضيح منا: ان علم الأصول تثبت به كبريات تكون الجزء الأخير لدليل الاستنباط للحكم الشرعي الكلي وتنقيح صغريات هذه الكبريات في العلوم السابقة على الأصول كالنحو والصرف والبيان والرجال واللغة فانه بأحدها تثبت صغرى وهي (ان هذه الآية أو الحديث ظاهر في كذا) وفي علم الأصول يبين كبرى هذه الصغرى وهي (ان الظواهر حجة يعمل على طبقها) كما يقال ان الوجوب ظاهر الآية والظاهر حجة يعمل على طبقه فالوجوب يعمل على طبقه وبعلم الرجال يثبت ان هذا الراوي ثقة وبالاصول تنقح كبرى ذلك وهي ان الوثاقة موجبة لحجية الخبر ومرجحة له عند التعارض أو غير ذلك.

(ويرد عليه  رحمه الله  أولا) ان القواعد الفقهية كقاعدة الحلية تقع كبرى لقياس يستنبط منه حكم شرعي نظير المسألة الأصولية فيقال الدخان مشكوك الحلية وكل مشكوك الحلية حلال استعماله فالدخان حلال استعماله.

وجوابه كما هو أجاب عنه  رحمه الله  ان المستنتج من المسألة الأصولية لا يكون إلا حكماً كلياً بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهية فانه يكون حكما جزئياً وان صلحت في بعض الموارد لاستنتاج الكلي. فالمائز بينهما هو قابلية استنتاج الحكم الجزئي بالقاعدة الفقهية وعدمه في المسألة الأصولية وسيجيء ما فيه إن شاء الله في الإيراد الثالث.

(ويرد عليه ثانياً) كما يظهر من كلام بعض مقرري بحثه([711]) رحمه الله  ان بعض المسائل الأصولية تقع صغرى لقياس استنباط الحكم الشرعي فتكون فاقدة للمائز المذكور كالبحث عن معنى صيغة (افعل) ومعنى النهي.

وجوابه كما هو أجاب عنه ان هذه المسألة الأصولية التي تقع صغرى لقياس الاستنباط تقع كبرى في قياس استنباط آخر فيكون المائز موجوداً فيها بخلاف مسائل باقي العلوم التي تكون صغرى لقياس الاستنباط فإنها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط أصلا.

(ويرد عليه ثالثا) بمثل القواعد الفقهية العامة التي تقع كبرى في قياس الاستنباط لحكم كلي مثل قاعدة الضرر وقاعدة ما يضمن بصحيحه وقاعدة الطهارة وقاعدة الحرج وقاعدة الصلح جارٍ بين المسلمين إلا ما احل حراماً وحرّم حلالاً وقاعدة لا يطل دم امرء مسلم وقاعدة الحدود تدرء بالشبهات وقاعدة القرعة لكل أمر مشتبه وقاعدة ما يحرم من الرضاع يحرم من النسب فإنها تقع كبرى لقياس يستنبط منه حكم كلي وهو حرمة الأم الرضاعية بأن يقال: ان الأم تحرم من النسب وكلما يحرم من النسب يحرم من الرضاع فالأم تحرم من الرضاع وهو حكم كلي نظير استصحاب حرمة زوجة الأب بعد وفاة أبيه على تقدير الشك في حرمتها فان استصحاب حرمتها من المسائل الأصولية. بل وهكذا مثل قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الحكمية مثل بعض المستحدثة كالقهوة التي يشك في طهارتها فانه أي فرق بين قاعدة الطهارة واصالة البراءة من حرمة شربها فكما أن البراءة في الشبهات الحكمية من مسائل الأصول فهكذا أصالة الطهارة في الشبهات الحكمية فان كلاً منهما يستنتج به حكم كلي لموضوع عام.

ان قلت: انه قد سبق ان المائز هو الصلاحية لاستنتاج الحكم الجزئي فان قاعدة الطهارة يستنتج بها حكم جزئي.

قلنا ان ذلك لا يصلح مائزا فان القواعد الأصولية كالاستصحاب أو البراءة أيضاً يستنتج بها حكم جزئي كما لو أجريت في الشبهات الموضوعية فهي فيها قابلية الاستنتاج للحكم الجزئي كالقواعد الفقهية بل حتى حجية الخبر قد تقع كبرى لاستنتاج حكم جزئي كأحكام الحجر الأسود وأحكام مكة والمدينة ومقام إبراهيم ولعن يزيد بن معاوية والبراءة منه, فإنها تستنتج أحكامها من أخبار الآحاد الواردة فيها بواسطة حجية خبر الواحد.

ان قلت: ان اصل البراءة والاستصحاب في الشبهات الحكمية من المسائل الأصولية دون ما كان يجري في الشبهات الموضوعية فانه ليس من المسائل الأصولية.

قلنا فلازم ذلك الالتزام في اصل الطهارة كذلك بأن تكون في الشبهات الموضوعية من الفقه وفي الشبهات الحكمية من مسائل الأصول مع ان الأصوليين لا يلتزمون بذلك.

ان قلت: ان المسألة الأصولية هي ما تقع كبرى لقياس يستنتج به حكم شرعي مجعول والقياس الذي تقع فيه القاعدة الفقهية العامة لا يستنتج منه حكم شرعي مجعول وانما يستنتج منه حكم عقلي وذلك لأن الحكم الشرعي الفقهي المجعول إنما هو تلك القاعدة العامة والحكم المستفاد من ضمها إلى صغرى وجدانية ليس بحكم شرعي مجعول فكون الأم تحرم من الرضاع والقهوة حلال شربها في الأمثلة المذكورة ليست بحكم شرعي مجعول للشارع وانما المجعول للشارع هو حل المشكوك وحرمة الرضاع لما يحرم من النسب واما كون القهوة حلال والأم الرضاعية حرام فهو مما يحكم به العقل بملاحظة كونه من جزئيات ذلك الحكم الشرعي الفقهي العام وإلا فنفسه لم يجعله الشارع.

ويدلك على ذلك ان هذا الحكم المستنتج يدور مدار صغرى وجدانية تختلف باختلاف الآراء والوجدانيات والحكم الشرعي لا يعقل ان يختلف باختلاف الآراء والوجدان فمن يرى ان القهوة مشكوكة الحكم ضم هذه الصغرى الوجدانية إلى تلك القاعدة الفقهية واستنتج الحكم المذكور وإلا فلا وهكذا قاعدة الضرر يستنتج بها الحكم لمورد خاص بعد رؤية الضرر فيه وهذا يجري في سائر العلوم فقولنا, زيد فاعل وكل فاعل مرفوع ينتج زيد مرفوع وهو ليس بحكم نحوي وانما الحكم النحوي هو كل فاعل مرفوع واما كون زيد مرفوع فهو تابع لصغرى وجدانية وهو كونه فاعلا وهي تختلف باختلاف الآراء والوجدان وليس أمره راجعاً للنحوي فهكذا الأحكام الفقهية التي تستنتج بضمها لصغريات وجدانية ليس بحكم شرعي فقهي حقيقة وان كان المستنتج بها حكماً كلياً ولا يستنتجه إلا الفقيه إلا انه حكم عقلي استنتج من حكم مجعول شرعي فقهي وهذا بخلاف المسألة الأصولية فانها يستنتج بها نفس الحكم الفقهي المجعول للشارع.

قلنا هذا مضافا إلى عدم تماميته في بعض القواعد الفقهية فانها تضم إلى صغرى فقهية لا وجدانية كما في قاعدة الرضاع فانها تضم إلى صغرى ان الأم حرام من النسب كما في المثال المتقدم وهي صغرى ليست بوجدانية وأيضاً يلزم منه خروج الأصول العملية في الشبهات الحكمية فانها تضم إلى صغرى وجدانية مع انها من علم الأصول بلا كلام بل يلزم خروج مسألة التعادل والتراجيح من الأصول لأنه يضم إليه صغرى وجدانية وهي تعارض الخبرين.

اللهم إلا ان يقال ان الكبرى تصلح لأن تقع في طريق الاستكشاف في كل باب من أبواب الفقه بخلاف القواعد المذكورة فانها ليست فيها تلك الصلاحية فان قاعدة ما يحرم من الرضاع مختصة بباب النكاح وقاعدة الطهارة بباب الطهارة.

وفيه: ان هذا خروج عن الميزان الذي ذكره ويكون الميزان في عد المسألة أصولية هو الوقوع في طريق الاستنباط في سائر أبواب الفقه مضافا إلى عدم تماميته في قاعدة الحرج والضرر لوقوعهما في طريق الاستنباط في سائر أبواب الفقه مع انها من القواعد الفقهية.

(ويرد عليه رابعا) خروج مباحث الألفاظ المتكفلة لتعين المدلول كمباحث صيغة الأمر والنهي والمفاهيم ومبحث العموم والخصوص والمطلق والمقيد فانها لا تقع نتيجتها كبرى في قياس الاستنباط للحكم الشرعي لأنها انما تشخص الظاهر عن غيره فهي دائما متكفلة لصغرى دليل الحكم الشرعي ولا تقع كبرى لدليل الاستنباط ولا يصح الالتزام بخروج هذه المباحث عن مسائل علم الأصول, كيف وهي من مهماتها والقسم الأول منها, وهذا الإيراد يرجع للايراد الثاني.

وما ذكره المرحوم آغا ضياء في تقريراته([712]) من ان مباحث المفاهيم وما بعدها مما يستكشف بها مقدار الوظيفة العملية وكيفية تعلقها بفعل المكّلف فهي من المسائل الأصولية بخلاف غيرها من علم الرجال والنحو والصرف فان تلك متمحضة للبحث عن تشخيص موضوع الأمارة من حيث السند أو من حيث المفهوم منها فهو لا يرفع الإشكال عن هذا المائز إذ لا يوجب وقوع نتيجتها كبرى قياس يستكشف به الحكم الشرعي.

مضافا إلى ان بعض مسائل الأصول كمبحث دلالة صيغة (إفعل) ودلالة النهي فانها تشخص موضوع الأمارة من حيث الظهور مع انها من المسائل الأصولية.

الميزان الثاني لعدّ المسألة من علم الأصول:

هو ان تكون من المبادئ التصورية أو التصديقية لمسائل الفقه, وتوضيح ذلك ان ما يفيد تصور أطراف المسألة فهو مبدأ تصوري وما يفيد التصديق بالنسبة في المسألة فهو مبدأ تصديقي ونسبة علم الأصول إلى الفقه نسبة المبادئ, فما يفيد تصور الصلاة كمبحث الحقيقة الشرعية يكون مبدأً تصورياً, وهكذا ما يفيد تصور (أقيموا)([713]) كمبحث دلالة الامر يكون مبدأً تصورياً وما يبحث عن حجية الظواهر وحجية الخبر والاستصحاب مبدء تصديقي فعلم الأصول عبارة عن مبادئ تصورية لمسائل الفقه بمعونتها تحصل صغريات ومبادئ تصديقية لمسائل الفقه بمعونتها تحصل كبريات ينتج منها المسألة الفقهية وهو يرجع إلى ما ذكروه من ان علم الأصول يتوقف على مسائله الاستنباط توقفاً قريباً لا بعيداً.

وإليه يرجع ما ذكره المرحوم احمد الحسيني من ان المسألة الأصولية يقصد منها العلم الكلي المستنبط منه الأحكام.

والمسألة الفقهية يقصد منها العلم فالأولى متقدمة بحسب الرتبة على الثانية ومقدمة لها. ولعل إليه يرجع من ذكر ان المائز هو ان المسألة الأصولية يكون البحث فيها عن الأدلة الشرعية وجزئياتها وكيفياتها وشرائطها وكل ما يتعلق بها من حيث كونه مرتبطاً بالدليل الشرعي والمسألة الفقهية ما يبحث فيها عن الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين تكليفية كانت أو وضعية.

ويرد عليه بما تنبه هو له من لزوم دخول مسائل علم الرجال والحديث وعلم النحو وبعض مسائل علم الكلام, وأجاب عن الإيراد بعدة أجوبة أوجهها ان مسائل الأصول هي المبادئ للفقه بلا واسطة وهذه مبادئ لمسائل علم الأصول فهي مبادئ لمبادئ الفقه.

ولا يخفى ما فيه فان الكثير من مسائل علمي المعاني والبيان ما هي مبادئ المسائل الفقهية لأنها تعين الظاهر.

على ان حجية الخبر يتوقف استفادة الحكم منها على تشكيل صغرى وكبرى جامعة للشرائط فتكون الحجية لمبدأ المسألة الفقهية.

الميزان الثالث لعدّ المسألة من علم الأصول:

هو ان نتيجة البحث لا تنفع المقلدين وإنما تنفع المجتهدين, ألا ترى ان البحث في مثل خبر الواحد نتيجته سواء كانت حجية خبر الواحد أو عدمها فانه لا يصح من المجتهد أن يفتي في رسالته بها لأن تطبيقها في الخارج ليس بيد المقلد بل هو من وظيفة المجتهد.

وأما المسألة الفقهية فنتيجة البحث فيها تنفع المقلد, وللمجتهد ان يفتي بها وللمقلد ان يعمل بها في الخارج كالبحث في حرمة العصير العنبي فان نتيجة البحث فيها للمجتهد الفتوى بها وللمقلد العمل بها, وبعبارة أخرى ان المسألة الأصولية لا تنفع في مقام العمل ما لم يصرف فيها قوة الاجتهاد ويستعمل فيها ملكته فلا تفيد المقلد بخلاف المسألة الفقهية فان المجتهد بعد صرف قوة اجتهاده وإعمال ملكته إذا القاها للمقلد تفيد المقلد ويستطيع العمل بها فمثل حجية خبر الواحد لا يستفيد بها المقلد في مقام العمل لاحتياجه إلى فهم مدلول الخير والبحث عن معارضه وعلاج التعارض ونحو ذلك وليس ذلك إلا وظيفة المجتهد بخلاف مثل حرمة الخمر ووجوب الصلاة فان المقلد يعمل بها كالمجتهد وان كان المجتهد احتاج في استنتاجها إلى ملكة الاجتهاد إلا انه في مقام العمل على حد سواء.

والغريب هو جعل المرحوم النائيني على ما في تقريراته([714]) هذا المائز للمسالة الأصولية تقريباً آخر للمائز الأول مع وضوح الفرق بينهما فان المائز السابق وقوع المسألة الأصولية جزءاً أخيراً لدليل الحكم الشرعي الكلي الذي للمجتهد الفتوى به لمقلده وهذا المائز الثالث إنما هو صحة الفتوى بالمسألة وعدم صحتها.

وكيف كان فقد ذكر هذا المائز المرحوم الشيخ عبد الكريم اليزدي([715]) رحمه الله  ونسبه بعضهم للمرحوم الشيخ الأنصاري([716]) وأورد عليه الشيخ المذكور رحمه الله  والمرحوم آغا ضياء([717]) رحمه الله  في تقريراته بأن مثل قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده من القواعد الفقهية ومن المعلوم عدم تمكن المقلِد من العمل بها بعد فتوى المجتهد بها بل يحتاج إلى تعيين ما هو صغرى لتلك القاعدة وبان مثل قاعدة نفوذ الصلح والشرط باعتبار كونهما غير مخالفين للكتاب أو السنة أو مخالفين مما ينحصر أمره بنظر المجتهد.

وجوابه ان المراد عدم القدرة ليس من جهة الجهل بالموضوع وإلا لو علم المقلِد بالعقد الصحيح المضّمن عمل بهذه القاعدة فللمجتهد الفتوى بهما كما يفتي بقاعدة التجاوز والفراغ واليد ويشخص مواضيعها ويعمل بها المقلِد (بالكسر). وهذا بخلاف مسألة حجية خبر العدل فانه لو أفتى بها المجتهد وشخَّص خبر العدل لم يجز للمقلد العمل به لأن شرطه الاجتهاد وهو مفقود منه.

وبعبارة أخرى المراد عدم القدرة وعدم التمكن من العمل من جهة عدم الاجتهاد لا من جهة الجهل بالموضوع وإلا فلا حاجة للاشكال بالقاعدة المذكورة بل حتى مسألة وجوب الصلاة فانه إذا لم يعرف المقلد الصلاة لايقدر ان يعمل بها حتى يعين المجتهد له الصلاة ويعّرفه بها.

والأولى ان يورد على هذا المائز بقواعد النحو والصرف والبيان والمنطق التي تنفع المجتهد فانها لا يجوز للمجتهد ان يفتي بها للمقلد لكي يعمل بها في معرفة الحكم الشرعي فهي تنفع المجتهد فالمائز موجود فيها تماما وكمالا.

ويرد عليه أيضاً بالقواعد الفقهية في الشبهات الحكمية فانها معدودة من علم الفقه مع عدم جواز فتوى المجتهد بها لمقلديه وعملهم بها. وما يتراءى من رجوع المقلد (بالكسر) إلى أصالة الطهارة واصالة الحل في بعض الموضوعات الكلية فإنما هو من جهة فهمه من المجتهد انحصار النجاسات والمحرمات وان ما عداها طاهر وحلال وإلا لو لم يفهم ذلك منه لم يجز له الرجوع إلى ذلك.

وأيضاً يرد عليه ان مباحث التقليد يفتي فيها المجتهد ويرجع إليه فيها المقلِد إلا ان يلتزم انها من مباحث الفقه.

 

 

 

 

 

المطلب الثامن

في مطالب علم الفقه الثلاثة وهي مطلب: ما. هل. ولِمَ

ومما ينبغي ذكره قبل الشروع في العلم بيان مطالبه الثلاثة فانه قد ذكر علماء الفلسفة ان امهات المطالب العلمية الكلية الأصلية التي لا يقوم غيرها مقامها لكل ناظر في استعلام شيء من الأشياء ثلاثة: مطلب (ما) مطلب (هل) مطلب (لِمَ) وذلك لأن الطالب لمعرفة الشيء ما ان يطلب معرفة ماهيته وتصورها وهو مطلب (ما). وأما ان يطلب معرفة وجوده وهو مطلب (هل) وأما ان يطلب علة وجوده وهو مطلب (لم) وقد زاد بعضهم مطلب (أي) وهو ما يميز الماهية عما يشاركها في الوجود كما لو كانت بسيطة أو في الجنس كما لو كانت مركَّبة من جنس وفصل وطلب تميزها عما يشاركها في أمر ذاتي أو في العرض أو طلب لها المميز بالخاصة وقد زاد آخرون مطلب (كيف. وكم. واين. ومتى). ولكن التحقيق انه يستغنى عنها بمطلب هل المركبة كما سيجيء إن شاء الله وتوضيح الحال وتنقيحه.

 مطلب ما:

(ان مطلب ما) على ثلاثة أقسام لأن (ما) قد يطلب بها شرح الاسم وبيان مدلول لفظه وتسمى بما اللفظية فيقع في جوابها مفهوم الاسم ومعناه وهو قد يكون الموضوع له اللفظ وقد يكون المستعمل فيه فعبروا عن كل مفهوم للفظ ومدلوله بمطلب ما اللفظية وقد يطلب بــ (ما) تمييز ماهية مفهوم اللفظ وحقيقة مدلوله ويقع في جوابها أما الحد التام أو الناقص أو الرسم التام أو الناقص وتسمى ما الاسمية وعبرّوا عن كل حد تام أو ناقص أو رسم تام أو ناقص، بمطلب (ما) الاسمية أو الماهوية إذا كان ذلك قبل العلم بوجود مدلول اللفظ وأما بعد العلم بوجوده فإذا طلب (بما) تمييز ماهيته فتسمى (ما) الحقيقية وما يقع في جوابها يسمى مطلب ما الحقيقة وعبرّوا عن كل حد ورسم تام أو ناقص للشيء المفروض الوجود بمطلب (ما) الحقيقية وذلك لأن الماهية لا تسمى بالحقيقة إلا بعد وجودها. ومن هنا ظهر للأوجه ما هو المعروف عندهم ان التعاريف المثبتة في أوائل العلوم المدّونة للأشياء قبل إثبات وجودها حدود اسمية وبعد وجودها حدود حقيقية. وكيف كان فهذه الأقسام الثلاثة تسمى: (ما) بما الشارحة ومطلبها بمطلب (ما) الشارحة.

فعلم الفقه المفهوم منه عند إطلاقه ويستعمله فيه علماء الفقه يكون مطلب ما اللفظية. وتعريفه مع قطع النظر عن وجوده يسمى بمطلب ما الاسمية وتعريفه بعد فرض وجوده وتدوينه يسمى بمطلب ما الحقيقة والجميع يقال له مطلب ما الشارحة.

 مطلب هل:

(اْن مطلب هل) على قسمين لأن هل قد يطلب بها الجزم بوجود الشيء في حد ذاته وتسمى بهل البسيطة لأن المطلوب بها الوجود البسيط وعبرّوا عن ثبوت الوجود البسيط للماهية بمطلب هل البسيطة وقد يعبرّون عنه بمفاد (كان) التامة كما يعبّرون عن عدم الشيء في حد ذاته بمفاد (ليس) التامة وقد يطلب بهل ثبوت وجود شيء لشيء آخر كما يقال هل القمر منخسف فيطلب ثبوت وجود الانخساف للقمر وتسمى بهل المركبة وما يقع في جوابها يسمى بمطلب هل المركبة لأنه هو الذي يطلب بها. وعبرّوا عن ثبوت كل صفة لموصوفها وكل عرض لمعروضه بمطلب هل المركبة وقد يعبرّون عنه بمفاد كان الناقصة كما يعبرّون عن عدم شيء لشيء كعدم الحركة للجماد بمفاد (ليس الناقصة) فعلم الفقه ثبوت اصل وجوده وتحققه وانه موجود.

يكون مطلب هل البسيطة ولعل إثبات وجود موضوع العلم يكون فيه نحو من الاثبات لوجود العلم فيكون فيه مطلب هل البسيطة وأما ثبوت انه مقدم على غيره من العلوم أو شرفه فهو مطلب هل المركبة ومنه إثبات الغاية له.

 مطلب لم:

(ان مطلب لمِ) فهو أيضاً على قسمين لأن (لِْمَ) قد يطلب بها علة ثبوت الوجود للشيء في الأعيان أو ثبوت صفة له فيها فيقع في جوابها ما هو العلة لذلك ويسمى بالواسطة في الثبوت وقد طلب بها علة التصديق والاعتقاد بذلك فيقع في جوابها الحد الأوسط ويسمى بالواسطة في الاثبات كقولنا: لِمَ كان العالم؟ حادثا فيقال لكونه ممكنناً وكل ممكن حادث فالعالم حادث فيعبرون عن كل ما كان علة للتحقق, الحكم أو علة لمعرفته بمطلب (لِمَ) ولعل منه طلب العلة الغائية وان كنت لم أر أحداً تعرض لذلك لأنها أيضاً علة لتحقق فعلم الفقه يكون البحث عن المدّون له والمؤسس له بل البحث عن غايته بحثا عن مطلب (لْمِ) وبحثا عن الواسطة في الثبوت كما ان البحث عن إثبات وجوده في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة في رد من أنكر ذلك يكون بحثاً عن مطلب لْمِ، وبحثا عن الواسطة في الاثبات في ذلك العصر.

مطلب أي وأين وكم ومتى:

ان مطلب أي وأين وكيف وكم ومتى فهي ترجع إلى ما ذكر أما مطلب أي فهو يرجع لمطلب (ما) لأنه يطلب بها التمييز للماهية وأما مطلب (أين وكيف. وكم. ومتى) فهي ترجع لمطلب هل المركبة لأنه يطلب بها عوارض الشيء من الكمية والكيفية والمتى والاين وهي ترجع لمطلب هل المركبة وتحقيق ذلك يطلب من شرحنا على منظومة السبزواري رحمه الله .

 وما يقدم من المطالب:

ان مطلب ما الذي هو بحسب مفهوم الاسم يتقدم على جميع المطالب لأن من لم يفهم الاسم يستحيل منه طلب الحقيقة الموجودة له فانه لا يحسن ان يسأل عن وجود الشيء فيقول: هل هو موجود, أو هل هو موجود بحال كذا؟ أو ان يطلب العلة في انتسابه إلى الغير أو العلة في وجوده في الخارج أو في اتصافه بصفة كذا فان ذلك كله إنما يكون بعد مفهوم الاسم ومطلب (هل البسيطة) تتقدم على مطلب ما الحقيقية لأن الذي يطلب حقيقة أمر فإنما يطلب حقيقة أمر موجود لأن الحقيقة كما تقدم لا تكون إلا لأمر موجود فوجب ان يتقدم علمه بوجوده وذلك مطلب هل البسيطة ويجوز ان يكون الشيء موجوداً في ذاته مع الجهل أو الشك بوجوده فيطلب معنى مفهوم الاسم الدال عليه لأن طلب مفهوم الاسم مع الجهل أو الشك في وجوده جائز فإذا أجاب عن مفهوم الاسم كان ذلك الجواب حدا بحسب الاسم فإذا عرف وجوده يصير ذلك بعينه حدا بحسب الحقيقة فعلم ان الجواب الواحد يجوز ان يكون حدا بحسب المفهوم وبحسب الحقيقة وبالنسبة إلى شخصين أو إلى واحد في زمانين.

 

 

 

 

 

المطلب التاسع

في العلل الأربعة لعلم الفقه

ومما ينبغي ذكره قبل الشروع في العلم بيان علله الأربعة إذ ان الأمور المركبة الحادثة لا بد لها من علل أربعة, العلة المادية والعلة الصورية والعلة الفاعلية والعلة الغائية فعلم الفقه لا بد له من هذه العلل الأربعة.

أما علته المادية فهي عبارة عن موضوعه ومسائله ومبادئه لأنها هي الأجزاء المادية التي تقبل الصور للعلوم.

وأما علته الصورية فهي الهيئة الحاصلة من جمع مسائله مترتبة على هذا النحو الخاص مع ذكر أدلتها وتعاريف موضوعاتها ومحمولاتها ومتعلقاتها التي بواسطتها صح إطلاق اسم الفقه عليها فان المركَّبات الاعتبارية علتها الصورية هي الهيئة الطارئة على أجزائها بالنحو المختص بها المصحح لاطلاق اسم ذلك المركب عليها فان العلة الصورية كما حقق في محله هي ما يكون بها الشيء هو هو كالناطقية للإنسان والهيئة المذكورة للمركبات الاعتبارية تكون للمركبات كذلك.

وأما علته الفاعلية فهي المدّون الأول وسيجيء إن شاء الله بيانه.

وما علته الغائية فهي الغرض الذي كان من تدوينه وقد تقدم في مبحث الغاية الكلام فيه.

 

 

 

 

 

 

المطلب العاشر

في الرؤوس الثمانية لعلم الفقه

فائدتها:

كان القدماء يذكرون في صدر كتبهم ما يسمونه بالرؤوس الثمانية لكونها تفيد بصيرة بالعلم عند الشروع فيه ومشعرة بمقاصده على سبيل الإجمال عند الدخول فيه وسموها بالرؤوس الثمانية لأن الرأس يطلق على (المقصد – والأصل) حقيقة أو مجازاً وهذه الأمور تشعر بأصول العلم ومقاصده وكانوا يذكرونها بعد ان يذكروا تعريفه, وموضوعه, وغايته, وأجزاءه الثلاثة لأنها ليست لها من الأهمية بمقدار ما لتلك في الأهمية حيث ان البصيرة في الشروع بالعلم الحاصل من الرؤوس الثمانية اقل من البصيرة الحاصلة من تلك بل انه لا يتوقف عليها الشروع كما يتوقف على تلك, وكيف كان فقد عدّها القوم ثمانية.

الرأس الأول

بيان الغرض من علم الفقه

الرأس الأول من الرؤوس الثمانية بيان الغرض الذي دعا المدوِّن لتدوين العلم ومن أجله ألف العلم وصنفه وجمع شتات مسائله وهذا قد يكون عين وجه الحاجة للعلم الذي يذكر في مقدمة العلم.

وعليه فيستغنى عن ذكره مرة ثانية في الرؤوس الثمانية وقد يكون غيره بأن يكون وجه الحاجة لتعلم العلم والغرض من درسه غير الغرض الذي دون المدوّن له العلم كما يذكر في علم السحر فان الغرض الذي دوّن له المدوّن السحر هو الشعوذة ولكن حاجة المؤمنين له هو دفع كيد السحرة كما أن له منافع كمعرفة خواص بعض الأشياء وفوائدها.

والحاصل إن ما يذكر في المقدمة هو بيان وجه حاجة الناس للعلم فانه المرغّب لهم في قراءته ودراسته.

والذي يذكر هنا, اعني في مبحث الرؤوس الثمانية هو الغرض الذي دعا المدوّن لتدوين العلم وهما قد يتحدان كما هو الغالب في العلوم وقد يختلفان كما في علم الفقه فان المدون الأول له هو الإمام علي عليه السلام كان غرضه حفظ الأحكام الشرعية من الضياع ولكن وجه حاجة الناس إليه هو اطاعة الله وعدم الخروج عن معاصيه وقد تقدم تحقيق ذلك في المطلب الثالث من مطالب المقدمة.

وجُوب تعلم الفقه كفائي:

ومما يناسب هذا الرأس الأول من الرؤوس الثمانية لعلم الفقه التعرض لوجوب تعلم علم الفقه فنقول: انه يجب تعلمه بالإجماع إذ لا ينكر أحد وجوبه وإنما النزاع في وجوبه عيناً أو كفايةً أو تعيناً أو تخييراً بينه وبين التقليد والاحتياط, مضافا للأمر في الآية([718]) بالتفقه الظاهر في الوجوب. وللأخبار الدالة على الوجوب كقوله صلى الله عليه وآله وسلم (ان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال)([719]) والتي سيجيء إن شاء الله نقل بعض منها في مبحث فضل علم الفقه.

ولبقاء التكليف في الفروع فلابد من معرفتها ل